الدرس في شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 35، الدرس الخامس والثلاثون : (لا تتبع أقوال كل مارد ... مثقال حبة من الإيمان ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح حال المخالفين لأهل الحق في توحيد الربوبية والأسماء والصفات، ويبين أمر الله بطاعة معينة في هذا الباب. يوضح أن الرسول صلى الله عليه وسلم بين ذلك في سنته.
يصف صفات أهل الضلال في باب الصفات، ويشرح معاني هذه الصفات وأسباب الضلال مثل عدم الطاعة والاستسلام للشرع. يبين أنهم غاوون مضلون مارقون معاندون.
يشرح اختلاف أهل العلم في تكفير من وقع في البدع، ويبين التحقيق في هذه المسألة وهو التفريق بين من أقيمت عليه الحجة ومن لديهم شبه. يبين أن الوصف بالبدعة والضلالة أولى من التكفير.
يختتم المؤلف الفصل بذكر انتهائه من الكلام على القسم الأول من أقسام التوحيد ويشير إلى أنه سيبدأ في القسم الثاني فيما بعد. يُنهي المؤلف هذا الجزء بحمد الله تعالى.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. تضمن هذان البيتان ثلاثة مسائل؛ المسألة الأولى: حقيقة حال المخالفين لأهل الحق في هذا الباب، في باب توحيد المعرفة والإثبات، توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات. والمسألة الثانية: فيها كذلك حال أو حكم من يقعد عن ذلك، أي الذي ذهب إليه هؤلاء من ضل في هذا الباب. والمسألة الثالثة: فيها كذلك العلة والسبب التي لأجلها ضل من ضل في هذا الباب. فقال رحمه الله: «ولا تتخذ أقوال كل مارد، أو قولاً عندكم أقوال أقوال كل مارد». وفي هذا بيان أن الذين خالوا بهذا الباب، وهذا النوع من أنواع التوحيد، كلهم ممن يوصفون بهذه الصفات المذكورة. الحمد لله، ممن يوصف بهذه الصفات المذكورة؛ فإنه مع كونه ماردًا -والمارد هو الكبير من الشياطين- سمي كذلك لأنه خرج؛ لأن أصل المرود هو الخروج، معناه معنى يقارب الخروج عن الطاعة. ولكنه لما كان خارجًا عن الطاعة، وداعيًا إلى هذا الخروج، ورأسًا فيه، سمي ماردًا. وهكذا هؤلاء الذين ضلوا في هذا الباب، وهذا النوع من أنواع التوحيد، خرجوا عن الطاعة؛ إذ أن الله عز وجل أمر في كتابه، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بطاعة معلومة في هذا الباب. وهو القائل جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وهو القائل جل وعلا: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾، وهو القائل جل وعلا: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾، وهو القائل جل وعلا: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، وهو القائل جل وعلا: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. فهذه الآيات وغيرها كثير، فيها ما أمر الله عز وجل به في هذا الباب، وكان الواجب على المسلم الاستسلام لهذا والطاعة، ولكنهم خرجوا عن هذا وخالفوا هذه الطاعة التي أمروا بها. وهكذا الرسول عليه الصلاة والسلام، ففي سنته الشيء الكثير من هذا الباب؛ فهو القائل صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين تلقى قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، فوضع إبهامه والتي تليها على أذنه وعينه. فكان الواجب الاستسلام لمثل هذا الحديث، لهذا الحديث ولمثله من الكثير الذي ورد عنهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلما لم يستجيبوا لهذه الطاعة، وخرجوا عنها، بل ودعوا الناس إلى هذا الخروج. وكما مر معنا أنهم على طرفين؛ طرف منهم ادعوا أن نصوص الصفات فيها التشبيه والتمثيل، فاستلزم عندهم الخروج منه إلى التعطيل الذي سموه تنزيل، فضلوا وخرجوا عن الطاعة. وصنف منهم زعموا أن نصوص الصفات تستلزم التعطيل، فصاروا منه ووقعوا في التمثيل الذي هو كذلك عين ما نهى عنه الرب جل وعلا. فكل الطائفتين ضلتا وخالتف في هذا الباب. وقد مر معنا أنهم عقلوا، فصار منهم من يمثل الصفات، وصار منهم من ينفي الأسماء والصفات، وصار منهم من ينفي المعاني الصحيحة، فربما يثبت غيرها أو يتوقف، وهؤلاء هم المفوضة. وصار منهم من يمثل فيجعل لها كيفًا على كيفيات المخلوقين، وهم الممثلة، أو كيفيات يضربونها، وقد نهوا عنها، وهؤلاء هم المكيفة. وكلهم على ضلال، فعلم وجه وصف هؤلاء بالمرود من هذا الباب. ثم قال رحمه الله: «ما لديه غاوٍ مضلٍّ، كذا غاوٍ مضلٍّ، غاوٍ مضلٍّ مارق معاندٍ». نعم، غاوٍ مضلٍّ مارق معاندٍ. فقوله: «غاوٍ»، أي أن به غواية؛ فإن الذي به في الحقيقة هو الغواية، والغواية هو الباعث الذي يبعث الإنسان إلى الخروج عن الطاعة. فـ«غواية» مأخوذة من الغي، والغي ضد الهدى والرشد. فكان هؤلاء الذين دفعهم إلى ذلك الغي الذي في قلوبهم، وهذا الغي هو عدم استسلام للشرف، ومضل لأن هؤلاء يضلون غيرهم، ليس فقط ضلوا في أنفسهم، بل يضلون غيرهم. وهكذا كذلك هم عندهم العناد، وعندهم المروق، والمروق هو الخروج عن الحق. وهكذا كذلك العناد الذي هو الإصرار على الباطل. وكل هذه الصفات صفات هؤلاء أهل الضلال. ثم في هذه الصفات كذلك بيان أن أوجه أو العلل التي ضل بها من ضل في هذا الباب، لا تخرج عن هذه الصفات؛ إما أنه لأجل عدم الطاعة، وهو المردود. وإما لأجل عدم الاستسلام للشرع والاتباع للأهواء والغي. وإما كذلك متابعة أهل الضلال ومجالستهم؛ وإن هذه من أسباب الضلال في هذا الباب. بعضهم ربما يكون عنده الحق، فإذا جالس أهل الباطل استحسن الباطل فضل. وربما يكون كذلك المروق، وهو الخروج عن الحق، ولكنه خروج سريع. المروق هو الخروج السريع عن الحق. وإما أن يكون العناد، والواجب أن يكون الإنسان مستسلمًا للشرع. فهذا هو وصف هؤلاء الذين ضلوا، وهذا كذلك ذكر الصفات التي لأجلها ضلوا. والثالث هو حكم من وقع في مثل هذا الشيء. وقال رحمه الله: «ليس بعد تبياني مثقال ذرة من إيماني». يعني ليس بعد هذا البيان الذي أدلى به، مما ذكر وسبق ذكره في الأبيات الماضية، من أدلة الكتاب والسنة وكلام أهل العلم، ولقيسها الصحيحة والأدلة المتوافرة فيما عليه أهل الحق، ليس بعد هذا التبيان مثقال ذرة من إيمان؛ يعني ليس بعد هذا يعاند أحد إلا وليس في قلبه مثقال ذرة من إيمان. وهل معنى أن صاحبه يكفر؟ قد اختلف أهل العلم في تكفير هؤلاء. أما الجهمية فقد كفرهم أكثر أهل العلم، والمعتزلة اختلف أهل العلم في تكفيرهم، هم والأشاعرة والكلابية والماتريدية. فمن أهل العلم من كفرهم، وقد نقل ذلك عن جماعة منهم، ما نقل عن الإمام الدارمي رحمه الله في رده على بشر المريسي، وهكذا تبعه جماعة من أهل العلم. ومنهم من فصل، كما نقل عن الإمام أحمد رحمه الله؛ فإنه روي عنه أنه كان لا يصلي خلف رؤوس هؤلاء المعتزلة، ولا يرى صحة الصلاة خلفهم. وروي عنه أنه كان يصلي خلف المأمون ومن على شاكلته من المقلدة؛ فكان يفرق بين الرؤوس وبين المقلدة في هذا الباب. ومنهم من يرى أن هؤلاء عندهم شبه، فلم يكفرهم. والتحقيق في هذه المسألة أنه يفرق أولاً بين من يبتدئ القول، كحال المتقدمين من أهل هذه البدع والرؤوس منهم الذين أقيمت عليهم الحجة؛ فإن هؤلاء كفر أعيانهم الأئمة. وبين المتأخرين الذين ربما حتى رؤوسهم عندهم من الشبه ما يمنعهم من فهم الحق. ولهذا كان قول عامة أهل الحق في هذا الزمان هو عدم تكفير هؤلاء، وإنما وصفهم بالبدعة الشنيعة والضلالة العظيمة؛ لأن أكثر هؤلاء عندهم شبه ضلوا بسببها، وسبقهم علماء وتكلموا بهم حتى ظنوا أن ما هم عليه حق. وهذا هو الأولى في مثل هذه المسألة، والله أعلم. فعلى هذا قوله رحمه الله: «مثقال ذرة من إيماني»، يحمل على الإيمان الحق الكامل الذي ينبغي أن يكون عند المسلم من الاستسلام لشرع الله. أو في بعض الناس يكون كفر؛ يكون كفر لمن قامت عليه الحجة ولم تكن عنده شبهة، وهذا نادر، خصوصًا في مبحث الأسماء والصفات. وبهذا الفصل يكون قد انتهى المؤلف رحمه الله مما يتعلق بالكسم الأول من كسمي التوحيد، وسيشرع إن شاء الله بذكر ما يلحق به من الكسم الثاني، ويترك إن شاء الله لدروس لاحقة. وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.