الدرس في حلية طالب العلم 18، الدرس الثامن عشر:من( 14-التحلي بالتأمل ... وتأمل عند سؤال السائل كيف تتفهم السؤال على وجهه حتى لا يحتمل وجهين؟وهكذا ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
التأمل هو التحرز والتأني، ويساعد طالب العلم على الإدراك الصحيح وتجنب الأخطاء. التأمل يأتي من خلال خلق الرفق والصبر والاستعانة بالعلوم المدروسة.
ينبغي على طالب العلم أن يستعين بمن سبقوه لتجنب الزلات، وأن يتجنب الارتجال في الفتاوى مع الحرص على التأني والتدقيق. يجب عدم التكلف في العلم والتحرز من الشذوذات.
كثرة التأليف دون تدقيق تؤدي إلى التناقضات، ويجب على العلماء التأني والتحرز في الكتابة. يُشدد على أهمية التدقيق لتجنب الشذوذات العلمية.
يُنبه إلى خطورة الشذوذات العلمية على المجتمع، ويُشدد على أهمية العلم النافع والعمل الصالح. يُسلط الضوء على مخاطر التخبطات في العقائد والفقه.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الرابع عشر: التحلي بالتأمل، فإن من تأمل أدرك، وقيل: تأمل تدرك. وعليه، فتأمل عند التكلم بما تتكلم، وما هي عائدة، وتحرز في العبارة والأداء دون تعنت أو تحذلق. وتأمل عند المذاكرة كيف تختار القالب المناسب للمعنى المراد. وتأمل عند سؤال السائل كيف تتفهم السؤال على وجهه حتى لا يحتمي الوجهين، وهكذا. والمعنى من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم في نفسه خلق التأمل. والمراد بالتأمل هو التحرز والتأني، معناه لا ينبغي أن يكون طالب العلم فيه شيء من العجلة. فالتأمل في الحقيقة معنى من معاني الرفق والصبر، لكنه أخص، ولكونه يحتاج للتنبيه إليه على وجه الخصوص ذكره رحمه الله تعالى بفصل خاص؛ لأن طالب العلم يحتاج للتنبيه عليه على وجه الخصوص؛ لحاجته إليه. فنبوغه في العلم يكمن في حصول مجموعة من الصفات، ومن هذه الصفات أن يكون صاحب تأمل. فبالتأمل يدرك هذا النبوغ؛ لأنه به، على سبيل المثال، يستطيع أن يصل كما قال إلى الإدراك: «فإن من تأمل أدرك، وقيل: تأمل تدرك». ومعناه إذا كنت ذا عجلة، وكذلك ليس صاحب تحرز، فالأخطاء ستكثر منك: أخطاء في كتاباتك، وأخطاء في كلامك، وأخطاء في إجاباتك، وأخطاء في قضائك وحلك للخصومات، وغير ذلك. ولذلك ينبغي على طالب العلم أن يوطن نفسه على خلق التأمل، وهو التحرز، فلا تتعجل بالجواب. فليس المقصود أن تكون الأول في كلامك وفي جوابك وفي كتابتك، بقدر ما المقصود أن تكون المصيب: أن تكون المصيب في كلامك، في جوابك، وكذلك خطابك، في حلك للخصومات، في فهمك للعبارات، في تفسيرك وشرحك. فلذلك أنت تحتاج إلى خلق التحرز، فتتأمل بالعبارة التي تقرأها، وتحترز بالألفاظ. وهذا يحتاج منك كذلك إلى الاستعانة ببعض العلوم التي درستها. ويمكن أن يقال: إن أدب التأمل والتحرز يوفق إليه طالب العلم بأمور، منها على وجه الاختصار أربعة أمور. الأمر الأول: تأكيد خلق الرفق. والثاني: كذلك تأكيد معنى الصبر. والثالث: الاستعانة ببعض العلوم التي درسها، كعلم اللغة؛ فلا بد أن تفهم ما تقرأ وما تكتب وما تسمع. فحين تفهم ذلك بمعرفة الفاعل من المفعول، والصفة من الموصوف، والمضاف من المضاف إليه، والمبتدأ من الخبر، فإنك تتصور هذا الذي تقرأه أو تكتبه أو تسمعه، فيحصل لك تحرز وفهم عميق. وهكذا كذلك من ذلك الاستعانة بعلم الأصول، أصول الفقه. وهذا من التحرز، ومن التأمل تتأمل في العبارة التي تقرأها وتسمعها أو تكتبها، فتتحرز، فتعرف العام من الخاص، والمفهوم من المنطوق، والمطلق من المقيد، وهكذا، بما يثمر لك فهمًا دقيقًا عميقًا. فتوفق إلى فهم قد لا يوفق إليه الكثير، وتوفق إلى كتابة لا يوفق إليها الكثير، وهكذا أجوبتك تكون محكمة متقنة، وحلك للخصومات يكون عادلًا سديدًا، وغير ذلك مما توفق إليه بمثل هذا الأدب. والأمر الرابع: أنك تستعين كذلك بفهم غيرك. وكما قيل: «لا يكون الرجل إمامًا حتى يكون له إمام في كل قول يقوله». يعني إذا أردت أن تسلم من الزلات، ومن كذلك شذوذ الأقوال والآراء - وما أكثر الشذوذات التي يبتلى بها بعض المجتمع بسبب عجلة بعض طلبة العلم - إذ يرتجل الفتاوى، ويرتجل كذلك الأقوال والخطابات والكلمات، وحل الخصومات، وتفسير الآيات، وشرح الأحاديث، بما يثمر آراء غريبة شاذة، وفتاوى عجيبة، ربما يخالف إجماعًا أو يوافق قول أهل البدع. وسبب ذلك هو عدم تحرزه وتأمله وتدقيقه. ومعنى الارتجال: أي الاعتماد على النفس والاكتفاء بها عن جهود من سبقك من أهل العلم. فلذلك ينبغي عليك إذا كتبت أو قرأت أو أجبت - أجبت لتسلم - أن تستعين بمن سبقك من أهل العلم. فإن كان الموضوع في حديث، تقرأ كلام الشرح، أو في آية، تقف على كلام المفسرين، أو في فتوى، تبحث في فتاوى المفتين، أو في خلاف، تطلع على أقوال العلماء في مثل هذه المسألة، أو بحث في لغة، تحاول أن تقف على كتب أهل اللغة. وهكذا تستعين بمن سبقك من أهل العلم في أمورك العامة والخاصة، وفي سائر فنون العلم ومباحثه. فعند ذلك توفق لعلم دقيق، وكذلك علم محكم، فيه احتراز بما كان من تأملك وتحرزك. وننتبه مع هذا من التعمق والتعنت؛ لأن التعنت والتعمق والتحذلق يورث تكلفًا. والمقصود ها هنا وسط، لا إفراط ولا تفريط، فلا تتكلف. فتكلف العلم يورث نفرة، وثقل - ثقل على الآخر، وثقل على المعطي، على السامع والمتكلم والكاتب والمكتوب له. لكن المقصود هو الترفق بغير تكلف، بغير تكلف. فكثرة التحرزات تورث تكلفًا وتعنتًا، وتورث كذلك شيئًا من الإشقاق على النفس وعلى الغير. ويمر بحياة طالب العلم أشياء كثيرة، إذا تأمل فيها ودقق وأمعن النظر، تبرهن له معنى وحقيقة هذا الأدب الذي أشار إليه المؤلف رحمه الله هنا، ونبه عليه غيره من أهل العلم. فالخلاصة: ينبغي على طالب العلم أن يمعن النظر في هذا الأدب، وأن يتتبع مواضعه بما يعينه على السلامة في طريقه العلمي، وعلى أن ينفع نفسه وغيره من غير تكلف ولا عجلة. وسبق التأكيد أن من أعظم ما يستعين به طالب العلم على هذا تلك الخصال أو الأمور الأربع. وكذلك من مواضع الاستعانة - أو التي يحتاج إليها في مثل هذا الأدب - ما يكون من فتاويه وكتاباته وشروحه وتعليقاته، وأنه ينبغي ألا يرتجل الآراء والفتاوى والعلم بما لا يوقعه في شيء من الزلات والشذوذات العلمية. وبحرصه على هذا الأدب يسلم من الشذوذات العلمية؛ لأن الشذوذات العلمية من أعظم أسبابها هو هذا الخلل في مثل هذا الأدب. وكما قال الشاعر: «قد يدرك المتأني بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل الزلل». وربما فات قومًا جل أمرهم مع التأني ومات، وكان الرأي ولو عجل. والمعنى: احرص على التأني والرفق والتأمل، وكذلك التدقيق والتحرز، بما يكون لك بإذن الله تعالى السلامة. السلامة. السلامة. لا يعدلها شيء. ومن ذلك ألا تكون ثرثارًا كثير الكلام، بل تتكلم فيما ينفع، وتكتب فيما ينفع. ظن بعض الناس اليوم أن كثرة الكلام دليل على كثرة العلم، وليس الأمر كذلك. بل قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت». وقد نهينا عن القيل والقال، وطالب العلم أولى بهذا الخلق. وهكذا كذلك كثرة التأليف، ظن بعض الناس أن كثرة التأليف دليل على كثرة العلم، فلذلك هو حريص على أن يخرج كتابات كثيرة، وأكثرها - كما كان يقول بعض مشايخنا - «خذ من هنا وضع هنا وقل مؤلفه أنا». يجمع العبارات والكلمات والمباحث، وربما كتب بأكملها، ويغير العناوين، فيصير من أهل السرقات العلمية؛ لأن حقيقة أمره - كما قيل - «خذ من هنا وضع هنا وقل مؤلفه أنا». إضافة إلى ما لا يخفى أنه كثيرًا ما يكون في مثل هذا المقام أخطاء علمية، وكذلك لغوية، وربما حتى عقدية؛ لأن إخراج الكتب على هذه الكثرة دون تأمل وتحرز وتدقيق وتدقيق في العبارات والكتابات والمباحث، تورث الإنسان في زلات كثيرة، خصوصًا إذا كان قليل الفهم، قليل العلم، فهمه مغلق. بعض الناس في فهمه إغلاق، ويكثر هذا عند أهل العجلة. وأما أهل التأني، فالغالب عليهم أنهم أهل فهوم دقيقة. فإذا أكثر وهو على هذا الوصف - وهذا الوصف كما قلنا يلازم كثيرًا أهل العجلة - فسينقل المباحث بأكملها، وستظهر في كتاباته التناقضات. فمثلًا: السيوطي وابن الجوزي رحمهم الله تعالى من أهل العلم المشهورين، لكن مما أخذ عليهما كثرة التأليف. كثرة التأليف صار معهما عند بعض أهل العلم محل مدح، وعند بعض أهل العلم محل ذم. لماذا؟ لأن العبرة ليس بكثرة التأليف، لكن بنوع هذا التأليف. والحقيقة عند المحققين من أهل العلم والمنصفين يرون أن كتابات مثل هذين الرجلين جمع التناقضات. ومن أعظم أسبابها - وقد ذكرت أسباب كثيرة - من أعظم أسبابها ثلاثة أمور. الأمر الأول: عدم الرسوخ في طريقة أهل السنة والجماعة في العلم، سواء في العقائد أو في الفقه أو في غيره من المباحث الأخرى. فقد تأثر ابن الجوزي بشيخه ابن عقيل، فدخل عليه شيء من البدع، وتأثر السيوطي ببعض مشايخه. وهكذا كذلك ثانيًا من تلك الأسباب: التقلب في المذاهب، فقد كانت لابن الجوزي أحوال، وكذلك للسيوطي. والأمر الثالث - وهو المقصود - هو عدم التأمل والتحرز الذي أثمر كثرة التأليف. كثرة التأليف ما عدم تدقيق في هذا المكتوب، فتجد في كتاباتهم بعض التناقضات. تقرأ في كتب السيوطي تجد أحيانًا كتبًا - ما شاء الله - تدعو إلى السنة وإلى نصرة السنة، وفي بعض الكتب تدعو إلى الخرافة وإلى نصرة البدع، فتتعجب: هل السيوطي يكتب هذا بتروي أم ماذا يصنع حتى جمع كتبًا كثيرة وافقت أهواء قواف عديدة؟ وهكذا كذلك تجد أحيانًا في كتابات ابن الجوزي شيء من هذا: شيء يوافق الأشاعرة، وشيء يرد على الأشاعرة. وقال بعض أهل العلم: هذا بسبب أن كتابات هؤلاء كان فيها الكثير من النقل عن الغير دون تأمل وتحرز وتدقيق وبحث في هذا المكتوب المنقول، فأثمر ذلك نقل مباحث بأكملها - كما يقال - بعجرها وبجرها، ليس فيها تحقيق ولا تدقيق. وهكذا كذلك في هذا الزمان بعض الناس يكثر من التأليف، فيجمع في طيات كتاباته ربما أقوال بعض أهل الأهواء. فيكتب مثلًا في مباحث من مباحث الردود على العصريين، وكذلك التعليقات على بعض السياسيين. فلأنه ينقل عن غيره كثيرًا مباحث بأكملها ومواضيع - ربما لم يقف عليها، ولم يدقق النظر فيها - تختلط في كتاباته شوائب أهل الأهواء. فيقرأ الإنسان في بعض كتابات من ينتسب إلى أهل السنة - أو من هو معدود ومحسوب من أهل السنة - يظن أنه يقرأ في كتب بعض الإخوان المسلمين - أي جماعة الإخوان المسلمين - أو ربما يظن نفسه أنه يقرأ كتب بعض السياسيين الذين انفلتوا من الأدلة الشرعية وكلام أهل العلم، وكذلك المسائل العلمية. فربما تقرأ مئات الصفحات لا تجد فيها آية ولا حديث، ولا أثر عن السلف، وكلها تخرصات وظنون وآراء، وغير ذلك مما تتعجب كيف يصدر مثل هذه الكتابة من مثل هذا الرجل المعدود من أهل السنة. والسبب في هذا هو عدم التأمل والتحرز. وحصل هذا بسبب الكثرة من الكتابة. ونحو ذلك يقال في غيره. فلذلك يوطن طالب العلم وطالبة العلم كل واحد على الرفق والتأني والصبر والتحرز والتأمل. فليس الشأن كل الشأن بالكثرة، بقدر ما الشأن كل الشأن بالمضمون. «ليبلوكم أيكم أحسن عملًا». وما أعظم أن تؤثر عن طالب علم وحامل دعوة شذوذات علمية تورث نفورًا، وكذلك جيلًا يحصل منه من التخبطات العلمية ما يضر المجتمع: شذوذات في العقائد، مسائل العقيدة، وشذوذات في مسائل الفقه، وغير ذلك كثير مما قد يبتلى به المجتمع من أمثال هؤلاء المتعجلين الذين لا يحصل منهم مثل هذا المنهج العلمي والأدب. فنسأل الله عز وجل أن يعيننا على أنفسنا، وأن يوفقنا لما فيه صلاح ديننا ودنيانا، وأن يعيننا على العلم النافع والعمل الصالح. وإلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.