الدرس في الإيمان الأوسط 8، الدرس الثامن:(فقد قسم الله سبحانه الأمة التي أورثها الكتاب واصطفاها ثلاثة أصناف...من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار حتى فرجه بفرجه) ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح مراتب المسلمين حسب ابن تيمية وتقسيم الأمة إلى ثلاثة أصناف: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات. هذه المراحل تتعلق بدرجات الإيمان والعمل الصالح وتكفير السيئات.
الناس الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ثلاثة أقسام: من يدخل الجنة، ومن يوقف على الأعراف ثم يدخل الجنة، ومن يدخل النار ثم قد يخرج منها. المصائب في الدنيا تكفر عن خطايا المؤمنين.
ذكر عشرة أسباب تزيل عقوبة الذنوب، منها التوبة والاستغفار والحسنات الماحية. العبادات مثل الصلوات الخمس، الصيام، قيام ليلة القدر، والحج، لها دور في مغفرة الذنوب.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى: قال: "قد قسم سبحانه الأمة التي أورثها الكتاب واصطفاها ثلاثة أصناف: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات". وهؤلاء الثلاثة ينطبقون على الطبقات الثلاث المذكورة في حديث جبريل: الإسلام، والإيمان، والإحسان، كما سنذكره إن شاء الله. ومعنى أن الله عز وجل ذكر هؤلاء الثلاثة، أي الأصناف، وهم مذكورون في حديث جبريل، فالإسلام ثلاثة مراتب: مرتبة الإسلام، وهم الذين ذكروا في الآية، من يكون عنده شيء من الظلم لنفسه، فمنهم ظالم لنفسه، أي بتقصيره في بعض خصال الإيمان الواجبة. ومرتبة الإيمان، وهم الذين ذكروا في الآية سابق بالخيرات. ومرتبة الإحسان، أو هم الذين ذكروا في الآية المقتصد، ومرتبة الإحسان هو الذي ذكر في الآية السابق بالخيرات. قال رحمه الله تعالى: كما سنذكره إن شاء الله. ومعلوم أن الظالم لنفسه نريد به من اجتنب الكبائر والتائب من جميع الذنوب، فذلك مقتصد، أي ليس هذا بظالم ما دام قائمًا وليس بظالم إذا لم يقع في الكبائر، وإنما ظالم لنفسه باعتبار وقوعه فيما يضر بنفسه. قال: "أو سابق، فإنه ليس أحد من بني آدم يخلو عن ذنب". وهذا كما قال رحمه الله، وسيأتي إن شاء الله التدليل عليه. فعلم أن من كان عنده ذنب فتاب منه، فهو مقتصد. أو أحسن حسنات كثيرة كانت سببًا في تغطية ذاك الذنب ومحوه تمامًا، فذاك السابق بالخيرات. وإلا فكل بني آدم خطاء. قال رحمه الله: "كذلك من اجتنب الكبائر كفرت عنه السيئات"، كما قال تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. فلابد أن يكون هناك ظالم لنفسه موعود بالجنة، ولو بعد عذاب يطهر من الخطايا. وسيأتي معنا إن شاء الله أن من هو ظالم لنفسه أقسام. فهذا ذكر مجمل، وسيأتي إن شاء الله. قال: "فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن ما يصيب المؤمن في الدنيا من المصائب مما يجزى به ويكفر عنه خطايا"، كما في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا غم ولا أذى حتى الشوك يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه". والحديث في الصحيحين، كما أشار في التعليق. جاء عن أبي هريرة وغيره. قال: "وفي المسند وغيره أنه لما نزلت هذه الآية: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، قال أبو بكر: يا رسول الله، جاءت قاصمة الظهر، وأينا لم يعمل سوءًا؟ فقال: يا أبا بكر، ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأواء؟ فذلك مما تجزون به". فمجازات المحسنين بما يكون مما يصابون به في الدنيا، فيكفر عنهم سيئات، فيخرجون من الدنيا كفافًا. كذلك ما يكون من إحسانهم الذي يكفر عنهم تلك السيئات. قال رحمه الله: "وأيضًا، والحديث حسن بمجموع طرقه". وأشار إلى أن في بعض طرقه انقطاعًا وضعفًا، لكن الحديث له طرق يشد بعضها بعضًا. قال: "وأيضًا، فقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في أنه يخرج أقوام من النار بعدما دخلوها، وأن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع في أقوام دخلوا النار". وهذا يدل أنهم أقسام، كما قال ابن القيم، رحمه الله، في معنى كلامه: أن من خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا ثلاثة أقسام. قسم تغلب حسنته سيئته، فيدخل الجنة. وقسم تقف حسنته مع سيئته سواء، وهم أهل الأعراف، يوقفون ثم يؤمر بهم إلى الجنة. وقسم تغلب عليهم السيئة، وهؤلاء يستحقون النار، ثم بعد ذلك هم أصناف. فمنهم من لا يدخلها بعمل صالح يشفع له، أو شفاعة الشافعين، أو رحمة رب العالمين. ومنهم من يدخلها فيخرج منها قبل استحقاق عذابه، كذلك بعمل يشفع له، أو شفاعة الشافعين، أو رحمة رب العالمين. ومنهم من يطهر لقلة حسناته وعدم وجود أسباب المغفرة له، حتى إذا طهر أخرج إلى الجنة. معنى كلامه، رحمه الله تعالى: فعلم بهذا أنهم أقسام، فليسوا شيئًا واحدًا. ورحمة الله أوسع، وفضله أعظم. قال رحمه الله تعالى: "وهذه الأحاديث حجة على الطائفتين الوعيدية الذين يقولون: من دخلها من أهل التوحيد لم يخرج منها". وسبب خطأهم هو سوء الفهم للقرآن. ولهذا دفعهم أن يجعلوا كل من خالف القرآن برأي أو عمل فهو كافر أو خارج من الإيمان، على القولين المشهورين للوعيدية: الخوارج والمعتزلة. قال: "وأما ما يذكر عن غلاة المرجئة أنهم قالوا: لن يدخل النار من أهل التوحيد أحد، فلا نعرف قائلًا مشهورًا من المنسوبين إلى العلم يذكر عنه هذا القول". فعلم أنه قول ليس لهم فيه إمام يُعرف بالعلم، بل أهل جهل وهوى. قال رحمه الله: "فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد شهد لشارب الخمر المجلود مرات بأنه يحب الله ورسوله، ونهى عن لعنته". ومعلوم أن من أحب الله ورسوله أحبه الله ورسوله بقدر ذلك. قال: "وأيضًا، فإن الذين قذفوا عائشة أم المؤمنين كان فيهم مصطح بن أثاثة، وكان من أهل بدر". وقد أنزل الله فيه: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. قال: "وكذلك حاطب بن أبي بلتعة، كاتب المشركين بأخبار النبي صلى الله عليه وسلم". فلما أراد عمر قتله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك أن الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم". قال رحمه الله: "قد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن عقوبة الذنوب تزول عن العبد بنحو عشرة أسباب". أسباب زوال عقوبة الذنوب. قال: "أحدها: التوبة، وهذا متفق عليه بين المسلمين". قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. قال: "فمن استغفر أغفر له، ومن تاب تاب الله عليه". وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾. قال: "والسبب الثاني: الاستغفار، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا أذنب عبد ذنبًا فقال: أي رب، أذنبت ذنبًا فاغفر لي، فقال: علم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي". قال: "ثم أذنب ذنبًا آخر، فقال: أي رب، أذنبت ذنبًا آخر فاغفره لي، فقال ربه: علم عبدي أن له ربًا يغفر الذنوب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، فليفعل ما شاء". قال: "والسبب الثالث: الحسنات الماحية، كما قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾". والآية عامة، ونزلت كما جاء في الصحيح في الرجل الذي وقع بامرأة ففعل كل شيء إلا أنه لم يزن بها. فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: هل لي من كفارة؟ فأنزل الله عز وجل هذه الآية. قال: "وقال صلى الله عليه وسلم: الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنب الكبائر". قال: "وقال: من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه". وهذا عام، هل يدخل فيه الكبائر؟ في خلاف بين أهل العلم. قال: "وقال: من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه". وهذا عام، وعمل بعض أهل العلم بعمومه، فقالوا: حتى إذا كانت عنده كبيرة، فهذه تكفرها. قال: "وقال: من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه". وهذا كذلك عام يدل على أنه يكفر الصغائر والكبائر. نقف لهنا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق. والله أعلم.