تلخيص صفة صلاة النبي  5

تلخيص صفة صلاة النبي 5

الدرس في تلخيص صفة صلاة النبي 5، الدرس الخامس:(المشي إلى الأمام لمنع المرور ... 35-ويجعل كفيه حذو منكبيه وأحياناً يبالغ في رفعهما حتى يحاذي بهما أطراف أذنيه). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام السترة والمرور بين يدي المصلي

يشرح أحكام السترة والمرور بين يدي المصلي، ويبين حكم المشي لمنع المرور وما يقطع الصلاة. يوضح أن النية شرط في الصلاة.

حكم التلفظ بالنية وتكبيرة الإحرام

يناقش حكم التلفظ بالنية ويعتبره بدعة، ويتطرق إلى حكم تكبيرة الإحرام ورفع الصوت بها، ويبين أن رفع الصوت خاص بالإمام.

تفاصيل رفع اليدين في الصلاة

يتناول تفاصيل رفع اليدين في الصلاة، موضحًا الكيفية الصحيحة وذكر اختلاف العلماء في هذه المسألة مستندين إلى الأحاديث النبوية.

تتمة الكلام عن رفع اليدين واختلاف العلماء

يشرح اختلاف العلماء في كيفية رفع اليدين، ووردت أحاديث برفع اليدين حذو المنكبين أو الأذنين، والأمر واسع في حدود ما صح عن النبي.

حكم مرور الكلب بين المصلي وسترة الصلاة وصلاة الجنازة

يتناول حكم مرور الكلب بين المصلي وسترة الصلاة، ويبحث في جواز صلاة الجنازة على القبور بعد الدفن لمن لم يصلوا عليها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال العلامة الفقيه المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى في رسالته «تلخيص صلاة النبي صلى الله عليه وسلم»: المشي إلى الأمام لمنع المرور ويجوز أن يتقدم خطوة أو أكثر ليمنع غير مكلف من المرور بين يديه، كدابة أو طفل، حتى يمر من ورائه. لأن النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم معنا فعل هذا. أراد بهمة -وهي المعزة الصغيرة- أن تمر بين يديه وهو يصلي، فتقدم حتى ألصق صدره عليه الصلاة والسلام بالسترة بالسارية، ومرة أبعد البهمة من خلفه. وهكذا مثله الطفل، الطفل قد لا يعقل أن تمنعه، أو ربما يكون منعك إياه السبب لبكائه والتشويش عليك والتشويش على غيرك. فإذا تقدم واجعل الطفل يمر من خلفك. وإذا قدر أنه مر خلاص، فلا تفعل شيء يضر بالطفل. بعض الناس إذا مر الطفل يتبعه بلطمة، هذا خطأ. خلاص أخطأ الطفل، فلا تخطئ أنت، تزيد الخطأ بخطأ. هذا خطأ، أو ربما -سبحان الله- الشيطان أحيانا لا يعين الإنسان على الخير، يرى الطفل مسرع يريد أن يمر، يضع رجله. طيب ماذا فعلت؟ هو سيمر، سيمر، سيمر، ويسقط. وهذا الذي يريده الشيطان. فإما أن تمنعه بدون أن تضره، أو تتقدم، أو إذا خشيت الضرر اتركه يمر. وهذا من باب ارتكاب المفسدة الصغرى لدفع المفسدة الكبرى. فننتبه لمثل هذه الأمور. أو بعضهم -وهذا خطأ- يكثر فيه الكثير من العامة، إذا مر الصبي رده مرة أخرى، إذا أنت مررته مرتين، مرة في الذهاب ومرة في الإياب. وهذا خطأ، لكن إذا مر خلاص، انتبه مرة أخرى. ومثل الصبي والدابة بعض الناس الذين تكبر أجسامهم وتصغر عقولهم، هذا يحصل في الحرم. تريد أن تمنع بعض الناس يريد أن يمر. الشيطان تسلط فوق رأسه، وقعد له بين عينيه، لا يريد إلا أن يمر منها. هنا تحاول تمنعه، فإذا به ممكن مستعد للمعركة والمضاربة واستعمال العنف والقوة. فهنا تقدم إلى السترة، تجعله يمر من خلفك، تجعله يمر من خلفك. فإن كان هو بنفسه شيطان -أحد الإخوة قال: تقدمت لأمر، فإذا به يردني إلى الخلف ويريد أن يمر- فكيف تفعل مع مثل هذا؟ هذا شيطان حقيقي. فمثل هذا لا تستعمل العنف، خلاص اتركه يمر. وبعد ذلك إن تيسر ورأيته علمه، وبين له أن الذي فعله خطأ كبير، وأن الشيطان تسلط عليه حتى غطى على عقله. وإلا لماذا يفعل مثل هذا الفعل ليس له تفسير إلا أن الشيطان تسلط عليه حتى أوقعه بمثل هذا الإثم، وحرمه من الخير. فالمهم يراعي المصلي أعلى المصلحتين إن استطاع الوصول إليها، فذاك، وإلا فيدرأ المفسدة الكبرى بالصغرى على أقل الأحوال. قال رحمه الله تعالى: ما يقطع الصلاة، وإن من أهمية السترة في الصلاة أنها تحول بين المصلي إليها وبين إفساد صلاته بالمرور بين يديه، بخلاف الذي لم يتخذها، فإنه يقطع صلاته إذا مرت بين يديه المرأة البالغة، وكذلك الحمار والكلب الأسود. وهذا هو معنى الحائض الذي جاء في بعض الروايات، يعني الذي بلغت سن الحائض. فإذا مرت المرأة الصغيرة التي لم تبلغ فهي لا تقطع الصلاة، وإذا مرت الكبيرة فهي تقطع الصلاة. وأما قول عائشة رضي الله عنها: «شبهتمونا بالكلاب والحمير»، فهذا اجتهاد منها رضي الله عنها، لأنها ظنت أن من روى هذا الحديث أخطأ أو لم يفهم معنى الحديث. لأنها رأت أن النبي صلى الله عليه وسلم -وقد روت هذا كما جاء في الصحيحين- أنه صلى في ليلة من الليالي وهي في قبلته. ولهذا قال من قال من أهل العلم: أن المرأة مستثنى من الحديث يقطع الصلاة ثلاثة. واستدلوا بحديث عائشة. حتى روي هذا عن إمام أحمد رحمه الله: أنه استثنى المرأة والحمار، المرأة بحديث عائشة، والحمار بحديث ابن عباس في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جاء والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس في ميناء، قال: فأرسل الأتان ودخل ببعض الصف، ولم ينكر عليه أحد. والصحيح: أنه يمكن الجمع بين هذا النهي وذاك الذي ظاهره مخالف للنهي. وكما تقدم معنا: القاعدة عند أهل العلم: إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما. وهذا الذي ينبغي أن يفعل باتفاق أهل العلم عند تعارض الأدلة، إذا أمكن الجمع بين الأدلة. فهذا الواجب، حتى لا نعطل شيئا من الأدلة. اللهم إلا أن يأتي شيء صحيح صريح يقتضي إعمال أحد الدليلين وإلغاء الآخر. فهنا الحديث صحيح صريح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه يقطع الصلاة ثلاثة. ولما سئل عليه الصلاة والسلام: ما بال الكلب الأسود من غيره؟ قال: «إنه شيطان». ومن باب الفائدة: جاء في بعض الألفاظ ذكر الكلب الأسود، وجاء في بعض الألفاظ ذكر الكلب من دون تقييد بالأسود. فهل يحمل المطلق على المقيد؟ الصحيح: أن المطلق لا يحمل على المقيد في كل أحواله. وهذا الموضع مما لا يحمل عليه، بل يقال: الكلب مطلقا يقطع الصلاة، والأسود يتأكد. والأسود يتأكد، فيكون من باب زيادة التأكيد. والسبب في أن أولئك الثلاثة أو هذه الأجناس الثلاثة تقطع الصلاة: أن الشيطان يمر معها. فهذا أمر غيبي، نحن لا نعلمه، الله سبحانه وتعالى أعلمنا بذلك. فالشيطان يمر مع هذه الثلاثة. وبعض العلماء فسره بتفسير آخر، فيه شيء من التكلف، فقالوا: المرأة لأنها فتنة، فيمر معها الشيطان. والمقصود ليس أنه يمر حقيقة، ولكن لأنها فتنة. وهذا التكلف، بل نحن نأخذ على ظاهر الحديث، وكونها فتنة نعم، لكن لا يعني أنه لا يمر، بل ظاهر الحديث أنه يمر. ولله حكمه في ذلك، فهو يبتلينا بالخير وبالشر. أما الجواب عن حديث عائشة: فالجواب كما أجاب الكثير من العلماء: أن عائشة لم تمر، وإنما كانت مضطجعة. وفرق بين المرور وبين الثبوت. فلهذا لا تعارض بين حديث عائشة وحديث النهي. وهكذا الحمار: إنما مر من خلف سترة، أو من بعض الصف بالنسبة لإمام له سترة. فمرور المرأة أو الحمار أو الكلب في صفوف المأمومين الذين لهم إمام لا يضرهم، لأن سترة الإمام سترة لمن خلفه، فلا إشكال إذن. ومما ينبه عليه: أن هذه الثلاثة إذا مرت فالصلاة باطلة، بخلاف غير هذه الأجناس الثلاثة إذا مرت، فينقص الأجر ولا يبطل الصلاة. إذا مرت بين يديك شاه، فالأجر ينقص، لكن الصلاة لا تبطل. بخلاف إذا مرت امرأة أو كلب أو حمار، تعيد الصلاة من جديد، ولا تصح الصلاة. قال رحمه الله تعالى: النية، ولا بد للمصلي من أن ينوي للصلاة التي قام إليها، وتعينها بقلبه، كفرض الظهر أو العصر أو سنتهما مثلا. وهو شرط أو ركن. وأما التلفظ بها بلسانه فبدعة مخالفة للسنة، ولم يقل بها أحد من متبوعي المقلدين من الأئمة. النية لابد منها للمصلي، كما قال لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات». حديث عمر المشهور في الصحيحين. وأما قوله: وتعينها بقلبه، المراد بالتعين القصد، قصد القلب، وليس المراد بالتعين مرور لفظ النية على القلب. فقد نص العلماء: أن إمرار لفظ النية على القلب بدعة كذلك، وهي تفتح باب الوسوسة. فكما أن التلفظ بالنية باللسان بدعة، فكذلك التلفظ بنص النية في القلب بدعة. لا فرق بين أن تقول بلسانك: «نويت أن أصلي صلاة الظهر مأموما حاضرا أربع ركعات»، هذا بدعة. وكما قال الشيخ الإسلام: نقص في العقل والدين. كذلك لا يجوز أن تقول هذه الألفاظ بقلبك، تقول في قلبك: «نويت أن أصلي كذا كذا كذا». إمرار لفظ النية على القلب بدعة. لكن مقصود الشيخ: أن تعين بقلبك الصلاة، بأن تقصدها. تقصد الآن أنت تصلي الظهر، لأن من فوائد النية ومن حكمة الله في فرض النية: أنها تميز العادة من العبادة، وتميز العبادة من العبادة. فأنت حين تغتسل للتبرد لا تنوي شيئا من العبادة، وحين تغتسل للجمعة أو ترفع الجنابة لابد من نية ترفع بها الجنابة. ولهذا لو أن إنسان اغتسل وهو عليه جنابة ولم ينو بذلك الغسل رفع الجنابة، وإنما نوى التبرد. وبعد الصلاة تذكر أن عليه جنابة وأنه اغتسل، لكن لم ينو ولم يقصد بغسله رفع الجنابة، وإنما قصد التبرد وإزالة العرق. فإذن مثل هذا لابد أن يعيد الغسل والصلاة. فإذن المقصود هو قصد العمل، حتى تتميز العبادة من العادة والعبادة من العبادة. وقوله: وهو شرط أو ركن، يعني إشارة من الشيخ رحمه الله، ويدلك على فقهه. حتى نعلم أن من يقول: أهل الحديث ليس عندهم فقه، هذا ظلم. لأن المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، ومن أهل العلم من قال: شرط، ومن أهل العلم من قال: ركن. ولهذا قال: وهو شرط أو ركن. والصحيح في هذا التفصيل: في الوسائل ركن، وفي المقاصد شرط. وقوله: وأما التلفظ بها بلسانه فبدعة مخالفة للسنة إلى آخر كلامه، يعني إشارة منه إلى حال الكثير من العوام من أهل المذاهب الذين يتلفظون بالنية: أن فعلهم هذا خلاف السنة، ومن البدع والمحدثات. لقوله عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». ولم يكن يفعل ذلك عليه الصلاة والسلام، ولا صحابة رضي الله عنهم، ولا حتى أحد من الأئمة، لم ينقل عن أحد من الأئمة أنه فعل ذلك. فعلم أنه بدعة، حتى العقلة من متبوعي الأئمة المقلدين ما قالوا بهذا. إنما قاله من لا علم له من ضعف علمه. قال رحمه الله: التكبير، ثم يستفتح الصلاة بقوله «الله أكبر». وهو ركن، لقوله صلى الله عليه وسلم: «مفتاح الصلاة الوضوء، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم». انتقل الآن إلى حكم آخر من أحكام الصلاة، وهو التكبير، أي تكبيرة الإحرام. فيستفتح الصلاة بتكبيرة الإحرام، لما جاء في أحاديث كثيرة في الصحيحين، من حديث أبي هريرة: يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا كبر الإمام فكبروا». فدخول في الصلاة يحتاج إلى تكبير. وهكذا في مسلم، عن عائشة رضي الله عنها. وهي الركن، لأن الركن كما تقدم: ما لا يتم الشيء إلا به، وهو من ماهية الشيء. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام: أنها من ماهية الشيء، لا تصح الصلاة إلا بها. ويدل عليه الحديث الذي أشار إليه: «مفتاح الصلاة الوضوء، وتحريمها التكبير». ومعنى تحريمها: كما أشار في التعليق، أي هو الذي بها تحرم كل فعل لا يجوز في الصلاة. كما أن تحليلها التسليم، يعني يحل ما كان قد منعت منه في الصلاة. وهذا يدل أن التكبير ركن. وقد جاء هذا الحديث عن عدد من الصحابة، روي عن أبي سعيد وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم جميعا وأرضاهم. قد أشار إليه في مواضع من كتبه في الأصل، وكذلك في الإرواء، أخرجه تخريجا طويلا. ومعنى «مفتاح الصلاة الوضوء»: يعني لا تصح الصلاة إلا بهذا المفتاح. ولهذا قال: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ». وفي حديث ابن عمر -هذا حديث بريدة في الصحيحين، وحديث ابن عمر-: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور». فإذا لابد من أن يكون من كان عنده حدث أصغر أو أكبر، أن يرفع الحدث حتى تصح الصلاة. قال رحمه الله: ولا يرفع صوته بالتكبير في كل الصلوات إلا إذا كان إماما. يعني قول «الله أكبر»، هذا تكبير يكبر الإمام ليسمع الناس، حتى يدخلوا في الصلاة. أما إذا كان وحده أو مأموما، فلا يحتاج أن يرفع صوته بالتكبير. فمن البدع فعل الكثير من العامة، بل يظنونه واجبا، تعمد وتكلف رفع الصوت، خصوصا في تكبيرة الإحرام، كأن تكبيرة الإحرام ما تصح إلا برفع الصوت. حتى يشوش بعضهم على بعض، هذا يصيح من هنا «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر». كلهم يكبر من هنا ومن هنا ومن هنا. وهذا خطأ، والتعبد لله به من البدع والمحدثات. إنما يرفع صوته بالتكبير الإمام فقط، لأجل أن ينبه المأمومين أنه دخل في الصلاة، إذن ادخلوا في الصلاة. أما المأموم يكفي أن يكبر، يسمع نفسه، يكفي، ليس يرفع صوته يسمع الناس جميعا. قال: ويجوز تبليغ المؤذن تكبير الإمام إلى الناس إذا وجد المقتضي لذلك، كمرض الإمام وضعف في صوته، أو كثرة المصلين خلفه. وأصله حديث جابر في صحيح مسلم، في قصة مرض النبي صلى الله عليه وسلم، فلما دخل بالناس وصلى بهم قاعدا، وصلى أبو بكر قائما، وكان أبو بكر الإمام، ثم صار النبي عليه الصلاة والسلام الإمام. الحديث فيها قصة، فصار أبو بكر يبلغ تكبير النبي صلى الله عليه وسلم، فيأتم الناس بأبي بكر، وأبو بكر يأتم بالنبي عليه الصلاة والسلام. وهذا هو قوله: إذا وجد المقتضي لذلك، كمرض الإمام، مثل قصة أبي بكر مع النبي عليه الصلاة والسلام في مرض موته عليه الصلاة والسلام. وهكذا ضعف صوته، إذا كان الإمام صوته ضعيف، أو مثلا كما قال: المصلون كثر، ومثلا ليس هناك مكبر صوت، فيحتاج أن يكون هناك أحد يبلغ عن الإمام. وقوله: المؤذن، لأن الغالب أن المؤذن صوته يكون قوي. ولهذا قال: «فإنه أندى منك صوتا». وأخذ العلماء بهذا وبغيره: أن المؤذن ينبغي أن يكون صوته مرتفعا، فهو يشمل معنيين: حسن الصوت ورفع الصوت. ويجوز على الصحيح: أن يتخذ أكثر من مبلغ، مثل أن يكون مثلا هناك مبلغ أول بالقرب من الإمام، ثم مسافة أخرى بمبلغ ثاني، يسمع الأول الثاني، الأول يبلغ الثاني من خلفه عن الأول، حتى يحصل الابتداء والإتمام، خصوصا في المساجد والجوامع الكبيرة إذا لم يكن هناك مكبرات صوت. والحمد لله اليوم توجد مكبرات صوت تغني عن هذا التبليغ. ولهذا نص العلماء: أن التبليغ مع عدم الحاجة إليه من البدع والمحدثات. ففعل بعض الناس استعمال التبليغ مع عدم الحاجة إليه يعتبر من البدع والمحدثات. اللهم إلا أن يكون هناك مقتضي لذلك، فهذا محل اجتهاد. مثل الحرمين الشريفين، مثلا. ناقش بعض العلماء بعض المشايخ في هذا التبليغ، وهي مسألة اختلف فيها العلماء. فقال العلماء الذين أجازوا التبليغ: قالوا مع كثرة الناس وسعة المسجد وكثرة الأصوات، حتى قد تطغى بعض الأصوات القريبة على الأصوات البعيدة، فقد يضيع صوت الإمام الأصلي، أو يتوهم أنه ماذا؟ أنه ليس صوته. فلدفع هذا الوهم صار إبقاء صوت المبلغ تأكيد لمن قد يقع له وهم. وهذا المعنى له وجهة نظر، له وجهة نظر، خصوصا في أيام المواسم. أنت تصلي وتسمع هذا يكبر، وهذا يصيح، وهذا يلبي، وهذا يعني ينادي، يبحث عن ابنه. وهنا طفل يبكي، وهنا امرأة تصرخ، فوضى. تعرفون من عرف المسجد الحرام والمسجد النبوي، فأيام المواسم يلتمس هذا المعنى. فمثل هذه الأصوات قد تشكك الإنسان في حقيقة حركة الإمام، فيكون المبلغ مؤكدا أن الإمام بالفعل كبر، الإمام بالفعل ركع، الإمام بالفعل اعتدل. فهي محل وجهة نظر، الأمر في هذا واسع. من لم يرَ لا بأس، ومن رأى ذلك لا بأس. مثله صلاة العيد، مصلى العيد. وأنا أنبه على هذا؛ لأنه قد يحصل الخلاف بين طلبة العلم، فينبغي أن يوطن طالب العلم نفسه على أن هذا مما قد يسع فيه الخلاف. صلاة العيد الكبيرة جدا، بعض المدن الكبيرة ليس فيها إلا مصلى عيد واحد، فيحضره آلاف، وربما عشرات الآلاف من المصلين، إذا لم يكن أكثر من ذلك. فهنا اتخاذ المبلغ قد يكون له نفس المعنى الذي ذكر بالنسبة للحرمين، فلا بأس. ومن لم يرَ لا بأس، ومن رأى لا بأس، هذا محل اجتهاد، وهو مما ينبغي أن يحصل فيه سعة الصدر في مثل هذه المسائل التي محل اجتهاد، مما يسع فيه الخلاف. والله أعلم. قال رحمه الله: ولا يكبر المأموم إلا عقب انتهاء الإمام من التكبير. هذه المسألة وقع فيها خلاف بين أهل العلم، والصحيح: أنه لا يشترط هذا الشرط والقيد. ففي هذا القيد تكلف؛ لأنه ليس هناك نص صحيح صريح يلزم المأموم أن لا يكبر حتى ينتهي الإمام من التكبير، لا يوجد أبدا. إنما هو فهم فهمه بعض العلماء، وأخذوه من قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي جاء في حديث أبي هريرة وغيره: «إذا كبر الإمام فكبروا». وهل معنى ذلك أن لا يكبر الإمام، أن لا يكبر المأموم حتى ينتهي الإمام من قوله «الله أكبر»؟ الجواب: ليس صريحا. ولهذا اختلفوا. لكن هو صريح أن لا يسابق الإمام بالتكبير، هذا صريح. أما أن يتابع الإمام بالتكبير ولو لم ينته منه فهذا ليس صريحا. فإذا لو كبر الإنسان بعد قول الإمام «الله أكبر»، مثلا قال الإمام «الله أكبر» قبل أن ينتهي من «أكبر»، قال إنسان آخر «الله أكبر»، فدخل مع الإمام قبل أن ينتهي الإمام من تكبيره. هل تكبيرته تبطل؟ ظاهر قول من قال بهذا القول هنا تبطل، وتكبيرته لا تصح. وهذا فيه مشقة على الناس، لو قلنا: الأفضل أن يكبر بعد تكبير الإمام وانتهائه، هذا لا، لكن نقول: لا تصح، هذا فيه مشقة. فإذا الصحيح: أنه يستحب وينبغي ويحتاط أن لا يكبر المأموم حتى ينتهي الإمام من تكبيره. وإذا كبر عقب تكبير الإمام، فصلاته صحيح، وهو خلاف الأفضل. مثل لو أن الإمام سجد، فسجد معه المأموم، صلاته صحيح، وخلاف ماذا؟ الأفضل. الأفضل أن لا يسجد حتى يضع الإمام رأسه في الأرض. وإذا سجد فاسجدوا، يعني إذا وقع في السجود، أنتم أهوا إلى السجود، هذه السنة. وكذلك يقال في التكبير. والله أعلم. وقد فهم -كما قلنا- بعضهم هذا الفهم من هذا الحديث، ومن حديث أبي سعيد. وقد أشار إليه في الأصل، لكن -كما قلنا- ليس صريحا. قال رحمه الله تعالى: رفع اليدين وكيفيته. يعني مع التكبير، كيف يكون؟ كيف يرفع يديه عندنا التكبير بقول المصلي «الله أكبر»، وعندنا التكبير بحركة اليدين، فهما فعلان: صوت مع لفظ، وحركة يدين. أما حركة اليدين برفعهما في التكبير، فله كيفيتان كما سيأتي إن شاء الله. الكيفية الأولى: أن يرفع يديه في أربعة مواضع: في تكبيرة الإحرام، وإذا هو ركع، وإذا رفع من الركوع، وإذا قام من التشهد الأول. هذه أربعة مواضع، كما جاء في حديث ابن عمر في الصحيحين. وكيفية أخرى -وهذا هو الغالب العام- وكيفية أخرى وهي قليلة نادرة: أنه يرفع يديه في كل خفض ورفع، كل خفض ورفع، حيثما قال «الله أكبر» باللسان رفع يديه. حتى «سمع الله لمن حمده» إذا يرفع يديه في الركوع، في السجود، في كل شيء. وسنتكلم على هذه المسألة في موضعها. فهنا قال رحمه الله: قال: ويرفع يديه مع التكبير أو قبله أو بعده، كل ذلك ثابت في السنة. إذن ثلاث كيفيات في تكبيرة الإحرام خاصة، الكلام على رفع يديه أين؟ في تكبيرة الإحرام. ويرفع يديه مع تكبيرة الإحرام، يعني يقول هكذا «الله أكبر»، يرفع يديه وينطق التكبير مع بعض. وقد صح هذا عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث وائل، وحديث ابن عمر، وذكره في الأصل. والكيفية الثانية: قال: أو قبله، يعني قبل التكبير، يجوز أن يقول هكذا «الله أكبر»، يعني قال «الله أكبر» قبل أن يضع يديه على صدره، ورفع يديه قبل أن يقول «الله أكبر». إذن صار رفع اليدين قبل التلفظ بالتكبير، وهذا جائز، وقد صح كذلك من حديث مالك بن الحويرث، وجاء كذلك من حديث ابن عمر. أو بعده، يعني يقول «الله أكبر» ويرفع يديه، يتأخر رفع اليدين عن التلفظ بالتكبير. وهذا كذلك ثابت صحيح، صح في البخاري من حديث مالك بن حويرث في بعض ألفاظه، وجاء كذلك عن ابن عمر. وأشار إليه في الشرح في الأصل. إذن هذه ثلاث كيفيات، هذا يسمى عند العلماء اختلاف تنوع، يعني يجوز تفعل هذا أحيانا، مع التكبير، وهذا الأكثر، ويجوز أن يكون قبل التكبير، ويجوز أن يكون بعد التكبير، هذه ثلاث كيفيات. قال رحمه الله: ويرفعهما ممدودة الأصابع هكذا، ليس هكذا ولا هكذا، ولكن هكذا ممدودة الأصابع. هذه السنة، وقد جاء هذا عند أبي داود وابن خزيمة بإسناد صحيح عن أبي هريرة مرفوعا عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: ويجعل كفيه حذو منكبيه، وأحيانا يبالغ في رفعهما حتى يحاذي بهما أطراف أذنيه. فهاتان كيفيتان في وضع الكف بالنسبة للأذنين والمنكبين. وهي ثلاثة أقوال: القول الأول: وقد جاءت أحاديث في هذا، فجاء في حديث أبي حميد الساعدي في البخاري وغيره: أنه يجعل كفيه حذو منكبه، هذان المنكبان. وجاء في حديث مالك بن الحويرث في البخاري، وجاء كذلك معناه في حديث آخر في مسلم: أنه يحاذي بهما أطراف أذنيه، يحاذي بهما أطراف أذنيه، هذا أطراف الأذنين. وقد اختلف العلماء في فهم هذين الحديثين على ثلاثة أقوال. القول الأول: قالوا بالجمع بين الحديثين: أنه لا فرق بين حديث حذو المنكبين وحديث يحاذي أطراف الأذنين، قالوا: بأن يجعل أصول الكفتين حذو المنكبين، وأطراف الأصابع حذو أطراف الأذنين هكذا. فقالوا: جمعنا بين الحديثين، هذا قول. وقول آخر: أنه يجعل تارة حذو الأذنين وتارة حذو المنكبين، عملا بالحديثين، هذا حديث، وهذا حديث. وقول ثالث: قالوا: بل المراد أنه يفعل تارة حذو المنكبين وتارة حذو الأذنين من دون أن يكون اتصال لأطراف الكفين مع المنكبين. والصحيح من هذه الأقوال الثلاثة -عملا بعمومات الشريعة في هذا الباب، والأصل الذي يقتضيه أصل البراءة في هذا الباب-: أن يقال: الأمر في هذا واسع في حدود ما صح. ليس واسع بأي شيء، برأسك لا، في حدود ما صح. إن شئت جعلت اليدين حذو المنكبين هكذا، سواء أطراف الأصابع أو أصول الكفين. فإن فعلت هكذا كان أطراف الأصابع حذو ماذا؟ أطراف الأذنين. فهذه كيفية، وهذه ماذا؟ كيفية. وقوله: أحيانا يبالغ في رفعهما، معناه كيفية ثالثة، ما هي الكيفية الثالثة؟ يبالغ في الرفع فوق أطراف الأذنين هكذا. وهذا يدل أن الأمر -كما سبق- واسع بين الأذنين والمنكبين، الأمر واسع، لا نشدد هكذا هكذا هكذا، كله جائز. صعدت قليلا، نزلت قليلا، كله في حدود ما وردت به السنة. وهذا هو الأصل: ما جعل عليكم في الدين من حرج. وما سكت عنه فهو عفو، هو عفو بحدود السنة. من الأذنين إلى المنكبين، ليس عفو نقول هكذا ها، ما يأتي واحد يقول لنا: عفو خلاص، أرفع يديك إلى السماء، لا، ولا كذلك. عفو يكبر تكبير الكسلان، ما يرفعها حتى إلى المنكبين، هذا تكبير الكسلان. كثير من العوام، وطلبة العلم حتى الخاملين بعد طلبة العلم خاملين، يدخل إلى الصلاة وهو خامل، كأنه عجوز، فإذا كبر هكذا، يعني يريد أحد يساعده، كأنه يقول: اللي في يمين خذ يديه، واللي في يسار خذ يديه، ساعدني حتى أضعهما على بعض. هذا كسل وخور وعجز، لكن -كما قلنا- يسر، ولا حرج في حدود السنة، ما بين الأذنين إلى المنكبين. وانظر إذا تعبد المسلم بهذه الكيفية، تجد أن الصلاة لها معنى، ولها تعبد. وهذا كما قال الشيخ الإسلام -بمعنى كلامه-: أن من حكمة الله في التعبد بالألفاظ والأقوال وتنوعها: أن يعين العبد على استحضار الصلاة. لما تعرف أن السنة هنا هكذا تلتزم بها، والسنة هنا هكذا تلتزم بها، إذن أنت تصلي صلاة إنسان مراقب، إنسان مراقب، فيحصل لك استحضار لهذه الصلاة، تراقب السنة في كل حركة وكل سكنة. فإذا علمنا ذلك، علمنا أن هناك كثير من الأخطاء يفعلها المصلون، ومنها ما أشار إليه الشيخ الألباني في التعليق، قال: قلت: وأما مس شحمتي الأذنين بإبهامي فلا أصل له في السنة، بل هو عندي من دواعي الوسوسة. العوام هكذا يقولون، عاد ربما يحرك الأذنين شوي، يهزها، كأن هذا يؤكد أنه دخل في الصلاة، هذا خطأ. بل التعبد لله به من البدع، كما قال الشيخ: هو من دواعي الوسوسة. رحمه الله. يعني بعض الناس إذا ماهر على هكذا، كأن صلاته ماهي كاملة، لابد يهز أطراف الأذنين. وهذا خطأ. وهكذا كذلك فعل بعض العوام إذا أراد أن يكبر يمسك بأذنين، هذا كذلك خطأ. فالسنة سبيل الاعتدال، وكذلك السلامة والكمال. فالمسلم يحتاج أن يتعلم السنة حتى يحسن يصلي. وقد قال عليه الصلاة والسلام -كما في حديث مالك بن الحويرث الذي تقدم معنا-: «صلوا كما رأيتموني أصلي». طيب نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعليه صحبه وسلم. هذه أسئلة نمر فيها، ثم ننتقل إن شاء الله إلى الدرس. يقول: ما هو الأفضل أن يكون الرجل المؤذن في المسجد واحدا أم يكون عدة رجال يؤذنون لمسجد واحد؟ إن كان هناك مؤذن راتب فهو المؤذن، وإن كان ليس هناك مؤذن راتب أو كان أكثر من مؤذن لعدم استطاعة المؤذن ليلتزم بذلك، فلا بأس أن يتنافس رواد المسجد على الأذان من باب الحرص على الأجر والفضل. فالمؤذنون أطول الناس عنقا يوم القيامة، يعني طول عنق في جمال، طول عنق في جمال، ليس طول عنق على وجه قبيح، لكن على وجه يكون فيه جمال وحسن مثل غيره من مواضع الجمال. ولهذا كان الصحابة يستهمون -وحتى النبي صلى الله عليه وسلم على الاستهام- على الأذان لعظيم فضله وأجره. وهل إذا كان هناك مؤذن يجوز أن يأذن لغيره؟ الجواب: يجوز إذا كان في هذا مصلحة. والأفضل أن يبقى مؤذنو المسجد هم الذين يؤذنون، خصوصا إذا كان هذا سيؤدي إلى شيء من الفوضى. أما إذا كان لا يؤدي إلى شيء من فوضى أو كان المسجد مسجدا نائيا، ممكن يكون سببا لتعليم الناس الأذان، خصوصا الصغار، يشجعون على أن يؤذنوا، ويكون عونا لهم في حب الخير والتنافس عليه، فهذا حسن. خصوصا إذا كان الأمر في موضع لا يترتب عليه مفسدة. يعني مثل هذا المسجد ما في حوله بنيان ولا ناس كثير، فلو أذن بعض الإخوان وتنافسوا على الأذان لا بأس. قد يقول بعضهم: ربما يخطئ، لا بأس يعلم، يستفيد من الخطأ، ليس أحد يتعمد الخطأ، لكن إذا أخطأ يعلم. وهذا موضع التعلم، ولا بأس أن يؤذن خارج الأذان من باب التعلم، ثم يؤذن في مكبر الصوت. فمثل هذا إن شاء الله لا بأس به. وأما السنة: إذا فرغ أحد للأذان واحتسبه أن يكون للمسجد أكثر من مؤذن، يعني ممكن أن يكون على مؤذنين يتناوبون في الأذان بحسب المصلحة. وإذا زاد أحيانا لا بأس، يساعدهم أحد كما كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. أما إذا كان المسجد في المدينة وأمره مستقر وله مؤذن راتب، فهنا بقاء المؤذن الراتب هو الأولى والأحوط، حتى لا يضطرب على الناس أمرهم؛ لأن الغريب قد يؤذن قبل الوقت، وقد يخطئ، وغير ذلك من الأمور الأخرى. فأهل المسجد أعرف بما يكون به مراعاة الناس، وفعل الأصلح. ومن هذا المعنى -والله أعلم- قول النبي صلى الله عليه وسلم في مجافاة عند الترمذي وغيره، عند أبي داود كذلك بإسناد حسن من حديث أنس: «إذا زار الرجل قوما فلا يصلي بهم، وليصلي بهم رجل منهم». هذا لا يعارض كون النبي صلى الله عليه وسلم زار بعض الناس وصلى بهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو الإمام، ولأنه معلم، فإن كان من باب التعليم فنعم. أما إذا كان هناك إمام عنده علم فبقاء الإمام الراتب هو الأولى. ومثله يقال في حق المؤذن. والله أعلم. يقول: إذا كنت أصلي إلى سترة ومر كلب أسود، هل تبطل الصلاة إذا مر بينك وبين السترة؟ تبطل الصلاة. وسيأتي معنا إن شاء الله في درس اليوم. يقول: هل يجوز صلاة الجنازة إلى القبور كما يفعل بعض الناس؟ لابد أن نفرق، إذا كانت الجنازة قد دفنت في قبرها، فيجوز الصلاة عليها بعد دفنها ممن لم يصل عليها؛ لما ثبت في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل عن امرأة كانت تقم المسجد