الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 51، الدرس الحادي والخمسون:من( قال مسلم رحمه الله:حدثنا عبدالله بن مسلمة بن قعنب ... ولم يذكر في حديث وهيب فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يروي الشيخ أحداث غزوة تبوك وتنبؤ النبي بكمية الثمر وريح شديدة، مما يظهر دلائل نبوته. كما يذكر تفاصيل رحلتهم إلى تبوك وعودتهم إلى المدينة.
يتناول تفقد النبي لرعيته وسياسته في الجيش، ومعاملة الكفار بقبول هدية ابن العلماء النصراني. كما يتناول جواز العمل بالخرص في إخراج الزكاة والبيع.
يتناول موضوعات متعددة تشمل الهدية بين المسلمين وغير المسلمين، وفضل الأنصار، وأهمية تعليق الأعمال بمشيئة الله، وحسن الخلق في التعامل مع الناس.
لا تجب زكاة عروض التجارة بالتقريب إلا إذا كانت هناك وثائق ومستندات تدعم التقدير، ويمكن للشخص أن يجرد عروض تجارته على وجه تقريبي مع إضافة احتياطي ويزكي.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابي «الصيح المسند من دلائل النبوة»: قال مسلم، رحمه الله تعالى: حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، قال: حدثنا سليمان بن بلال، عن عمر بن يحيى، عن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، عن أبي حميد رضي الله عنه، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك، فأتينا وادي القرى على حديقة لامرأة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اخرصوها»، فخرصناها، وخرصها رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أوسق، وقال: «احصيها حتى نرجع إليك إن شاء الله». وانطلقنا حتى قدمنا تبوك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ستهب عليكم الليلة ريح شديدة، فلا يقم أحد منكم»، فمن كان له بعير فليشد عليه، فهبت ريح شديدة، فقام رجل، فحملته الريح حتى ألقته بجبل طيء. قال: وجاء رسول ابن العلماء صاحب أيلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب وأهدى له بغلة بيضاء، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهدى له بردًا. ثم أقبلنا حتى قدمنا وادي القرى، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة عن حديقتها: كم بلغ ثمرها؟ فقالت: عشرة أوسق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني مسرع، فمن شاء منكم فليسرع معي، ومن شاء فليمكث». فخرجنا حتى أشرفنا على المدينة، فقال: «هذه طابة، وهذا أحد، وهو جبل يحبنا ونحبه». ثم قال: «إن خير دور الأنصار دار بني النجار، ثم دار بني عبد الأشهل، ثم دار بني عبد الحارث بن الخزرج، ثم دار بني ساعدة، وفي كل دور الأنصار خير». فلحقنا سعد بن عبادة، فقال أبو سعيد: ألم تر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خير دور الأنصار، فجعلنا آخرًا؟ فأدرك سعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، خيرت دور الأنصار، فجعلتنا آخرًا؟ فقال: «أوليس بحسبكم أن تكونوا من الخيار؟». قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا وهيب، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا المغير بن سلمة المخزومي، قال: حدثنا أبو وهيب، قال: حدثنا عمر بن يحيى بهذا الإسناد لقوله: «وفي كل دور الأنصار خير»، ولم يذكر ما بعده من قصة سعد بن عبادة. وزاد في حديث وهيب: فكتب له رسول الله صلى الله عليه وسلم ببحرهم، ولم يذكر في حديث وهيب: فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني كتب إلى ابن العلماء صاحب أيلة-. أورد شيخنا، رحمه الله تعالى، هذا الحديث في سياق ذكره للأدلة على ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من الأمور الغيبية فوقعت بمثل ما أخبر، وأنه كذلك نوع آخر وباب آخر مما فيه صدق رسالته ودليل من دلائل أعلام نبوته عليه الصلاة والسلام. ووجه الشاهد من هذا الحديث في مسألتين: الأولى في تقدير أوسق ثمر المرأة، والثاني في إخباره بالريح الشديدة، ففي كليهما وقع الأمر كما أخبر عليه الصلاة والسلام، وهو يدل على ما سبق من دلائل صدق رسالته ونبوته عليه الصلاة والسلام التي أيد بها، فإنه لا يكاد يخبر بشيء إلا ويقع مثل ما أخبر، وهذا قليل من كثير مما مر معنا، وسيأتي إن شاء الله، وكله يدل على هذا المعنى. وفي الحديث مسائل أخرى من أهمها خمس مسائل: أولها في هذا الحديث ما كان عليه نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم من تفقد رعيته، سواء في الأسفار أو في الحضر، ولهذا كان سيره عليه الصلاة والسلام فيه مراعاة للضعيف، وهكذا عدم سآمه بالقوي، يعني أنه يحرص على أن يكون مشيه يوافق الجميع. وكان أكثر ما يمشي عليه الصلاة والسلام في آخر الجيش، وقلنا أن ذلك من مسار من يسمون بالساقة، وهم الذين يقومون بالخدمة فيعينون الضعيف ويأخذون كذلك عن من فَقُل عليه حمله، ويتتبعون المريض، وكذلك يأخذون من الإبل ما كان تعبًا وغير ذلك، فهم في آخر الجيش ليس لهم صيت صيت المقاتلين الذين في مقدمة الجيش، يعني الذكر ليس لهم الذكر للفرسان والرجالة الذين يقاتلون، ومع ذلك العمل الكثير عليهم. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في وصف المؤمن: «وإن كان في الساقة»، يعني إن وضع في مكان لا يعرف فيه ولا يذكر وفيه عمل كثير، فهو يرضى لأن كله فيه أجر، وهو يريد ما عند الله، ليس يريد ما عند الناس، ليس أن يقال: شجاع وفعل وفعل، ولكن يريد ما عند الله، فحيثما وضع رضي. وكان نبينا عليه الصلاة والسلام يمشي في آخر الجيش غالبًا، ولهذا قال في الرواية الأخرى في الحديث: «إني مسرع»، ولهذا سبب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أسرع بالرجوع في غزوة تبوك لما بلغه بعض ما بلغه من حديث المنافقين، وقد نزلت في هذه الغزوة سورة براءة التي فيها فضح المنافقين في كثير من أقوالهم وأعمالهم ومكائدهم. فقوله عليه الصلاة والسلام: «إني مسرع، فمن شاء فليسرع»، يعني على خلاف العادة والأصل، فمن تأخر يتأخر مع القوم. ومع ذلك جاء في رواية أنه لم يمش ويتركهم، بل خلف لهم أبا بكر وعمر، وهذا يدل على هذا المعنى كذلك، أن الأمير لو اضطر أن يمشي ويتقدم، فلا ينبغي أن يترك الجيش بدون رعية أمينة، بل يترك لهم من يحسن تدبير أمرهم ويحسن سياستهم. فلهذا جاء في بعض الروايات أنه ترك لهم أبا بكر وعمر وتقدم عليه الصلاة والسلام، وأخبر أن اللقاء بينهم في موضع فيه ماء، والحديث له روايات. وإنما أراد الشيخ الشاهد من هذا، وفي الحديث من المسائل كذلك جواز العمل بالخرص، والخرص هو التقدير بالخبرة، جواز العمل بالخرص في إخراج الزكاة، ومثله كذلك في البيع، فإن هذا له أصل في الشرع، لكن لا يجوز بيع مخروص بمخروص، ولا بيع مخروص بمعلوم كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن يجوز بيع المخروص بالنقد، بيع المخروص بالنقد جائز. وأما بيعه من جِمسه على الأرض لا يجوز حتى يقطع ويوضع على الأرض، فخرصه للبيع بالنقد جائز، وخرصه لأجل أداء زكاته جائز. قال العلماء: وهذه الجهالة اليسيرة مغفورة مع المشقة، فإن المشقة تجلب التيسير، لكن إذا كانت المعاملة فيها شيء من معنى الربا فلا يجوز، لأن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، لا يجوز بيع الصاع من التمر بالصاعين من التمر لأنه ربا، كذلك لا يجوز بيع الصاع من التمر في الأرض بما في الشجرة وأنت لا تعرف كم الذي في الشجرة ولو قدرته أنه صاع، لأن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل. وبه كذلك العمل على القاعدة: درء المفاسد أولى من جلب المصالح، وأن الأمر إذا تعارضت فيه مفسدتان دفع الأشد بالأخف، والأشد هنا الوقوع في الربا، والأخف هنا هو عدم التسامح مع هذه المشقة لأجل الحذر من الوقوع في الربا، فعلم أنه ليس على إطلاقه: المشقة تجلب التيسير، المشقة تجلب التيسير ما لم يعارض شيئًا ثابتًا في الشرع. وفيه من المسائل كذلك سياسة نبينا عليه الصلاة والسلام في معاملة الكفار، فقد قبل النبي صلى الله عليه وسلم هدية ابن العلماء وأهدى إليه، وكان نصرانيًا، وهذا يدل على أن أهل الإسلام ينبغي أن يراعوا ما يكون به صلاح الإسلام والمسلمين. خرج النبي عليه الصلاة والسلام للقتال ولم يخرج الروم، ولكن أرسل ملك الروم إلى ابن العلماء ينظر كما جاء في بعض الروايات من النبي صلى الله عليه وسلم، فكتب إليه وكتب إليه النبي عليه الصلاة والسلام، وكتابه فيه الدعوة إلى الإسلام وإلى كذلك الصلح على الجزية إن لم يدخلوا في الإسلام. وكان بعد ذلك ما كان بعد هذا، أما في أول الأمر قبل النبي عليه الصلاة والسلام الهدية وأهدى إليه. وفيه كذلك جواز إهداء الكافر ولو ابتداءً إذا كان في ذلك مصلحة للإسلام والمسلمين، وأنه لا ينافي الولاء والبراء بشروطه وقيوده. فإذا كان هذا بين أهل الإسلام بين الكافر والمسلم، فبين أهل الإسلام من باب أولى أن ترد الهدية. وكان من خلق نبينا عليه الصلاة والسلام أنه يرد الهدية بأحسن منها. وفي هذا الحديث من المسائل كذلك التنبه لتعليق الأعمال بمشيئة الله سبحانه وتعالى وإذنه، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «احصيها حتى نرجع إليك إن شاء الله». وهكذا ينبغي للمسلم أن يستعين بالله بتعليق أعماله بمشيئته، وهذا من أسباب إعانة الله عز وجل للعبد أن يكون قلبه متعلقًا بالله ولسانه متعلقًا بالله، وهكذا جوارحه فيجد العون بصدقه من الله سبحانه وتعالى. وفي هذا الحديث كذلك فضائل الأنصار عمومًا، والدور التي سماها النبي صلى الله عليه وسلم خصوصًا، وتضمن ذلك أدبه عليه الصلاة والسلام وحسن مخرجه في مثل هذا المقام. فلما سأل سعد بن عبادة كونهم ذكروا من آخر دور الأنصار -يعني دار بني ساعدة- فإنه عليه الصلاة والسلام قال: «أوليس بحسبكم أن تكونوا من الخيار؟». وهكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام للرجل: «سبقك بها عكاشة»، فيحرص المسلم على ألا يكون في لسانه ما يؤذي الناس ولو كان هو حق، حتى لو كان حقًا فلا ينبغي أن يخرج ما يؤذي، ففي التعريض مندوحة عما فيه أذية للناس، بدلًا من أن تقول: لا، قل كلمة أحسن منها، بدلًا من أن تقول: فلان أفضل منك، قل: الكل فيه فضل، وكلكم من أهل الفضل، ونحو ذلك من العبارات. وبهذا يحصل تأليف الناس. ولهذا كان العلماء يذكرون في التراجم في تراجم بعض العلماء: وكان عالم أمة، وكان عالم أمة، يوجد إنسان عالم لكن علمه لا يستطيع أن يأخذ به زمام أمة لأنه ما يحسن سياسة الناس، ويوجد عالم يصلح الله عز وجل به العباد والبلاد، فينقاد له القريب والبعيد والصديق والعدو بحسن تدبيره وسياسته. فإذا كان مثل هذا العالم عالمًا سنيًا وصاحب تباك على الحق، ينفع الله عز وجل به نفعًا عظيمًا. وغالب ذلك يكون بثلاثة خصال: أولها حسن السياسة والتدبير، وثانيها الزهد فيما في أيدي الناس، وثالثها كذلك حسن الخلق. فإذا اجتمعت هذه الخصال الثلاث، فإنه بالغالب يجتمع للرجل مثل هذا الوصف، والموفق من وفقه الله سبحانه وتعالى. وبهذا القدر نكتفي، والله تعالى أعلم. يقول: هذا الخرص -ليس الخرص- الخرص: الراء قبل الصاد، يقاس عليه في عروض التجارة في زكاة التجارة إذا كان قد قاس قبل ذلك فيجوز. يعني مثلًا إنسان عمل جرد -يسمونه جرد أو إسله اسم ثاني- إنسان يعني أحصى بضاعته في السنة الماضية وقدر رأس المال، وقدر رأس المال بالبضاعة مثلًا ثلاثة مليون، فرأى البضاعة ورأى الفواتير أمامه ورأى الذي في المخزن، فاستطاع أن يقدر بالزيادة أن رأس المال مثل العام الماضي، وربما فيه زيادة خمسمائة ألف. كيف عرف؟ شكل البضاعة في الدكان، الذي في المستودع، والفواتير التي في يديه مع الديون. فإن استطاع أن يضع ذلك مع احتياط فهو يجوز، فهو يجوز، لكن لا يجوز أن لا يكون عنده مرجع وأصل يرجع إليه، ويقول مثلًا: هذه البضاعة تقريبًا بكذا وكذا، لا، هذا خطأ لأنه ليس له أصل يعتمد عليه ويرجع. فلابد أن يكون عنده أصل يرجع إليه، إما أوراق فيها حسابات الوارد والخارج ونحو ذلك، وجرد سابق وأمور أخرى. وأما بغير ذلك فلا، لأن الخرص شيء يراه الإنسان بعينه، وأما عروض التجارة ففيها أشياء لا ترى بالعين، فيها أشياء لا ترى بالعين، أشياء في المستودع، وأشياء ثمينة ربما تكون ديون، وأخرى كذلك تكون مسحوبات لم يقبض ثمنها، وأشياء أخرى. إذن لابد لابد أن يعمل شيء من الحساب، لكن فرق: إذا كان مثلًا إنسان عنده محل كبير مثل ما يسمى بالسوبر ماركت أو أكبر منه، جرده على وجه الدقة ربما يشق عليه، لكن عنده الأوراق يستند عليها، وعنده المبيعات وعنده المشتريات وعنده الديون، ثم ينظر في البضاعة التي في المحل، فيجمع هذا على وجه تقريبي ويزيد شيء احتياطي ويزكي، فإن شاء الله مثل هذا يجوز، والمشقة تجلب التيسير. وإلى هنا والله تعالى أعلم.