الإيمان الأوسط 15

الإيمان الأوسط 15

الدرس في الإيمان الأوسط 15، الدرس الخامس عشر:( فإذا قال المعترض:هذا الجزء داخل في الحقيقة وهذا خارج من الحقيقة ... يقولون بالكواكب وبالكواكب.ونظائر هذا موجودة في الأحاديث ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم الإيمان وتفاوته باختلاف المكلفين

يشرح الشيخ ابن تيمية تفاوت الإيمان باختلاف المكلفين ومراتب التكليف، ويبين أن العذر بالجهل مقبول لمن لم يبلغه التكليف. الإيمان ليس له حقيقة واحدة بل يتغير بتغير الأحكام الشرعية.

تأثير نقص أو ترك بعض خصال الإيمان

يناقش تأثير ترك أو نقص بعض خصال الإيمان على الإيمان الكلي، موضحًا أن الإيمان يمكن أن ينقص أو يزول بعضه دون الآخر. يشرح الفرق بين الأعمال التي تنقض الإيمان وتذهب به كليًا والأعمال التي تنقصه فقط.

الكفر الأصغر والأفعال المشبهة للكفار

يتناول شرح الأحاديث النبوية التي تسمي بعض الأفعال كفرًا دون أن تعني الكفر الأكبر، وإنما تشير إلى الكفر الأصغر الذي ينقص الإيمان. يُوضح أن هذه الأفعال من خصال الكفار وتُشبههم، وقد تؤدي إلى الكفر إذا صاحبها اعتقاد باطل.

عاقبة التساهل في الكفر وخطورته

التساهل في الكفر قد يؤدي إلى الردة والخروج من الإسلام، ويجب الحذر منه. هذا التساهل يمكن أن يجمع خصال الكفر في النفس ويؤدي إلى الردة، وهو أمر خطير.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. اشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، في كتابه «الإيمان الأوسط»: قال، فإذا قال المعترض: هذا الجزء داخل في الحقيقة، وهذا خارج من الحقيقة، قيل له: ماذا تريد بالحقيقة؟ فإن قال: أريد بذلك ما إذا زال صار صاحبه كافرًا، قيل له: ليس للإيمان حقيقة واحدة مثل حقيقة مسمى مسلم في حق جميع المكلفين في جميع الأزمان بهذا الاعتبار، مثل حقيقة السواد والبياض، بل الإيمان والكفر يختلف باختلاف المكلف وبلوغ التكليف له، وبزوال الخطاب الذي به التكليف، نحو ذلك. ومعنى ذلك كما تقدم من أن خطأ كلا الطائفتين من الوعيدية والمرجئة في جعل الإيمان شيء واحد إذا زال زال كله، وليس الأمر كذلك. هذا يصح في بعض المحسوسات، وليس كذلك في كل الأمور المعنوية، فبعض الأمور المعنوية يصح فيها، مثل رحمه الله في لفظ الإسلام، إذا زال زال معناه، إذا زالت حقيقته زال معناه، أي الذي يفترق به عن الكافر. وأما الإيمان فيختلف، وكذلك السواد والبياض إذا زال زالت حقيقته، إذا زال وصفه زالت حقيقته. وليس الأمر كذلك في الإيمان؛ لأن الإيمان يختلف أهله فيه كما ذكر، باختلاف المكلف. أولًا، لأن منهم من عنده من العلم ما يتحقق معه خصال الإيمان، ومنهم من عنده من الجهل ما تقصر فيه خصال الإيمان. وهكذا كذلك في القدرة والعجز، فمنهم من عنده من القدرة ما يستطيع تحقيق خصال الإيمان، ومنهم من عنده من العجز ما لا يستطيع تحقيق خصال الإيمان. وكذلك في بلوغ التكليف، فمن الناس من بلغه التكليف، ومنهم من لم يبلغه. والشرع جاء مدرجًا، فأول ما نزل نزل بخصال قليلة من خصال الإيمان، ومع ذلك هم من المؤمنين. وبعد ذلك نزلت من الخصال من تخلف عنها نزع عنه اسم الإيمان. وليس الأمر كذلك في بداية هذا الدين. وكذلك وبزوال الخطاب الذي به التكليف، زوال الخطاب الذي به التكليف يعني أن ينسخ، مثلًا، فيتغير الحكم، ونحو ذلك. يعني من تفاصيل كثيرة معلومة عند أهل العلم، وسيشير إلى بعض ذلك. قال رحمه الله: وكذلك الإيمان الواجب على غيره مطلقًا، لا مثل الإيمان الواجب عليه بكل وقت. فإن الله لما بعث محمدًا رسولًا إلى الخلق، كان الواجب على الخلق تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر. ولم يأمرهم حينئذ بالصلوات الخمس، ولا صيام شهر رمضان، ولا حج البيت، ولا حرم عليهم الخمر والربا ونحو ذلك. ولا كان أكثر القرآن قد نزل. فمن صدقه حينئذ فيما نزل من القرآن، وأقر بما أمر به من الشهادتين، بما أمر به من الشهادتين، وتابع ذلك، كان ذلك الشخص حينئذ مؤمنًا تام الإيمان الذي وجب عليه؛ لأنه إنما وجب عليه هذه الخصال القليلة في أول الإسلام. قال: وإن كان مثل ذلك الإيمان لو أتى به بعد الهجرة لم يقبل منه. لماذا؟ لأنه نزلت أحكام وتفاصيل كثيرة بعد ذلك، لا يتم الإيمان إلا بتحقيقها جميعًا. قال: ولو اقتصر عليه كان كافرًا؛ لأن هناك أشياء نزلت، تركها يكون كفرًا، وفعل بعضها يكون كفرًا. فهناك من المأمورات ما لا يسع المسلم تركها، كالصلاة، وخصال التوحيد الكثير التي جاءت بعد ذلك، وعلى خلاف في سائر مباني الإسلام. وهناك من المنهيات ما لا يسع المسلم تركها، كذلك، كالأمور التي تناهي التوحيد، مما سماه الشرع شركًا وكفرًا، وهو سبب للردة. فمثل ذلك لا يسع المسلم تركها، لكن تلك التفاصيل لم يكن قد أمر بها المسلمون في أول الإسلام، وإنما أمر بها متى بعد ذلك. فكما ذكر رحمه الله يختلف الحكم في بدء الإسلام وبعد ذلك، بعد الهجرة. قال رحمه الله: قال الإمام أحمد، رحمه الله: كان بدء الإيمان ناقصًا، فجعل يزيد حتى كمل. ومعنى ناقصًا يعني من جهة التشريع، لم يؤمر به جملة واحدة، بل نزل شيئًا فشيئًا. قال: ولهذا قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾، وهذا متى؟ في السنة العاشرة، في السنة العاشرة من الهجرة. ومعنى أن كمال الدين تم في ذلك اليوم، وقبل ذلك كانت هناك أشياء لم تكمل. قال رحمه الله: فبعد نزول القرآن وإكمال الدين، إذا بلغ الرجل بعض الدين دون بعض، كان عليه أن يصدق ما جاء به الرسول جملة، وما بلغه عنه مفصلًا. وأما ما لم يبلغه ولم يمكنه معرفته، فذاك إنما عليه أن يعرف مفصلًا إذا بلغه. وهذا ما تقدم فيما يتعلق بالمكلف، فالمكلف إنما يجب عليه ما بلغه من العلم، فهو يؤمن بما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام جملة، وما بلغه عنه مفصلًا، وجب عليه الإيمان به مفصلًا. وما لم يبلغه فهو فيه معذور، ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. فالعذر بالجهل من ثوابت هذا الدين، العذر بالجهل من ثوابت هذا الدين، إذا كان بوصفه الصحيح، فإنه يُعدر الجاهل، يُعدر الجاهل. قال: وأيضًا، فالرجل إذا آمن بالرسول إيمانًا جازمًا، ومات قبل دخول وقت الصلاة أو وجوب شيء من الأعمال، مات كامل الإيمان الذي وجب عليه. مثل حديث أسامة في قصة الرجل الذي قتله وقال: لا إله إلا الله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أبى على أسامة أن يقتله، وأن لا يعطيه ظاهر ما قال، ما أنه لم يصلِّ صلاة واحدة، مات بعد أن قال: لا إله إلا الله، وقالها كما قال أسامة متعوذًا، والنبي صلى الله عليه وسلم أنكر عليه، قال: «أشققت عن قلبه؟». وكالرجل الذي مات، وكالرجل الذي مات بعد أن آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقتل في الجهاد، ولم يصلِّ ركعة واحدة، وشهد له بالجنة. فهذا مجهول الحال، وهذا معلوم الحال، هذا بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم أنه في الجنة، أي الثاني، والأول مجهول. والجميع لم يصلُّوا ركعة واحدة، فكان مؤمنًا بقوله: لا إله إلا الله؛ لأنه لم يجد الوقت لأداء تلك الصلاة، كما ذكر رحمه الله. ومع ذلك فهو مؤمن، مؤمن أم كافر؟ الجواب: مؤمن. فإذا جاء وقت أداء باقي الفروض الأخرى من خصال الإيمان، عند ذلك إن كملها فهو مؤمن، وإلا فينتفي عنه الإيمان بحسب ما ينقص من خصال الإيمان. فقد يذهب بالكلية إذا فعل ما ينقض الإيمان، وقد لا يذهب بالكلية، ولكن يذهب كماله وتمامه، كما قد سيقدم وسيأتي إن شاء الله؛ لأن الأعمال تنقسم إلى قسمين: قسم منها ما يزول الإيمان بزوالها، وقسم ما ينقص الإيمان بنقصانه. قال: وكذلك القادر على الحج والجهاد، يجب عليه ما لم يجب على غيره من التصديق المفصل والعمل بذلك. فالذي لا يقدر على الحج والجهاد، كالذي عنده عذر من قلة المال أو كذلك النفقة، فهؤلاء معذورون وهم مؤمنون. وآخر عنده الاستطاعة، فهو ناقص الإيمان، وليس بكافر. قال رحمه الله: فصار ما يجب من الإيمان يختلف باختلاف حال نزول الوحي من السماء، يعني قبل تمام الوحي وبعد تمام الوحي، كما تقدم. قال: وبحال المكلف في البلاغ وعدمه. وهذا مما يتنوع به نفس التصديق، ويختلف حاله باختلاف القدرة والعجز، وغير ذلك من أسباب الوجوب، كما تقدم. معنى ذلك في الجهاد، وكذلك الإمكان بالنسبة للزمان في الصلاة، مثلًا. قال: وهذا يختلف به العمل أيضًا. ومعلوم أن الواجب على كل من هؤلاء لا يماثل الواجب على الآخر. فإذا كان نفس ما وجب من الإيمان في الشريعة الواحدة يختلف وتفاضل، وإن كان بين جميع هذه الأنواع قدر مشترك موجود في الجميع، كالإقرار بالخالق، وإخلاص الدين له، والإقرار برسله واليوم الآخر على وجه الإجمال. فمن المعلوم أن بعض الناس إذا أتى ببعض ما يجب عليه دون بعض، كان قد تبعض ما أتى فيه من الإيمان، كتبعض سائر الواجبات. وأراد بهذا رحمه الله تأكيد ما سبق، أنه لا يستلزم زوال بعض خصال الإيمان ذهاب الإيمان بالكلية، بل الإيمان ليس شيء واحد، بل هو أمر فيه معنى التبعيض، قد يزول بعضه ولا يزول كله، وقد يزول بعضه ويزول كله؛ لأن هناك من الأعمال ما تنفي الإيمان وتذهبه وتبطله، كالشرك بالله والكفر والنفاق الأكبر، وما كان بمعناه. ومنه ما لا يذهب بالكلية، ولكن ينقصه، كترك الواجبات وفعل المحرمات التي لا تصل إلى معنى الكفر والشرك والنفاق الأكبر. قال رحمه الله تعالى: يبقى أن يقال: فالبعض الآخر قد يكون شرطًا في ذلك البعض، وقد لا يكون شرطًا فيه. فالشرط كمن، ببعض الكتاب وكفر ببعضه، أو آمن ببعض الرسل وكفر ببعضهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾. وقد يكون البعض المتروك ليس شرطًا بوجود الآخر، ولا قبوله. ومعناه كما تقدم، أن هناك من خصال الإيمان ما لا يمكن تبعضها، ولا يمكن كذلك تفصيلها على وجه يكون فيه مؤمن تمام الإيمان، أو نقول: مؤمن عنده أصل الإيمان. مثل الإيمان بالكتب والإيمان بالرسل، لا بد أن يؤمن بجميع الكتب المنزلة. ولهذا كفر اليهود والنصارى لكفرهم بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم. فما أنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كفر به اليهود والنصارى، كفر به اليهود والنصارى. فكفر اليهود والنصارى كان بسبب إيمانهم ببعض وكفرهم ببعض. وهذا من بعض كفرهم. وقد اجتمعتهم أسباب كثيرة من أسباب الكفر. ومثل ذلك، وكذلك الإيمان بنبينا صلى الله عليه وسلم، فإن اليهود والنصارى كفروا لما آمنوا ببعض الرسل ولم يؤمنوا ببعض. فكفر اليهود حين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم. وكفر النصارى حين لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولو آمنوا بعيسى وموسى وسائر الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ لأنهم آمنوا ببعض وكفروا ببعض، فكان بذلك كفرهم. فلذلك أشار رحمه الله أن بعض ما يؤمن به قد يكون مما فيه معنى الشرطية، مما فيه معنى الشرطية. وهذا من الحق، ومن الإنصاف. فأهل السنة يدورون مع الدليل حيث دار. وليس في هذا حجة للخوارج والمعتزلة، ومن سلك مسلكهم من الوعيدية، أن يكفروا بترك بعض خصال الإيمان. بل يقال لهم كما تقدم: إنما يكفر من يكفر بفعل بعض تلك الخصال، لا لكونها خصال الإيمان، ولكن لأن الدليل دل على أن فعلها أو تركها، على حسب ما جاء به الدليل، إن كان مأمورًا أو محظورًا، دل أنه ينقض الإيمان. دل الدليل أنه ينقض الإيمان. ولا يعني ذلك أن سائر المأمورات والمنهيات، فعلها أو تركها كذلك، ينقض الإيمان. فينبغي أن نفرق كما فرق الدليل. ومر معنا، وسيأتي إن شاء الله، من الأدلة الكثيرة التي تدل على ذلك. قال رحمه الله تعالى: وحينئذ فقد يجتمع بالإنسان إيمان ونفاق، وبعض شعب الإيمان، وشعبة من شعب الكفر. وهذا إذا كان هذا النفاق وهذا الكفر هو نفاقًا وكفرًا أصغر، نفاقًا وكفرًا أصغر. وأما نفاق وكفر أكبر، فلا يمكن إلا على وجه الجهل، إلا على وجه الجهل، أو ما كان بمعناه مما يُعدره الدليل. قال: كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يحجا» -في رواية- «يخلفها»: إذا حدث كذب، وإذا أمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر. وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من مات ولم يغزو، ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة من نفاق». وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي ذر: «إنك امرؤ فيك جاهلية». وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لن يدعوهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والنياحة، والاستسقاء بالنجوم». وهذه الأحاديث الصحيحة التي أشار إليها، وقد أشار إلى تخريجها في التعليق كما ترون، كلها تدل على المعنى المتقدم؛ إذ قد يجتمع بالإنسان إيمان ونفاق، وإيمان، وكذلك شيء من الكفر. فسمى النبي صلى الله عليه وسلم هذه الخصال نفاقًا، كما في حديث عبد الله بن عمر في الصحيحين: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا». ومع ذلك هل هو كافر؟ ليس بمؤمن. الجواب: لا. ولكن كان عنده من النفاق العملي ما أنقص إيمانه، وسمي نفاقًا؛ لأنه من صفات المنافقين؛ لأنه من صفات المنافقين. وهكذا كذلك من مات ولم يغزو، ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة من نفاق، أو نفاق؛ لأن ذلك من صفات المنافقين. فالمنافق هو الذي يخاف الغزو، ولا يحب الغزو، ويكره الغزو. ولهذا كانوا من المثبطين، ومن المتقاعصين القاعدين. بل إذا خرجوا لم يزيد أهل الإيمان إلا خبالًا، كما وصفهم الله عز وجل في آيات كثيرة في سورة التوبة وغيرها. وكذلك: «إنك امرؤ فيك جاهلية»، قالها لأبي ذر. وأبو ذر من خيار الصحابة رضي الله عنهم. لكن لما قال تلك الكلمة التي ليست هي مما يتصف بها المؤمن الكامل في إيمانه، فعلى فعلًا هو من خصال الجاهلية؛ لما قال: «يا ابن السوداء». فإن التنابز بالألقاب ليس من خصال المؤمنين. فهذا كان سببًا لحصول هذا الوصف. ومع ذلك هل ننفي عنه الإيمان؟ الجواب: لا. ولكن هذا الفعل ينقص الإيمان، ينقص الإيمان. ومثله كذلك: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية»، حديث مالك الأشعري المشهور في الصحيحين، في الصحيح مسلم. وفيه أن هذه الخصال هي من أمور الجاهلية. فإذا وقع فيها المسلم، هل يكون كافرًا؟ الجواب: لا. ولكن ينقص بذلك إيمانه. وإن كان بعضها قد يوقعه في الكفر الأكبر، إذا كان معه شيء من اعتقاد، مثل اعتقاد المشركين، أي في الاستسقاء بالنجوم. فإذا اعتقد أنها تنفع وتضر بذاتها، فإنه بهذا يرتد ويزول عنه الإيمان. ولكن ذكرها هنا على المعنى الآخر، وهو الشرك الأصغر. قال: وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر». وفي الصحيح مسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت». وفي الصحيحين، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا ترغبوا عن آبائكم؛ فإن كفرًا بكم أن ترغبوا عن آبائكم». وهذا من القرآن الذي نسخ تلاوته: «لا ترغبوا عن آبائكم؛ فإن كفرًا بكم أن ترغبوا عن آبائكم». وقد ثبت هذا كما أشار في التعليق في البخاري وغيره، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، أن هذا مما كان يقرأ من القرآن، ولكن نسخت تلاوته، ولم ينسخ حكمه. فقد صحت أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها هذا المعنى. قاله في الصحيحين، عن أبي ذر: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس من رجل الدعي إلى غير أبيه، ويعلم، إلا كفر. ومن ادعى ما ليس له، فليس منا. ومن ادعى ما ليس له، فليس منا، وليتبوأ مقعده من النار». ومن رمى رجلًا بالكفر، أو قال: «يا عدو الله»، ليس كذلك، إلا رجع عليه. وفي لفظ للبخاري: «ليس من رجل ادعى لغير أبيه، ويعلمه، إلا كفر بالله. ومن ادعى قومًا ليس منهم، فليتبوأ مقعده من النار». فهذه الخصال سماها نبينا صلى الله عليه وسلم كفرًا، سماها كفرًا. فقتال المسلم كفر، وكذلك الطعن في الأنساب، والنياحة، هي من الكفر. والانتساب لغير الآباء من الكفر. كل هذا؛ لأن هذا من خصال الكافرين، فقد كان هذا مما يتصف به الكفار. فلهذا لا يجوز للمسلم أن يفعل فعل الكافرين، وأن يتصف بصفاتهم. فهو من الكفر الذي هو ليس بكفر أكبر، ولكنه كفر دون كفر، كفر دون كفر، أي: كفر ليس بالكفر الأكبر، ولكن الكفر الأصغر الذي لا ينفي أصل الإيمان، ولا يزيل أصل ومسمى هذا الإيمان. قال رحمه الله: وفي الصحيحين، من حديث جرير، وابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في حجة الوداع: «لا ترجعوا بعدي كفارًا، يضرب بعضكم رقاب بعض». ورواه البخاري من حديث ابن عباس. وفي البخاري، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما». وفي الصحيحين، عن زيد بن خالد، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية، في أثر سماء -يعني مطر- كانت من الليل. فلما انصرف، أقبل على الناس، فقال: «أتدرون ماذا قال ربكم الليلة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «أصبح من عبادي مؤمن بي، وكافر. فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي، كافر بالكوكب. وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي، مؤمن بالكوكب». وفي الصحيح مسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألم تروا إلى ما قال ربكم؟» قال: «ما أنعمت على عبادي من نعمة، إلا أصبح فريق منهم كافرين، يقولون: بالكواكب، وبالكواكب». ونظائر هذا موجودة في الأحاديث. ومعناه أن هذه الأحاديث، كذلك كما تقدم، فيها تسمية فاعل هذه الخصال التي هي من خصال الكفر، وقائلها أنه كافرًا. ومع ذلك هو ليس كافرًا كفرًا أكبر، بل هو كفر دون كفر. «لا ترجعوا بعدي كفارًا، يضرب بعضكم رقاب بعض»، يعني: لا تفعلوا فعل الكفار، لا تفعلوا فعل الكفار، فتتشبه بهم، فتفعلون ما هو كفر، ما هو كفر. ولأنه كذلك يفضي إلى الكفر. فأفعال الكفار تفضي إلى ما أفضى إليه حال الكفار. فالكفار لم يحصل عندهم فقط الشرك والكفر الذي يتعلق بالاعتقاد، بل اجتمعت عندهم من خصال الكفر ما كان معه هذا المعنى، وهو كفر الاعتقاد. فلذلك نهي المسلم عن فعل خصال الكفار؛ لأجل أنها أولًا محرمة، ولأنها ثانيًا تفضي إلى السير بسير هؤلاء الكفار. وقد تكون سببًا -والعياذ بالله- في كفره وردته. وهذا هو الحال، تجد الكثير من الفساق إذا استرسل في فعل المعاصي، وترك الواجبات، فعل المحرمات وترك الواجبات، أوقعه ذلك -والعياذ بالله- إلى الردة. أوقعه ذلك -والعياذ بالله- إلى الردة؛ لأنه تساهل في اجتماع خصال الكفر في نفسه، حتى جره ذلك إلى الخروج من دين الإسلام -والعياذ بالله-. طيب، نقف إلى هنا، ونترك الباقي لدرس لاحق. والله تعالى أعلم.