الدرس في شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 11، الدرس الحادي عشر : (وبعد هذا رسله قد أرسلا ... إلى قوله ... وذلك الوارث عقبى الدار). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ مفهوم العهد والميثاق وأهمية إرسال الرسل وإنزال الكتب، موضحًا أن العهد يشمل التقرير عند خلق آدم وفطرة الناس على التوحيد. يُؤكد أن من صدق الرسل نجا ومن كذبهم استوجب الخزي.
يشرح أن العهد الأول ليس مناط الثواب والعقاب، وإنما الميثاق الثالث هو مناط الثواب والعقاب، ويتحدث عن الحكمة من إرسال الرسل وإنزال الكتب، وأن نقض العهدين يكون بعدم الاستجابة للرسل.
يشرح معنى العهدين و حكمة إرسال الرسل وإنزال الكتب، ويبين أن الحجة تقوم على الخلق ببلوغ الرسل و رسالاتهم إليهم، وينبه إلى ضعف أحاديث قيام الحجة بذات الميثاق الأول.
تم ختم الكلام بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، وكان ذلك بعد تلخيص ما ذكر فيما يتعلق بالأبيات.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، قال: «نولف» رحمه الله تعالى: وبعد، هذا رسله قد أرسل لهم، وبالحق الكتاب أنزل؛ لكي بذل عهد يذكروهم وينذروهم ويبشروهم، كي لا يكون حجة للناس، بل لله أعلى حجة عز وجل. فمن يصدقهم بلا شقاق فقد وفى بذلك الميثاق، وذاك ناج من عذاب النار، وذلك الوارث عقب الداري. ومن بهم بالكتاب كذب ولازم الإعراض عنه والإباء، فذاك ناقض كلا العهدين، مستوجب للخزي في الدارين. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الأبيات تثمّة لما ورد قبل في الكلام على العهد والميثاق. وقد سبق في الدرس الماضي الكلام على العهد والميثاق الذي أخذ على ذرية آدم حين أخرجوا من ظهره عليه الصلاة والسلام، وأن ذاك العهد والميثاق هو عهد التقرير. وأكد ذاك العهد عند خلق الخلق، وفطر الله عز وجل الخلق على ما قررهم به من ذاك العهد والميثاق. ومن ذلك، كما سبق، حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في الصحيحين: «كل مولود يولد على الفطرة». وهكذا كذلك ما تقدم في الحديث الآخر: أن الله عز وجل خلق عباده تنفيًا، ثم اجتالتهم بعد ذلك الشياطين. فعلم أن الله عز وجل فطر الناس على ما فطرهم عليه مما قررهم به من وحدانيته سبحانه وتعالى، واستحقاقه جل وعلا وحده بالعبادة. ثم أراد أن ينبه رحمه الله تعالى إلى ثلاثة مسائل. المسألة الأولى: أن ذاك العهد هو العهد الذي حصل به التقرير، ثم فطر الناس عليه عند ولادتهم. ولهذا قد يقول بعضهم: إن ما فطر الناس عليه عند ولادتهم هو ميثاق آخر، أي الميثاق الثاني. والعهد الذي أخذ وهم في صلب آدم حين أخرجوا من ظهره عليه الصلاة والسلام هو الميثاق الأول. وإلى هذا يشير بقوله: «لكي بل العهد يذكروهم»، ويريد به العهد الأول، أي أن الله عز وجل أرسل الرسل، وهذا هو العهد الثالث. كما أشار رحمه الله لذلك في شرحه، أي أن إرسال الرسل وإنزال الكتب هو العهد الثالث. أو نقول: العهد الثاني، على اعتبار أن ما هو فطر عليه الناس يدخل في معنى العهد الأول، وهو التقرير الذي أكد بخلق الناس عليه. فإرسال الرسل وإنزال الكتب تذكير بما فطر الله عز وجل عليه الناس. فإن كل عاقل منصف لا يشك أن داعي الرب سبحانه وتعالى من كتابه الذي أنزله ورسوله الذي بعثه يوافق فطرة العبد التي فطر الله عز وجل عليها الناس. فإنه لا يجد في قرارة نفسه إلا التسليم والتعظيم لهذه الدعوة التي دعا إليها الرسل عليه الصلاة والسلام، وبهذا الكتاب الذي أنزله سبحانه وتعالى. فهو إذن تذكير، وهو في نفس الوقت إنذار أو فيه نذارة وبشارة؛ إنذار لمن يخالف ما بعث الله عز وجل به الرسل وأنزل به الكتب، وبشارة لمن استجاب. والأمر الثاني: فيه تنبيه إلى أن العهد الأول والميثاق الأول ليس هو مناط الثواب والعقاب. كما سبق أن مناط الثواب والعقاب هو ما ورد في الميثاق الثالث، الذي به تقوم الحجة على الخلق، ويكون الثواب والعقاب كما قال سبحانه: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾. فإن الله عز وجل من حكمته بإرسال الرسل وإنزال الكتب أن جعله مبشرين ومنذرين؛ مبشرين لمن استجاب بالثواب في الدنيا والآخرة، ومنذرين من عصى بعقابه في الدنيا والآخرة. فمناط الثواب والعقاب هو الميثاق الثالث، إذ أمر الله عز وجل الناس أن يستجيبوا لرسله وأن يطيعوهم. والحكمة من إرسال الرسل وإنزال الكتب كما قال سبحانه: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾، وكما قال سبحانه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. بل من حكمة الله عز وجل، إتماما لقيام الحجة على الخلق، جعل سبحانه وتعالى أن هذه الحجة تقوم بما يكون من إفهام الناس ما يدعوهم الله عز وجل إليه. ولذلك كانت دعوتهم عليهم الصلاة والسلام بلسان قومهم، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾. فله الحكمة البالغة سبحانه وتعالى. وهكذا أشار رحمه الله تعالى إلى المسألة الثالثة، وهي أن نقض العهدين يكون برد وعدم الاستجابة للرسل الذين أرسلهم الله عز وجل، وما أنزل سبحانه وتعالى من كتب. فإن رد ذلك أو عدم الاستجابة هو في الحقيقة نقض بهذا العهد الذي عهده الله عز وجل إلى خلقه وأمرهم بالاستجابة له، ألا وهو استجابتهم لرسله وما أنزل في كتبه سبحانه وتعالى. وهذا نقض كذلك للميثاق الذي كان حين أخرج من ظهر آدم، وما فطر الله عز وجل عليه الناس. سواء قلنا إنه ميثاق واحد، وما كان بعد ذلك من فطر الناس تقريرًا أي عند خلقهم وتأكيد، أو أنه ميثاق ثاني. فهو نقض للمواثيق الثلاثة، أي عدم استجابة للرسل. ولهذا قال رحمه الله تعالى: «فمن يصدقهم بلا شقاق فقد وفى بذلك الميثاق»، يعني من صدق الرسل فيما جاءوا به وما أنزل معهم من كتاب فقد وفى بالميثاق الذي أخذه الله عز وجل عليهم، ويريد الميثاق الأول، الميثاق الأول الذي أخذ على الخلق حين أخرجوا من ظهر آدم عليه الصلاة والسلام. وبه ينقسم الناس لقسمين، وهو قوله رحمه الله: «وذاك ناج من عذاب النار، وذلك الوارث عقب الداري»، أي المصدق والمستجيب للرسل عليهم الصلاة والسلام. والفريق الآخر المكذب، وهو قوله رحمه الله: «ومن بهم وبالكتاب كذب ولازم الإعراض عنه والإباء، فذاك ناقض كلا العهدين، مستوجب للخزي في الدارين». ومعناه: من رد أو كذب ما جاءت به الرسل عليه الصلاة والسلام وما أنزل معهم من كتب، ولازم ذلك، ومراده بلزومه، أي لم يتب. فإنه ناقض أولًا للعهدين، وثانيًا كذلك مستوجب للخزي في الدارين. والمراد بالعهدين: إما هذا العهد الذي أرسل به الرسل، وهكذا العهد الذي قبله بما كان من فطر الناس على الفطرة الصحيحة وتقريرهم على ذلك. أو مراده بالعهدين: ما فطر الناس عليه من خلقهم على الفطر السوية، وما قرروا قبل ذلك حين أخرجوا من ظهر آدم عليه الصلاة والسلام. والأمر واسع؛ لأن الميثاق الأول والثاني إن قلنا أن المواثيق ثلاثة، الميثاقان متداخلان، أي الأول والثاني، فالأمر سهل. وأما قوله: «للخزي في الدارين»، فهو مثل قول الله عز وجل: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾. فعلم بهذا أن الخزي في الدارين، والأدلة في ذلك من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام كثيرة. في حديث أبي هريرة في الصحيح، قول النبي عليه الصلاة والسلام: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى». قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى». وهكذا قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار». فعلم أن العلم بمبعث الرسل موجب للاستجابة لهم، ومن لم يستجب بعد بلوغه حجة الرسل ومبعثهم فإنه يكون من أهل النار. وقوله رحمه الله تعالى: «كي لا يكون حجة للناس، بل لله أعلى حجة عز وجل»، يشير رحمه الله تعالى إلى أن إرسال الرسل وإنزال الكتب تقوم به الحجة على الخلق، وهو مناط الثواب والعقاب. لأن الخلق الذين علم الله عز وجل ما يكون منهم لا تقوم عليهم الحجة حتى يكون لهم إمكان العمل. فعند ذلك يتبين الصادق من الكاذب، والمستجيد من المعرف، والمؤمن من الكافر، والبر من الفاجر. ولله الحكمة فيما شرع وأنزل سبحانه وتعالى. وهنا ننبه بتنبيه: وهو أنه وردت في بعض الأحاديث الواردة، بل وبعض الآثار الواردة في شأن الميثاق الأول الذي أخذ على ذرية آدم حين أخرج من ظهره عليه الصلاة والسلام، ورد في بعض ألفاظها ما يدل على قيام الحجة بذات الميثاق، ولكنها ضعيفة. فهي بين صحيح غير صريح، أو صريح غير صحيح، كما نبه المحققون من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذ ابن القيم، وهكذا قبلهم ابن عبد البر رحمه الله تعالى، وجماعة من أهل العلم. فينتبه لهذا المعنى حتى لا يظن أن الميثاق الذي أخذ على ذرية آدم به تقوم الحجة. وعلى هذا يكون الفهم الخاطئ أنه لا عذر بالجهل، هذا خطأ. بل الجاهل يُعذر، والأدلة على ذلك من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام كثيرة. وليس هذا المقام مقام ذكر هذه المسألة، قد ذكرت في مواضع أخرى. لكن هذا تلخيص ما يذكر فيما يتعلق بهذه الأبيات. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.