الدرس في الإيمان الأوسط 14، الدرس الرابع عشر:(ثم إن هذه الشبهة هي شبهة من منع أن يكون في الرجل الواحد طاعة ومعصية ... فقد رأيت أجزاء الشيء تختلف أحكامها شرعاً وطبعاً ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش المقطع شبهة المعتزلة حول عدم جواز اجتماع الطاعة والمعصية في العمل الواحد، ويبين فساد قولهم بأدلة من الشرع والعقل. الإيمان يزيد وينقص وأن الطاعات والمعاصي تتفاوت في درجاتها.
الناس يتكلمون في تفاضل الأمور الموجودة واختلافها في الواقع، وليس في الذهن. الإيمان يختلف باعتبار أحوال أصحابه وصفات العمل، والجمهور على جواز تفاضل العقل والإيجاب والتحريم.
يناقش المقطع مفهوم الإيمان وتأثير نقصان بعض شعب الإيمان على اسمه، مستدلاً بالأحاديث النبوية. الإيمان يبقى اسمه رغم نقصان بعض شعب الإيمان، كما هو الحال في العبادات الأخرى.
العبادات تتكون من أجزاء مختلفة الأحكام، وبعضها يمكن جبر نقصه. يختلف حكم زوال بعض أجزاء العبادات باختلاف المذاهب الفقهية، وهذا يبطل القول بأن زوال بعض أجزاء العبادة يزيل اسمها.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ثم إن هذه الشبهة هي شبهة من منع أن يكون في الرجل الواحد طاعة ومعصية؛ لأن الطاعة جزء من الإيمان والمعصية جزء من الكفر، فلا يجتمع فيه كفر وإيمان. وقالوا: ما ثم إلا مؤمن محظ أو كافر محظ. ثم نقلوا حكم الواحد من الأشخاص إلى الواحد من الأعمال، فقالوا: لا يكون العمل الواحد محبوبًا من وجه، مكروهًا من وجه. وغل فيه أبو هاشم -يعني من المعتزلة- الجبائي. قال: فنقله إلى الواحد بالنوع، وله من العجائب والغرائب حتى جعلت بعض مقالاته من مستحيلات الكلام. قال: فقال: لا يجوز أن يكون جنس السجود أو الركوع أو غير ذلك من الأعمال بعض أنواعه طاعة وبعضها معصية. وهذا من الغرائب والعجائب؛ لأن الحقيقة الواحدة لا توصف بوصفين مختلفين، بل الطاعة والمعصية تتعلق بأعمال القلوب، وهو قصد الساجد دون عمله الظاهر. واشتد نكير الناس عليه في هذا القول، وهذا من غرائب أقواله. قال: وذكروا من مخالفته للإجماع وجحده للضروريات شرعًا وعقلًا ما يتبين به فساده. وهذا نهاية العقل والكلام بالرأي يسترزل أهل الأهواء في المعقولات والآراء حتى تهوي بهم إلى العجائب والغرائب والمستحيلات، والأمور المعلومة بالحس والعقل والفطرة، فضلًا عن الشرع، ما هو فاسد أشد الفساد. فهذه الأمور التي ذكرها، والأقوال التي أشار إليها، كلها من ضلالات من ضل في هذا الباب في مسائل الإيمان. وأدلة الشرع قد دلت على أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي. بل ليس فرائض الطاعات حتى نوافل الطاعات تكون سببًا لزيادته. ولهذا قال من قال من أهل السنة: أدلة الزيادة تدل على النقصان، وأدلة النقصان تدل على الزيادة. فلا يستلزم من النقصان وقوع المعصية. وحتى ما في القلب، على الصحيح، أنه كذلك يتفاوت أهله. وعلى هذا أنكروا قول من قال: وأهله في أصله سواء -يريد أصل الإيمان في القلب- أن أهل الإيمان فيه سواء. وهذا ليس بصحيح. وإن كان أراد وجهًا ومعنى -وهو الإيمان الذي يتميز به عن الكفر- لكن حتى هذا، على الصحيح، لا يستوي أهله فيه؛ لا يستوي أهله فيه. فليس إيمان الأنبياء كإيمان سائر الناس، ولا إيمان المؤمنين المتقين من الصديقين والشهداء وصالحي هذه الأمة كأصحاب المعاصي؛ لأن أصل الإيمان عند هؤلاء وهؤلاء تفاوت، فلهذا تفاوت كذلك ما في اللسان والجوارح. هذه حقيقة لا بد منها؛ فليس أهله في أصله سواء. فإذا كان كذلك، فكيف بهذه المسائل التي أشار إليها؟ فهي من باب أولى. فالطاعات تتجزأ والمعاصي تتجزأ. فالطاعات تزيد وتنقص، بل الطاعة الواحدة تزيد وتنقص. صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة أنه يكتب لصاحبها منها بقدر حضوره وخشوعه وإحسانه لها، فيكتب لبعضهم نصفها وعشرها إلى ما جاء في آخره في الحديث. وهذا يدل أنهم يتفاوتون في تأديتهم لهذه الطاعة، وهي طاعة واحدة. وهكذا كذلك المعاصي؛ حتى المعصية الواحدة تتفاوت. فمعصية السرقة أو الزنا ليس كل فاعل لها يستوي حاله مع الآخر. ولهذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم التشديد في الزنا بحليلة الجار والشيخ الزاني، وكذلك الملك الذي يكذب، ونحو ذلك مما يدل أن المعصية وإن كانت واحدة، لكن قد يحف بها من الأحوال والصفات ما يجعلها تزيد في نقصان الإيمان ما لا يكون في غيرها. وإذا كان كذلك، فما ذكره تبعًا من مسائل، فهي أبطل وأبطل. وآخرها ما أشار إليه من كلام أبي هاشم أنه لا يمكن أن يكون العمل الواحد طاعة ومعصية في نفس الوقت -يعني يوصف بالطاعة ويصح أن يوصف بعضها أو جنسها بالمعصية- وهذا باطل. فمثلًا السجود، كما مثل، قد يكون لله طاعة ولغير الله شركًا. بل قد يكون بعضه في العباد الواحد طاعة وبعضه فيه معصية؛ مثل إنسان يصلي في أول الصلاة كان وحده فصلى لله عز وجل، فلما دخل عليه من دخل حسن الصلاة، فصار سجوده وركوعه الذي فيه التحسين مردودًا عليه، وهو معصية. أليس كذلك؟ بل وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي عن الله عز وجل: «من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه». الصلاة صحيحة وسجوده صحيح، وهذا التحسين الذي زاد مردود عليه، وهو معصية. وأصل السجود طاعة، وهي عبادة. فكلامه من أبطل الباطل. قال رحمه الله: هؤلاء منتهى نظرهم أن يروا حقيقة مطلقة مجردة تقوم في أنفسهم، فيقولون: الإيمان من حيث هو هو، والسجود من حيث هو هو -يعني من حيث كونه إيمانًا هو إيمان، ومن حيث كونه سجودًا فهو سجود- ومعنى شيء واحد لا يتغير. قال: لا يجوز أن يتفاضل، ولا يجوز أن يختلف. وأمثال ذلك. ولو اهتدوا لعلموا أن الأمور الموجودة في الخارج عن الذهن متميزة بخصائصها، وأن الحقيقة المجرد المطلقة لا تكون إلا في الذهن. وأن الناس إذا تكلموا في التفاضل والاختلاف، فإنما تكلموا في تفاضل الأمور الموجودة واختلافها، لا في تفاضل أمر مطلق مجرد في الذهن لا وجود له في الخارج. يعني مسمى الإيمان في الذهن واحد، ومسمى السجود في الذهن واحد، لكنه في الواقع باعتبار أحوال أصحابه وصفات العمل يختلف في الواقع. قال رحمه الله تعالى: قال: وأن الناس إذا تكلموا في التفاضل والاختلاف، فإنما تكلموا في تفاضل الأمور الموجودة واختلافها، لا في تفاضل أمر مطلق مجرد في الذهن لا وجود له في الخارج. ومعلوم أن السواد مختلف، فبعضه أشد من بعض، وكذلك البياض وغيره من الألوان. مع أننا إذا قيل لنا: سواد وبياض، في الذهن هو شيء واحد. أنت تعرف تقول: أسود وأبيض وأحمر وأخضر، وهذا في الذهن شيء واحد معروف. ما هو الأسود؟ وما هو الأبيض؟ وما هو الأحمر؟ وما هو الأخضر؟ لكن هل معنى أنه أسود واحد في الواقع والوجود؟ أو هو درجات؟ الجواب: هو درجات. وكذلك البياض درجات. قال: ومثل هذا الغلط وقع فيه كثير من الخائضين في أصول الفقه، حيث أنكروا تفاضل العقل أو الإيجاب أو التحريم. وهذه مسائل تذكر في المطولات من كتب أصول الفقه، وهي في الحقيقة استطرادات إن بنت على مسائل كلامية. وما أكثر المسائل الكلامية التي تدخل في أصول الفقه. قال: وإنكارهم التفاضل في ذلك قول القاضي أبي بكر وابن عقيل، أمثالهما. وهؤلاء دخل عليهم ما دخل من كلام أهل الكلام. قال: لكن الجمهور على خلاف ذلك، وهو قول أبي الحسن التميمي وأبي محمد البربهاري والقاضي أبي يعلى وأبي الخطاب وغيرهم. وكذلك وقع نظير هذا لأهل المنطق والفلسفة ولمن تابعهم من أهل الكلام والاتحاد في توحيد واجب الوجود وحدته، حتى أخرجهم الأمر إلى ما يستلزم التعطيل المحض، كما بيناه في غير هذا الموضع. وقد علم مما سبق بطلان هذا القول، وأن أكثره أتى من هؤلاء أهل الأهواء. قال رحمه الله: وأهل المنطق اليونان مضطربون في هذا المقام، يقول أحدهم القول ويقول نقيضه، كما هو مذكور في موضعه. الكلام في طرفين: أحدهما أن شعب الإيمان هل هي متلازمة في الانتفاء؟ والثاني: هل هي متلازمة في الثبوت؟ أما الأول: يعني هل شعب الإيمان متلازمة في الانتفاء إذا انتفى بعضها انتفى الآخر؟ قال: أما الأول، فإن الحقيقة الجامعة لأمور، سواء كانت في الأعيان أو الأعراض، إذا زال بعض تلك الأمور، فقد يزول سائرها، وقد لا يزول. ولا يلزم من زوال بعض الأمور المجتمعة زوال سائرها. وسواء سميت مركبة أو مؤلفة أو غير ذلك، لا يلزم من زوال بعض الأجزاء زوال سائرها. وما مثل به من العشرة والسنكجبين مطابق لذلك. فإن الواحد من العشرة إذا زال لم يلزم زوال التسعة، بل قد تبقى التسعة. فإذا زال أحد جزئي المركب لا يلزم زوال الجزء الآخر. وإن زال الاسم، فإن الحقيقة باقية في بقاء التسعة. مع أننا كما تقدم نرى أن مثل هذا من القياس الذي لا يوافقون عليه، فهو من قياس الشبه الذي هو من أضعف الأقيسة؛ بل هو قياس إبليس. فلا يصح إظهار النتائج بقياس الشبه؛ إذ لا يلزم بهذا القياس ثبوت نتيجة واحدة. فذلك لأنه يدخل عليه -كما عند أهل المعرفة بعلم الأصول- من النواقض ما ينقض هذا النوع من القياس. قال رحمه الله: فإن الواحد من العشر إذا زال لم يلزم زوال التسعة، بل قد تبقى التسعة. فإذا زال أحد جزئي المركب لا يلزم زوال الجزء الآخر. لكن أكثر ما يقولون: زالت الصورة المجتمعة، وزالت الهيئة الاجتماعية، وزال ذلك الاسم الذي استحقته الهيئة بذلك الاجتماع والتركيب، كما يزول اسم العشرة والسنكنجبين. وهذا لا يعني أنه زال عنه أصل ما هو له. فالعشرة بقي التسعة، وكذلك ذهاب مسمى السنكنجبين ببقاء أحد جزئيه -إن قلنا: العسل والخل- فلا يعني زواله بالكلية. فبقي شيء من أصله. فلو قدر أننا تنزلنا مع هؤلاء، نقول: وإن زال مسمى الإيمان، فبقي مسمى ماذا؟ الإسلام؛ بقي مسمى الإسلام؛ لأن الإسلام كما مر معنا هو يدخل فيه ماذا؟ الإيمان. فكل مسلم، كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمن. وهم أخرجوا مسمى الإيمان والإسلام معًا. أليس كذلك؟ أزالوا مسمى الإيمان والإسلام معًا، فجعلوه ماذا؟ إما كافرًا أو منزلًا بين منزلتين -كما عند الوعيدية الخوارج والمعتزلة- أو في مقابل هؤلاء المرجئة الذين زعموا أنه يبقى له أصل الإيمان -ردًا على ضلال الوعيدية- وكلا الطائفتين أخطأت في هذا الباب. قال رحمه الله: فيقال: أما كون ذلك المجتمع المركب ما بقي على تركيبه، فهذا لا ينازع فيه عاقل. ولا يرى عاقل أن الإيمان أو الصلاة أو الحج أو غير ذلك من العبادات المتناولة لأمور إذا زال بعضها بقي ذلك المجتمع المركب كما كان قبل زوال بعضه. ولا يقول أحد: إن الشجرة أو الدار إذا زال بعضها بقيت مجتمعة كما كانت. ولا أن الإنسان أو غيره من الحيوان إذا زال بعض أعضائه بقي مجموعًا. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه هودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟» والمعنى: أن البهيمة كما أنها تلد يوم تلد على ما خلقها الله كاملة -هذا هو الغالب- ثم الناس يعبثون بها بقطع آذانها ووضع العلامات عليها. فكذلك يولد المولود على الفطرة التي خلقه الله، فبعد ذلك تحرف هذه الفطرة من خلال إضلال الآباء والمجتمع الذي هو فيه، أو إهمال هذا المولود فيكتسب من غيرهم، ولو من غير الأبوين، فيكون عند ذلك دخل عليه شيء زائد عما كان عليه الفطرة. قال: أما زوال الإسم، فيقال لهم: إذا قدر أن الإيمان له أبعاض وشعب -كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان»- كما أن الصلاة والحج أجزاء وشعب. ولا يلزم من زوال شعبة من شعبها زوال سائر الأجزاء وشعب، كما لا يلزم من زوال بعض أجزاء الحج والصلاة زوال سائر الأجزاء. فدعواهم أنه إذا زال بعض المركب زال البعض الآخر ليس بصواب. ونحن نسلم لهم أنه ما بقي إلا بعضه، لا كله، وأن الهيئة الاجتماعية ما بقيت كما كانت، كما تقدم. فقد يزول مسمى الإيمان، لكن لا يعني ذلك زوال مسمى ماذا؟ الإسلام. ولهذا قول من قال: الإيمان ناقص، هو بهذا المعنى: أن الهيئة المجتمعة نقصت. وهذا الذي يريده أهل السنة: أن لا ننفي عنه الإيمان، فندخله في مسمى الكفر، ونخرجه من أصل هذا الدين. قال رحمه الله: يبقى النزاع: هل يلزم زوال الإسم بزوال بعض الأجزاء؟ إذا زال بعض أجزاء الإيمان، هل يزول الإيمان بالكلية؟ كما تقدم: الصحيح: لا. إن أردنا أنه يزول زوالًا يقتضي تسميته كافرًا وإخراجه من معنى الإسلام، فهذا ليس بالصحيح. وأما إن أردنا شيئًا آخر من إثبات معنى نقصان الإيمان أو بقاء الإسلام دون الإيمان، فهذا قد سبق وتقدم أنه معنى دلت عليه الأدلة. قال: فيقال لهم: المركبات بذلك على وجهين: منها ما يكون التركيب شرطًا في إطلاق الإسم، ومنها ما لا يكون كذلك. فالأول كإسم العشرة، وكذلك السنكنجبين. قال: ومنها ما يبقى الإسم بعد زوال بعض الأجزاء. وجميع المركبات المتشابهة الأجزاء من هذا الباب، وكذلك كثير من المختلفة الأجزاء؛ فإن المكيلات والموزونات تسمى حنطة، وهي بعد النقص حنطة. وكذلك التراب والماء ونحو ذلك. وكذلك لفظ العباد والطاعة والخير والحسن والإحسان والصدق والعلم، نحو ذلك مما يدهل فيه أمور كثيرة يطلق الإسم عليها، قليلها وكثيرها، وعند زوال بعض الأجزاء وبقاء بعض. وكذلك لفظ القرآن، فيقال على جميعه وعلى بعضه. ولو نزل قرآن أكثر من هذا لسمي قرآنا. وقد تسمى الكتب القديمة قرآنا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خفف على داود القرآن» -يعني يسر له- يسر له. وكذلك لفظ القول والكلام والمنطق، نحو ذلك يقع على القليل من ذلك وعلى الكثير. وكذلك لفظ الذكر والدعاء، يقال للقليل والكثير. وكذلك لفظ الجبل، يقال على الجبل وإن ذهب منه أجزاء كثيرة. ولفظ البحر والنهر يقال عليه وإن نقصت أجزاؤه. وكذلك المدينة والدار والقرية والمسجد ونحو ذلك، يقال على الجملة المجتمعة، ثم ينقص كثير من أجزائها والإسم باق. فإذا ثبت هذا في المحسوسات، وهذه الأمور المعنوية، فكذلك الإيمان. قال: وكذلك أسماء الحيوان والنبات، كلفظ الشجرة، يقال على جملتها، فيدخل فيها الأغصان وغيرها، ثم يقطع منها ما يقطع والإسم باق. وكذلك لفظ الإنسان والفرس والحمار، يقال على الحيوان المجتمع الخلق، ثم يذهب كثير من أعضائه والإسم باق. وكذلك اسم بعض الأعلام كزيد وعمر، يتناول الجملة المجتمعة، ثم يزول بعض أجزائها والإسم باق. وإذا كانت المركبات على نوعين، بل غالبها من هذا النوع، لم يصح قولهم: أنه إذا زال جزءه لزم أن يزول الإسم؛ إذا أمكن أن يبقى الإسم مع بقاء الجزء الباقي. ومعلوم أن اسم الإيمان من هذا الباب. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». ثم من المعلوم أنه إذا زالت الإماطة ونحوها لم يزل إسم الإيمان، وإن كان ينقص بنقصان هذه الشعب. قال: وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم بالصحيحين أنه قال: «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان». فأخبر أنه يتبعض ويبقى بعضه، وأن ذاك من الإيمان. فعلم أن بعض الإيمان يزول ويبقى بعضه. وهذا ينقض مآخذهم الفاسدة، ويبين أن اسم الإيمان مثل اسم القرآن والصلاة والحج ونحو ذلك. أما الحج ونحوه، ففيه أجزاء ينقص الحج بزوالها عن كماله الواجب، ولا يبطل؛ كرمي الجمار والمبيت بمزدلفة ونحو ذلك -يعني من الواجبات- فهذه إذا نقصت لم يبطل الحج، بل يكون حجا فيه نقص يجبر هذا النقص بما قاله العلماء. قال: والمبيت بمزدلفة ونحو ذلك، وفيه أجزاء ينقص بزوالها من كماله المستحب؛ كرفع الصوت بالإهلال والرمل والإبطاء في الطواف الأول. وكذلك الصلاة فيها أجزاء -يعني معناه أن هذه الأشياء مستحبة فينقص، لكن نقصان كمال-. قال: وكذلك الصلاة فيها أجزاء تنقص بزوالها عن كمال الاستحباب، وفيها أجزاء واجبة تنقص بزوالها عن الكمال الواجب مع الصحة في مذهب أبي حنيفة وأحمد ومالك. وفيها ما له أجزاء إذا زالت جبر نقصها بسجد السهو. ويوجد السهو وأمور ليست كذلك. فقد رأيت أجزاء الشيء تختلف أحكامها شرعًا وطبعًا. يعني إذا علمنا هذا علمنا أنه يبطل ما قالوا من أنه إذا زال بعضه زال اسمه. طيب، نقف إلى هنا إن شاء الله، ونكمل إن شاء الله في وقت لاحق. والله تعالى أعلم.