الدرس في شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 03، الدرس الثالث : (أحمده سبحانه وأشكره ... إلى قوله ... ومن مساوي عملي أستغفره ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشيخ ابن بريك بشرح البيت الثالث من المنظومة مؤكدًا الحمد بالجملة الفعلية لإفادة التجدد والاستمرار، ويُفصّل الفرق بين الجملة الاسمية والفعلية في سياق الحمد. يُوضح أهمية الحمد والشكر في العبادة.
يشرح المقطع الفرق بين الحمد والشكر عند أهل العلم، حيث يرى بعضهم أنهما متفقان، بينما يرى آخرون أنهما مختلفان. يُعرّف الحمد ويُناقش معنى التسبيح كتنزيه الله عن النقص.
يُناقش أهمية التواضع والانكسار لله في طلب العون لإتمام الأعمال الصالحة، ويشير إلى أهمية الاستغفار في إبعاد الذنوب التي قد تؤثر على صحة الأعمال. ينصح طلبة العلم بالاستفادة من هذا النهج والحرص على التوبة والاستغفار.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، بهذا البيت الثالث من منظومته، لأجل كذلك أن يشرع في المقصود، وأن يدخل متدرجًا إلى ما يريد الوصول إليه في هذه المنظومة، فقال رحمه الله: «أحمده سبحانه وأشكره». فنّى بالحمد مرة ثانية، وبيّن رحمه الله بشرحه أن ذلك من باب تأكيد الحمد في صيغة الجملة الفعلية لإثبات التجدد في هذا الحمد. في صيغة الحمد، والفرق بين الجملة الاسمية والجملة الفعلية أن الجملة الاسمية تفيد الثبوت والدوام، وأن الجملة الاسمية كذلك مما جاء بها النقل، فلهذا افتتح رحمه الله بها، وثنّى بالجملة الفعلية؛ لأن الجملة الفعلية لها معنى زائد عن المعنى الموضوع في الجملة الاسمية، وذلك أن الجملة الفعلية فيها معنى التجدد. ومعنى قولي: إن الجملة الفعلية فيها معنى التجدد، يعني في تجدد أصول الصفة للموصوف. فمثلًا، لو قلت: «الشجرة مثمرة»، وقلت: «الشجرة تثمر»، فـ«الشجرة مثمرة» فيها ثبوت وجود الثمرة، أي أن الثمرة الآن موجودة ومستمرة وجود الثمرة إلى زمن التكلم، لكن لا تدري هل سيأتي حين تنقطع هذه الثمرة أو لا. لكن إذا قلت: «الشجرة تثمر»، فهو إن كان لا يلزم منه وجود الثمرة إلى ذلك الوقت، إنه قد يكون موجودًا وقد لا يكون موجودًا، لكنه يلزم منه أن ذلك يستمر ويتكرر، يعني أنه يأتي ويتكرر. وهذا معنى التجدد المستفاد من الجملة الفعلية. وكأنه يريد أن يقول: «أنا حين حمدت الله جل وعلا بالجملة الاسمية، فلم أرد بذلك الحمد المنقطع عند معناها، بل أريد بذلك أن أؤكد أن هذا الحمد مستمر، كذلك حتى بعد انقطاع معنى الجملة الاسمية؛ ليثبت الحمد ويؤكده» رحمه الله تأكيدًا ليس معه شيء من القصور. ثم ذكر رحمه الله في شرحه الفرق بين الحمد والشكر، على ما يذكره كثير من الشراح، خصوصًا الذين نقلوا عن بعض المتأخرين، فذكروا أن الحمد والشكر عند بعض أهل العلم أنه لا يفرقون بينهما، ونقل ذلك عن ابن جريج رحمه الله، وعن جعفر بن الصادق، وذكر غيرهما، فذلك هذا القول عن المبرد وغيره. والقول الثاني، وهذا هو المقصود، أنهم يفرقون بينهما، بأن بينهما عمومًا وخصوصًا من وجه. والذي اختاره أن الحمد أعم سببًا وأخص آلة، وأن الشكر عكس ذلك، أي أن الشكر أخص سببًا وأعم آلة. ويريدون بذلك أن الحمد يكون على الإنعام، ويكون على الكمال، فيحمد الله جل وعلا على أمرين: على كماله سبحانه في أسمائه وصفاته، وفي ربوبيته وألوهيته، ويحمد الرب جل وعلا على عظيم إحسانه وإنعامه، فهذان سببان. والشكر إنما يكون على الإنعام فقط، يكون على الإنعام فقط. وبهذا يكون الشكر أخص من الحمد؛ لأن الشكر أخص سببًا، والحمد أعم سببًا. ويقولون: إن الحمد أخص آلة، يعني أن الحمد يكون باللسان فقط، وأن الشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح. وهذا الثاني مما لا يوافقون عليه. لماذا؟ الجواب: أولًا، لأن الحمد قد يكون باللسان والقلب من دون الجوارح، وقد يكون باللسان والقلب والجوارح، ولا بد أن يكون معه القلب. وأما الشكر، فلا يلزم أن يكون بالجوارح الثلاثة، فإنه قد يكون بالجوارح فقط، وقد يكون بها جميعًا. ومما يدل على ذلك أن شكر من لم يرضَ بالشكر وإنما شكر مجردًا، إنما هو شكر باللسان فحسب، فليس فيه شكر بالقلب، وربما لا يكون فيه شكر باليد. وأما قول الشاعر الذي يستدلون به كثيرًا، فهو قوله: «أفادتكم النعماء مني ثلاثة: يديًا ولسانيًا وضميرًا مجهبًا». فإنما هذا في قضية عين، هذا الكلام في قضية عين، لا يلزم أن يكون كل شكر كذلك. لا، فهذا الكلام في قصة عينية بعينها، أن هذا الرجل كان شكره باليد وباللسان وبالضمير المحجب، يعني القلب. لكن هل كل شكر يكون كذلك؟ الجواب: لا، ليس كل شكر يكون كذلك. ولهذا فالصحيح أن بينهما عمومًا وخصوصًا في الغالب، ولا يلزم أن يكون كذلك. وهنا تنبيه ثاني، وهو أنهم كثيرًا ما يعرفون الحمد بأنه الثناء على الله، الثناء على الله بالجميل الاختياري، ويجعلون المدح بالجميل الاضطراري. وهذا خطأ من وجهين: الوجه الأول أن الحمد ليس هو حقيقة الثناء؛ لأنه قد لا يثنى به ذلك، بل يكون مرة واحدة. وجليله ما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن الله عز وجل: «أنه يقول: إذا قال العبد: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، قال الله عز وجل: حمِدني عبدي. وإذا قال: ﴿الرحمن الرحيم﴾، قال: أثنى علي عبدي». فعلم أن الحمد يكون بالمرة الواحدة، فليس هو بالتكرار، ولا هو كذلك بالمعنى الذي فهمه هؤلاء. والأمر الثاني أن تفرقتهم بأنه على الجميل الاختياري، أي الحمد، وأن المدح على الجميل الاضطراري، ليس هذا مضطردًا، بل قد يكون المدح كذلك على الشيء اللا اختياري، كمدح من يستحق المدح، كمدح من يستحق المدح، ليس على الجميل الاضطراري، بل هو على الاختياري. فعلم بهذا أن هذا التعبير خلاف الأصول. ثم ذكر رحمه الله: «أحمده سبحانه وأشكره، والتسبيح هو التنزيه». والتسبيح هو التنزيه، والمعنى: تنزيه كل نقص وعيب عن الله عز وجل، سواء في ربوبيته أو ألوهيته أو أسمائه وصفاته. ثم قال: «أحمده سبحانه وأشكره، ومن مساوي عملي أستغفره». وهذه العبارة الثانية من البيت تدل على حسن سريرة المؤلف وسلامة قصده رحمه الله تعالى؛ فإنه افتتح هذه الأبيات بهذا التواضع وهذا الانكسار؛ أولًا، لأجل أن يتبرأ رحمه الله وتعالى من أن ينسب إلى نفسه شيء لا يستحقه. وثانيًا، كذلك لأجل أن يجد في ذلك العون من الله جل وعلا لإتمام هذه الأبيات على أحسن ما يحب أن يكون. فإن التواضع والقنوت لله جل وعلا، والانكسار إليه، سبب برحمة الله وشكرته ومعونته. فهذان أمرين يستحسنهما طلاب العلم بمثل هذا المقام. وقوله: «من مساوي عملي»، بين أن المساوي جمع إساءة، وهو فيما يظهر أنه ليس كذلك؛ لأن المساوي ليس من الإساءة، وإنما هو من المساء، وهو بمعنى قريب مما ذكر. رحمه الله. والثاني قوله رحمه الله: «من مساوي عملي وأستغفره»، وذلك أن كل إنسان له مساوي أعمال، وأنه متى ما استغفر الله جل وعلا منها، أعانه الله جل وعلا وفقه. فينبغي للإنسان أن يستعين بالله عز وجل بالاستغفار وبالتوبة وبالإنابة، وبذلك تصفية ما يكون سببًا لنقصان الأعمال وإحباطها؛ لأن الذنوب لها شأن عظيم في إحباط الأعمال وعدم إتمامها وإحسانها. فلهذا فالمؤلف رحمه الله، من حسن سريرته، حرص على إبعاد هذه الشائبة. وهكذا ينبغي أن يستفيد طالب العلم من مثل هذا المقام. وبهذا طالب العلم، الحمد لله رب العالمين.