الدرس في حلية طالب العلم 34، الدرس الرابع والثلاثون:من( الفصل الرابع:آدب الزمالة ... فاحذر معاشرة من كان كذلك فإنه العطب والدفع أسهل من الرفع ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يؤكد الشيخ على أهمية اختيار زملاء الخير لطلبة العلم، مستشهدًا بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تحث على مصاحبة الأخيار. ينبغي لطالب العلم أن يختار زملاءه بعناية لأنهم يؤثرون عليه إيجابًا أو سلبًا.
المجالسة تؤثر على الأخلاق والطباع، فيجب الحرص على مجالسة الأخيار والابتعاد عن أصحاب الأخلاق السيئة. الإنسان يتأثر بمن حوله حتى في لغته وإشاراته، وقد تنتقل الأخلاق السيئة إليه دون أن يشعر.
الدفع أسهل من الرفع، حيث يعني الابتعاد عن الشيء قبل وقوعه، بينما الرفع يتطلب إزالة الشيء بعد حدوثه وهو أصعب. هذا المفهوم يعبر عنه في القواعد الفقهية ويُطبق على أهمية تجنب مخالطة أهل السوء منذ البداية.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. نواصل في هذه الفصول من كتاب «حلية طالب العلم». قال المؤلف رحمه الله تعالى: الفصل الرابع: أدب الزمالة. قال: «احذر قرين السوء كما أن العرق دساس، فإن أدب السوء دساس، إذ الطبيعة نقالة، والطباع سراقة، والناس كأسراب القطاء مجبولون على تشبه بعضهم ببعض، فاحذر معاشرة من كان كذلك، فإنه العطب، والدفع أسهل من الرفع». قالوا: ومن لطيف ما يقيد قول بعضهم: «العزلة من غير عين العلم زلة، ومن غير زاد الزهد علة». هذا الفصل جعله رحمه الله تعالى في الكلام على أدب من آداب طالب العلم فيما يتعلق بزمالته، أي من هم زملاؤه الذين يحسن أن يخالطهم ويختلط بهم ويتخذ منهم أخًا له وأحبابه ويكونون له جلساء ولهم جليس. وقد جاء في هذا الباب أدلة كثيرة من الكتاب والسنة، فمن هذا الكثير على سبيل المثال قول الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، فأمر ربنا جل وعلا باعتزال مجالس السوء وأهل السوء، وهم الذين يخوضون في آيات الله. وهكذا قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾، فأمر بعدم الركون إلى الظالمين، سواء الركون الحسي بمجالستهم ومخالطتهم؛ لأن لا يصيبك ما يصيبهم، فإنك لا تأمن أن يصيبهم عذاب الله وغضبه فيلحقك ما يلحق بهم. وهكذا لا تأمن أن يأتيك من شرابهم ومن خبيث خلقهم إليك. أو كذلك الركون المعنوي بأن يميل قلبك إليهم لأي معنى من المعاني، فأمر المسلم أن يجتنب هؤلاء. وهكذا بالعكس بالنسبة لأهل الخير والصلاح، فإنه يؤمر بملازمتهم والركون إليهم والجلوس معهم، كما أخبر الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم في حق الحريصين على الخير والعلم من أهل الفقر والفاقة، حتى قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾، يعني ليس فقط أن يكون من جلسائك، بل لتكون العين إليهم وعليهم. وهكذا كذلك في سنة النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك الشيء الكثير، قال النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت في السنن من حديث أبي هريرة بإسناد حسن: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالط»، أي من يصاحب. ومعناه ليحرص المسلم على مصاحبة الأخيار ومجانبة الأشرار؛ لأن مصاحبة الأخيار تعين على الخير، ومصاحبة الأشرار توقع في الشر والقلوب ضعيفة، والشبهات والشهوات خطافة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح كذلك: «مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير»، فحامل المسك إما أن يهديك، وإما أن يهديك، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة. وهذا مثل الجليس الصالح، إما أن يعطيك من المسك الذي معه هدية، وإن لم يعطك ربما جعل لك شيئًا في يدك أو في ثوبك، وهذا معنى «يحذيك». وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، هذا أقل الأحوال. وأما جليس السوء فهو كنافخ الكير، إما أن يحرق ثوبك، وإما أن يأتيك من شرر ذلك النار وغباره، أو تجد منه الريحة السيئة الخبيثة. نافخ الكير أي نافخ النار مما يحمى به الحديد أو غيره. والمقصود هنا أن جليس السوء قل أن تسلم من سوءه، فإنه على أقل الأحوال أن تجد منه الرائحة الخبيثة. ولذلك جاءت الأدلة الكثيرة في التحذير من مجالسة جلساء السوء. وهكذا طالب العلم في طريقه العلمي ينبغي أن ينتقي لنفسه الزملاء، هو يحتاج إلى زملاء يعينوه ويعينهم في طريق العلم والعمل، مذاكرة أبواب العلم، وأخذ كذلك ما يفوته من العلم، أو كذلك الاستفادة في بعض أبواب العلم، أو التعاون في العمل بالعلم أو تبليغ العلم أو غير ذلك. ولكن لأن الصديق له أثر والزميل له أثر، ينبغي أن لا يكون هذه المصلحة المرجوة على حساب مفسدة هي أكبر منها، وهو ما يأتيك من الشر من هذا القرين وهذا الجليس وهذا الزميل. ولهذا نبه العلماء في كتب آداب الطلب على هذا الأدب. فقال رحمه الله: «احذر قرين السوء». وقرين السوء هو زميل السوء وجليس السوء، وسمي قرينًا لأنه يقارنك، أي يلازمك ولو لفترة من الزمن. وكما يروى في البيت الشعري الذي ينسب لعلي رضي الله عنه: «عن المرء لا تسل وسل عن قرينه، فكل قرين بالمقارن يقتدي». ومعناه إذا لم تعرف هذا الإنسان فاسأل من يجالس ومن أقرانه ومن أصدقائه، فإنك ستعرف بهؤلاء الذين عرفتهم شخصية هذا الإنسان. وكما كان السلف كذلك يقولون: «لئن كانت بدعة الرجل مخفية علينا، لم تخف عليهم ألفته»، يعني إذا كان الإنسان ألفته إلى أهل السنة فهو إن شاء الله من أهل السنة، وإن كانت ألفته إلى أهل البدعة والأهواء فهذا يجعلنا نسيء الظن به أن يكون من أهل البدعة والأهواء. وهكذا إذا كان إنسان ألفته إلى أهل الصلاح والاستقامة فهذا كذلك يدل أنه إن شاء الله من أهل الاستقامة، وإن كانت ألفته إلى أهل الفسوق والفجور فمعناه أن هذا الرجل فيه ما يجذبه إلى الفجور والفسوق. وهكذا قل في سائر الصفات. ثم قال رحمه الله: «كما أن العرق دساس، فإن أدب السوء دساس». ومعنى العرق دساس هذا مثل مشهور عند العرب، ويروى فيه حديث لكنه كما أشار في التعليق موضوع لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولكن هذا المثل الذي اشتهر عند العرب معناه في بعض المواضع صحيح. وذلك لأن الإنسان يتأثر بأصله، إذ أن أصله تكون شخصيته. فمثلًا من تربى بين المقاتلين وأهل الحروب فإنه يتأثر فيكتسب من الشدة والشجاعة والحنكة وحسن الانتباه ما اكتسبه بواسطة البيئة التي يعيش فيها. وهكذا كذلك آخر تربى في قبيلة مشهورة بالكرم، فإن تربيته وعيشه وسط هذه القبيلة المشهورة بالكرم يؤثر فيه، حتى ولو كان من الموالي. فكونه يعيش بين هؤلاء يكتسب من أدبهم وكرمهم وحسن ضيافتهم وترحيبهم، فتجد اللسان غير اللسان والفعال غير الفعال. وهكذا كذلك في المقابل من يعيش بين البخلاء فإنه يتأثر بهم فيكتسب من بخلهم ومن سوء معاملتهم ومن المشاحة مع أقرب الناس إليهم ومن نكران الجميل ومن كذلك صفات السوء الأخرى النذالة؛ لأن البخل يستلزم النذالة أن يكون المرء فيه شيء من النذالة، لا يكون شهما ولا يكون كذلك مضحيًا، عنده شيء من التضحية وغير ذلك يؤثر فيه. وهكذا كذلك من تربى وعاش بين أهل الجبن والخور فإنه يتأثر فيكتسب بعض تلك الصفات من الجبن والخور وغير ذلك من صفات السوء. ولهذا كان العرب يحرصون في تربية أبنائهم أن يكتسبوا صفات الخير، وذلك بتنويع بيئة تربيتهم. فإن كانوا من أهل القرى حرصوا أحيانًا أن يرسلوا أبنائهم إلى البوادي ليكتسبوا شيئًا من شدتها ومن كرم أهلها ومن قوة كذلك ما يكون من بأس رجالها، مع ما يحرصون من الفصاحة وغير ذلك من الصفات الأخرى. ولهذا كان الارتضاع عندهم كثير، يعني كونهم يرسلون أبنائهم ليرتضعوا صغارًا من بعض المرضعات، والغالب أن المرضعات يكون خارج القرى في البوادي. وإذا شب الشاب ربما أرسلوه كذلك، كل ذلك لأجل أن يكتسب من صفات الخير والصفات المحمودة ما تكون شخصية كاملة أو قريبة من الكمال. وما دام الأمر كذلك وسبب هذا هو الخلطة، فكذلك كما قال: «أدب السوء دساس». والمراد بأدب السوء أي مخالطتك لأهل السوء سيؤثر فيك، المخالطة مطلقًا تؤثر. حتى ذكر بعض أهل العلم أن الإنسان حتى لو خالط البهائم تأثر بأخلاقها. بل لهذا أصل صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الثناء على أهل الغنم وعدم ذلك مع أهل الإبل؛ لأن في الإبل من الشدة والغلظة ما تؤثر على أهلها، وفي الغنم من اللين والرقة وما تستلزمه من رحمتها والعطف عليها ما تؤثر على أهلها، كما صحت به الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا كذلك هذه الخلطة تؤثر حتى ربما في اللغة، لغة الإشارة، فيكثر من يخالط شيئًا من البهائم يكثر من إشاراتها ومن كذلك أخلاقها حتى يتأثر بذلك. ومن ذلك كما ذكر بعض أهل العلم تحريم الخنزير، فإن تحريمه ليس فقط لأجل ضرر لحمه، بل كذلك لنذالة وخبث طبعه، فإن ذلك يقتضي خلطتها بالإنسان، وهذا يؤثر عليه، ويقتضي الأكل من لحمها، وهذا يؤثر عليه. ولهذا ولغيره حرم على أهل الإسلام. فالمقصود من هذا أدب جليس السوء يؤثر كما يؤثر العرق. وهذا يدعونا أن ننتبه لهذه الجوانب كلها، قد يبتلى الإنسان بتربية في بيئة معينة، فلا ينبغي أن يرضى ما هو عليه، بل ينبغي أن يزن ما هو عليه وما عليه مجتمعه بميزان الكتاب والسنة وميزان العلم. فإن الحق يعرف بالعلم، والفضيلة والكمال يعرف بالعلم. ليس كل ما أخذته عن أهل بيتك أو عن قبيلتك أو عن بلدك فهو حق أبدًا، فقد يكون الكثير مما أخذته خلاف الحق، بل هو خطأ، بل ربما هو من سوء الأدب. وما أكثر العوائد من العادات، وما أكثر الأخلاق أقوالًا وأفعالًا وحركات وسكنات هي مما تنافي أدب الإسلام، لكن تعود الناس عليها فاستهجنوها حتى صارت كأنها ليست بخطأ وهي من الخطأ. فلذلك ينبغي للإنسان أن يفتش ويعرض أخلاقه وأخلاق من حوله بهذا الميزان العدل، ميزان الكتاب والسنة، العلم النافع. ثم قال: «إذ الطبيعة نقالة، والطباع سراقة». الطبيعة نقالة يعني تنتقل. فأنت إذا خالطت البخيل تخاف أن ينتقل إليك البخل؛ لأنه قد يكون في البداية ردة فعل، مثلًا إذا خالطت الكريم كلما جئته أكرمك، معه شيء قسمه نصفين أعطاك، وربما أعطاك كل ما معه وترك نفسه ليس له شيء. وإذا رفضت ألح عليك حتى جعلك تأخذ. ماذا سيكون ردة فعلك؟ ستكون ردة الفعل أن تكرمه كما أكرمك، وستكون ردة الفعل أنك بتكرار مثل هذا الخلق تكرم غيره، فيصير الكرم خلقًا لك. والعكس إذا خالطت البخيل تجد أنه حريص على أن يأخذ منك، وهو في نفس الوقت من أبعد الناس أن يعطيك شيئًا حتى ولو كان حقًا لك، فستضطر على أقل الأحوال أن تعامله بالمثل، فتخفي عنه بعض ما يستحقه أو ما هو فضل، فترى أنه لا يستحق الفضل لشدة بخله وقلة شهامته ونذالته معك. وهذا سيؤثر عليك، ستكون أولًا هي ردود فعل، ثم تنتقل هذه إلى أن تصير بعد ذلك خلقًا لك تعامل به الجميع. وهكذا قل في سائر الأخلاق السيئة فإنها تنتقل. والطباع سراقة أي تدخل عليك كدخول السارق، السارق يدخل خفية، وكذلك الطباع تدخل عليك خفية. فأنت مثلًا إذا خالط أهل بلدة ما يتكلمون بكلمات، بكثرة سماعك لتلك الكلمات ربما ما تشعر بنفسك إلا وقد تكلمت بها، بينما بالأمس كنت تستقبح مثل هذه الكلمات، لكن لكثرة مخالطتك صرت تتكلم بهذه الكلمات. وقوله: «والناس كأسراب القطاء مجبولون على تشبه بعضهم ببعض»، القطاء نوع من أنواع الطيور كالحمام أصغر من الحمام، وهم مجبولون على تشبه بعضهم ببعض، يعني تجد طير القطاء إذا مشى بعضهم يمنة سار كلهم يمنة، يسره يسره، وإذا فعلوا شيئًا فعلى الباقي مثلهم. وهكذا الناس مجبولون على التقليد والمحاكاة، كالطفل الصغير إذا رأى حركة جديدة قلدها، أو كلمة جديدة حفظها، حتى لو كانت خطأ ظنًا أن ذلك مما يؤخذ. فهذه المحاكاة قد تدخل على الإنسان الشر، ولذلك هو كأنه يقول احرص على مجالسة الأخيار. فقال: «فاحذر معاشرة من كان كذلك، فإنه العطب، والدفع أسهل من الرفع». ومعنى الدفع أسهل من الرفع كما أشار شيخنا رحمه الله في تعليقه أنها عبارة عن قاعدة فقهية، يعني بمعنى الوقاية خير من العلاج. فالدفع هو الابتعاد من البداية، والرفع هو محاولة إزالة الشيء بعد وقوعه، ولا شك أنه أصعب. ولهذا يقولون: «الوقاية خير من العلاج». فكونك تتقي الشيء خير من أنك تبتل به ثم تحاول أن تتخلص منه.