الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 83، الدرس الثالث والثمانيون:من( فصل:في عصمة الله له صلى الله عليه وسلم من بعض أمور الجاهلية ... فما رؤي بعد عرياناً بعد ذلك عرياناً صلى الله عليه وسلم وأخرجه مسلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل قصة رسول الله صلى الله عليه وسلم أثناء بناء الكعبة وعصمة الله له من الوقوع في أمور الجاهلية. يُبرز هذا الفصل جانبًا من حياة النبي قبل البعثة ويُظهر عناية الله به.
يُركز هذا الفصل على أهمية ستر العورة وأحكامها في الإسلام، مشيرًا إلى أقسام العورة وحدودها للرجال والنساء. يُوضح أيضًا خطورة كشف العورة ويستدل بآيات القرآن وأحاديث النبي.
يُناقش هذا الفصل خطورة مجالسة أهل الجهل ويُشدد على أهمية اختيار الصحبة الصالحة بناءً على الدين والعلم النافع. يُوضح أن النسب أو الشهرة ليست معايير كافية لاختيار الأصحاب.
يُسلط هذا الفصل الضوء على أهمية الاستعانة بلوحات إرشادية وأُناس موثوقين للوصول إلى الحق والصواب. يُظهر أن هذه الاستعانة تعتبر من الأسباب التي تُعين الإنسان على اتخاذ القرارات الصحيحة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل، من هذه الوادعي رحمه الله تعالى، في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: «قال: فصل في عصمة الله له صلى الله عليه وسلم من بعض أمور الجاهلية». قال البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا مطر بن الفضل، وهو المروزي، قال: حدثنا روح، وهو ابن عبادة القيسي البصري، قال: حدثنا زكريا بن إسحاق، وهو المكي، كان فيه شيء من القدر، إلا أن العلماء لم يتركوا روايته لما عنده من الرواية، مع ما لا ينافي ذلك بدعته، وقيل: إنه كان يكتم ذلك، ولم يكن مجاهرا -يعني ببدعة القدر- حتى قيل للإمام أحمد رحمه الله: زكريا بن إسحاق كيف ترى في روايته، وهو يرى القدر؟ فقال: إنه ثقة، فقال: إنه ثقة، ومعناه أنه لا يضر وجود هذا الأمر، وهو كونه عنده هذه البدعة، ما دام إما لأنه غير مجاهر، أو أنه لا ينافي الرواية. قال: حدثنا عمر بن دينار، هو المكي الجمحي، أحد الموالي، رفعه الله بالعلم، كان إماما في زمانه، رحمه الله. وهكذا العلم يرفع أصحابه. قال: سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنه يحدث، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينقل معهم الحجارة للكعبة، وعليه إزاره، ويدلك الفقر الذي كانوا عليه، ليس عنده إلا إزار، وهو ما يستر أسفل الجسد. فقال له العباس عمه: يا ابن أخي، لو حللت إزارك، فجعلته على منكبيك دون الحجارة -يعني حتى يحمي كتفك من الحجارة- اجعل الإزار على الكتف، وبه تعرف كيف أن الكفر ليس بعده ذنب، وليس بعد الكفر جهل. فلما كانوا في مجتمع كافر، فإنهم لا يرون بأسا أن تنكشف العورة، لا يرون بأسا أن تنكشف العورة، ما دام أنه يحتاج لكشفها للعمل. فالإسلام له فضل على أهله، يرد الإنسان إلى فطرته الصحيحة. قال: يا ابن أخي، لو حللت إزارك، فجعلته على منكبيك دون الحجارة. قال: فحله، فجعله على منكبيه، فسقط مغشيا عليه -أي النبي عليه الصلاة والسلام- فما رؤي بعد ذلك عريانا صلى الله عليه وسلم. قال: وأخرجه مسلم. أورد شيخنا رحمه الله هذا الحديث في هذا الفصل، وهو من دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام، أن الله عز وجل عصمه من أمور وصفات وخصال أهل الجاهلية، ومن ذلك هذا الذي ذكر في هذا الحديث. فكان من خصال الجاهلية التعري وعدم المبالاة بكشف العورة، وليس هذا فقط عند الرجال، بل عند النساء. ومر معنا في دروس ماضية كيف أن أهل الجاهلية اخترعوا أشياء حتى في العبادات، فجعلوا أن أهل غير الحرم، من الآفاقيين -أي ممن يأتون من الآفاق وليسوا من أهل الحرم- إذا أتوا إلى الحرم، فمن تمام عمرتهم ونسكهم أن يخلعوا ثيابهم التي عصوا الله فيها، فيطوفون وهم عراة. فإن وجد أحدهم من يعيره ثوبا من أهل مكة، ويزعمون أن ثياب أهل مكة لها حرمة، فإذا وجد أحدهم من يعيره ثوبا استتر به، وإلا طاف بالبيت وهو عريان، حتى النساء، حتى النساء ربما طفنا. وهنا كذلك يخترن الوقت الذي ليس فيه أحد، حتى روي من أشعارهم: اليوم يبدو بعضه أو كله، وما بدى منه لا أحله. تطوف المرأة وتتستر على عورتها بيدها، وتقول: هذا وهذا من خصال أهل الجاهلية. فمن باب أولى أن يكون التساهل في مسألة كشف العورة في غير العبادات، ومنها ما ذكر في هذا الحديث. فإذا من خصال الجاهلية ومسائل الجاهلية كشف العورة والتساهل في ذلك. فمن كان عنده هذا الخلق، ولو كان مسلما، ففيه خصلة من خصال أهل الجاهلية ومسألة من مسائل أهل الجاهلية. بعض المسلمين اليوم تساهل في كشف عورته، ربما لكبر سنه، لكنه يعقل، يتساهل في كشف عورته، إما يتساهل في كشف عورته أثناء تخليه -يعني إذا ذهب إلى الخلاء- أو كذلك في نومه أو في غير ذلك. وهذا حرام، لا يجوز، بل يجب على المسلم أن يستر عورته على الوجه الذي أمر الشرع بستر العورة. والعورة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عورة مغلبة، وعورة متوسطة، وعورة خفيفة. فالعورة المغلبة السوأتان، والعورة المتوسطة بالنسبة للرجل من السرة إلى الركبة، وكله يحرم كشفه، ولكن الحرام درجات. والحرام درجات. وهكذا كذلك المرأة، جسدها كله عورة، فليست العورة السوأتان ومن السرة إلى الركبة فقط، فهذه من العورة المغلبة، وكل جسد المرأة عورة، لا يجوز أن يكشف منه شيء للرجال الأجانب. وعورة الرجل مع الرجل من السرة إلى الركبة، وعورة المرأة مع المرأة كل الجسد، كل الجسد إلا مواضع الوضوء والزينة، ومثله مع المحارم. فإذا تساهلت المرأة فكشفت ما زاد عن ذلك، ففيها خصلة من خصال أهل الجاهلية، وإذا تساهل الرجل فكشف ما هو أكثر من ذلك، ففيه خصلة من خصال أهل الجاهلية. فلا يجوز للمسلم ولا للمسلمة أن يكشف ما لا يجوز كشفه لمن يحرم إظهاره له، حتى ولو كان مع الأبناء والأقارب. بعض النساء ربما تتساهل فتكشف الصدر، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن نساء يعذبنا بسبب تساهلهم في كشف الثدي، ومنه التساهل في الرضاع. وهكذا كذلك ما يحصل في الأعراس بين النساء من كشف ما زاد عن مواضع الزينة والوضوء، فهو لا يجوز ويحرم، وكل هذا من خصال أهل الجاهلية. فمعنى أن المسلم أو المسلم الذي يتساهل في عورته، فيه خصلة وصفة من صفات أهل الجاهلية. ومن كرامة الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام أن أكرمه حتى في الجاهلية، أن لا تنكشف عورته، ولا يكشف عورته. فلما أراد أن يكشف عورة عليه الصلاة والسلام، وهذا لعدم بلوغه العلم، حفظه الله، فأغشي عليه، سقط مغشيا عليه. قال: فما رؤي بعد ذلك عريانا صلى الله عليه وسلم. أما القسم الثالث من العورة، فالعورة المخففة التي تكون في الصلاة، مثل ستر المنكبين بالنسبة للمصلي، فإنها من عورة الصلاة. وهكذا كذلك في هذا الحديث ما أراد أن يشير إليه الشيخ رحمه الله من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام وصدق رسالته، أنه كان محفوظا صلى الله عليه وسلم مصانا بحفظ الله سبحانه وتعالى، وهذا من علامات النبوة. فكما أنه حفظ أن لا يقع في شيء مما ينافي الأمور الدينية، فكذلك حفظ عليه الصلاة والسلام كذلك في الأمور الدنيوية. فقد كان خلقه عليه الصلاة والسلام أكمل الخلق، فكان أكمل الناس خلقا في الجاهلية، فضلا عما كان بعد الإسلام. فكان عليه الصلاة والسلام يلقب بالصادق الأمين قبل الرسالة، وكان قد أيد بأنواع من المؤيدات، كل ذلك يدل أنه قد حفظه الله عز وجل وصانه من خصال أهل الجاهلية. وفي هذا الحديث كذلك إشارة إلى أن أهل الجاهلية كانت لهم عبادات وحرمات، ومع ذلك لم تنفعهم تلك العبادات ولا التعظيم لبيت الله الحرام. حتى لا يقول قائل: كيف تقولون أن هؤلاء أو أن من فعل كذا هو مشرك، وهو يصلي وهو حج إلى بيت الله الحرام؟ فيقال: قد حج أهل الجاهلية، وقد صلى أهل الجاهلية، فكان الأهل الجاهلية حج وعمرة وصلاة وصدقة وغير ذلك من أنواع العبادات، ومع ذلك لما وقع منهم الشرك أبطل الله عز وجل كل تلك الطاعات والعبادات. قال الله سبحانه: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾. وهكذا أخبر ربنا جل وعلا أن لهم صلاة، وإن كانت صلاتهم فيها لعب ولهو وعبث، وما كانت صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية. فالشاهد لا يغتر أحد بعبادة ولا طاعة ولا صدقة ولا غير ذلك من أعمال البر، لأن الأعمال إذا لم تكن كاملة، ومن كمالها أن لا يوجد ما ينقضها، فإنها لا تنفع المرء. قال الله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وهكذا كذلك في هذا الحديث خطورة جلساء السوء، فإن المرء إذا جالس أهل العلم انتفع بعلمهم، وإذا جالس أهل الجهل تضرر بجهلهم، وإن جالس أهل الإيمان انتفع بإيمانهم وإسلامهم، وإذا جالس أهل الجاهلية تضرر بجاهليتهم، ولو كان هذا الإنسان صاحب خلق أو صاحب كذلك كما يقال شرف، لأن المعيار في السلامة هو الدين. المعيار في السلامة هو الدين. فالعباس من خيار الناس في الجاهلية، كان له ذكر حسن، رضي الله عنه أرضاه قبل أن يسلم، لكن هذا الذكر الحسن إذا لم يكن معه إيمان، فانظر ماذا ينتج. وكذلك اليوم بعض الناس ربما يقول: إذا قيل له لم تجلس مع فلان وفلان، فيقول: هؤلاء من أشراف القبيلة، وهؤلاء من رؤوس القبيلة، ومجلسهم مجلس ليس فيه شيء. فيقال: ما دام أن هؤلاء على قلة في العلم والدين، فإنك لا تأمن أن يدخل عليك الشر بسبب مجالستهم، حتى ولو كان عنده هؤلاء حسنية وإرادة للخير، لأنهم بجهلهم وبقلة دينهم قد يدخلون عليك الشر وهم لا يشعرون، وأنت لا تشعر. وهذا هو الواقع. فإن فاقد الشيء لا يعطيه، من فقد العلم والدين كيف يدخل عليك الخير؟ والخير حقيقة هو في العلم والدين. فمن وجد عنده علم نافع وعمل صالح، فهذا هو صاحب الخير، ولو لم يكن صاحب شرف في نسب، ولو لم يكن صاحب مال، ولو لم يكن ما يغتر به الكثير من الناس. فالنسب الحسنة لا تكفي، والذكر الحسن لا يكفي، لكن حقيقة الذكر الحسن هو بالمعيار الشرعي، العلم النافع والعمل الصالح. نسأل الله عز وجل نوفقنا له، وأن يجعلنا من أهله بالدنيا والآخرة. طيب، هذا سائل يقول: في أيام الحج من عرفة إلى مزدلفة، أو صلنا السائق إلى مزدلفة آخر الليل، فصلينا المغرب والعشاء، ثم استرحنا قليلا، ثم تحرك بنا إلى منى، وفي الطريق بعدما تحركنا رأينا لوحة ومكتوب عليها حدود مزدلفة، فهل علينا شيء؟ مع أننا لا ندري أن استرحنا خارج مزدلفة. إن شاء الله لا شيء عليكم، إن أخطأتم ولم تفرطوا، لا شيء عليكم. على أنه ينبغي أن يعلم أن الكثير من هذه الأخطاء تقع بتفريط، تقع بتفريط. فالحمد لله، وسائل الوصول إلى المناسك الصحيحة قد هيئت للناس، هيئت للناس بطرق شتى. فأنت بإمكانك أولا أن تسأل: حدود عرفة، حدود مزدلفة، ما هو الذي ينبغي يعمله الحاج في عرفة وفي مزدلفة؟ ثم توجد كذلك مطويات توزع، وممكن أن تشتريها، وفيها كذلك إعانة لك. كذلك توجد لوحات إرشادية في الطريق، ويوجد في الطريق كذلك من يهيئ السير ويراقب السير، سواء من العسكر أو من الكشافة أو كذلك من غيرهم. فأنت يمكنك أن تسأل في الطريق: هل وصلنا مزدلفة؟ هل هذه مزدلفة أم هذه ليست مزدلفة؟ لا ينبغي للإنسان أن يتساهى في أمور دينه، كيف أمور الدنيا يحرص عليها الكثير من الناس، سبحان الله، أمور الدنيا ما يفرطون فيها، والخطأ فيها قليل، لكن الأمور الشرعية الدينية الخطأ فيها كثير. لو سأل سائل: ما هو السبب؟ هل هو السبب هل السبب هو الخطأ فقط أم هناك شيء من التقصير والتفريط؟ الجواب: الثاني، أكثر هذه الأخطاء تحصل بسبب التقصير والتفريط. أن الكثير من هؤلاء يفرط في الحرص الوصول إلى الحق، ويخشى على من فرط أن يلحقه شيء من الإثم، أن يلحقه شيء من الإثم. ولا أقول هذا حتى أضيق على السائل، لكن إن كان صادقا إن شاء الله لا حرج عليه. لكن هذا تنبيه لنا جميعا أن لا يكون عندنا شيء من التفريط والتساهل، ونحن بإمكاننا أن نحرص زيادة في الحرص، فنصل إلى الحق. نفس الشيء يسأل مثل هذا في عرفة، بعض الناس يقول: رأيت أناسا وقفوا في مكان فوقفت معهم، ثم أخبرت أن هذا المكان ليس من عرفة، وقد غربت الشمس. سبحان الله، كيف أنت حيث ما تجد الناس تجلس معهم هكذا، وذهب حجك هدرا بسبب أنك تجلس حيث جلس الناس؟ اسأل: هل هذا المكان من عرفة؟ انظر لوحات إرشادية، عندك من أنواع الناس الذين يمكن أن تستوثق منهم وتتثبت، وغير ذلك مما إن شاء الله يعين الإنسان لصول الحق. طيب، لهنا والله تعالى أعلم.