الدرس في شرح مختصر السيرة 113، الدرس الثالث عشر بعد المائة:من( ذكر رجوع بني عامر وغيرهم إلى الإسلام ... رأى عمر أن الإسلام قد ضرب بجزانة فدفعه إلى أهله وإلى ورثة من مات منهم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
بعد انتصارات خالد بن الوليد في حروب الردة، رجع بعض المرتدين إلى الإسلام طواعية أو بعد القبض عليهم. أرسل خالد السرايا للقبض على من بقي على ردته.
كان السلف يحرصون على تعليم الناس أمور دينهم، ويؤخذ العهود على بث العلم بين الأبناء والنساء. العلم واجب على كل فرد، صغيرا كان أم كبيرا، ذكرا أم أنثى.
بعد انتصار خالد بن الوليد في بزاخة، تفاوض أبو بكر مع وفد من أسد وغطفان، وعرض عليهم خيارين: الحرب أو الصلح بشروط معينة، ووافق الوفد على الصلح بعد توضيح الشروط.
أشار ابن كثير إلى أصل قصة غزوة الأحزاب في صحيح البخاري، واختلف أهل العلم في صحة تفاصيلها، حيث اعتبر بعضهم أصل القصة صحيحًا بينما اعتبر تفاصيلها غير مستقيمة الإسناد.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: ذكروا رجوع بن عامر وغيرهم إلى الإسلام. قبل الدخول في هذا الفصل، تنبيه: في الدرس السابق، فيما ذكر من ذكر ما ذكره الشيخ رحمه الله في تحريق خالد رضي الله عنه لبعض أهل الردة. كما قلت، لم أقف له على إسناد، ولكن ذكره أهل السير، ثم وجدت له ذكرا ذكره في كنز العمال في الجزء الخامس، وأشار إليه كذلك ابن كثير في البداية والنهاية في جزء السيرة، وذكره ابن جرير، لكنه من طريق نافع، قال: كتب أبو بكر إلى خالد وذكر القصة، ثم ذكر منها قال: فمنهم من أحرق، ومنهم من قمطه ورضخه بالحجارة -يعني أوثقه- التقميط التوثيق بالربط، قال: ومنهم من رمى به من رؤوس الجبال -يعني هؤلاء أهل الردة- وهذا الأثر كما ترون مرسل، فنافع لم يسمع من عثمان رضي الله عنه فضلا عن أبي بكر وعمر. قال رحمه الله تعالى: ولما أوقع الله ببني أسد وفزارة ما أوقع ببزاخة، بث خالد السرايا ليصيبوا ما قدروا عليه ممن هو على ردته -يعني أرسل طوائف من الجيش فرق فرق، وهي السرية الفرقة والطائفة من الناس- ينظر من من أهل الردة بقي فيأخذ، إن تاب ورجع كما مر معنا، يعرض عليهم الإسلام، فإن رجعوا وإلا أسروا أو قوتلوا. قال: وجعلت العرب تسير إلى خالد رغبة بالإسلام وخوفا من السيف، فمنهم من أصابته السرية فيقول: جئت راغبا في الإسلام وقد رجعت إلى ما خرجت منه، ومنهم من يقول: ما رجعنا، ولكن منعنا أموالنا، فقد سلمناها فليأخذ منها حقه -يعني لم يخرج أصلا منهم من زعم أنه لم يرتد، ولكن فقط منع المال، وها هو اليوم أتى يريد أن يدفع ما عليه من مال- يعني من الزكاة. قال: ومنهم من مضى إلى أبي بكر ولم يقرب خالدا -يعني سبقوا إلى المدينة- وقد مر معنا ما أشار إليه الإمام البخاري رحمه الله في قصة من جاء من أهل بزاخة، وأصل القصة في صحيح البخاري جاءوا تائبين، فأمر أبو بكر أن يخرجوا إلى الإبل حتى يتشاور في أمرهم وينظر، وسيأت الإشارة إلى بعض ذلك كذلك. قال: ثم عمد خالد إلى جبلي طي أجا وسلم، وهم جبلان عظيمان في بلاد حائل اليوم معروفان، لهم بروز يسميهما أهل حائل أجا وسلم، وكان أهل الجاهلية قديما يعتقدون فيها اعتقادات أو فيهم اعتقادات فاسدة، وهو أشبه ما يكون بجبلين في بلاد قشن يسموهما الشيبة والعجوز، يسمونهما الشيبة والعجوز جبلان كبيران مرتفعان متقابلان، وهكذا أجا وسلم قد رأيتهما أشبه ما يكون بهذين الجبلين في قشن الشيبة والعجوز. قال: فأتته عامر غطفان يدخلون الإسلام ويسألونه الأمان على مياههم وبلادهم، وأظهروا التوبة وأقاموا الصلاة وأقروا بالزكاة، فأمنهم خالد وأخذ عليهم العهود والمواثيق لتبايعن على ذلك أبناءكم ونساءكم آناء الليل وآناء النهار، فقالوا: نعم نعم. وجاء في رواية أن أبا بكر بايعهم كذلك، وعلى أن يعلموا أبناءهم ونساءهم القرآن وشرائع الإسلام آناء الليل وآناء النهار. وفيه أن الإسلام لا يكفي بالدعاء صاحبه ولا بعمل شيء من أركانه إذا لم يكن فيه بث للعلم؛ لأن العلم يحفظ الإسلام على أهله، وبغير العلم يضيع الإسلام عن أهله. ومعناه أن السلف كانوا يحرصون على بث العلم في المجتمعات، ليس فقط العلم ينحصر على طلبة العلم، حتى لا يقول قائل: أنا ما يلزمني العلم، أنا يكفيني أني مسلم وأني أصلي لربي، وهذا يكفيني، هذا خطأ؛ لأنك بغير العلم لا تحسن عبادة ربك. فالعلم علمان: علم واجب، وعلم مستحب. فالعلم الواجب لا يسع أحد جهله، ولا يمكن لأحد تركه. وأما العلم المستحب فهو الذي قد يرغب فيه من يتفرغ للعلم من طلبة العلم وغيرهم. أما العلم الواجب فهو لا يسع أحد تركه، ويجب على كل أحد أخذه، وهو يجب على الصغير والكبير والذكر والأنثى. ولهذا كان من سنة السلف بث العلم في المجتمعات في القرى وفي البوادي، فكانوا يأخذون العهود والمواثيق على الناس على بث العلم في الأبناء والنساء. وكذلك فعل أهل العلم من بعدهم، فالشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله كما ذكر أهل العلم، واستمر ذلك إلى سنوات قريبة، كانوا يأمرون أمرا من السلطان من ولي الأمر كل المجتمع أن يتوجه لطلب العلم ما يجب عليه من أمر توحيده وتعلم فرائض دينه من الصلاة والطهارة والزكاة وغير ذلك. فكانوا يأمرون حتى المحلات تغلق ما بين مغرب وعشاء تغلق المحلات، ويتوجه الجميع لتعلم العلم في بيوت الله، والنساء في بيوتهن يبث طالبات العلم تعليمهن. قال رحمه الله: وبعث بعيين إلى أبي بكر مجموعة يداه في وثاقه، فجعل غلمان المدين ينخسونه بالجريد ويضربونه -النخص هو النغز في جهة الخاصرة- قال: ويضربونه ويقولون: أي عدو الله أكفرت بالله بعد إيمانك، فيقول: والله ما كنت آمنت بالله قط. وعيينه وأحد ثلاثة تألفهم النبي صلى الله عليه وسلم بمال كثير في مواقع ومواضع كثيرة، ورجى نبينا عليه الصلاة والسلام أن يحسن إسلامهم وأن يكف أمثال هؤلاء العراب شرهم عن المسلمين، وهاتان خصلتان يكون لأجلهما التأليف في الإسلام. قال: وأخذ خالد من بني عامر وغيرهم من أهل الردة ممن بايعه على الإسلام كل ما ظهر من سلاحهم، واستحلفهم على ما غيبوا منه، فإذا حلفوا تركهم وإن أبوا شدهم أسرى حتى أتوا بما عندهم -يعني من سلاح- فأخذ منهم سلاحا كثيرا، فأعطاه أقواما يحتاجون إليه في قتال عدوهم، وكتبه عليهم ثم ردوه بعد. ومعنى أن من احتاج منهم السلاح وعلم أن لهم أعداء يخافون منهم أعطاهم السلاح على أن يردوه بعد ذلك. وفيه مراعاة المصالح من المفاسد، فإن هذا مما ينبغي راعيها الدعاة لله والمجاهدون في سبيل الله، حتى ولو كان هذا من الأعداء أو كان من من ارتد ثم رجع. قال: وحدث يزيد بن أبي شريك الفزار عن أبيه، وهكذا جاء من طريق طارق بن الشهاب، وقد روي عند البيهقي والبرقاني والطبراني في الأوسط، وذكر الهيثمي أن في إسناده من ضعف كما سيأتي. قال: قدمت مع أسد وغطفان على أبي بكر وافدا حين فرغ خالد منهم -يعني بعد بزاخة- فقال أبو بكر: اختاروا بين خصلتين: حرب مجلية أو سلم مخزية -حرب مجلية يعني إذا أصررتم على الردة والقتال- أو سلم مخزية -يعني مما يكون عليكم من النكال بما كان من قتالكم وردتكم- وجزاء سيئة سيئة مثلها. قال: فقال خارج بن حصن: هذه الحرب المجلية قد عرفناها، فما السلم المخزية؟ قال: تشهدون أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، وأن تردوا علينا ما أخذتم منا، ولا نرد عليكم ما أخذنا منكم، وأن تدوا قتلانا كل قتيل مئة بعير -وهي الدية المسلم منها أربعون في بطونها أولادها- ولا ندي قتلاكم. وهذه هي الدية المقلبة كما جاء في بعض الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة، ويحسن ذلك المرفوع جماعة من أهل العلم، منهما روي عن عبد الله بن عمر بن العاص، قال: ولا ندي قتلاكم ونأخذ منكم الحلقة والكراع -يعني السلاح السلاح وما يلحق به من عتاد- قال: وتلحقون بأذناب الإبل حتى يرى الله خليفة نبيه والمؤمنين ما شاء فيكم أو يرى منكم إقبالا لما خرجتم منه -يعني يحسن إسلامكم- فقال خارجه: نعم يا خليفة رسول الله. فقال أبو بكر: عليكم عهد الله ميثاقه، وأن تقوموا بالقرآن آناء الليل وآناء النهار، وتعلمون أولادكم ونساكم، ولا تمنعوا فرائض الله في أموالكم، قالوا: نعم. فأخذ عليهم المواثيق بذلك كله، ومن ذلك بث العلم في الأبناء والنساء؛ لأن بث العلم يحفظ الدين، وبغير العلم يكون الإنسان ألعوبة وتبع خلف كل ناعق. قال عمر: يا خليفة رسول الله، كل ما قلت كما قلت -يعني حقا وصواب- إلا أن يدوا من قتل منا؛ فإنهم قوم قتلوا في سبيل الله، فتتابع الناس على قول عمر -يعني أنه لا دية في من قتل في سبيل الله؛ لأن هؤلاء كفار ارتدوا وقتال الكافر لا يوجب الدية- وإنما الدية تكون من من من المسلم أو المعاهد أو الذمي أو المستأمن، فأحد هؤلاء الأربعة تكون منه الدية، وأما الكافر الحربي والمرتد لا تكون منه الدية، فقنع أبو بكر رضي الله عنه بقول عمر. قال: فقبض أبو بكر كل ما قدر عليه من الحلقة والكراع -يعني من السلاح وما كان بمعنى- فلما توفي رأى عمر أن الإسلام قد ضرب بجرانه -يعني استقر وثبت وقويا- فدفعه إلى أهله وإلى ورثة من مات منهم -يعني رد إليهم السلاح والكراع- حين رأى أن هؤلاء قد حسن إسلامهم، وهذا إنصاف السلف الصالح أهل الإسلام الأول، وهكذا ينبغي أن يكون من يريد اتباعهم بإحسان. وهذه القصة بتفاصيلها ذكر أهل السير، وأصلها أشار إليه ابن كثير في أصل البداية والنهاية في السيرة، وأشار أن أصله في صحيح البخاري، وهو ما سبقت الإشارة إليه، وقد رواه الطبراني والبيهقي والبرقاني، وقال فيه الهيثمي: فيه إبراهيم بن بشار الرمادي، وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه ابن معين وغيره. وبعض أهل العلم قال كما قال ابن كثير: هو صحيح -يعني باعتبار ما احتفت به وأصل القصة- وأما التفاصيل فيها ما فيها؛ لأن إسنادها غير مستقيم. إلى هنا والله تعالى أعلم.