الدرس في شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 98، الدرس الثامن والتسعون : (خاتمة في وجوب التمسك بالكتاب والسنة ... ليس بالأوهام وحدس العقل ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتم التأكيد على أهمية التمسك بالكتاب والسنة والرجوع إليهما عند الاختلاف، مع التشديد على أن الأعمال يجب أن تكون خالصة لله وموافقة للشرع. يُبين أن أهل السنة يتمسكون بالنصوص ولا يتجاوزونها.
يُشدد على أهمية الإخلاص في الأعمال وأن تكون خالصة لوجه الله وتتوافق مع هدي النبي عليه الصلاة والسلام. يُوضح أن الأعمال المبتدعة تُعتبر مرفوضة استناداً إلى حديث النبي.
يتم نقل تحذير إمام مالك من الابتداع في الدين، حيث يعتبر أن من يزعم بوجود بدعة حسنة فقد اتهم النبي بالخيانة، مستنداً إلى الآية الكريمة التي تفيد إكمال الدين. يُحذر من تغيير أو زيادة في أحكام الدين.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الحافظ الحكمي رحمه الله تعالى: قال: «خاتمة في التمسك بالكتاب والسنة والرجوء عند الاختلاف إليهما، فما خالفهما فهو رد». قال رحمه الله تعالى: «شرط قبول السعي أن يجتمع فيه إصابة وإخلاص معا لله رب العرش لا سواه، موافق الشرع الذي ارتباه. وكل ما خالف للوحيين فإنه رد بغير مين. وكل ما فيه اختلاف نصب فرده إليه ما قد وجب. فالدين إنما أتى بالنقل، ليس بالأوهام وحدس العقل». يقول المؤلف رحمه الله تعالى: «خاتمة في التمسك بالكتاب والسنة والرجوء عند الاختلاف إليهما». جنح المؤلف رحمه الله تعالى بهذه الخاتمة إلى هذا الأصل العظيم الذي هو الفارق بين أهل السنة وأهل البدع. فإن الفارق بين أهل السنة وغيرهم أن أهل السنة يتمسكون تمسكا صحيحا بالكتاب والسنة، يدورون ويقفون حيث دارا ويقفون بما توقف به هذه النصوص، ويسيرون بما سارت به، فلا يقولون قولا ولا فعلا ولا كذلك توقفا إلا بما دلت عليها دلة الكتاب والسنة. ومناسبة جعل الخاتمة بهذا الفصل، وذلك أن جميع المباحث التي سبقت مردها إلى هذا الأصل العظيم، فهو كالإجمال بعد التفصيل. وفائدة ذلك: أن الإجمال بعد التفصيل يدل على جمع وحفظ هذا المفصل. قال رحمه الله تعالى: «ثم قال رحمه الله تعالى: شرط قبول السعي أن يجتمع فيه إصابة وإخلاص معه لله رب العرش لا سواه، موافق الشرع الذي ارتباه». يعني: شرط قبول السعي، أي سعي العباد وأعمالهم، هو أن يجتمع في هذا السعي والعمل أحد أو يجتمع فيه كلا هذين الشرطين، ولا يتخلف أحد هذين الشرطين. الشرط الأول: الإخلاص، والشرط الثاني: المتابعة. وقدم وأخر، فقال في الأول: «إصابة وإخلاص معه»، وقال في الثاني: «لله رب العرش لا سواه موافق الشرع الذي ارتباه»، فهو كذلك تفصيل وتأكيد لهذين الشرطين. الشرط الأول: الإصابة، أي ألا يكون مخالفا للسنة، للكتاب والسنة. والثاني: الإخلاص، وذلك استنانا وتقديا بكلمة الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى، التي صارت علما على هذين الأصلين، في تفسير قول الله جل وعلا: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، قال: «أخلصه وأصوبه». فإن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، فلا يقبل حتى يكون خالصا صوابا. والصواب: ما وافق هدي النبي عليه الصلاة والسلام، أي ما وافق الكتاب والسنة. والخالص: ما كان لله جل وعلا وحده، «لله رب العرش لا سواه»، لا شيء مما ينافيه. وكل ما خالف للوحيين فإنه رد بغير مين. والمخالف للكتاب والسنة يكون بأحد أمرين اثنين: إما بإحداث شيء لم يكن له أثر، وكذلك طريقة سابقة، فإن كان في العبادة فهو من الأمور المبتدعة المردودة. ودليله قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة، في لفظ الصحيحين: «من أحدث بأمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». والثاني: أن يكون ذلك في تغيير وإخلاف بعض العبادات التي دل الشرع على إثباتها بكيفيه وصورة معينة، فإنها إذا غيرت وبدلت وزيدت ونقصت كان ذلك كذلك مما خالف الوحيين. قال: «وكل ما فيه اختلاف نصب فرده إليه ما قد وجب». وهكذا كذلك إذا وقع الخلاف، فالواجب الرجوع إلى النص. النص الخاص مقدم على النص العام، والنص المبين مقدم على النص المجمل. يأتي رجل فيقول: نحن نجيز المولد لأنه من حب النبي عليه الصلاة والسلام، وأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صام يوم الاثنين لأنه يوم ولد به، وغير ذلك من العمومات، فيستدل به على الخصوص. هل عندك دليل خاص يدل على مشروعية هذا الأمر؟ مع أنه وجد في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، أي سببه موجود، ولو كان مشروعا لفعله عليه الصلاة والسلام. فكونه لم يفعله وصحابته لم يفعلوه من بعده، ولا التابعون ولا أئمة الهدى من بعدهم، ودل ذلك على أنه من المحدثات في الدين، ويدخل في عموم النهي عن البدع. هذا لو لم يكن فيه مخالفات، فكيف إذا كان معه شيء من المخالفات من الشركيات والبدع الأخرى والمنكرات التي تصحب هذه الموالد؟ فهذا أشد وأشد. ولهذا ينبغي دائما أن يستدل بالنص الخاص، ولا يوجد في الدين شيء اسمه بدعة حسنة أبدا في الدين. ولما قيل لإمام مالك رحمه الله ذلك، قال: «من زعم أن في الإسلام بدعة حسنة فقد اتهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالخيانة». ألم تسمع إلى قول الله جل وعلا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، فما لم يكن يومئذ دين لا يكون اليوم دين. قال رحمه الله: «فالدين إنما أتى بالنقل، ليس بالأوهام وحدس العقل». يعني: أن الدين نقل إلينا بالنقل، هذه صلوات خمس بالنقل، ليس بشيء من الوهم ولا كذلك تخرص ولا استحسان عقل. فلا يجوز للإنسان أن يزيد صلاة سادسة زعما منه أنه يريد زيادة الفضل، ولا كذلك أن يغير في صفة هذه الصلوات. كذلك لا يجوز له في سائر تفاصيل وأحكام هذا الدين أن يزيد شيئا أو يغير. بل حذر النبي عليه الصلاة والسلام من ذلك، من أن هؤلاء يطردون عن حوضه يوم القيامة، يقول: «أصحاب أصحابي»، وفي رواية: «أمة أمتي»، تعرفهم بمواقع الوضوء، فيقال له: «إنك لا تدري إنهم غيروا وبدلوا»، فيقول: «سحقا سحقا لمن غير وبدل». وهكذا كذلك هذا سبب لضياع الدين. فلو أن الناس تركوا ما أرادوا من الإحداث والتغيير والتبديل، لم يعرف الناس ما هو الدين الذي بعث به النبي عليه الصلاة والسلام مما لم يبعد به، كحال اليهود والنصارى اليوم. لو سألتهم ما هو الدين الذي بعث به موسى أو بعث به عيسى؟ ما عرفوا؛ لأن البدع اختلطت بأصل الدين، فصاروا لا يميزون بين أصل الدين الذي بعث به موسى وعيسى عليهم السلام وبين ما زيد وما غيروا بالدين. ولكن من حفظ الله جل وعلا لهذا الدين أن جعل هذا الأصل الأصيل، وجعل هذه الطائفة المنصورة والفرقة الناجية التي تأخذ بهذا الأصل، فكان ذلك سببا لتنقية هذا الدين مما أدخل فيه كذبا وزورا. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». وكل مباحث العقيدة التي مرت معنا هي من هذا الباب، من الإحداث في الدين الذي كان بسبب الوهم وحدس العقل. وإلا لو تابعوا الدليل ما حصل هذا. قال: «بالدين وإنما أتى بالنقل، ليس بالأوهام وحدس العقل»، ليس بالأوهام يعني ما يتوهمه المتوهمون في أي مبحث من مباحث الدين. نثل بهذا، ونكمل ما تبقى من خاتمته رحمه الله تعالى بدرس اللاحق. وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.