الإيمان الأوسط 29

الإيمان الأوسط 29

الدرس في الإيمان الأوسط 29، الدرس التاسع والعشرون:(الجواب الثاني:أنه كان يذكر في كل مقام ما يناسبه ... وقالوا فيها من المقالات الغليظة ما هو معروف والصلاة هي أعظمها وأعمها وأولها وأجلها ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مسألة تكفير تارك الفرائض وجاحد الواجبات

يناقش تكفير من يترك الفرائض أو يجحد وجوبها، ويستند إلى أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية في التفريق بين الجاحد لوجوب الفرائض وبين من لم تقم عليه الحجة. الجاحد للفرائض يعتبر كافرًا.

آراء العلماء في تكفير تارك الصلاة

يتناول آراء العلماء في تكفير تارك الصلاة، ويذكر أربعة أقوال مختلفة حول هذا الموضوع، ويستند إلى أقوال السلف والصحابة والتفاسير القرآنية والأحاديث النبوية. ترك الصلاة يعد من صفات الكفار.

التفريق بين تارك الصلاة والمؤخر لها

يناقش شيخ الإسلام ابن تيمية مسألة الحكم على تارك الصلاة بالكفر، ويفرق بين من يترك الصلاة تمامًا ومن يؤخرها عن وقتها. الإيمان يزيد وينقص، ومن يصلي أحيانًا يكون لديه إيمان ونفاق.

حكم تارك الصلاة ومسألة الإرجاء

يتناول حكم تارك الصلاة ومسألة الإرجاء، ويوضح أن تارك الصلاة يكفر إذا تركها كليًا. يحذر من الخلط بين مخالفة المرجئة ومخالفة أهل السنة في مسائل العقيدة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: الجواب الثاني أنه كان يذكر في كل مقام ما يناسبه، فيذكر تارة الفرائض الظاهرة التي يقاتل على تركها الطائفة الممتنعة كالصلاة والزكاة، ويذكر تارة ما يجب على السائل. فمن أجابه بالصلاة والصيام لم يكن عليه زكاة يؤديها؛ يعني ليس عنده مال، أو علم من حاله أنه من الفقراء. قال: ومن أجابه بالصلاة والزكاة والصيام، فإما أن يكون قبل فرض الحج، وهذا هو الواجب في مثل حديث عبد القيس ونحوه، وإما أن يكون السائل ممن لا حج عليه؛ يعني لعلمه بعدم استطاعته أو عدم قدرته. قال: وأما الصلاة والزكاة، فلهما شأن ليس لسائر الفرائض، ولهذا ذكر الله تعالى في كتابه القتال عليهما؛ لأنهما عبادتان، بخلاف الصوم فإنه أمر باطن، وهو مما أُؤتمن عليه الناس، فهو من جنس الوضوء والاغتسال من الجنابة ونحو ذلك مما يؤتمن عليه العبد. وهذا إذا أظهر الإنسان أداءه، أما إذا جحده وجاهر بجحده، فإنه يستتاب عليه، ولو قُوتل. قال رحمه الله تعالى: فإن الإنسان يمكنه أن لا ينوي الصوم، وأن يأكل سرًا، كما يمكنه أن يكتم حدثه وجنابته. وأما الصلاة والزكاة، فأمر ظاهر، لا يمكن الإنسان بين المؤمنين أن يمتنع من ذلك. وهو صلى الله عليه وسلم يذكر في الإسلام الأعمال الظاهرة التي يقاتل عليها الناس، ويصيرون مسلمين بفعلها، فلهذا علق ذلك بالصلاة والزكاة دون الصيام، وإن كان الصوم واجبًا كما في آيتي براءة. ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:1]، فإن براءة نزلت بعد فرض الصيام باتفاق الناس. وكذلك لما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن، قال له: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن أجابوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم، فإن أطاعوك لذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتقي دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» أخرجاه بالصحيحين. ومعاذ أرسله إلى اليمن في آخر الأمر، بعد فرض الصيام، بل بعد فتح مكة، بل بعد تبوك، وبعد فرض الحج والجزية. فإن النبي صلى الله عليه وسلم مات ومعاذ باليمن، وإنما قدم المدينة بعد موته. ولم يذكر في هذا الحديث الصيام؛ لأنه تبع وهو باطن، ولا ذكر الحج؛ لأن وجوبه خاص، ليس بعام، وهو لا يجب في العمر إلا مرة، فكان هذا مما لا يخفى على مثل معاذ رضي الله تعالى عنه. فذكر له النبي صلى الله عليه وسلم الأمر الذي يشمل جميع الناس. وأما ما قد يكون لبعضهم دون بعض، فهذا وكل إلى علم معاذ. ومعاذ رضي الله عنه لا شك أنه لن يقف في تعليم الإسلام في هذا المذكور في الحديث، بل سيعلم ما فتح الله عليه من شرائع الإسلام، يتوخى في ذلك الأهم ثم المهم، وهذا معلوم من نصوص أخرى كثيرة. قال: ولهذا تنازع العلماء في تكفير من يترك شيئًا من هذه الفرائض الأربع بعد الإقرار بوجوبها. وهذا هو المقصود من هذا الباب لحديث ابن عمر وما لحق به من مسائل، يريد أن يبين علاقة ذلك بالإيمان، وإفراط وتفريط من ضل من أهل الأهواء في هذه المسائل، والعدل الذي دلت عليه الأدلة، وقاله علماء الأمة، وكان عليه قول السلف الصالح. قال رحمه الله تعالى: ولهذا تنازع العلماء في تكفير من يترك شيئًا من هذه الفرائض الأربع بعد الإقرار بوجوبها. فأما الشهادتان إذا لم يتكلم به من مع القدرة، فهو كافر باتفاق المسلمين، وهو كافر باطنًا وظاهرًا عند سلف الأمة وإمامها وجماهير علمائها. وذهب الطائفة من المرجئة، وهم جهمية المرجئة كجهم والصالحي وأتباعهما، إلى أنه إذا كان مصدقًا بقلبه، كان كافرًا في الظاهر دون الباطن. وقد تقدم التنبيه على أصل هذا القول، وهو قول مبتدع في الإسلام، لم يقله أحد من الأمة. وقد تقدم أن الإيمان الباطن يستلزم الإقرار الظاهر، بل وغيره، وأن وجود الإيمان الباطن تصديقًا وحبًا وانقيادًا بدون الإقرار الظاهر ممتنع. والخلاصة أن قول الشهادتين يعتبر من الأمور التي لا بد منها للمسلم، فعدم الشهادة بهما مما يكون به الكفر، وهذا بإجماع المسلمين إلا من شذ من أهل الأهواء، وهم الجهمية والصالحية فقط، وخلافهم غير معتبر. وأما باقي الفرائض الأربع، فقد وقع فيها الخلاف كما سيأتي تفصيله والترجيح في ذلك. قال: وأما الفرائض الأربع، فإذا جحد وجوب شيء منها بعد بلوغ الحجة، فهو كافر. وكذلك من جحد تحريم شيء من المحرمات الظاهرة المتواتر تحريمها كالفواحش والظلم والكذب والخمر ونحو ذلك، فهذا تحقيق وتفصيل في هذه المسألة. فالفرائض الأربع فيها خلاف، لكن ليس في حق من جحد وجوب شيء منها، فأما الجاحد، فهم متفقون أنه كافر؛ أي تارك الفرائض الأربع وجاحدها: الصلاة والزكاة والصيام والحج. قال: وكذلك من جحد تحريم شيء من المحرمات الظاهرة المتواتر تحريمها، وهو ما يسمى أنه معلوم من الدين بالضرورة، فهذا كذلك جاحده يعتبر كافرًا. قال: وأما من لم تقم عليه الحجة، مثل أن يكون حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه فيها شرائع الإسلام، نحو ذلك، أو غلط، وظن أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستثنون من تحريم الخمر كما غلط في ذلك الذين استتابهم عمر، وأمثال ذلك؛ يعني من المسائل التي يُعذر صاحبها بمثلها، فأمثال هؤلاء يُعذرون. قال: وقد أشار شيخ الإسلام في مواضع من كتبه بهذا المعنى: أن ما هو معلوم من الدين بالضرورة يتفاوت الناس في العلم به. فحديث العهد بالإسلام قد يكون ما هو معلوم في الدين بالضرورة عند غيره ليس عنده معلومًا. وهكذا من نشأ ببادية بعيدة، أو كذلك من يحصل له الغلط في آحاد المسائل أو في مسألة، فأمثال هؤلاء يُعذرون، وعليه عموم نصوص الكتاب والسنة، وتطبيق وعمل سلف الأمة. قال: فإنهم يستتابون، وتقام عليهم الحجة، فإن أصروا كفروا حينئذ، ولا يحكم بكفرهم قبل ذلك. كما لم يحكم الصحابة بكفر قدامة بن مظعون وأصحابه لما غلطوا فيما غلطوا فيه من التأويل؛ يعني في ظنهم أن الخمر قد أحلت على الذين آمنوا ما دام إيمانهم، استدلالًا بآية النحل وغيرها، وهو خطأ، وبين لهم عمر رضي الله عنه أنهم لو آمنوا لتركوا ما حرم الله. قال: وأما مع الإقرار بالوجوب إذا ترك شيئًا من هذه الأركان الأربعة، ففي التكفير أقوال، أقوال العلماء هي روايات عن أحمد. أحدها أنه يكفر بترك واحد من الأربعة؛ حتى الحج، وإن كان في جواز تأخيره نزاع بين العلماء، فمتعمد على تركه بالكلية كفر. وهذا قول طائفة من السلف، وهي إحدى الروايات عن أحمد، اختارها أبو بكر. وقد روي معنا عن عمر، وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم؛ أي القول بكفر تارك الحج؛ يعني تاركه بالكلية من غير عذر. قال: والثاني أنه لا يكفر بترك شيء من ذلك مع الإقرار بالوجوب، وهذا هو المشهور عند كثير من الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي، وهو إحدى الروايات عن أحمد، اختارها ابن بطة وغيره؛ أي الأربعة: الصلاة والصيام والزكاة والحج، لا يكفر تاركها إذا لم يكن على وجه الجحود. قال: الثالث لا يكفر إلا بترك الصلاة، وهي الرواية الثالثة عن أحمد، وقول كثير من السلف، وطائفة من أصحاب مالك والشافعي، وطائفة من أصحاب أحمد؛ يعني استثنى الصلاة، تاركها يكفر، والزكاة والصيام والحج لا يكون تاركها كافرًا إلا بالجحود كما تقدم. قال: والرابع يكفر بتركها وترك الزكاة فقط، وهذا قول كذلك مروي عن بعض الصحابة، ولئلا من بعدهم. قال: والخامس بتركها وترك الزكاة إذا قاتل الإمام عليها دون ترك الصيام والحج، وهذا القول بعضهم نسبه لبعض الصحابة، ومنهم من نسبه إلى أبي بكر رضي الله عنه في قتال أهل الردة. وسبق في دروس سابقة أن العلماء قسموا أهل الردة إلى ثلاثة أقسام، فمنهم من كان كفره كفرًا أكبر وردته عن كل الإسلام، ومنهم من كان في الزكاة وجحوده إياها، ومنهم من امتنع بخلًا، وسمي الجميع أهل الردة بالتغليب، وليس أن الجميع ارتدوا عن دين الإسلام. قال: وهذه المسألة لها طرفان، أحدهما في إثبات الكفر الظاهر، والثاني في إثبات الكفر الباطن. فأما الطرف الثاني؛ أي إثبات الكفر الباطن، فهو مبني على مسألة كون الإيمان قولًا وعملًا كما تقدم. ومن الممتنع أن يكون الرجل مؤمنًا إيمانًا ثابتًا في قلبه بأن الله فرض عليه الصلاة والزكاة والصيام والحج، ويعيش دهره لا يسجد لله سجدة، ولا يصوم من رمضان، ولا يؤدي لله زكاة، ولا يحج إلى بيته، فهذا ممتنع، ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلب وزندقة، لا مع إيمان صحيح. ولهذا إنما يصف سبحانه بالامتناع من السجود الكفار، كقوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم:42]، ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم:43]. وأثبت بالصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة وبي سعيد وغيرهما في الحديث الطويل حديث التجلي: أنه إذا تجلى تعالى لعباده يوم القيامة، سجد له المؤمنون، وبقي ظهر من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، مثل الطبق لا يستطيع السجود. وثبت أيضًا في الصحيح: أن النار تأكل من ابن آدم كل شيء إلا موضع السجود؛ فإن الله حرم على النار أن تأكله. فعلم أن من لم يكن يسجد لله تأكله النار كله. وكذلك ثبت في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم يعرف أمته يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء، فدل ذلك على أن من لم يكن غرًا محجلًا لم يعرف النبي صلى الله عليه وسلم فلا يكون من أمته، فعلم بهذا أن تارك الصلاة ليس من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله: وقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ [المرسلات:46]، ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات:47]، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات:48]، ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات:49]، ومعناه أن ترك الصلاة وعدم الركوع ليس من صفات المؤمنين، بل من صفات الكافرين. قال: وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [التكوير:7]، ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [التكوير:21]، ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ [التكوير:9]، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ [التكوير:10]، ومعناه أن ترك السجود من صفات الكفار، فمن لم يسجد لله سجدة ويزعم أنه مسلم، فهو كاذب في إسلامه. قال: وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ [القيامة:31]، ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة:32]، ومعناه أن من صفات الكفار أنه لا يصدق ولا يصلي. قال: وكذلك قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر:42]، ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:43]، ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر:44]، ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر:45]، ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر:46]، ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر:47]، فوصفه بترك الصلاة كما وصفه بترك التصديق، ووصفه بالتكذيب والتولي، والمتولي هو العاصي الممتنع من الطاعة. قال: وأيضًا في القرآن علق الأخوة في الدين على نفس إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، كما علق ذلك على التوبة من الكفر. فإذا انتفى ذلك انتفت الأخوة، فعلم أن الأخوة أخوة الإسلام التي بها يثبت إسلامه، فتارك الصلاة ليس بمسلم. قال: وأيضًا فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر» وفي المسند: «من ترك الصلاة متعمدًا فقد برئت منه الذمة». أما الأول فحديث حسن صحيح حديث بريدة، وأما الثاني ففيه انقطاع، ومعناه صحيح. قال رحمه الله: وأيضًا فإن شعار المسلمين الصلاة، ولهذا يعبر عنهم بها، فيقال: اختلف أهل الصلاة، واختلف أهل القبلة. والمصنفون لمقالات المسلمين يقولون: مقالات الإسلاميين، واختلاف المصلين؛ لأن غير المصلين ليس من المسلمين. وفي الصحيح: «من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم، له ما لنا، وعليه ما علينا». وقد تقدم معناه، وأمثال هذه النصوص كثيرة في الكتاب والسنة. قال: وأما الذين لم يكفروا بترك الصلاة ونحوها، فليست لهم حجة إلا وهي متناولة للجاحد كتناولها للتارك. فما كان جوابهم عن الجاحد كان جوابًا لهم عن التارك. ومعناه أن القائل بعدم كفر تارك الصلاة يلزمه أن يعمم هذا الحكم على جاحد الصلاة. فإن استثنى الجاحد، فيقال له: ما استثنيت الجاحد نستثني به التارك، ولا فرق. قال: مع أن النصوص علقت الكفر بالتولي كما تقدم. وهذا مثل استدلالهم بالعمومات التي يحتج بها المرجئة، كقوله: «من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمة ألقاها إلى مريم، وروح منه، أدخله الله الجنة». ونحو ذلك من النصوص. قال: وليس معنى هذه العبارة - وقد استدل بها بعض من ينتسب إلى العلم خطأ - أن شيخ الإسلام يحكم على من لا يقول بكفر تارك الصلاة أنه من المرجئة. وهذا خطأ، فلم يقل ذلك، بل قد سبق من صريح كلامه أن هذا مما اختلف فيه السلف، فضلًا عمن بعدهم. قال: فالاختلاف في المباني الأربعة دون الشهادتين قد نقل غير واحد من المحققين من أهل العلم أنه مما وقع فيه الخلاف بين السلف ومن بعدهم. فكيف بعد ذلك يقال: إن شيخ الإسلام يقول: من لم يقل بكفر تارك الصلاة فهو مرجئ، أو فيه شيء من الإرجاء؟ هذا خطأ وكذب على شيخ الإسلام رحمه الله. قال: وأجود ما اعتمد عليه قوله صلى الله عليه وسلم: «خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة، فمن حافظ عليهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة». وقد تقدم معنا هذا الحديث. قال: قالوا: فقد جعل غير المحافظ تحت المشيئة، والكافر لا يكون تحت المشيئة. ولا دلالة في هذا؛ فإن الوعد بالمحافظة عليها، والمحافظة فعلها في أوقاتها كما أمر. فعلي بهذا أن الحديث ليس في التارك، وإنما في المحافظة، وغير المحافظ. وغير المحافظ ليس هو التارك، إنما الذي يؤخرها عن وقتها. قال: والمحافظة فعلها في أوقاتها كما أمر، كما قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:238]. وعدم المحافظة يكون مع فعلها بعد الوقت، كما أخر النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العصر يوم الخندق، فأنزل الله آية الأمر بالمحافظة عليها وعلى غيرها من الصلوات. وهذا مع كونهم كانوا معذورين في ذلك، فقد شغلوا من الكفار. قال: وقد قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:59]. فقيل لابن مسعود وغيره: ما إضاعتها؟ فقال: تأخيرها عن وقتها. فقال: ما كنا نظن ذلك إلا تركها. فقال: لو تركوها لكانوا كفارًا. وهذا الأثر صح عن ابن مسعود رضي الله عنه أرضاه. قال: وكذلك قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:4، 5]، ذمهم مع أنهم يصلون؛ لأنهم سهوا عن حقوقها؛ لأنهم سهوا عن حقوقها الواجبة من فعلها في الوقت، وإتمام أفعالها المفروضة. قال: وغثبت بالصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الأمراء بعده الذين يفعلون ما ينكر، وقالوا: يا رسول الله، أفلا نقاتلهم؟ قال: «لا ما صلوا». مع أنه ذكر من أمرهم تأخير الصلاة، فعلم أن تأخير الصلاة ليس مما يقع به الكفر. قال: وإذا عرف الفرق بين الأمرين، فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما أدخل تحت المشيئة من لم يحافظ عليها، لا من ترك. ونفي المحافظة يقتضي أنهم صلوا، ولم يحافظوا عليها، ولا يتناول من لم يصل؛ فإنه لو تناول ذلك قتلوا كفارًا مرتدين بلا ريب. قال: ولا يتصور في العادة أن رجلًا يكون مؤمنًا بقلبه، مقرًا بأن الله أوجب عليه الصلاة، ملتزمًا لشريعة النبي صلى الله عليه وسلم، وما جاء به، يأمره ولي الأمر بالصلاة، فيمتنع حتى يقتل، ويكون مع ذلك مؤمنًا في الباطن، قط لا يكون إلا كافرًا. قال: وحينئذ فإذا كان العبد يفعل بعض المأمورات، ويترك بعضها، كان معه من الإيمان بحسب ما فعله، والإيمان يزيد وينقص، ويجتمع في العبد إيمان ونفاق. كما ثبت عنه بالصحيح أنه قال: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا أؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر». قال: وبهذا تزول الشبهة في هذا الباب؛ فإن كثيرًا من الناس، بل أكثرهم في كثير من الأمصار، لا يكونون محافظين على الصلوات الخمس، ولا هم تاركوها بالجملة، بل يصلون أحيانًا ويدعون أحيانًا، فهؤلاء فيهم إيمان ونفاق، وتجري عليهم أحكام الإسلام الظاهرة في المواريث ونحوها من الأحكام. قال: فإن هذه الأحكام جرت على المنافق المحض كابن أبي وأمثاله من المنافقين. فلئن تجري على هؤلاء أولى وأحرى. وهذا قياس واضح جلي. قال: وكذلك فيه من العلم ما لا يخفى؛ فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أجرى أحكام الإسلام على المنافقين مع ما سبق من علم الله الذي أعلم رسوله صلى الله عليه وسلم بهم، فمن باب أولى من لم يعلم منه النفاق، وإن فعل بفعل المنافقين، وهو ترك الصلاة وعدمها أحيانًا، والصلاة أحيانًا أخرى. قال: وبيان هذا الموضع؛ فإن كثيرًا من الفقهاء يظن أن من قيل هو كافر، فإنه يجب أن تجري عليه أحكام المرتد ردة ظاهرة، فلا يرث ولا يورث، ولا يناكح. حتى أجروا هذه الأحكام على من كفروا بالتأويل من أهل البدع. وليس الأمر كذلك. قال: فإنه قد ثبت أن الناس كانوا ثلاثة أصناف: مؤمن، وكافر مظهر للكفر، ومنافق مظهر للإسلام، مبطن للكفر. فإذا كان كذلك، فمن كان فيه معنى المنافقين ممن ينتسبون إلى الإسلام، حتى من أهل الأهواء والبدع، ومن لهم كذلك قول أو فعل كفر بشيء من التأويل، فأمثال هؤلاء لا تجري عليهم أحكام الكفر، بل يكونون كالمنافقين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: وبهذا نعرف خطأ من أفرط وبالمغ في هذا الباب حتى كفر طوائف مع ما لا يخفى من التوسع في هذا الباب خطأ. قال: وكان في المنافقين من يعلمه الناس بعلامات ودلالات، بل من لا يشكون في نفاقه، ومن نزل القرآن ببيان نفاقه كابن أبي وأمثاله. ومع هذا فلما مات هؤلاء ورثهم ورثتهم المسلمون، وكان إذا مات لهم ميت آتوهم ميراثه، وكانت تعصم دماؤهم حتى تقوم السنة الشرعية على أحدهم بما يوجب عقوبته؛ يعني إن وقع منه حد ما يوجب الحد. قال: ولما خرجت الحرورية على علي بن أبي طالب رضي الله عنه واعتزلوا جماعة المسلمين، قال لهم: «إن لكم علينا أن لا نمنعكم المساجد، ولا نمنعكم نصيبكم من الفيء». فلما استحلوا قتل المسلمين وأخذ أموالهم، قاتلهم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإنه بقتله أجر لمن قتلهم يوم القيامة». ومع ذلك لم يقاتلهم علي رضي الله عنه حتى وقع منهم القتال. قال: فكانت الحرورية قد ثبت قتالهم بسنة النبي صلى الله عليه وسلم واتفاق أصحابه. ولم يكن قتالهم قتال فتنة كالقتال الذي جرى بين فئتين عظيمتين في المسلمين، بل قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري أنه قال للحسن ابنه: «إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين». وقال في الحديث الصحيح: «تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين، فيقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق». وكان قتالهم من قبل من؟ علي رضي الله عنه، فعلم أنه أقرب الطائفتين إلى الحق. قال: ومع ذلك فهؤلاء؛ أي الذين قاتلهم علي رضي الله عنه، لم يحكم عليهم بالكفر، بل قد صح عنه أنه قال: «من الكفر فروا». فدل بهذا على أن ما فعله الحسن من ترك القتال - إما واجبًا أو مستحبًا - لم يمدحه النبي صلى الله عليه وسلم على ترك واجب أو مستحب. قال: ودل الحديث الآخر على أن الذين قاتلوا الخوارج، وهم علي وأصحابه، كان أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه. وأن قتال الخوارج أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، ليس قتالهم كالقتال في الجمل وصفين، الذي ليس فيه أمر من النبي صلى الله عليه وسلم. قال: ولا يعني ذلك أنه مرجئ، ولا أنه جهمي، ولكن معناه أنه حصل له خطأ من وجهين: الوجه الأول أنه لم ينظر إلى هذه المسألة باعتبار ما تحتف به من مسائل العقيدة التي دلت عليها عموم النصوص، فكان في ذلك هذا الخطأ. قال: والوجه الثاني أنه لو نظر إلى هذه المسألة مع ما قالت به المرجئة لعلم أنها لا تختلف عنها. فما كان يقوله في مخالفتهم في تلك المسائل لزمه - لو أنصف نفسه من الناحية العلمية - أن يخالفهم كذلك في هذه المسألة. قال: ومن قال بحصول الإيمان الواجب بدون فعل شيء من الواجبات، سواء جعل فعل تلك الواجبات لازمًا له أو جزءًا منه، فهذا نزاع لفظي، كان مخطئًا خطأً بينًا. وهذه بدعة الإرجاء التي أعظم السلف الكلام في أهلها، وقالوا فيها من المقالات الغليظة ما هو معروف. قال: والصلاة هي أعظمها وأعمها وأولها وأجلها. ومعناه أنه يجب أن يحكم على تارك الصلاة بالكفر إذا تركها تركًا كليًا، وإن لم يجحدها. هذا هو الصحيح في هذه المسألة، وأن هذا الذي تقتضيه النصوص، وعمومات الشريعة، وهو الذي كذلك تقتضيه قواعد العقيدة فيما يتعلق بمسألة الإرجاء. قال: ولا يلزم من ذلك الحكم على من لم يقل بكفر تارك الصلاة بالإرجاء. وقد تقدم أن نقل أن هذا الخلاف قد وقع في السلف ومن بعدهم. وفي هذا إشارة منه رحمه الله: أن الكلام على الصلاة طيب. نقف إلى هنا والله تعالى أعلم.