شرح منظومة السير إلى الله والدار الآخرة  3

شرح منظومة السير إلى الله والدار الآخرة 3

الدرس في شرح منظومة السير إلى الله والدار الآخرة 3، الدرس الثالث:(صحبوا التوكل في جميع أمورهم*مع بذل جهد في رضى الرحمان ...نعم الرفيق لطالب السبل التي*تفضي إلى الخيرات والإحسان ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم التوكل على الله تعالى وتطبيقه

التوكل هو الاعتماد على الله عز وجل ثقة به، ويتم بثلاثة أمور: معرفة الله، الاعتماد على مسبب الأسباب، والأخذ بالأسباب. النبي صلى الله عليه وسلم والأنبياء كانوا أئمة المتوكلين ومع ذلك أخذوا بالأسباب.

صفات أهل السعادة والسائرين إلى الله

يتميزون بالتوكل على الله في جميع الأمور، وتحقيق العبودية لله على أعلى مراتبها وهي مرتبة الإحسان، والنصح للخلق في رضا الله سبحانه وتعالى. كما أنهم يعيشون حياة مختلفة، همتهم عالية في طلب ما عند الله، ويترفعون عن الدنيا الفانية.

تحقيق الزهد وتفريغ القلوب لله

الزهد هو تفريغ القلوب عما يشغل عن الله، ويتمثل في شكر الله عند العطاء والصبر عند البلاء. من صفات الزاهدين أنهم يفرغون قلوبهم لمرضاة الله وحبه، وتكون حركاتهم وهمومهم وعزومهم لله وحده.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في منظومته في السير إلى الله والدار الآخرة، وفي سياق ذكره للصفات السائرين إلى الله والدار الآخرة أهل السعادة، قال رحمه الله تعالى: صَحِبُوا التَّوَكُّلَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ مَعَ بَذْلِ جَهْدٍ فِي رِضَى الرَّحْمَنِ عَبَدُوا الْإِلَهَ عَلَى اعْتِقَادِ حُضُورِهِ فَتَبَوَّأُوا فِي مَنْزِلِ الْإِحْسَانِ وهذه كذلك صفات أخرى من صفات السائرين إلى الله والدار الآخرة، صفات أهل السعادة، أنهم صحبوا التوكل في جميع أمورهم. وحقيقة التوكل هو الاعتماد على الله عز وجل ثقة به، ولهذا فإن المؤمن يبرهن إيمانه ويصدق إسلامه بهذا التوكل، كما قال الله عز وجل: ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وكما قال سبحانه وتعالى: ﴿فَعَلَيْهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾. فعلامة الإيمان وبرهان الإسلام تحقيق التوكل على الله سبحانه وتعالى في جميع الأمور، ولهذا قال من قال من رسل الله وأتباعهم الصالحين، كما أخبر الله عز وجل عنهم: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾. ولا يتم التوكل إلا بثلاثة أمور: الأمر الأول معرفة الله عز وجل في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، فمن لم يعرف ربه سبحانه وتعالى معرفة علمية وعملية لا يصح منه توكل. ولهذا، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «لا يصح توكل من فيلسوف ولا معطل»، وهكذا كذلك من باب أولى لا مشرك ولا كافر، وإنما يصح التوكل من المؤمن الذي تحققت معرفته لربه وخالقه سبحانه وتعالى معرفة علمية ومعرفة عملية. فلكمال علمه بربه وخالقه سبحانه وتعالى في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته توكل عليه سبحانه وتعالى وحده، ولم يتوكل على غيره، وتعلق به سبحانه وتعالى وحده، ولم يلتفت إلى غيره. ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس، ووصيته العظيمة: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء فلن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء فلن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك». وهذا لا يصح إلا ممن عرف الله حق المعرفة، فتوكل عليه، ولم يتوكل على غيره، ولم يلتفت لغيره. والأمر الثاني مما لا يصح التوكل إلا به أن يعتمد على مسبب الأسباب لا الأسباب، ويظهر الفرق أن المتوكل على الله حقا وصدقا لا يبالي بإقبال الأسباب وإدبارها. فإذا أقبلت الأسباب أو أدبرت فهو لا يتأثر ولا يجزع ولا يخاف؛ لأنه واثق بربه سبحانه وتعالى، كما أخبر الله عز وجل عن عدد من أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام، وهم أئمة المتوكلين، كيف أنهم لم يبالوا بإقبال الأسباب وإدبارها؛ لأنهم تعلقوا بمن؟ بالله عز وجل مسبب الأسباب. كما في حديث بن عباس في البخاري وغيره، قال: «حسبنا الله ونعم الوكيل»، قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال له الناس: «إن الناس قد جمعوا لكم». إبراهيم حين ألقي في النار لم يجزع، ما قال: «تخلفت عني كل أسباب النجاح»، بل قال: «حسبي الله ونعم الوكيل»، فجعل الله عز وجل النار بردًا وسلامًا. وهكذا نبينا صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد، وقد كسرت رباعيته وشج رأسه ودخلت وجنتا المغفر في وجهه عليه الصلاة والسلام وأدمي، وقتل من قتل من أصحابه، وهم في تلك الجراحات، قال لهم القائل: «إن الناس قد جمعوا لكم» -يعني قريش راجعون وعائدوا الكرة وأنتم على هذا الحال- فماذا قال عليه الصلاة والسلام؟ ما قال: «تخلفت عننا الأسباب وأدبرت»، بل قال: «حسبي الله ونعم الوكيل»، توكل على الله حق التوكل، لم يبال بإقبال الأسباب وإدبارها، فقذف الله في قلوب المشركين الرعب وولوا مدبرين خائفين هاربين إلى مكة. مع ما وقع في يوم أحد نصر من الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك موسى عليه الصلاة والسلام، فر من فرعون وقومه، فإذا بالماء أمامه والجند خلفه، فقال بعض من مع موسى: «إن لمدركون»، لم يقل: «إن قطعت الأسباب»، ولكن لم يبال بإقبال الأسباب وإدبارها، قال: «قولة الواثق بربه سبحانه وتعالى: كلا إن معي ربي سيهدين»، فأوحى الله عز وجل إليه أن يضرب بعصاه البحر، فانفلق كل فرق كالطود العظيم. وهكذا ينبغي أن يكون المؤمن واثقًا بربه سبحانه وتعالى. وثبت في الصحيح في قصة الرجل الذي استل السيف من فوق شجرة كان النبي صلى الله عليه وسلم مستظلاً تحتها، فأخذ السيف ورفعه على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: «من يحميك مني يا محمد؟» لم يبال النبي صلى الله عليه وسلم بإدبار الأسباب لثقته بربه سبحانه وتعالى، فقال: «قولة الواثق بربه جل وعلا، وهو في غاية الاطمئنان والرسوخ والهدوء والاستقرار: الله»، ومد بها صوته وكررها ثلاثًا: «الله، الله، الله»، حتى ارتعد الرجل وسقط السيف من يده، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «من يحميك مني؟» فسكت الأعرابي وطلب العفو، فعفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم وتركه، ولم يمسه شيئًا، وكان سببًا في إسلامه وإسلام قومه. وهكذا ينبغي أن يكون المؤمن، وكلما كمل المؤمن في إيمانه كمل توكله وقوي بربه سبحانه وتعالى، حتى كان له من الإيمان والتوكل أقوى من الجبال الراسيات. ولهذا كلما كمل المرء علمًا ومعرفة بالله سبحانه وتعالى وعملاً كمل إيمانًا وتوكلاً، كما كان الإمام بن القيم رحمه الله يقول: «كان إذا اشتد بنا الأمور لجأنا إلى شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى؛ لكمال علمه وعمله وإيمانه وتوكله بربه وخالقه سبحانه وتعالى». وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم كان كذلك ملجأ الصحابة رضي الله عنهم عند اشتداد الأمور، يتقوون بقوة إيمانه وعظيم توكله بربه وخالقه سبحانه وتعالى. والأمر الثالث مما لا يتم التوكل إلا به أن يعمل بالأسباب، فإن من تمام التوكل الأخذ بالأسباب، ليس معنى التوكل هو التواكل. فالنبي صلى الله عليه وسلم والأنبياء والرسل من قبله أئمة المتوكلين، ومع ذلك أخذوا لأسبابهم ولغزواتهم الزاد والراحلة والمتاع والسلاح. وأردف النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه الذراع في بعض غزواته، ولبس المغفر على رأسه، واتخذ سيفًا وركب فرسًا واتخذ زادًا وراحلة عليه الصلاة والسلام، وهو إمام المتوكلين. فلذلك قال من قال من العلماء، كما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة: «فرق ما بين التوكل والتواكل الأخذ بالأسباب»، فرق ما بين التوكل والتواكل الأخذ بالأسباب. فلا يصح توكل إلا بالأسباب، ومع أخذه بالسبب فلا يعتمد عليه، بل يعتمد على الله سبحانه وتعالى القوي الذي هو على كل شيء قدير. فإذا أدبرت الأسباب أو تخلفت لم يبال، وعلم أن له ربًا عظيمًا هو على كل شيء قدير، الذي أوجد الأسباب قادر على أن يوجدها من دون تلك الأسباب، وهو على كل شيء قدير. وقوله رحمه الله تعالى: «مع بذل جهد في رضا الرحمن» يعني مع حصول هذا التوكل الذي صاحبهم، فهم يبذلون الجهد في رضا الرحمن. وهذا ما تقدم من أن التوكل لا يتم إلا بماذا؟ بالعمل بالأسباب، بالعمل بالأسباب. فالجنة جعل الله عز وجل لها سببًا من أعظم أسبابها الحرص على العلم النافع والعمل الصالح، ولهذا قال سبحانه وتعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ أَوْرَثْنَاهَا الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، جعل لها سببًا. وهكذا كذلك أمور الدنيا جعل الله عز وجل لكل شيء سببًا يتوصل إليه به، وإنما سمي السبب سببًا؛ لأنه يوصل إلى المقصود. فمن أعظم صفات السائرين إلى الله مصاحبتهم للتوكل في جميع أمورهم، يعني الدينية والدنيوية والظاهرة والباطنة، فهم متوكلون على الله، مفوضون أمرهم إليه سبحانه وتعالى. ثم قال رحمه الله تعالى: «عبدوا الإله على اعتقاد حضوره فتبوأوا في منزل الإحسان» يعني ومن صفات السائرين إلى الله والدار الآخرة أهل السعادة أنهم حرصوا على تحقيق العبودية لله سبحانه وتعالى على أعلى مراتب هذه العبودية، وهي مرتبة الإحسان. فللدين ثلاثة مراتب: مرتبة الإسلام، ومرتبة الإيمان، ومرتبة الإحسان. فأما مرتبة الإسلام فالإتيان بالأعمال الظاهرة، وأما مرتبة الإيمان فالإتيان بالأعمال الظاهرة مع كذلك الأعمال الباطنة. فللإسلام أركانًا خمسة كما جاء في حديث جبريل، وللإيمان أركانًا ستة. ومرتبة الإحسان ومرتبة الإحسان هي أعلى هذه المراتب، أن يكمل تلك الأعمال الظاهرة والأعمال الباطنة بحسن المراقبة والحضور للرب سبحانه وتعالى. ولهذا قال في حديث جبريل، في حديث أبي هريرة في الصحيحين في قصة جبريل حين أتى يعلم الناس دينهم، وفي مسلم من حديث ابن عمر عن أبيه عمر: «لما سألوا عن الإحسان قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، فهو تحقيق معنى المراقبة والمعية للرب سبحانه وتعالى. فهو لا يزال -ولم يزل- يرى ويشاهد مراقبة الرب سبحانه وتعالى، فيكمل في إحسانه بعبوديته لربه وخالقه سبحانه وتعالى. يضرب مثل -ولله المثل الأعلى- لو كان أحد يراقبك في عمل تعمله له، ألا تستحي أن تخرم من هذا العمل شيئًا؟ الجواب: بلى. فكيف والله عز وجل العظيم الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين، لا تنفك عنه لحظة عين، ولا أدنى من ذلك؟ وهو القائل جل وعلا: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا﴾. وهو القائل سبحانه وتعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾، حتى ما في صدرك يعلمه الله سبحانه وتعالى. بل قال الله عز وجل: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾، إذا كان في قلبك سر، وهناك ما هو أخفى من السر، كما قال بعض العلماء: هو الهم الذي حتى القلب لم يطلع عليه، القلب لم يطلع عليه، فالله قد علمه، ولم يخف عليه منه شيء. فمن تحققت عنده هذه المعية وحصل له هذا الحضور، لا شك أنه سيحسن في عبادته، ومن أحسن في عبادته أحسن الله عز وجل إليه غاية الإحسان. ولهذا كانت معيته الخاصة ورعايته وكلاءته ونصرة وتأييده لأهل هذه المعية الخاصة أهل الإحسان، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾. فهؤلاء لهم معية خاصة، ولهم تأييد خاص، ونصر خاص في الدنيا، وكذلك في الدار الآخرة. وقد ذكر الله عز وجل أهل هذه المراتب الثلاثة في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾. فهؤلاء هم أهل المراتب الثلاثة في هذا الدين، فإن أهل الإسلام الظاهر قد تخترمهم بعض المظالم، وأهل الإيمان من اقتصد، ولكنه لم يسبق بالخيرات، وأهل الإحسان؛ لكمال عبوديتهم ولتحقق مراقبتهم سابقوا بالخيرات في السر والعلن. ولهذا قال من قال عن بعض الأئمة والسلف: «أنه لو أخبر أنه يموت غدًا لما زاد من عمله شيئًا»، لماذا؟ لأنه أصلا يراقب الله كل يوم ولحظة وحين، فهو لم يزل ولا يزال يحسن ويحرص على كمال الإحسان. ثم قال رحمه الله تعالى: «نَصَحَ الْخَلِيقَةَ فِي رِضَا مَحْبُوبِهِمْ بِالْعِلْمِ وَالْإِرْشَادِ وَالْإِحْسَانِ صَحِبُوا الْخَلَائِقَ بِالْجُسُومِ وَإِنَّمَا أَرْوَاحُهُمْ فِي مَنْزِلٍ فَوْقَانِي» وهذه كذلك من صفات أهل السعادة السائرين إلى الله والدار الآخرة، أنهم مع قيامهم بحق أنفسهم لخالقهم وربهم سبحانه وتعالى، قاموا بما يجب من حق عليهم مع الخلق. وأعظم هذه الحقوق النصح، وهو من أعظم أسباب النجاة من الخسارة، قال الله عز وجل: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. فالركن الثالث من أركان النجاة من الخسارة التواصي بالحق، وهو النصح للخلق. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الدين النصيحة»، كما في حديث أبي رقية ميمون بن أوس الداري في مسلم، وفي رواية خارج صحيح الإمام مسلم كررها ثلاثًا: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة»، أي كاد أن يكون الدين في النصيحة. وهو كما قال العلماء: الركن السادس من أركان الإسلام، فقد قرنه الله عز وجل بأركان الإسلام في مواضع، ومنه قول الله عز وجل: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾، فقدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو من النصح والتواصي على إقام الصلاة. ولهذا سماه من سماه من أهل العلم بأنه الركن السادس من أركان الإسلام. فمن صفات أهل السعادة والسائرين إلى الله أنهم أهل نصح للخلق، وهذا النصح في رضا ربهم ومحبوبهم وخالقهم سبحانه وتعالى. ولهذا كان من أعظم صفات أهل الحق أنهم أرحم الناس بالخلق، وألزمهم بالحق. ومن رحمتهم بالخلق حرصهم على نصحهم لهم، كما قال عليه الصلاة والسلام: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». بل قال الله عز وجل: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَهَدَاكُمُ اللهُ﴾، كنت ضالًا فهداك الله، كنت مخطئًا فوفقك الله، كنت جاهلًا فعلمك الله، فتذكر نعمة الله عليك وابذلها لغيرك. ولهذا كانت في هذه الخصال الأربع التي من أسباب نجاة الإنسان من الخسارة في هذه السورة العظيمة التي قال عنها الإمام الشافعي: «لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم». وقوله رحمه الله: «فِي رِضَا مَحْبُوبِهِمْ» أي أن هذه النصيحة ليست تشفيًا ولا تعاليًا ولا ترفعًا ولا عجبًا ولا غرورًا، ولكن في رضا الرب المحبوب سبحانه وتعالى. وهذا يقتضي من الرفق والحكمة والرحمة ما يحصل به المقصود من هذه النصيحة. وقوله: «بِالْعِلْمِ وَالْإِرْشَادِ وَالْإِحْسَانِ» كذلك تأكيد لهذا المعنى، من أن النصيحة تكون بوسائلها وضوابطها الشرعية المعروفة، والتي أجمل الإشارة إليها بهذه الكلمات الثلاث: العلم والإرشاد والإحسان. فبالعلم يزول الجهل، وبالإرشاد الذي فيه إشارة إلى الرفق يزول رد الحق، وبالإحسان يكون مدعاة لقبول هذا الحق. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أصول نصحه للناس حرصه على العلم والإرشاد والإحسان، فكان يبذل كل ما يملك في هداية الخلق عليه الصلاة والسلام، وهذا معروف لمن تتبع سيرته عليه الصلاة والسلام. وقوله: «صَحِبُوا الْخَلَائِقَ بِالْجُسُومِ وَإِنَّمَا أَرْوَاحُهُمْ فِي مَنْزِلٍ فَوْقَانِي» معناه من صفاتهم أن أجسادهم مع الناس، وقلوبهم مع الله سبحانه وتعالى. فأرواحهم في منزل فوقاني، هممهم عالية، ومقاصدهم رفيعة، وإن كانت أجسادهم في الأرض مع الناس. ولذلك فهم يعيشون حياة لا كحياة الناس، يعيشون حياة لا كحياة الناس، همهم ومطلبهم هو ماذا؟ هو رضا الله سبحانه وتعالى، رضا الله سبحانه وتعالى. فعند ذلك يتحقق من التعلق بالله والالتفات إليه وتحقيقه وتحقيق ما يجب من حقه ما لا يعارضه شيء مما عليه حال الناس. فلا تشغله دنيا فانية، ولا شهوة زائلة، ولا تؤثر فيه شبهة عارضة؛ لتعلقه بهذا المنزل الفوقاني. وهذا هو حقيقة الزهد، فحقيقة الزهد والتعلق بالله سبحانه وتعالى هو أن يكون همة العبد عالية في طلب ما عند الله سبحانه وتعالى العظيم. وأن يترفع عن كل ما في الدنيا من أمر وضيع، فهو من باب أولى يبتعد عن الوقوع في القاذورات من الذنوب والمعاصي والسيئات. وهو من باب أولى يترفع عن ظلم المخلوقين، وعلى أن ينافسهم ويزاحمهم في دنيا فانية حقيرة ساقطة. بل يبذل الدنيا كلها في طلب ما عند الله سبحانه وتعالى؛ لأن همتهم عالية. والأمر كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الحديث المشهور الصحيح: «مالي وللدنيا، إنما أنا كرجل -وفي رواية: كراكب- استظل تحت شجرة، ثم تركها»، حديث ابن مسعود المشهور الذي رواه أحمد والترمذي وغيره بإسناد حسن. دخل عبد الله بن مسعود على النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم على حصير، أثر على جسده، فقال له: «يا رسول الله، لو أمرتنا أن نبسط لك ونعمل لك؟» فقال عليه الصلاة والسلام: «مالي وللدنيا، إنما أنا كرجل أو قال: كراكب استظل تحت شجرة، ثم تركها». وفي رواية عند ابن حبان وغيره بإسناد صحيح كذلك عن ابن عباس: «أن عمر رضي الله عنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وقد أثر الحصير على ظهره، فقال: يا رسول الله، لو اتخذت فراشًا أوثر من هذا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مالي وللدنيا، إنما أنا كرجل استظل تحت شجرة، ثم تركها -أو قال: كراكب سائر في يوم صائف فاستظل تحت شجرة، ثم تركها-». وفي البخاري وغيره: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بمنكب عبد الله بن عمر، وقال له: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»، وفي رواية خارج الصحيح في زيادة صحيحة حسنها بعض أهل العلم -منهم العلامة الألباني رحمه الله- عند أحمد وغيره: «أنه قال له بعد قوله: أو عابر سبيل: وأعد نفسك من أهل القبور»، يعني احتسب نفسك أنك من أهل القبور. فكان ابن عمر يقول بعد هذا الحديث: «إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك»، ومعناه: لا تطل الأمل. وإذا كان هذا هو قاعدة المسلم في هذه الدنيا: أنه كعابر سبيل أو كالغريب، فحسبه أن يأخذ منه الشيء اليسير. عابر السبيل والغريب ماذا يأخذ؟ هل يأخذ الشيء الكثير الذي يثقله ويؤخره في الرجوع إلى أهله؟ الجواب: لا، بل يأخذ شيء يسير يوصله إلى أهله، ولا يقطع عنه سرعة الوصول إلى أهله. وهذا الإنسان إنما مستقره وأهله في جنة الله سبحانه وتعالى، منها خرج وإليها يعود إن شاء الله إن أصلح نفسه. فلذلك لا يجعل الدنيا دار مستقر، وإنما هي دار ممر، وليشمر لدار المستقر جنة الله سبحانه وتعالى. وحال هذه الدنيا كما مثل النبي صلى الله عليه وسلم: كرجل استظل في يوم صائف تحت شجرة، ثم تركها. كم عسى أن يستظل الإنسان تحت الشجرة؟ كنت يومًا من الأيام رجلًا، كنت فتى صغيرًا وصرت رجلًا وها أنت شيخًا، ويتوفاك الله سبحانه وتعالى. تذكر كم كانت تلك السنوات؟ كانت كهذه اللحظات في استظلال رجل تحت ظل شجرة، ثم تركها. فما تبقى إلا الحسرات لمن لم يحسن، أو النعيم الملذات لمن وفقه الله جل وعلا للجد والاجتهاد والمثابرة فيما عند الله سبحانه وتعالى. ثم قال رحمه الله تعالى: «بِاللهِ دَعَوَاتُ الْخَلَائِقِ كُلِّهَا خَوْفًا عَلَى الْإِيمَانِ مِنْ نَقْصَانِ» وهذه ندبة من المؤلف رحمه الله تعالى لمن أراد الرعاية الحقيقية والمنزلة الرفيعة لنفسه في الدنيا والآخرة، أن يتعلق بالله سبحانه وتعالى وحده خوفًا ورغبة ورهبة. أن لا يخترم إيمانه شيء من النقص، فمن أعظم صفات السائرين إلى الله والدار الآخرة أهل السعادة أنهم أعظم ما يخافون منه اخترام الإيمان، نقص الإيمان. ما يخافون أن ينهب المال، ولا يخافون أن يذهب الولد، ولا أن يذهب الجاه، ولا الكرسي، ولا المنصب، ولا أي شيء من متاع الدنيا الزائل. ولكن أعظم ما يخافون منه هو زوال هذا الإيمان. ولهذا كان من تحقيق الإيمان أن يكره أن يعود في الكفر بعد إذا أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف ماذا؟ في النار. أعظم شيء عنده الإيمان أن يخرج من هذه الدنيا بإيمانه كاملًا كما يحبه ربه سبحانه وتعالى له. ومن كان هذا حاله وهذه نيته، فلا تسأل عن جده واجتهاده، وعن صبره ومصابرته، وعن كذلك مسابقته ومسارعته ومثابرته ومداومته، وغير ذلك من صفات الكمال وخصال الجلال التي وفق الله عز وجل بها أهل الإيمان. التي وفق الله ويخص الله عز وجل بها أهل الإيمان، والموفق من وفقه الله سبحانه وتعالى. ويظهر ذلك في حاله ومقاله وظاهره وباطنه ومواقفه وأحواله، حتى تكون له من عاجل بشرى المؤمن: ما هي؟ سابقة ثناء وذكر له في الدنيا، فضلًا عن الآخرة. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنتم شهداء الله في أرضه»، حين مرت جنازة فذكروها بخير، ومرت أخرى فذكروها بغير ذلك. كيف تذكر بخير إلا وكانت ماذا؟ حريصة على الخير؟ وكيف تذكر بغير ذلك إلا وكانت ماذا؟ زاهدة في الخير؟ فمن حرص على كمال الإيمان وجد من شواهد الحق وبراهين الصدق ما هو -بإذن الله- عاجل بشرى المؤمن. ثم قال رحمه الله تعالى: «عَزَفُوا الْقُلُوبَ عَنْ الشَّوَاغِلِ كُلِّهَا قَدْ فَرَّغُوهَا مِنْ سِوَى الرَّحْمَنِ حَرَكَاتُهُمْ وَهُمُومُهُمْ وَعَزُومُهُمْ لِلَّهِ لَا لِلْخَلْقِ وَالشَّيْطَانِ» وهذه صفات أخرى من صفات أهل السعادة السائرين إلى الله سبحانه وتعالى والدار الآخرة، أنهم عزفوا قلوبهم عن الشواغل لكلها. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من هؤلاء. عزفوا القلوب عن الشواغل لكلها، قد فرغوها من سوى الرحمن. فمن صفاتهم أنهم فرغوا قلوبهم عن جميع ما يشغل عن الله سبحانه وتعالى ويبعد عن رضاه. وهذا كما قال من قال من أهل العلم: حقيقة الزهد، فحقيقة الزهد هو تفريغ القلوب عما يشغل عن الله سبحانه وتعالى، بترك ما لا ينفع في الآخرة، وما يضر في الدنيا. وبه يعلم أن الهمة العالية التي ينبغي أن تحرص أن يحرص عليها هو هذا: تفريغ القلوب عما يشغل عن الله سبحانه وتعالى، بترك ما لا ينفع في الآخرة، فضلًا عما يضر، وترك ما يضر في الدنيا. فإن كان مما ينفع في الآخرة الاستعانة ببعض المباحات، فإذا ليس هذا مما ينافي الزهد. ولهذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام إمام الزاهدين، وقد أكل من اللحم، كما ربط على بطنه الحصى والحجر والحجرين عليه أفضل الصلاة والسلام. وبه نعرف أن الزهد أن يشكر العبد ربه عند العطاء، ويصبر عند البلاء، هذا هو الزهد. أن يشكر عند العطاء ويصبر عند البلاء، وليس معناه أن يترك ما يأتيه من عطاء، ويتعمد تتبع البلاء. ففعل ذلك -كما قال شيخ الإسلام- هو الحمق، فعل ذلك هو الحمق. لم يكن هذا من سنة الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، بل الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام كانوا يفرغون قلوبهم عن الشواغل عن الله، وعما يبعد عن رضاه. ويتركون ما لا ينفع في الآخرة، ومن باب أولى ما يضر، وما يضر في الدنيا. فإن كان شيء من الدنيا ينفع، وتوصلوا إليه بطريق حلال ومباح، استعانوا به في مرضاة الله سبحانه وتعالى. وهذا كثير في حياة الأنبياء والرسل، وإمام مقتدونا نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقوله رحمه الله تعالى: «قَدْ فَرَّغُوهَا مِنْ سِوَى الرَّحْمَنِ» يعني قلوبهم فارغة، بمعنى غير متعلقة بغير الله سبحانه وتعالى الرحمن. فلا تجد فيها مكان لغير الله. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «والله لا يؤمن أي أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله ونفسه وأهله والناس أجمعين». فإذا تفرغ القلب في مرضاة الله وحبه وحب ما يحبه، فعند ذلك حصل المقصود من ماذا؟ الالتفات إلى الله وحده سبحانه وتعالى، وعدم مزاحمة غيره له جل وعلا. وإذا كان هذا في القلب، فمن باب أولى في الأقوال والأفعال والأحوال. وقوله رحمه الله: «حَرَكَاتُهُمْ وَهُمُومُهُمْ وَعَزُومُهُمْ لِلَّهِ لَا لِلْخَلْقِ وَالشَّيْطَانِ» يعني: لكمال تفرق قلوبهم عن جميع ما يشغل عن الله، وبعدهم عما يبعد عن رضاه، صارت حركاتهم وهمومهم وعزومهم لله. وهذا بأمرين: الأمر الأول بحرصهم وشدة ما يبرهن صدقهم في ذلك، والأمر الثاني وهو العظيم: توفيق الله سبحانه وتعالى لهم، حتى يلهمون التوفيق في الحركات، وفي الهموم، وفي العزوم، فضلًا عن الأقوال والأفعال والأحوال. ولهذا تجد العبد كلما كمل تعلقه بربه سبحانه وتعالى، كمل توفيق ربه سبحانه وتعالى له. كما قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾، وكما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾، وغير ذلك من الآيات والأدلة الكثيرة التي تدل على هذا المعنى العظيم. وقوله: «لَا لِلْخَلْقِ وَالشَّيْطَانِ» يعني: لم يزاحم ذلك في حركة وهم وعزم -فضلًا عن قول وفعل وحال- شيء مما هو للخلق، أو من باب أولى للشيطان. ثم ختم رحمه الله بهذا البيت الأخير بقوله: «نِعْمَ الرَّفِيقُ لِطَالِبِ السُّبُلِ الَّتِي تُفْضِي إِلَى الْخَيْرَاتِ وَالْإِحْسَانِ» ومعناه: من أعظم صفاتهم كذلك حرصهم على متابعة أهل الرفقة الصالحة والسبيل الحسن، وهم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون. وحسن أولئك رفيقًا، من أمرنا الله عز وجل بالدعاء بمرافقتهم في كل صلاة، وفي كل ركعة. فنحن نقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِ