الدرس الثالث والثلاثون:من( وما سطرته لك هنا هو من قواعد معتقدك عقيدة أهل السنة والجماعة ... فإذا اشتد ساعدك في العلم فاقمع المبتدع وبدعته بلسان الحجة والبيان والسلام ).
يتناول موقف أهل السنة والجماعة من أهل البدع، حيث يبغضونهم ويحذرون منهم. يُعتبر هذا الموقف من قواعد العقيدة السلفية ويهدف إلى صيانة المجتمع من شرهم.
يناقش كيفية التعامل مع أهل البدع، حيث يحذر من ذكر حسناتهم ويشير إلى أن مناظرتهم قد تكون مفسدة. يُؤكد على أهمية صون الآذان عن سماع أباطيلهم وتأديب من يخوض في آيات الله.
يتناول مفهوم التبرأ من أهل البدع وهجرهم، ويستدل بالأحاديث النبوية على ذلك. يُوضح أن نشر العلم هو أحد أهم الوسائل لمحاربة البدع وقد يكون أكثر فاعلية من المواجهة المباشرة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. على تتمة لما سبق مر معنا ما ذكره المؤلف رحمه الله في مسألة قراءة طالب العلم عن أهل السنة والحذر من التلقي عن أهل البدع، ومرت معنا مباحث عظيمة. ثم قال رحمه الله: «وما سطرته لك هنا هو من قواعد معتقدك، عقيدة أهل السنة والجماعة، ومنه ما في العقيدة السلفية لشيخ الإسلام عثمان بن إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني المتوفى سنة 449هـ. قال رحمه الله تعالى: ويبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، ولا يحبونهم ولا يصحبونهم ولا يسمعون كلامهم ولا يجالسونهم ولا يجادلونهم في الدين ولا يناظرونهم، ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم التي إذا مرت بالآذان وقرت في القلوب ضرت وجرت إليها من الوساوس والخطرات الفاسدة ما جرت. وفيه أنزل الله عز وجل قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾». فقوله رحمه الله: «وما سطرته لك هنا هو من قواعد معتقدك، عقيدة أهل السنة والجماعة»، يعني ليس هو شيء استحسنته من نفسي، وإنما هذا من قواعد العقيدة السلفية، عقيدة أهل السنة والجماعة، فهو تأكيد للاعتناء بهذا الباب، وأنه ليس فقط عبارة عن نصائح عابرة، أو شيء استحسنه، ولكن هذا شيء قد دلت عليه نصوص العلماء والأئمة أنه من مباحث العقيدة المهمة. لما تقدم أن الحذر من أهل البدع سبب لحماية الدين وصيانة العقيدة. ثم ذكر هذه العبارات وهي عبارات عظيمة عن هذا الإمام، الإمام الصابوني رحمه الله تعالى، وهو معروف صاحب المؤلفات المشهورة، وله عقيدة مشهورة بعقيدة الإمام الصابوني، ولها شروح لعدد من مشايخ المعاصرين وتعليقات، وهي مليئة بالنقولات السلفية عن الأئمة وسلف الأمة. فيقول: «ويبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه». وسبب البغض هو ما أحدثوه من البدع، خصوصا إذا كانت البدع مكفرة. وأما إذا لم تكن مكفرة فيبغض لبدعته. ولهذا قال شيخنا: «ومن لم يكفر يحب من وجه ويصحب لدعوته». معنى ذلك: إن كان له حب، فحب من جهة الشفقة عليه فيما هو فيه من ضلال، فنحرص على دعوته، هذا إن رجونا أنه يستجيب. وأما إذا كان من الرؤوس المعاندين، والذي يريد أن يدعو طالب علم مبتدئ، فلا شكل أسلم له أن يتركه ويدع دعوته لغيره من أهل العلم المتمكنين. أما هو ما دام مبتدئا فلا يعرض نفسه للفتن. ومن يؤسس منه، فإن أهل العلم المتمكنين قد يحذرون منه لأنه ميؤوس منه، كما تقدم. سلامة للمجتمع من شره، وأن لا يغتر بخلطته أحد. وعلى هذا تحمل الآثار المروية عن عدد من الأئمة في هجر أهل البدع وعدم قبول مناظرتهم ومجالستهم، ليس ضعفا وعجزا، ولكن صيانة لتلاميذهم ومجتمعهم من شرهم. وهكذا ردعا لهم لعلهم يتوبوا ويرجعوا. فقد روي عن طاووس رحمه الله أنه كان يوما جالسا، فجاءه رجل من المعتزلة فتكلم في شيء، فأدخل طاووس أصبعيه في أذنيه. وكان بجانبه أحد أبنائه، فقال لابنه: «أدخل أصبعيك في أذنيك حتى لا تسمع من قوله شيئا، فإن القلب ضعيف». ثم قال لابنه: «أي بني أشدد»، فما زال يقول له كذلك حتى قام الرجل. وهذا يحمل على ما تقدم، تعليما لتلاميذهم وأقاربهم والمجتمع الحذر من أهل الأهواء. وهكذا أيضا قوله رحمه الله: «ولا يصحبونهم ولا يسمعون كلامهم»، يعني إذا علموا أنهم من أهل الأهواء، وأنهم من الصنف الذين إما يؤسس منهم أو أنك ضعيف في العلم لا تستطيع أن تناظره أو تمصه، فتترك ذلك لغيرك. ومن ذلك أنك تحرص ألا تعظم أهل الأهواء، لأن تعظيمهم إعانة لتلميعهم في المجتمع وإظهارهم وإشهارهم، حتى ولو كان عنده خير، فالخير الذي عند أهل السنة أعظم. وكذلك ما عنده من الشر سبب لعدم إظهار خيره. وهنا يأتي التنبيه لقاعدة فاسدة وهي ما تسمى بقاعدة الموازنات. فإن من الناس من يقول: «ليس من العدل والإنصاف أن تحذر من أهل البدع ولا تذكر حسناتهم». الجواب: إذا ذكرت الحسنات كنت سببا في إضلال الناس، لأن الناس سيغترون به. ولكن في مقام التحذير لا تذكر الحسنات. وأما ما يستدلون به أن فلانا وفلانا من أهل العلم ذكروا في تراجم بعض أهل البدع بعض طاعاتهم وعباداتهم وحسناتهم، فيقال: هذا مقام آخر، هذه مقامات ليست مقامات تحذير، إنما قد يكون مقام ترجمة وذكر تاريخ، فهذا الباب ينقل كل شيء. ولكن مقام التحذير مقام آخر، ليس من الشرع ولا من الفقه ولا من العلم ولا حتى من العقل ولا الفطرة الصحيحة أن تخلط التحذير بتزكية، فإن ذلك يكون سببا في التغرير بهؤلاء السامعين الذين يسمعون مثل هذا الحديث أو يصلهم مثل تلك الكتابة، لأجل أن لا يغتر بهم. قال من قال من الأئمة: «من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام». كما يروى عن محمد بن أسلم وغيره من أهل العلم. معناه: يعني توقيرك لأهل البدع إعانة على هدم الإسلام. كيف ذاك؟ ذلك بأن أهل البدع يتمكنون بهذا التوقير وبهذا الثناء. ولكن الواجب لأجل أن ترد البدع وتصد التحذير منهم. ولهذا قال الإمام الشافعي رحمه الله كما يروى عنه: «لو لأهل المحابر لصعد الزنادقة على المنابر». يعني لو لأهل المحابر ثبتوا في العلم وبيّنوا الحق من الباطل وردوا على أهل البدع، وإلا لصعد الزنادقة من أهل البدع وغيرهم على المنابر، لأن العامة جهال لا يميزون بين سنة وبدعة وبين حق وباطل، فقد يغترون بحسن الخطابة أو كذلك بشيء من ذكر الرقائق أو أن يكون عند الخطيب شيء من الرقة فيتأثرون ببكائه أو نحو ذلك. وفي الحقيقة ليس هذا ميزان الصواب من الخطأ، ولكن الميزان هو العلم وموافقة السنة والصدق مع الله سبحانه وتعالى. وقوله رحمه الله: «ولا يناظرونهم»، هذا هو الأصل. وقد ينقل عن بعض الأئمة أنهم ناظروا بعض أهل البدع، وهذا يحمل على أنهم رأوا المصلحة في ذلك لمقامات خاصة. وإلا فالأصل أن لا يناظر أهل البدع، خصوصا إذا قويت السنة، فإن مناظرتهم إشهار لهم وتلميع لهم. وأما إذا كانت السنة ضعيفة، فربما كان العكس، مناظرتهم سبب في إظهار السنة، خصوصا من إنسان متمكن أهل لهذه المناظرة، وليس كل أحد يصلح لذلك. والناس في هذا طرفان ووسط، طرف ينفون المناظرة مطلقا، وطرف يبالغون في فتح باب المناظرات حتى أضلوا أنفسهم وأضلوا غيرهم وأثاروا الفتن في المجتمع. وقوم ووسط تتبعوا المصلحة من المفسدة، فالمصلحة اتبعوها والمفسدة درؤوها، فكان في ذلك الوسط المطلوب شرعا، بما دلت عليه عمومات الشريعة، وما كان عليه فعل الأئمة، وهو كذلك عليه قول مذهب أهل العلم وسيرتهم إلى يومنا هذا. فأهل الرسوخ من أهل العلم يفرقون، فليس كل المقامات تصبح فيها المناظرة، كما أنه ليس من الحكمة إغلاق باب المناظرة مطلقا، وإن كان الأصل هو إغلاق هذا الباب، لكن هناك استثناءات بحسب ما تقتضيه المصلحة. وقوله: «ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم»، إذا مرت بالآذان لما تقدم، وذكرها هنا معنى ذلك: إن إذا قرت في القلوب، إذا أدخلت على هذه القلوب الوساوس والخطرات الفاسدة. ثم ذكر الآية، والآية عامة ويدخل في هذا العموم أهل البدع والأهواء، فممن يخوض في آيات الله أهل البدع والأهواء. قالوا عن سليمان بن يسار: «أن رجلا يقال له الصبي قدم المدينة، فجعله يسأل عنه تشابه القرآن، فأرسل إليه عمر رضي الله عنه قد عد له عراجين النخل، فقال: من أنت؟ قال: أنا عبد الله الصبي. فأخذ عرجونا من تلك العراجين فضربه حتى دمي رأسه، ثم تركه حتى برئ، ثم عاد، ثم تركه حتى برئ، فدعي به ليعود، فقال: إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلا جميلا، فأذن له إلى أرضه، وكتب إلى أبي موسى الأشعري باليمن: لا يجالس أحد من المسلمين». رواه الدارمي. فأدبه عمر الفاروق رضي الله عنه أرضاه حتى لا يتجاسر أحد على الخوض في كتاب الله ويتتبع المتشابه. وهكذا ينبغي أن يفعل مع أهل الأهواء، خصوصا إذا قويت السنة وصار السلطان ينصرها. قال: وقيل: كان متهما برأي الخوارج. والنووي رحمه الله تعالى قال في كتاب الأذكار: باب التبري من أهل البدع والمعاصي، يعني يقول في حقه صبير. قال: باب التبري من أهل البدع والمعاصي، وذكر حديث أبي موسى رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بريء من الصالقة أو الحالقة أو الشاقة». متفق عليه. وعن ابن عمر: «بريء من القدرية». رواه مسلم. يعني التبرأ من القدرية. والشاهد أن الإمام النووي رحمه الله ذكر بابا في التبرأ من أهل البدع والمعاصي، وهذه الأحاديث تدل على ذلك. ومنها قصة الثلاثة الذين خلفوا. قال النووي رحمه الله في شرحه للحديث: «واستدل به العلماء على هجر أهل البدع، يعني إذا هجر أهل المعاصي فمن باب أولى هجر أهل البدع بحسب المصلحة». قال رحمه الله: «والأمر في هجر المبتدع ينبني على مراعاة المصالح وتكثيرها ودفع المفاسد وتقليلها، وعلى هذا التنزل المشروعية من عدمها، كما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مواضع». ثم أشار إلى بعض هذه المواضع. والمعنى أن الأمر في هذا وسط لا إفراط ولا تفريط. فمثلاً كما تقدم معنا: العامي الجاهل ليس من الحكمة أن يهجر، بل عكس هو فريسة لأهل البدع، فلذلك لا يترك لهم فريسة، فيحرص على الرفق به ودعوته ونصحه والإحسان إليه وتأليفه بأنواع الإحسان حتى يرجع إلى السنة. وأما الرؤوس المعاندون، فهؤلاء قد يكون من الحكمة، وهذا هو الأصل هجرهم والتحذير منهم، فنفرق. وهكذا قد تكون هناك مقامات تقتضي المصلحة الهجر أو العكس. قال: «والمبتدع إنما يكثرون ويظهرون إذا قل العلم وظهر الجهل». وفيهم يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «فإن هذا الصنف يكثرون ويظهرون إذا كثرت الجاهلية وأهلها، ولم يكن هناك من أهل العلم بالنبوة والمتابعة لها من يظهر أنوارها الماحية لظلمة الضلال، ويكشف ما في خلافها من الإفك والشرك والمحال». وقد صدق رحمه الله. ولذلك ترى أن أهل البدع تقوى شوكتهم في المواضع التي لا يوجد فيها أهل سنة ولا يوجد فيها أهل العلم وأهل رسوخ. فالمجتمعات إذا كانت فيها غفلة وإعراض عن العلم، وفيها كذلك جهل عظيم، فإن البدع تزداد فيها، بخلاف المجتمعات التي فيها علم، فإن البدع تقل. ومن تأمل تاريخ البلدان يجد ذلك جليا وظاهرا. فربما بلد واحد يكون في زمن ما فيه شيء من الجهل وقلة العلماء، فتكثر فيه البدع. وفي زمن آخر يكثر فيه العلماء والدعاة وأهل السنة، فتموت البدع وتنطمس. وهكذا. وكما يذكر بالآثار: «أنه لا تقام سنة إلا وتميت بدعة، ولا تحيى بدعة إلا وتميت فيما يقابلها سنة». وهذه سنة الله سبحانه وتعالى. فلذلك من أعظم ما تحارب به البدع الحرص على العلم والتعليم والدعوة، فإن ذلك أعظم علاج لمحاربة البدع، حتى ولو لم تواجه البدع مباشرة، فإن نشر العلم يكفي في رد البدع ولو بعد حين. لأنه قد يبتلى كما مر معنا في بعض المجتمعات أن تكون الصولة والجولة والسلطان لأهل البدع، فكون السني وحامل العلم يواجه هذه البدع وأهلها بشدة وبشيء من الهجر والتحذير الصريح، ربما يكون سببا في حرمان الناس والمجتمع من علمه، بل ربما في بعض المجتمعات إذا قويت البدع وأهلها قد يقتل هذا السني، وقد يزجن، وقد ... إلى آخره مما قد يضر به فيحرم الناس من خيره. ولكن الحكمة في مثل هذا المقام أن يترك تلك المواجهات وينشغل بالعلم والتعليم، وإن كان هناك شيء فينبه إلى لزوم السنة، بغض النظر عن تعيين أشخاص أو أوصاف أو حتى أعمال، إذا ظن أن ذلك يضره. فأنت إذا علمت السنة حذر الناس البدع، إذا أرشدت الناس إلى السنة، فإنهم بعملهم بالسنة سيحذرون البدع، ويكون بهذا قد جمعت بين الخيرين: استمرارك في الدعوة والتعليم مع مجانبتك البدع وتعليم السنة. قال رحمه الله: «فإذا ساعدك في العلم فاقمع المبتدع وبدعته بلسان الحجة والبيان». وهذا كما قلنا إذا لم يترتب على هذا مفسدة. وأما إذا ترتب مفسدة، فالقاعدة عندنا تدرأ المفسدة الكبرى بالصغرى. فكونك مثلا نقول هنا لابد من التيقن حتى لا يكون الإنسان جبانا ضعيفا. إذا كنت مستيقن في وضع كما ذكر تسلط في أهل البدع، فلهم السلطان ولهم القوة والمكنة، إذا كنت مستيقن أن كلامك ومواجهتك وقمعك للبدع سيؤدي إلى الضرر بك وحرمان الناس من خيرك وعلمك، فلا شك أن هذا مفسدة كبر مفسدة كبرى، فتدرأ هذه المفسدة الكبرى بالمفسدة الصغرى، وهو السكوت. لكن قد تعرض تعريضا، أو تعلم الناس بالسنة، فتعليمهم السنة يحذرهم من البدعة. وقد تكون لك مجالس خاصة تستطيع أن تتكلم بما لا تستطيع أن تتكلمه في المجالس العامة، كالخطب والمحاضرات ونحوها. طيب نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.