الصحيح المسند من دلائل النبوة  115

الصحيح المسند من دلائل النبوة 115

الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 115، الدرس الخامس عشر بعد المائة:من( قال البخاري رحمه الله:حدثنا محمد بن المثنى ... سمع أنساً رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أخرجه مسلم من طرق عن أنس ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

دعوة النبي لأنس بن مالك وتحقيق بركتها

دعا النبي صلى الله عليه وسلم لأنس بن مالك بالمال والولد والبركة، فاستجاب الله دعاءه ورزقه مالًا وولدًا كثيرًا. هذه الدعوة كانت سببًا في تحقيق بركة كبيرة في حياة أنس بن مالك.

دلائل نبوته وصفاته

ظهرت دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام من خلال استجابة دعواته، وكان له صفات وخصال حميدة مثل تفقد أحوال المسلمين وحسن العبادة. كما أبرزت بعض المواقف مثل دخوله على أم سليم جانبًا من هذه الخصال.

أخلاق النبي في التعامل وإكرام الضيف

كان النبي عليه الصلاة والسلام يتصف بلين الجانب وتواضع في التعامل مع الناس، وكان يكرم الضيف. كما أشار إلى جواز السؤال في الدعاء واستجابة طلب الغير مع الحفاظ على التوحيد.

فضل الدعاء وآدابه في الإسلام

الدعاء له فضل كبير كما هو واضح من قصة أنس بن مالك، ويجوز للإنسان أن يدعو بما يناسب المقام إذا لم يكن فيه مفسدة. الدعاء يحمل إكرامًا وإعانة على الخير وتأليفًا على دين الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال البخاري، رحمه الله: حدثنا محمد بن المثنى، وهو العنزي، قال: حدثنا خالد، وهو ابن الحارث، قال: حدثنا حميد، وهو الطويل، عن أنس، رضي الله عنه، قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم على أم سليم، فأتته بتمر وسمن، قال: أعيدوا سمنكم في سقائه وتمركم في وعائه؛ فإني صائم، ثم قام إلى ناحية من البيت فصلى غير المكتوبة، فدعا لأم سليم وأهل بيتها، فقالت أم سليم: يا رسول الله، لي خويصة، قال: ما هي؟ قالت: خادمك أنس، فما ترك خير آخرة ولا دنيا إلا دعا لي به، اللهم ارزقه مالًا وولدًا وبارك له؛ فإني لمن أكثر الأنصار مالًا -يعني بعد دعوة النبي عليه الصلاة والسلام- فإني لمن أكثر الأنصار مالًا. وحدثتني ابنتي أمينة أنه دفن لصلبي مقدم الحجاج البصرة بضع وعشرون ومئة -يعني من كثرة أبنائه وأبناء أبنائه- لم يدري كم عددهم، حتى إنه دفن له ممن هو من صلبه -يعني من أبنائه وأبناء أبنائه- ولا يزال حيًا بضع وعشرون ومئة -يعني أكثر من مئة وعشرين- وهذا من البركة التي جعل الله عز وجل. قال أنس، رضي الله عنه: قال ابن أبي مريم: أخبرنا يحيى بن أيوب، قال: حدثني حميد أنه سمع أنسًا، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أخرجه مسلم من طرق عن أنس. أورد شيخنا، رحمه الله، هذا الحديث في سياق ذكره لدلائل نبوة نبينا عليه الصلاة والسلام، وعلامات صدق رسالته. وفيما يتعلق بالدعاء واستجابة الله عز وجل، والشاهد من هذا الحديث ظاهر في دعوة النبي عليه الصلاة والسلام لأنس، فدعاؤه عليه الصلاة والسلام لأنس ظهر أثره في حياة أنس، وعلم أنها بركة دعوة نبينا عليه الصلاة والسلام، وتحقيق أمرها فيه. وهذا موضع من مواضع كثيرة مر معنا بعضها، وكثير منه لا يستوعبه مثل هذا الكتاب، وكل ذلك يدل على صدق رسالته ونبوة عليه الصلاة والسلام؛ فإنه يدعو الدعوة فيستجاب له، وفي أمور متواترة متكاثرة مما لا يشك منصف -مهما كان بعيدًا عن هذا الدين- لو أنصف لم يتردد من أن ذلك من دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام؛ فإن مثل ذلك لا يكون إلا علامة على تصديق الله عز وجل له وتأييده إياه. وفي الحديث مسائل أخرى، من هذه المسائل في هذا الحديث كذلك ما كان عليه حال نبينا عليه الصلاة والسلام من تفقد أحوال المسلمين، وخصوصًا من كان له بهم صلة؛ فإنه كان يصل من وصله عليه الصلاة والسلام. وكانت أم سليم قد أرسلت بابنها أنس ليخدم النبي عليه الصلاة والسلام، ووصل آل هذا البيت لنبينا عليه الصلاة والسلام، ورد في أحاديث كثيرة؛ فنبينا عليه الصلاة والسلام كذلك كان وصالًا عليه الصلاة والسلام. وقد يشكل هاهنا كيف دخل النبي عليه الصلاة والسلام على أم سليم وهي امرأة أجنبية؟ وقد جاب بعض أهل العلم عن ذلك بأجوبة، منها أن ذلك كان قبل الحجاب، أو يحمل أنه كان قبل الحجاب. وقيل: إن هذا لم يكن فيه خلوة، وهي امرأة كبيرة ولها حجاب بحسب حجاب كبر سنها، ولم يكن هناك خلوة؛ فلا حرج في مثل ذلك. وأجيب كذلك بجواب أو بأجوبة أخرى، وهذا أقرب الأجوبة التي يمكن أن يكون أحدها هو الجواب. وفيه من المسائل كذلك ما كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام من حسن العبادة لربه جل وعلا؛ فهو الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومع ذلك كان صوامًا قوامًا عليه الصلاة والسلام، لم يتكل على ما غفر له عليه الصلاة والسلام، يقوم حتى تتفطر قدماه، وفي رواية: تتشقق، وفي رواية: تدمي قدماه، فتقول له عائشة: يا رسول الله، تصنع ذلك بنفسك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول عليه الصلاة والسلام: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟». فإذا كان هذا نبينا عليه الصلاة والسلام، فنحن من باب أولى أن نحرص على ما فيه المنفعة لنا في ديننا وفي دنيانا؛ فإن إعمار المسلم لوقته بعبادة ربه جل وعلا فيه الخير له في دنياه وفي آخرته؛ فهو لا يزداد من الله قربًا إلا وتقرب الله عز وجل إليه، فأكرمه بكرامة الدنيا فضلًا عن الآخرة. وهكذا في هذا الحديث من المسائل إكرام الضيف؛ فإن الضيف يكرم بما يتيسر، فهنا أرادوا أن يكرموا النبي عليه الصلاة والسلام بالتمر والسمن، وفيه الجمع بين السمن والتمر، وهذا من الطب النبوي -أي أقره النبي عليه الصلاة والسلام- ومر معنا في دروس سابقة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل التمر بالدهن؛ وذلك لأن التمر منه ما يكون حارًا، فيبرده. عمومًا فيه منافع. وفيه من المسائل كذلك جواز السؤال في الدعاء، وأن هذا -على الصحيح- ليس من خصائص النبي عليه الصلاة والسلام، وإن كان الأفضل والأكمل أن يدعو الإنسان لنفسه، وأن لا يسأل الناس شيئًا حتى الدعاء، لكنه يجوز، ليس حرامًا. وإن كان الأفضل والأكمل أن يدعو المرء لنفسه، وبهذا تجتمع الأدلة فيما ورد في هذا الباب مما فيه الحث ومما فيه التزهيد. وفيه من المسائل كذلك خلق نبينا عليه الصلاة والسلام لين جانبه؛ حتى تجرى عليه عليه الصلاة والسلام الصغار والكبار والنساء والرجال، وهذا يدل على تواضعه ولين جانبه عليه الصلاة والسلام؛ فلو كان فضًا غليظًا لم يفضوا من حوله، ولكن لنينه لين جانبه وطاعة خلق عليه الصلاة والسلام كان هذا مدعاه لأن يقترب من طلب كل ما يحتاج منه الإنسان في أمر ديني أو دنيوي الكثير من الناس من أهل أمته؛ فهذا يطلب دعاء، وهذا يطلب إعانة، وهذا يريد شفاعة، وهذا يريد زيارة، وهذا يريد أن يصلي في بيته، وتأتي البنت الصغيرة وتأخذه وتحدثه، وغير ذلك مما يدل على لين جانبه عليه الصلاة والسلام. وهذا خلق عظيم ينبغي أن يتخلق به المسلم عمومًا، وخصوصًا الداعي إلى الله وطالب العلم؛ لأنه في منزلة الأنبياء، فهو يحمل العلم الذي تركه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ فينبغي أن يكون محل قدوة. ومن ذلك اتصافه بخلق نبينا عليه الصلاة والسلام أن يكون لين الجانب؛ حتى يكون سهل المنال، وفي هذا مصالح كثيرة من تأليف الناس على دين الله عز وجل، وإدخال الخير وإيصاله إليهم. وهكذا كذلك فيه جواز أو استحباب استجابة طلب الغير في الدعاء؛ فإذا طلب منك أن تدعو فادعُ، وإن ظننت أن هذا الذي يطلب منك الدعاء له اعتقاد شيء من الغلو أو نحو ذلك، فعلِّمه أن مثل هذا لا ينبغي -أي الغلو فيمن يظن أنه من الصالحين-؛ فالتخلية مقدمة على التحلية. إكرامه بإجابته بالدعاء ليس مثل إقراره ومتابعته في هذا الغلو؛ بل ينبغي أن تعلمه، ولو دعوت له لتجبر خاطره بدعوات يسيرة مع تنبيهه، وهذا من حماية التوحيد الذي ينبغي أن ينتبه له. ومع ذلك فالإنسان إذا لم يجد مفسدة فلا بأس أن يدعو بما فتح الله عز وجل عليك وبما يناسب المقام؛ ففي هذا إكرام، وكذلك إعانة على الخير وتأليف على دين الله عز وجل. وفيه فضل أنس، رضي الله عنه؛ فإنه من فضله أن الله عز وجل بارك الأهلي فيه بدعوة النبي عليه الصلاة والسلام. نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم.