كتاب العلم وفضله وما يتعلق به  14

كتاب العلم وفضله وما يتعلق به 14

الدرس في كتاب العلم وفضله وما يتعلق به 14، الدرس الرابع عشر:من( ومن صفات علماء الآخرة:أن يعلموا أن الدنيا حقيرة ... متوكلين على تجارتهم وصنعائهم وصحة أبدانهم فتوكلت على الله تعالى ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

صفات علماء الآخرة واهتمامهم بالعلم النافع

يتناول هذا الفصل صفات علماء الآخرة واهتمامهم بالعلم النافع، حيث يعلمون حقارة الدنيا وشرف الآخرة ويؤثرون الآخرة على الدنيا. كما يبين أن الدنيا مليئة بالشهوات والشبهات والمحن بينما الآخرة سالمة من هذه الأمور ومليئة بالخير والكمال.

مواقف علماء الآخرة من الحياة الدنيا والطاعات

يصف هذا الفصل صفات علماء الآخرة ومواقفهم من الحياة الدنيا، حيث يحرصون على الطاعات ويبتعدون عن الهوى ويقدمون أعمالًا صالحة تبقى لهم عند الله. كما يبرز الفرق بين علماء الآخرة وعلماء الدنيا في تعاملهم مع الأمور الدنيوية.

شروط التوكل على الله

يتناول هذا الفصل شروط التوكل على الله، حيث يتطلب ثلاثة شروط: سلامة اليقين، الاعتماد على الله لا على الأسباب، والعمل بالأسباب. هذه الشروط ضرورية لتحقيق التوكل بشكل كامل.

  • 25 جمادى الآخرة 1432هـ - 28/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال المُنْلف رحمه الله تعالى: ومن صفات علماء الآخرة أن يعلموا أن الدنيا حقيرة، وأن الآخرة شريفة، وأنهما كالضرتين، فهم يؤثرون الآخرة، ولا تخالف أفعالهم أقوالهم، ويكون ميلهم إلى العلم النافع في الآخرة، ويجتنبون العلوم التي يقل نفعها، إيثارًا لما يعظم نفعه. كما روي عن شقيق البلخي رحمه الله أنه قال لحاتم: «قد صحبتني مدة، فماذا تعلمت؟» قال: «ثمان مسائل». أما الأولى، فإني نظرت إلى الخلق، فإذا كان لشخص محبوب، فإذا وصل إلى القبر فارقه محبوبه، فجعلت محبوبي حسناتي؛ لتكون في القبر معي. وأما الثانية، فإني نظرت إلى قول الله تعالى: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾، فأجهدتها في دفع الهوى حتى استقرت على طاعة الله تعالى. وأما الثالثة، فإني رأيت كل من معه شيء له قيمة عنده يحفظه، ثم نظرت في قوله سبحانه: ﴿وَمَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾، فكلما وقع معي شيء له قيمة واجهته إليه -أي إلى الله- ليبقى لي عنده. وأما الرابعة، فإني رأيت الناس يرجعون إلى المال والحسب والشرف، وليست بشيء، فنظرت في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، فعملت في التقوى؛ لأكون عنده كريمًا. وأما الخامسة، فإني رأيت الناس يتحاسدون، فنظرت في قوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ﴾، فتركت الحسد. والسادسة: رأيتهم يتعادون، فنظرت في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾، فاتخذوه عدوًا، فتركت عداوتهم، واتخذت الشيطان وحده عدوًا. والسابعة: رأيتهم يذلون أنفسهم في طلب الرزق، فنظرت في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾، فاشتغلت بما له علي، وتركت مالي عنده. والثامنة: رأيتهم متوكلين على تجاراتهم وصنائعهم وصحة أبدانهم، فتوكلت على الله تعالى. وهذا فصل تتمة لما سبق في ذكر شيء من صفات علماء الآخرة. وأول ذلك: أن يعلموا أن الدنيا حقيرة، والآخرة شريفة. ومن حقارتها أنها تفنى ولا تبقى، ومن حقارتها أنها زخرف لا حقيقة، ومن حقارتها أنها مليئة بالشهوات المتبعة لصاحبها آلامًا وأحزانًا وعذابًا يوم القيامة. ومن حقارتها كذلك أنها مليئة بشبهات تصرف السائر فيها عن الحق، ومن حقارتها أن كل محبوب لا يبقى، ومن حقارتها أنها كذلك دار محن وفتن وإحن وهموم وأحزان وغموم. ومن حقارتها كذلك أنها مليئة بالمنغصات وبالأمور الناقصات، وغير ذلك مما هي بعض أوصاف حقارة الدنيا. وضدها الآخرة شريفة؛ لأنها سالمة من هذه الأمور كلها، بل هي فيها من الخير والكمال ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، من الخير الحسي والخير المعنوي. فما يذوقه المؤمن من حلاوة حسية ومعنوية في الدنيا، فله أكملها وأرفعها وأعلاها في الآخرة. إن كان وجد حلاوة الإيمان، فحلاوته في الآخرة أعظم من الدنيا. إن وجد حلاوة الأخوة، فحلاوته في الآخرة أعظم وأعلى. وإن وجد حلاوة المطاعم والمشارب وغيرها في الدنيا، ففي الآخرة ما هو أعظم منها. فبهذا كانت شريفة. وأنهما كالضرتين يعني: لا يكادا يجتمعان، فإذا كان كذلك، فعلى المسلم أن يشمر للآخرة. فلهذا قال: «فهم يؤثرون الآخرة، ولا تخالف أفعالهم أقوالهم»؛ لأنهم يؤثرون الآخرة. الذي يؤثر الآخرة لا يخالف فعله قوله؛ لأن هذا يوجب غضب الله وسخطه. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾، وهذا من أعظم أسباب الخسارة، ومن أعظم أسباب كذلك حرمان العلم. سبحان الله! الإنسان ربما يقعد دهرًا وهو محفوظ بحفظ الله، ومحاط بحصن من حصون الله، ما دام على طاعة الله. فإذا عصى الله عز وجل هانو سقط، ولو كان بالأمس من كبار العلماء، ومن أهل المراتب العلية. لماذا؟ لأن حقيقة العز هو بطاعة الله، ليس بحمل العلم. حمل العلم حجة إذا لم يعمل به صاحبه، صار سببًا لصغاره وذله في الدنيا وفي الآخرة. قال: «ويكون ميلهم إلى العلم النافع في الآخرة» يعني: ليس في الدنيا لأجل الرفعة، ولكن في الدنيا لأجل العمل للآخرة. وهذا الفرق بين علماء الآخرة وعلماء الدنيا. علماء الدنيا يطلبون بالعلم الترفع من حسب ونسب ومنصب وجاه ومال وشهرة وغير ذلك. لكن علماء الآخرة غير ملتفتين لهذه كلها، لا يبالي لو أنه كان في الناس ناقصًا ومعدود فيهم من المقصرين؛ لأنه يريد ما عند الله سبحانه وتعالى. وعلى العكس: إذا زهد المرء في الدنيا أعطاه الله عز وجل منها، وما يحفظه له في الآخرة. والغالب أن من كان هذا حاله يزهد عما في أيدي الناس، فإذا زهد عما في أيدي الناس أحبه الناس. والعكس: الذي يريد الدنيا لا يزهد فيما في أيدي الناس، وعند ذلك يبغضه الناس، وهو يريد حب الناس، ولكن العكس يجد بغض الناس. قال: «ويكون ميلهم إلى العلم النافع في الآخرة، ويجتنبون العلوم التي يقل نفعها، إيثارًا لما يعظم نفعه». فكل العلم لا يوصل إلى الله هم زاهدون فيه؛ لأنهم يريدون العلم الذي يوصل إلى الله. وليست العلوم التي توصل إلى الله محصورة بالعلم الشرعي، العلم الشرعي من العلوم، وأرفع العلوم التي توصل إلى الله. لكن حتى العلوم المادية -وكما يقال: التطبيقية- إذا احتسبها المسلم، ووجهها فيما يوصل إلى الله، صارت سبب منفعة. ولهذا تجد فرقًا بين الطبيب المحتسب الذي يريد ما عند الله، والطبيب التاجر. الطبيب التاجر هذا حاله ثانية. أما الطبيب المحتسب الذي يريد ما عند الله، فهو الذي بذل وقته وعمره وذكاءه وعلمه وكل ما عنده لله سبحانه وتعالى. وهذا له ما لغيره من المجاهدين والمنفقين في سبيل الله. والعكس ذاك الذي يريد الدنيا. وهكذا قل في سائر العلوم الأخرى. ثم ذكر قصة شقيق مع حاتم، وذكر هذه المسائل الثمانية، وهي عظيمة. ولهذا ذكرها المؤلف رحمه الله، بغض النظر أنها صحت أو لم تصح. وقد قال: «رويا عن شقيق»، ولكن المقصود هو الانتفاع بالنصح الذي فيها، بغض النظر من قائلها. لكن لما كانت نافعة ذكرت لأجل منفعتها. أولها قال: «إني نظرت إلى الخلق، فإذا كان لشخص محبوب، فإذا وصل إلى القبر فارقه محبوبه، فجعلت محبوبي حسناتي؛ لتكون في القبر معي». ومعنى حرص على مصاحبة حسناته أحسن صديق وحبيب له في الدنيا حسناته -يعني الطاعات-. وهكذا ينبغي أن يكون العالم أحسن مؤانس له الطاعة، يحرص على الطاعة من صلاة الليل، ومن الصيام، ومن الصدقة، ومن ذكر الله عز وجل، وغير ذلك من الأعمال الصالحة التي تزكيه بالدنيا، وترفع قدره في الآخرة. والعكس بالعكس: العالم الذي لا يحرص على الطاعات فإنه يشغل بغيرها، وإذا شغل بغيرها صار محرومًا. والثانية: أنه نظر إلى قوله جل وعلا: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾، فاجتهد في دفع الهوى حتى استقرت نفسه على الطاعة. والمعنى: أن من صفات علماء الآخرة أنهم يدفعون الهوى من قولهم وفعلهم وقلوبهم، حتى استقرت قلوبهم على الطاعة، وألسنتهم على الطاعة، وأفعالهم على الطاعة. فإذا وجدت الهوى في لساني وفعلي وقلبي من يحمل العلم، فاعلم أن فيه شائبة علماء الدنيا، ليس علماء الآخرة. ومن الهوى العجب والغرور والتعالي وحب الثناء، ومن الهوى الانتصار للنفس، ومن الهوى الزيغ لبعض المعاصي. عالم لكن عينه طويلة، مسكين حامل علم عينه طويلة. وآخر حامل علم لكن يتساهل في أمور أخرى من خلطة النساء والتعامل مع النساء، وهذا مسكين يفسد على نفسه علمه، وغير ذلك. فالمسلم -فضلا عن طالب العلم- فضلا عن من هو حامل العلم من أهل العلم، عليه أن يحرص على أن تستقر نفسه على طاعة الله، وأن يدفع الهوى. لا ينبغي لأحد أن يرضى لنفسه بالهوى، وحامل العلم على وجه الخصوص؛ لأن له أثر أثر عظيم في إفساد حال الإنسان في الدنيا قبل الآخرة. لا يظن الإنسان أنه إذا ترك العلم من دون مراقبة ومتابعة أن العلم يحفظه، لا العلم يحتاج إلى حفاظ أن تنقيه من شوائبه، وإلا صار حجة عليك، وانقلب هذا العلم بعد أن كان طاعة إلى معصية، ينقلب من طاعة إلى معصية. والثالثة: ذكر رحمه الله تعالى أن الناس يحافظون على كل ما له قيمة في الدنيا، فوجه ما له قيمة لله سبحانه وتعالى ليبقى. ﴿وَمَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾، كما جاء بحديث عائشة: «أن النبي عليه الصلاة والسلام تصدق بشاة إلا الكتف، فقيل: ما بقي منها؟ قالت: كتفها. قال: بل بقيت كلها إلا كتفها». الذي يأكله الإنسان وينتفع به بالدنيا هذا الذي لا يبقى، والذي يتصدق به هو الذي يبقى. وهكذا ينبغي أن يكون من صفات علماء الآخرة كثرة الصدقة، لكن الصدقة من مال من؟ من ماله، ليس من أموال غيره. من ماله، وكم هم الذين يحتالون؟ فينبغي للحامل للعلم أن يحرص على أن يقدم لنفسه شيئًا يبقى له عند الله سبحانه وتعالى. وقوله في الرابعة: «فإني رأيت الناس يرجعون إلى المال والحسب والشرف» يعني: أن ذلك كله ليس بشيء، والكرامة الحقيقية في التقوى، فحرص على التقوى؛ ليكون كريمًا. ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، وهكذا من صفات علماء الآخرة أنهم يحرصون على تقوى الله، وهو أن يجعلوا بين أعمالهم وأقوالهم الظاهرة والباطنة وقاية من غضب الله سبحانه وتعالى. نسأل الله عز وجل السلامة والعافية والإعانة على أنفسنا الأمارة بالسوء. يقول: «وأما الخامسة: فإني رأيت الناس تحاسدون، فنظرت في قوله: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ﴾، فتركت الحسد». ومعنى من صفات علماء الآخرة ترك الحسد. فليس رجل يحسد مسلمًا إلا وفيه شائبة من شائبة أهل النار. فإذا كان حاملًا للعلم فهو أشد. وقد يبتل المسلم وطالب العلم بشيء من ذلك. الغيرة التي قد يبتل بها طلبة العلم، والشيطان له مداخل على الإنسان، ومن أعظم مداخله على حملة العلم الغيرة. كما أن من أكثر مداخله على النساء -خصوصًا لمن ثنى أزواجه- الغيرة. امرأة صالحة ما شاء الله، لكن يجد الشيطان مدخلًا عليها بالغيرة، فتفسد على نفسها حياتها، وتفسد على زوجها حياته، وربما تفسد آخرتها قبل الدنيا. فتنة! والإنسان إذا فتن وامتحن ينبغي عليه أن يسلك المسلك الشرعي ليتجاوز الامتحان. وهكذا حامل العلم يمتحن بالغيرة، فإذا ضبطها بالضابط الشرعي سلم، وإذا ترك نفسه وما تهوى هلك، وندم حيث لا ينفع الندم. والسادسة: ذكر أن الناس لهم عداوات، فتذكر قول الله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾، فاتخذوه عدوًا، فترك عداوة الناس، واتخذ عداوة الشيطان. ومعناه: أن من صاءمة علماء الآخرة أنهم ليس بينهم وبين الناس عداوات، إلا من كان فيه نزغة شيطان. فشياطين الجن والإنس هم أعداء أهل العلم والعلماء. وأما أن يكون بين حامل العلم والناس عداوات شخصية -لا- ما تجد حامل علم مشاكل على دنيا أبدًا. بل إذا خوصم في الدنيا قال: «هذه الدنيا أمامك، خذ ما تريد، واترك ما تريد». لا يخاصم حامل العلم. وعلماء الآخرة لا يخاصمون في الدنيا أبدًا، بل خصومتهم لله، وفي الله سبحانه وتعالى. ليس معناه: أن ليس لهم أعداء، لهم أعداء، لكن الفرق بين أعداء علماء الآخرة وعلماء الدنيا: أن علماء الآخرة أعداؤهم هم شياطين الجن والإنس، من له شائبة الشيطان من إنسي أو جني. فلذلك عداواتهم مع الناس لله، وفي الله. أما علماء الدنيا فعداواتهم مع الناس لأشياء: هذا الجار غضب؛ لماذا فعل كذا وكذا في بيته؟ وهذا لأجل سيارة، وهذا لأجل مال، وهذا لأجل إرث، وهذا لأجل كذا. وهكذا تجد خصومات متنوعة. وهو من العلماء من أهل العلم مثل هذا. ليست هذه صفة من صفات علماء الآخرة، بل علماء الآخرة يتنازلون عن الخصومات الدنيوية، ويطلبون ما عند الله سبحانه وتعالى. حتى لو أخذ أحد عليهم الدنيا ظلمًا، قالوا له: «خذ الدنيا، تريد الدنيا خذها». كما وقع وقائع كثيرة في ذلك عن الصحابة -رضي الله تعالى عنهم-، بل عن نبينا عليه الصلاة والسلام. والسابعة: رأى أن الناس يذلون أنفسهم للرزق. ومعنى يذلون: يتنازلون من طاعة الله، والوقوع في معصية الله، ويرضون بالهوان في ذلك. فاشتغل هو بطاعة الله، وترك ما له عند الله سبحانه وتعالى. ليس معنى أنه لا يبدل الأسباب، لكن يبدل الأسباب في طاعة الله. ولذلك قد تكون أسباب عالم الآخرة قليلة، لكن يجعل الله فيها البركة. وعلماء الدنيا أسبابهم كثيرة، لكن ما فيها بركة. فإذا ليس من صفات علماء الآخرة إذلال النفس لأجل الرزق أبدًا. لا يذلون أنفسهم لأجل الرزق. إنسان خريج الجامعة الإسلامية، ويرضى أن يقبل وظيفة يحلق فيها لحيته ليش؟ قال: «من أين أطعم الأولاد؟ أولادي ما عندهم شهر، ما عندي راتب. شهرين ما عندك راتب». تحلق لحيتك وتعمل وظيفة من أجل ماذا؟ إيش من مال هذا الذي تأخذه وأنت خريج الجامعة الإسلامية؟ تقبض بأحد مسؤولين في الأوقاف في بعض المشاكل القديمة. فإذا بيقول: «أنا زميل الشيخ مقبل». وفي يده سجارة، وحالق لحيته، وجاء من صلاة الظهر، وهو لم يصل الظهر. خريج الجامعة الإسلامية، بشهادة العالمية. ماجستير من الجامعة الإسلامية. ماذا قال؟ «أنا زميل الشيخ مقبل». ما شاء الله، زميل الشيخ مقبل! «بدك دخان كيف هذا؟» قال: «تعرفون الدنيا، تعرفون الدنيا». وهكذا حال علماء الدنيا: تضيع عليهم الدنيا، ويضيع عليهم العلم. وأما علماء الآخرة فلا يذلون أنفسهم لأجل الرزق، بل يبدلون الأسباب المشروعة الصحيحة التي في طاعة الله، ولو قلت الدنيا في أيديهم ما يضر. يعرفون أن الله ما يضيعهم، بل العكس: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. ليس معنا: يقعد في بيته لا يتسبب. يتسبب بأسباب لا تشغله عن العلم، ولا تذله للناس، ولا تفعل فيها معصية. يتسبب، والله عز وجل لن يضيعك ما دمت صادقًا. فالله عز وجل سيعينك. والثامنة الأخيرة: يقول: «رأيت الناس متوكلين على التجارات والصناع وصحة الأبدان، فتوكلت على الله» يعني: لم يعتمد على الأسباب، وإنما اعتمد على الله؛ لأن التوكل لا ينافي العمل بالأسباب، بل من شروط التوكل العمل بالأسباب. وشروط التوكل ثلاثة: ما هي شروط التوكل؟ شروط التوكل: الأول: معرفة الله في ربوبيته ولوهيته وأسماء وصفاته. الثاني: الاعتماد على الله، لا على السبب. الثالث: العمل بالأسباب. ولا يتم التوكل إلا بهذه الثلاثة. والطيب لهنا، والله تعالى أعلم.