الدرس في حلية طالب العلم 3، الدرس الثالث:من( الفصل الأول:آداب الطالب في نفسه ... ليست النائحة الثكلى مثل النائحة المستأجرة وفقك الله لرشدك آمين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يؤكد الشيخ على أهمية إخلاص النية لله في طلب العلم وحمايتها من الشوائب مثل الرياء. طلب العلم عبادة تتطلب الإخلاص لتصبح من أفضل الطاعات.
النبي صلى الله عليه وسلم حذر من الرياء في طلب العلم، حيث يعتبر شركاً يفسد نية الطالب. الرياء يحبط العمل ويجعله بلا قيمة عند الله.
طالب العلم مطالب بالتوازن بين التواضع وتحمل المسؤولية، فلا يتخلف عن أداء ما هو أهل له. يجب على من هو أهل للإمامة أن يصلي بالناس ولا يتأخر.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. نواصل في كتاب الحلية، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الفصل الأول، آداب الطالب في نفسه. قال أولًا: العلم عبادة. قال: أصل الأصول في هذه الحلية، بل ولكل أمر مطلوب، علمك بأن العلم عبادة. قال بعض العلماء: العلم صلاة السر وعبادة القلب. وعليه فإن شرط العبادة أولًا: إخلاص النية لله سبحانه وتعالى، لقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ الآية. وفي الحديث الفرد المشهور عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الأعمال بالنيات» الحديث. فإن فقد العلم إخلاص النية انتقل من أفضل الطاعات إلى أحط المخالفات. ولا شيء يحطم العلم مثل الرياء، رياء شرك أو رياء إخلاص. قال: ومثل التسميع، بأن يقول مسمعًا: علمت وحفظت. قال: وعليه فالتزم التخلص من كل ما يشوب نيتك في صدق الطلب، كحب الظهور، والتفوق على الأقران، وجعله سلًّا لأغراض وأعراض من جاه أو مال أو تعظيم أو سمعة أو طلب محمدة أو صرف وجوه الناس إليك. فإن هذه وأمثالها إذا شابت النية أفسدتها وذهبت بركة العلم. ولهذا يتعين عليك أن تحمي نيتك من شوب الإرادة لغير الله تعالى، بل وتحمي الحماء. قال: وللعلماء في هذا أقوال ومواقف بينت طرفًا منها في المبحث الأول من كتاب التعالم، وهو كتاب عظيم نافع ينبغي لطالب العلم أن يغتنيه وأن يطلع على ما فيه، ويعرض نفسه على مسائل ومباحث ذلكم الكتاب النافع. قال: ويزاد عليه نهي العلماء عن الطبوليات، وهي المسائل التي يراد بها الشهرة. وقد قيل: زلة العالم مضروب لها الطبل، والمعنى أنه يُشهر بها أو تشتهر بين الناس. قال: وعن سفيان رحمه الله تعالى أنه قال: كنت أوتيت فهم القرآن فلما قبلت الصرة سلبته. ومعنى الصرة: أي المال. فكانوا رحمهم الله يدققون على أنفسهم ويشددون زيادة في حرصهم ومراعاتهم لأمر إخلاصهم، مع أن الظن بمثل سفيان رحمه الله أنه لا يأخذ المال إلا بحله، ولكن لما رأوا أن هذا الباب باب العلم ينبغي أن يكون أرفع وأعظم من المال بكل الوجوه شددوا على أنفسهم، فقال مثل هذه المقولة. قال رحمه الله: فاستمسك - رحمك الله تعالى - بالعروة الوثقى العاصمة من هذه الشوائب، بأن تكون مع بذل الجهد في الإخلاص شديد الخوف من نواقضه، عظيم الافتقار والالتجاء إليه سبحانه. ويؤثر عن سفيان بن سعيد الثوري رحمه الله تعالى قوله: ما عليت شيئًا أشد عليّ من نيتي. وعن عمر بن ذر أنه قال لوالده: يا أبي، ما لك إذا وعظت الناس أخذهم البكاء، وإذا وعظهم غيرك لا يبكون؟ فقال: يا بني، ليست النائحة الثكلى مثل النائحة المستأجرة. ويريد أن الكلام إذا كان فيه صدق فإنه يؤثر، إذا كان فيه صدق وإخلاص فإنه يؤثر، كما أن الباكية بكاء صدق من حزن صادق على فراق قريب وحبيب يؤثر على الآخرين ويهيجهم للبكاء، بخلاف التي تستأجر للنياحة. قال: وفقك الله لرجاءك، آمين. هذه الخصلة الأولى من آداب الطالب في نفسه من الخصال العظيمة، وقد دخل عليها بهذا المدخل المهم، وهو أن يعلم طالب العلم أن طلب العلم عبادة، فإذا كان عبادة فلينتبه أنه يشمله ما يشمل سائر العبادات، فلا يتقرب به إلا بما شرع، ولا ينبغي أن يكون إلا على وجه الإخلاص. وهذا هو المقصود الأول في ذلك. وقوله: قال بعض العلماء: العلم صلاة السر وعبادة القلب، لأن العلم في الحقيقة صلة بين العبد وربه، كما أن الصلاة صلة بين العبد وربه. فالعلم هو وسيلة يتوسل ويتوصل بها العبد إلى ربه جل وعلا، فهي بذلك صلاة السر. ولذلك تجد من استشعر هذا المعنى يكسبه أخذه للعلم وسعيه فيه وطلبه له خشوعًا كخشوعه في صلاته، وخضوعًا وذلًا كخضوعه وذله لربه، وانكسارًا وإخباتًا كانكساره وإخباته في تعبده لخالقه. ومن هنا يعلم الفرق بين من عرف حقيقة العلم ومن لم يعرف حقيقة العلم، وبين من سلك فيه مسلكه الصحيح وبين من لم يسلك فيه مسلكه الصحيح. فإن من سلك به المسلك الصحيح وعلم أنها عبادة صارت له صلاة في السر، فتهذب ظاهره وباطنه، وتصلح أقواله وأفعاله، وتكسبه خضوعًا وذلًا وخشوعًا وخبتًا، فيصير حاله كحال المصلي. ومع ذلك كما تعرفون للشيطان نصيب من المصلي في صلاته، فكذلك للشيطان نصيب من طالب العلم في صلاته - صلاة السر - مع ربه جل وعلا في أمر العلم. فيكتب للمصلي عشرها وربعها ونصفها بقدر ما يكون من حضور قلبه وخشوعه لربه. وهكذا كذلك في أمر العلم. ولهذا كان العلماء الذين عرفوا قدر العلم يجاهدون أنفسهم أن يهذبوها بمعاني العلم الصحيحة. فالعلم عبادة ليس عادة، والعلم عبادة ليس عرضًا من أعراض الدنيا يتنافس عليه ويفتخر به. والعلم عبادة كذلك يقتضي أن يعتنى به كما يعتنى بسائر العبادات. وقوله: عبادة القلب، لأن العلم يصلح القلب ويزكي سائر ما في النفس. فإذا استشعر حامل العلم وطالبه والساعي فيه أنه عبادة أعانه ذلك على إصلاح قلبه والتعبد لله عز وجل به. فهو في مراقبة دائمة، حتى لو طلب العلوم التي ليست هي برقائق ومواعظ، لكنه لعلمه أنه يطلبه لله سبحانه وتعالى يحرك في ذلك بواعث طيبة، وكذلك أقوال وأفعال حسنة في القلب، فيكون بذلك متعبدًا لله عز وجل على أكمل الوجوه. تتمة لما سبق ذكر رحمه الله أن العلم عبادة، فإذا كان كذلك فإن من شرط العبادة ومن أعظم شروطها الإخلاص. ثم ذكر دليل الإخلاص من الكتاب ومن السنة. وقوله في الحديث الفرد: أي الذي لم يروه من الصحابة إلا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهذا مشهور في علم المصطلح. والشاهد منه قوله: «إنما الأعمال بالنيات». فأراد أن يشير إلى أن العبادة عمومًا من أعظم شروطها الإخلاص، والعلم على وجه الخصوص ينبغي أن يعتني طالب العلم فيه بأمر إخلاص النية فيه. ثم بيّن رحمه الله أن العلم بالإخلاص يصير من أفضل الطاعات والقربات، لأنه عبادة من العبادات. فإذا أخلص صاحبها فيها صار من أعظم الطاعات والقربات. ولهذا فضله وقدمه كثير من أهل العلم على نوافل الطاعات، حتى على الصلاة، مع أن الصلاة أهم موضوع وأفضل ما يتقرب به أو من أفضل ما يتقرب به لله عز وجل. ومع ذلك فالعلم قدم عليه لما فيه من المزايا والخصائص والصفات التي جعلته أرفع الطاعات وأفضلها. والعكس إذا عدم الإخلاص أو وجد ما يشوب هذا الإخلاص ويكدر صفاءه، فإنه ينقلب إلى أحط المخالفات. ولهذا المعنى ذكر النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة أن أول من تسعر بهم النار ثلاثة، وذكر منهم عالم، لكنه أي هذا العالم تعلم العلم ليس لابتغاء لوجه الله سبحانه وتعالى. وهذا يدلنا على خطورة هذا المقام. ثم ذكر رحمه الله عددًا من الأمراض والأدواء والمخالفات التي تقلب هذه العبادة إلى معصية، وهذه الطاعة إلى مخالفة. وذكر منها الرياء، قال: رياء شرك أو رياء إخلاص. ويريد برياء الشرك هو إشراك غير الله عز وجل في العمل. فإنه من رياء الشرك، سواء بإشراك النفس مثل العجب، أو إشراك المخلوقين مثل الرياء، كأن يطلب العلم يريد بذلك التعالي على الناس، ويظهر المسائل والمواعظ يريد أن يظهر بذلك فخره وكماله، وغير ذلك من الثناء على النفس للناس. وهكذا كذلك رياء الإخلاص. ومن رياء الإخلاص أن يبالغ في زعمه في تهذيب النفس، فيصل بها إلى مدحها، كحال بعض الناس كما ذكر ابن الجوزي رحمه الله في تلبيس إبليس، أن من الناس من يذم نفسه، يظهر بذمه لنفسه طلب الإخلاص، وهو في الحقيقة بذلك يقع في نوع آخر من الرياء. فذم الناس في الملأ وتكلف التواضع مذموم. وهكذا كذلك الرياء والعجب والتعالي مذموم، والوسط هو المحمود. وقوله: ومثل التسميع، والمراد بالتسميع كما ميّن بقوله: علمت وحفظت وكتبت وبحثت، ونحوها من العبارات: عندي في هذا بحث طيب، وكتبت في هذا وحفظت وعلمت ودرست، وعندي كذا وكذا حلقة، وكذا وكذا درس، وغير ذلك من لحن القول الذي يفهمه اللبيب أن المراد به الشهرة والتسميع. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن من سمع سمع الله به، أي يوم القيامة، فيفضحه أمام الخلائق وفي رؤوس الأشهاد، نسأل الله السلامة والعافية. ثم أشار رحمه الله أن طالب العلم عليه بالحرص الجاد بالتزام التخلص من كل ما يشوب النية من صدق الطلب. وذكر من ذلك أمثلة مما يشوب يعني يخالط النية فيفسد صفاءها، قال: كحب الظهور، فإن حب الظهور يقسم الظهور أن يحب الإنسان أن يتعالى على الناس، يحب أن يكون هو المتكلم وهو الخطيب وهو الواعظ وهو كذلك الناصح وهو الإمام وهو الأمير، إن كان في سفر وإن كان في صلاة وإن كان في كلمة وإن كان في درس، وهو الأمير وهكذا يحب دائمًا أن يكون أظهر أرفع. فهذا مرض ينبغي لطالب العلم أن يعالج نفسه فيه. ومنه حديث بن عمر رضي الله عنه حين كان يعلم الجواب واستحيا أن يبثه، يدلك على تواضع الصحابة رضي الله عنهم وأدبهم. وهذا المقام وسط، إن كان هو الأهل لذلك فلا يترك المقام خاليًا فيتمكن من ليس أهل لهذا التمكن، فهذا تفريط في المسؤولية. وعليه يحمى القول يوسف عليه الصلاة والسلام الإمارة، فإنه سألها لأنه كان أهل لها. وإذا وجد من هو أكفأ منه أو هو مثله فالمحمود في هذا المقام أن لا يستشرف هذا المنزل وهذا المجلس وهذا المقام، بل يتركه لغيره. وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يتداولون الفتوى، كل منهم يحيلها إلى أخيه، حتى ترجع من حين ابتدأت، كل واحد يقول: عندك، وهذا يقول: عندك، وهذا يقول: عندك، من تواضعهم وعدم استشرافهم لمثل هذا المقام. ولكن كما قلنا الأمر وسط، هذا الذي ينبغي أن يكون خلق طالب العلم، وفي نفس الوقت لا ينبغي عليه أن يترك المقام خاليًا، فمن كان أهل لإمامة لا ينبغي أن يتأخر ويتخلف حتى يصلي بالناس من ليس بأهل، وليس هذا من التواضع في شيء، بل هذا من التفريط في المسئوليات. ودين الله وسط. نقف عند هذا الحد، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.