الإيمان الأوسط 31

الإيمان الأوسط 31

الدرس في الإيمان الأوسط 31، الدرس الحادي والثلاثون:(فصل:وعلى المسلم بذل دلو يستقي به وقدر يطبخ فيها وفأس يحفر بها ... وإني أحب أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام بذل المنافع والعطايا

يتناول هذا الفصل أحكام بذل المنافع بين المسلمين مثل استعارة الأواني والأدوات، ويبين أن بذلها يجب أن يكون مجانًا كما دل عليه الكتاب والسنة. كما يشير إلى المواضع التي يكون فيها بذل المنافع واجبًا مثل نصر المظلوم وتعليم العلم.

فروض الكفاية والولايات الدينية

يفصل هذا الفصل في شرح مفهوم فروض الكفاية والصناعات الضرورية مثل الفلاحة والبناية والنساجة، ويتناول أهمية الولايات الدينية مثل إمرة المؤمنين والقضاء والحسبة. كما يبين اختلاف العلماء في حكم أخذ الأجرة على الشهادة.

أحكام العمل والجهاد والتسعير

يناقش هذا الفصل أهمية العمل والجهاد في الإسلام، ويشرح كيف يمكن أن يتحول فرض الكفاية إلى فرض عين في حالات الضرورة. كما يتناول أحكام المزارعة وبيع السلاح في وقت الجهاد، ويبرز أهمية العدل في التسعير وعدم التدخل فيه إلا عند الضرورة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال فصل، وعلى المسلم بذل دلو يستقي به، وقدر يطبخ فيها، وفأس يحفر بها، ونحو ذلك. وهل يجب أن يبذل بأجرة المثل؟ قولان للعلماء. فمذهب الصحابة ومن بعدهم كمالك، وبحنيف، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، والسفيانين الثوري وابن عيينة، والليث بن سعد، والأوزاعي، محمد بن سلم، ومكحول: أن بذله حق على المسلم يجب مجانًا، كما دل عليه الكتاب والسنة. قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾. وفي السنن عن ابن مسعود: «كنا نعد ذلك على عهد النبي صلى الله عليه وسلم عارية الدلوي والقدر والفأس ونحوهن». والحديث كما أشار حديث حسن، وقد حسنه العلامة الألباني رحمه الله في صحيح أبي داود وغيره. والمعنى أن من مواضع الإحسان بدل الآنية وما كان بمعناها مما يكثر استعماله واستعارته. وأما قوله: وهل يجب أن يبذل بأجرة المثل؟ يعني إذا أخذه هل يكون بأجرة أو لا؟ وأشار إلى أنه يكون بغير أجرة بل مجانًا، وهذا مما جاء الشرع بالحدي على الإحسان فيه، كما أشار في آية سورة الماعون، وفي حديث ابن مسعود. وينبغي أن يكون هذا الباب كذلك على الوجه العدل الذي يحبه الله، لا إفراط ولا تفريط. فإن من الناس من يبخل مع الحاجة إلى ذلك، ومن الناس من يتساهل فيكون مؤذيًا للمسلمين، كأنه قد ترك ما يجب على نفسه من النفقة على أهله والقيام بما يجب نحوهم، حتى جعلهم عالة على جيرانهم. فملحهم من هذه الدار وهذه الدار، والحوائج من هذه الدار وهذه الدار، فمرة دقيق من هنا، ومرة رز من هنا، ومرة ملح من هنا، ومرة كذا من هنا، وهكذا لا يزال أهله في سؤال الناس ما استطاعته أن يسد هذه المسألة. فهذا خطأ، واليد العليا خير من اليد السفلى. وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن لا يسأل الناس شيئًا، ومن استطاع أن لا يسأل الناس شيئًا فليفعل. وحث الإسلام المسلم على التعفف، وغير ذلك من العمومات التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم في نفسه وأهله. لكن قد يحتاج الإنسان أحيانًا، جاءه ضيوف فاحتاج إلى بعض القدور، أو كذلك إن كسر وعاءه فاحتاج إلى وعاء، أو احتاج إلى فأس وهو لا يحتاج الفأس أن يشتريها، ليس صاحب زرع ولا شجر ولا صاحب حطب، ويعرف أن له جار صاحب شجر عنده فأس. كذلك يحتاج إلى مفك، ليس هو صاحب سيارة، لكن يعرف جاره عنده سيارة وربما عنده مفك، ونحو ذلك من الأشياء العارضة. فينبغي لأهل الإسلام أن يتعاونوا في هذا الباب، وأن يحسن بعضهم إلى بعض فيه. وأما على وجه الديمومة والأذية، فهذا لا يرضى به الشرع، بل يحث المسلمين أن لا يضر بعضهم ببعض. وهكذا كذلك مراعاة الزمان والمكان المناسب، حتى لا يكون المسلم ثقيلًا على إخوانه. قالوا في الصحيح مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر الخيل: «هي لرجل أجر، ولرجل ستر». فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله، فشبعها وريها وبولها وروثها حسنات. وأما الذي له ستر فرجل ربطها تعففًا وتغنيًا، فهو يرى حق الله في بطونها وظهورها. قال رحمه الله تعالى: وفي الصحيح خرجه البخاري مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: «من حق العبد إعارة ذكرها وإطرت فحلها». ولهذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن أخذ الأجر فيه. فهذا مما تكون فيه العارية، وهو موضع من مواضع الإحسان. وهل ينافيه أن يعطى شيء بغير شرط علف أو نحوه؟ الجواب: إن استطاع أن يتمنع هذا الأفضل والأكمل، حتى تكمل صدقته. وإن أخذ بقدر حاجة هذا الفحل، فهذا لا بأس إن شاء الله، ما دام أنه بغير شرط، وهو إحسان من باب رد الإحسان بالإحسان. قال: فلا يمنع المعروف من الناس لطلب الأجر على مثل هذه الأشياء. فإن الله يأمر بالعدل والإحسان. ولو طلب أن يجري ماءه في أرض غيره، من غير إضرار بصاحب الأرض، هل يجبر على ذلك؟ على قولين للعلماء. والمختار في ذلك ما قد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إذ قال للممتنع: «والله لنجرينها ولو على بطنك». يعني لا يجوز لك أن تمنع منفعة للمسلمين، حتى بعضها. للعلم جعل هذا المعنى يدخل في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الناس شركاء في ثلاثة». فلا يجوز الإضرار بالمسلمين في هذا الباب، ما دام لا يلحق بك ضرر. فلا يجوز أن تضر بغيرك. ومنه نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره. مصلحة يحتاجها، أنت تحتاج إلى خشبة، وهو يحتاج، فلا مانع، ولا تمنعه من ذلك. وهذا من الإحسان. قال: وقد نقل عن غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن زكاة الحلي عاريته بغير أجرة. والصواب خلاف هذا، بل زكاة الحلي بإخراج زكاته إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول ربع العشر. وأما عاريته بغير أجرة زكاته، فهذا لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولو روي عن بعض الصحابة، ولم يصح كذلك، وصح لكان اجتهاد منهم، أو حمل أنه من الصدقة، ليس من سد الزكاة المفروضة. يعني من العارية التي عمموا الحكم فيها. فمثلًا امرأة عندها ذهب، فجاءت أختها وقريبتها تستعير هذا الذهب في لبسه، فمن الإحسان ألا تمتنع من الإحسان، ألا تمتنع، خصوصًا إذا جرى العرف بذلك، إذا جرى العرف بذلك، وهو لا ينافي الشرع، وليس فيه إضرار. فمن الإحسان ألا تمتنع، ولكن لا يعني ذلك أن الزكاة تسقط، لا، الزكاة شيء آخر. قال رحمه الله تعالى: وبدل هذه الأشياء يستحب تارة ويجب أخرى، بحسب الحاجة إليها. وكذلك بدل منافع البدن يجب تارة، فلا يحل منعها، كنصر المظلوم باللسان وباليد. وعلى هذا حمل الوجوب في قوله عليه الصلاة والسلام: «أنصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا». وهذا من تغيير المنكر. «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». قال: كما يجب بذل العلم، إفتاء الناس وتعليم الأم ما وجب عليه. وهذا كذلك قد يكون في مواضع على وجه الوجوب. قال: والحكم بين الناس بما اختلفوا فيه، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد، وغير ذلك من منافع الأبدان. وكل هذه على تفاصيل معروفة في كتب أهل العلم، تارة تكون على وجه الوجوب، وتارة على وجه الاستحباب، بحسبها. قال: فإذا تقرر هذا، فلئن لا يمنع منافع الأقوال المضر بها غيره، أو لا. يعني فإذا كان هذا في حق منافع الأفعال، فمن باب أولى أن لا يمنع منافع الأقوال، إذا ليس فيها مضرة. وأما إذا فيها مضرة، فلا، لا يمنع منافع الأقوال المضر بها غيره. أو لا؟ كأنه إن لم تضر غيره، فهي أولى. يعني من منافع الأبدان، لأنها أيسر وأسهل. قال: وقد قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾. والمعنى أن في هذه الآية في موضعيها حث المسلم على عدم التمنع من بدل منفعة البدن، تارة بالكتابة، وتارة بالشهادة. قال: وللعلماء في أخذ الأجرة على الشهادة أربعة أقوال، أشهرها أنها حلال عند الحاجة. وقيل: تأخذ حلالًا إن لم يتعين المحتاج، ولغير محتاج. ووجه هذا أيضًا أنها يجوز تعينها، ولا يكره تناولها بحال. والمنصوص عليه أنه من أخذ عند الإشهاد لم يأخذ شيئًا عند الأداء. وعلى الجملة، فإنهم يكرمون لأن الله بهم حفظ الحقوق، وأقام الحدود، وصان بهم الفروج والأنساب. وهذا مشروط إذا لم يكن يؤدي ذلك إلى المحابة. فأما إذا كان سيؤدي إلى المحابة في الشهادة، فلا. ولا شك أن الأحوط والأكمل ألا تكون مشارطة في هذه الشهادة. كما أنه لا شك أن الورع والأحوط بل الحق أن لا يضر بالشاهد وهو محسن. وقد قال تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾. فأنت تقول له: تعال أحتاجك في شهادة الرجل في طرف البلاد، وأنت في الطرف الآخر، ما شاء الله كيف أتيك؟ من يتحمل نفقة هذه الشهادة؟ فليس من العدل مع هذا الشاهد أن تتركه يأتي من ماله. بل يجب عليك أن تتحمل نفقته ذهابًا وإيابًا وبقاءً، حتى يؤدي الشهادة ويرجع. هذا هو الواجب، فلا ضرر ولا ذراب. فإن زدته شيئًا، فهو من الإحسان. قال رحمه الله تعالى: ومن ذلك أن الناس يحتاجون إلى الصناعات كالفلاحة والبناية والنساجة، إذ لا تتم أمورهم إلا بأقوات ومساكن ولباس ونحو ذلك. فإذا لم يجلب لهم من المصالح ما لابد لهم منه، أضر بهم ذلك. فإن المسلمين لم يكن لهم بالمدينة إلا ما يجلب من الثياب، فكانوا يجلبون من اليمن ومن الشام ومصر. وأهل تلك الأمصار كفار. يعني في أول الإسلام، وزمنًا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وبعضها حتى في زمن الصحابة. قال: فكانوا يلبسون ما جاءهم من ذلك، ولا يغسلونه، ويأكلون ما جاءهم من طعام ودهن ونحوه، ولا يتحرجون في شيء من ذلك. فحاجة الناس لخبز يخبز، وطعام يصنع، أكثر من حاجة مل ثياب تلبس، وحاجة مل بيوت يسكنونها أعظم من القسمين الأولين. يعني اللباس والطعام. قال: فلذلك ذهب جماعة من الأئمة كمالك، والأوزاعي، وسفيان، والليث، والليث بن سعد، وإسحاق بن راهوي، وبه قال أبو حامد الغزالي، وأبو الفرج بن الجوزي: أن هذه الصناع فرض كفاية. فإنه لا تتم المصالح بين الناس بدون ذلك، كالجهاد وطلب العلم الشرعي الذي يجب على كل أحد أن يتعلم ما يجب عليه من ذلك. فإن هذا شيء مبني على الأعيان. وكل من وجبت عليه الصلاة، كان عليه أن يتعلم ما يتيقن به سقوط الفرض عنه. وكذلك في سائر العبادات المشروعة. والصحيح في هذا التفصيل كما فصل الكثير من العلماء، فذكروا أن هذه المباحات تقسم بحسبها. فما كان بنقصه يلحق المسلمين فيه ضرر، فهو من الفروض فروض الكفايات. وما كان لا يلحق الناس به ضرر، فهو إما من نافلة الطاعات وأبواب الإحسان، أو هو من مطلق المباحات. قال رحمه الله تعالى: قال عليه الصلاة والسلام بالصحيح عنه: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين». فكل من أراد الله به خيرًا يفقهه في الدين. فمن لم يفقه في الدين، ليس كذلك. فمن لم يفقه في الدين، ليس كذلك. والمعنى أنه حرم الخير. قال: والدين هو ما بعث الله به رسوله، وهو ما يجب على المرء تصديقه فيه والعمل به. وعلى كل أحد أن يصدق محمدًا صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به تصديقًا عامًا، ويطيعه فيما أمر طاعة عامة. وإذا ثبت عنه خبر، كان عليه أن يصدقه به تصديقًا مفصلًا. يعني في عين ذاك الخبر المفصل. فإن كان مأمورًا فيه بأمر، كان عليه أن يطيعه طاعة مفصلة. يعني في ذاك الأمر المفصل. وكذلك غسل الموتى وتكفينهم والصلاة عليهم، وهو من فروض الكفاية. وكذلك الأمر بالمعروف، والنهي عن منكر، فرض على الكفاية. وكذلك الولايات الدينية مثل إمرة المؤمنين، وما دونها من وزارة وديوان. يعني الدواوين مواضع تخص الدولة في تنظيم أمورها وحفظ وثائقها. سواء كانت كتابة خطاب أو حساب أو مقبوض أو مصروف من أرزاق المقاتلة وغيرهم. من إمرة حرب وقضاء وحسبة. قال: فقد كان عليه الصلاة والسلام تولى الأحكام والفتيا والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود. وكان عليه الصلاة والسلام يقوم بكل ما يتعلق بالولايات الدينية، ويولي ما بعد عنه. كما ولّى مكة عتاب بن أسيد، وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص. وبعث علي معاذ أبا موسى الأشعري إلى اليمن. وهذا كما ذكر بكتب التاريخ، سواء صح في أعيان المذكورين على التفصيل أو لم يصح في عين هؤلاء المذكورين. فقد صح أنه عين أناس على ذلك. والمقصود أن تؤد هذه الحقوق، ويوضع كل شيء في موضعه، بما يكون به الإحسان والعدل. قال رحمه الله تعالى: وكذلك كان يؤمر على السرايا، ويبعث على الصدقة السعاة يجبون الأموال الزكواتية، يأخذونها ممن هي عليه، ويدفعون إلى مستحقيها الذين سماهم الله في القرآن. فيرجع الساعي إلى المدينة ليس معه إلا صوته. وهو تصديق لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تأخذ من أغنيائهم فترد إلى فقرائهم». ليس يحفظ لنفسه الساعي شيئًا. كما غضب النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك من رجل حين قال: «هذا أهدي لي». قال: «أل قعد في بيت أبيه وأمه فلتأتي هديته؟». فلا يصلح أن يرجع الساعي وقد أخذ أشياء. فقوله: «ليس معه إلا صوته» كناية عن تعففهم وعدلهم وإحسانهم في هذه المهام. قال: وكان عليه الصلاة والسلام يحاسب العمال، ويستوثق، ويحاسبهم على المستخرج والمصروف، وكل ما يؤدي إلى ذلك. إذا اتسعت البلاد وكثر الناس، فإنه مطلوب. فإن كان في هذا الزمان يحتاج إلى برامج حاسوبية تنظم هذه الأمور وترتبها، وما كان بمعناها من العلوم الحديثة، فهذا مطلوب، وهو كذلك من فروض الكفايات. فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. قال: كما في الصحيحين عن أبي حميد الساعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل رجلًا من الأسد على الصدقة، فلما رجع حاسبه، فقال: «هذا لكم وهذا أهدي إلي». الحديث. وفيه: «من استعملنا على عمل فكتمنا مخيطًا فما فوقه كان غلولًا يأتي به يوم القيامة». وفيه: «يشير بإصبعه نحو السماء اللهم هل بلغت مرتين». ومعنى حدته عليه الصلاة والسلام عماله على الفرار من الغلول، وأخذ ما ليس بحق، ولو يسيرًا. المخيط شيء يسير، إبرة. ومع ذلك شدد عليهم فيه عليه الصلاة والسلام، طلبًا للأمانة في هذا الباب. فكيف بما فوقه؟ وإذا كان كذلك، فكيف بحال الناس اليوم؟ فإن لله وإن إليه راجعون. قال رحمه الله: والمقصود هنا أن هذه الأعمال التي يفرض كفاية، متى وقعت الضرورات التي شيء منها تعينت، وصارت من الواجبات، لاسيما إن كان الذي تلجئ الضرورة إليه غير عاجز عن القيام بالقدر المطلوب من ذلك. فهنا معناه قد ينتقل فرض الكفاية إلى فرض عين. فقد يكون فرض كفاية، فإذا صار لا يندفع إلا بفلان من الناس، صار فرض عين. فهذه الأعمال التي هي فرض كفاية، متى وقعت الضرورات إلى شيء منها تعينت. قال: فإذا كان الناس يحتاجون إلى نساجة قوم، أو فلاحتهم، صار ذلك العمل واجبًا عليهم، بجبرهم ولي الأمر عليه. يعني أن يجبرهم، ليس على وجه التخير، بل على وجه الإلزام. فإذا قاموا بما وجب عليهم من الفلاحة، وجب عليهم منعهم أن يظلموا. يعني غطوا حاجة الناس. فالزائد على وجه التخير، كما أن الطبيب إذا دفعت الضرورة، الزائد عن هذه الضرورة على وجه ماذا؟ التخير. قال رحمه الله: ولا يمكن الجند من انتقاصهم من حقهم. فإن الجند لابد لهم من الفلاحين. فيلزمون أن لا يمنع الفلاح حقه، كما أنهم يلزمون أن يقوموا بالفلاحة. هؤلاء بأداء حق الفلاحين، وهؤلاء بأداء ما يحتاجه المجتمع من فلاحتهم. فالمنافع متبادلة. وهذه حكمة من الله أن سخر الناس بعضهم لبعض. قال: والمزارعة صحيحة ماضية، وهي عمل المسلمين على عهد نبيهم وخلفائه الراشدين. وعليهم عمل آل أبي بكر، وآل عمر، وآل عثمان، وآل علي رضي الله عنهم. وهو مذهب عامة المهاجرين والأنصار. وهو قول أكابر الصحابة كابن مسعود أمثاله. ومذهب علماء الحديث كأحمد وإسحاق، وأبي بكر بن المنذر، والليث بن سعد، وابن أبي ليلى، وابن يوسف، ومحمد يعني بن الحسن. قال: وغيرهم من فقهاء المسلمين. كان النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر لشطر ما تخرج الأرض من ثمر وزرع، حتى مات الرسول صلى الله عليه وسلم، الأمر كذلك. وما زالوا حتى أجلاهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن خيبر. وكان قد شارطهم أن يعمروها من أموالهم. وكان عليه الصلاة والسلام قد قال: «نتركهم فيها ما شئنا». إشارة مع حديث أخرى إلى أنه سيأتي وقت إجلائهم. فهو القائل: «أخرج المشركين من جزيرة العرب». قال: وما سمع منه قبل وفاته أنه قال: «أخرج اليهود والنصارى من جزيرة العرب». يعني لأجل هذا أخرجهم عمر. وقد كان أصحابه مشغولين بالجهاد، لأنهم فرض عليهم الجهاد بأموالهم وأنفسهم، حتى كانوا يتلذذون بقولهم: «نحن الذين بايعنا محمدًا على الجهاد ما بقينا أبدًا». فلأجل ذلك أقر اليهود على أن يعملوا، ولهم شطر ما أخرجت الأرض. فإن الذين شهدوا فتح خيبر كانوا أهل بيعة الرضوان الذين بايعوا تحت الشجرة، نحو ألف وأربعمائة. وانضم إليهم أهل سفينة جعفر، فهؤلاء الذين قسم النبي صلى الله عليه وسلم فيهم خيبر. فلو أقام طائفة من هؤلاء، وهم أبطال الموحدين، وحماة المسلمين، وشغلوا بفلاحتها، لتعذرت مصالح الإسلام من قبل قوم لا يقوم بها غيرهم. قال: وعلى ما تقرر من هذه الأصول، وكما أن الجهاد واجب، فعمل آلاته وبيعها إذا اضطر إليها عند قوم، تعين وجوب العمل بأجرة المثل، وبدل الآلة بثمن المثل، إن كانت الآلة موجودة. فشراءها بثمن المثل، وإن كانت تحتاج إلى صناعة، فبأجرة المثل. وهذا هو العدل والإحسان في هذا الباب. قال: أو بالمشتري الأول. وما يقع عليه الرضا من الكسب. كان يكون اشتراه لنفسه، فيقال: اليوم المجاهدون يحتاجون لهذا السلاح، فسنشتريه منك، ونكسبك، ونربحك ربح المثل. وهنا يأتي السؤال: هل يجب عليه أن يبيع، ويلزم بذلك من السلطان؟ الجواب: نعم، إذا كان لا يندفع ضرر المسلمين إلا بذلك، فيجب أن يبيع، لكن بغير ظلمه، بأن يبيع بأجرة المثل، أو ثمن المثل، أو إن كان هو مشتري أول، فبكسب المثل. قال رحمه الله تعالى: طيب، إذا لم يكن مال، فهنا تكون عارية. وإن عارية مضمونة، وإن تلف منها شيء، فإنه يضمن، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين، فإنهم احتاجوا إلى السلاح، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم أخذ السلاح من بعض المشركين عارية مضمونة. قال رحمه الله تعالى: فإنه إن بذل ذلك تبرعًا، كان مجاهدًا. فإن المؤمن على أن يجاهد بيديه وبلسانه وبقلبه. وعليه النفقة في عسره ويسره، ومنشطه ومكرهه، وأثرة عليه. فمن عجز عن الجهاد ببدنه، لم يسقط عنه الجهاد بماله. وعكس ذلك كذلك، من استطاع ببدنه بماله، من لم يستطع بماله لم يسقط عنه ببدنه. قال: ومن لم يطق أن يجاهد بيده، فليس بمعذور إن ترك الجهاد بلسانه وقلبه، لما ورد في هذا الباب. «فمنكم منكرًا فليغير بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه». قال: وإذا كان الناس وهم أهل العلم وأهل الجهاد وأهل التجار، وأصناف البيوع المباحة، لابد لهم ممن يطحن ويعجن ويخبز. كما كان أهل الإسلام بالمدينة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وبهذا تتم مصالح الناس. وهذا من حكمة الله عز وجل في ترتيب حوائج المجتمع، وبهذه الأحكام الشرعية. قال: فإنه لم يكن عندهم من يطحن ويخبز، وإنما كانوا كالأعاريب في بواديهم، ولا من يبيع خبزًا ولا دقيقًا، وإنما كانوا يشترون الحب، ويطحنونه بأيديهم، ويخبزونه في بيوتهم، ولا يجدون من يتولى ذلك بأجره. حتى إن المنخل لم يعرف بينهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا رأى النقي يعني من الدقيق، بل كانوا يأكلونه غير منقى كما جاء، وصح ذلك عن عائشة رضي الله عنها. قال: وكانوا يجدون لذلك مشقة مع شغلهم بالغزو والعلم والعبادة. فلذلك لما غل السعر، قال له رجل: يا رسول الله، سعر لنا. قال: «بل أدعو الله لكم». فلما كثر ذلك بينهم، قال: «إن الله هو الخافض الرافع المسعر القابض الباسط». وإني أحب أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة. وفي هذا إشارة إلى أن بعض التسعير قد يكون فيه ظلم للناس، قد يكون ظلم للبائع، وقد يكون ظلم للمشتري. ولهذا كان الصواب في التسعير هو التفصيل. إن كان أمر الناس مضطربًا، فيحصل البغي والعدوان، فهنا يكون تسعير مع الاجتهاد بالعدل في ذلك والإحسان. وإن كان الأمر ليس فيه بغي ولا اضطراب، ولا عدوان ولا ضرر، فلا حاجة للتسعير، يترك الناس يرزق بعضهم بعضًا. والناس لا شك إذا أحد غلا سيترك، ويأخذ الذي أرخص. طيب، نقف إلى هنا ونترك الباقي في درس اللاحق، والله تعالى أعلم.