حسن القبول والختام في العشر الأواخر من رمضان

الخطبة بعنوان حسن القبول والختام في العشر الأواخر من رمضان، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش 25 رمضان 1442هـ الموافق 7 مايو 2021م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

خطورة التفريط في رمضان وأهمية التوبة

يُحَذِر الخطيب من التفريط في رمضان ويُشَدِد على أهمية اغتنام هذا الشهر في الطاعات والتوبة إلى الله. يُؤكد على ضرورة التوبة والاستفادة من هذا الشهر الفضيل لما فيه من مغفرة ورفع الدرجات.

أهمية قبول الأعمال الصالحة ومخاوف السلف

يجب على المسلم أن يحرص على أن تكون أعماله الصالحة متقبلة عند الله، وليس فقط أن يقوم بالأعمال الصالحة. السلف كانوا يخافون ألا تتقبل أعمالهم الصالحة، وكانوا يجتهدون في الأعمال الصالحة مع الخوف من عدم قبولها.

علامات قبول الأعمال وفضل المداومة عليها

يُشدد على أهمية التقوى لقبول الأعمال الصالحة، ويُذكر أن من علامات قبولها تحسن العمل بعدها. يُوصى بالمداومة على الأعمال الصالحة مثل صيام ست من شوال وإخراج صدقة الفطر لتكميل الأجر وتجبر النقص في الصيام.

الدعاء في شهر رمضان المبارك

يتضمن المقطع أدعية متنوعة في شهر رمضان، حيث يدعو الداعي ربه بالمغفرة والرحمة للمسلمين. يطلب صلاح الحكام وولاية الله على من يخافه ويتقنه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، إننا في هذه الأيام في مستودع هذا الشهر العظيم، وهذا الشهر المبارك الذي جعله الله عز وجل موسِمًا من مواسم الخيرات، وجعله جل وعلا موضعًا من مواضع التنافس في أنواع الأعمال الصالحات. ها نحن أيامٌ معدودات، ونستودع هذا الشهر، ونستودع هذا الشهر ما استودعناه من سابق أعمالنا فيه. أيامٌ معدودات، ثم يذهب عنا هذا الشهر، وقد استودعناه ما استودعناه. فمن استودعه أعمالًا صالحة وخيرات كثيرة وحسناتٍ نافس فيها، فهنيئًا له. ومن كفعل غير ذلك، فيا حسرته، ويا حسرته، ويا خسارته. روى الحاكم والطبراني وابن حبان وابن خزيمة وغيرهم عن نبي هريرة، ومعاذ، وجابر بن سمرة، وجماع من الصحابة رضي الله عنهم، أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر، فأمن ثلاثة، يقول: «آمين، آمين، آمين». فسأل الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم عن ماذا قال: «آمين». فقال: «أتاني جبريل، فأخبرني، فقال: رغما أنف امرئ أدرك والديه أو أحدهما، فلم يبرهما، فأدخله النار، فأبعده الله، قل آمين. فقلت: آمين». قال: «فقال جبريل: رغما أنف امرئ أدركه رمضان، فلم يغفر له، فأبعده الله، فقل آمين. قال: فقلت: آمين». وقال له: «رغما أنف امرئ ذكرت عنده، فلم يصل عليه، فأبعده الله، فقل آمين. قال: فقلت: آمين». تأملوا هذا الحديث العظيم، عباد الله، وتأملوا قوله صلى الله عليه وسلم حين أتاه جبريل، فأخبره بأنه: «رغما أنف امرئ»، أي: خسر، ومرغ أنفه بالتراب، تأكيدًا لخسارته وندامته وحسرته، أن أدركه رمضان، شهر المغفرة، فلم يتخذ أسبابها، فحرمها، فأبعده الله، فأدخله الله النار. فأمن جبريل، وأمن النبي صلى الله عليه وسلم على تأمين جبريل. فيا عبد الله، متى تتوب إلى الله؟ وقد أعطاك الله عز وجل هذا الموسم العظيم من مواسم الخيرات، وهذا كذلك الشهر المبارك الكبير، الذي جعله الله سبحانه وتعالى سببًا لاستخزان الحسنات، وتكفير السيئات، ورفع الدرجات. فالمحروم من حرم بركة هذا الشهر، والمحروم من حرم الاستفادة من هذا الشهر، والمحروم من حرم المغفرة في هذا الشهر. عباد الله، أيام معدودات، ويذهب عننا هذا الشهر، فأروا الله من أنفسكم خيرًا، أروا الله من أنفسكم خيرًا. ألا يفوتكم هذا الشهر، ولم يغفر لكم؟ ألا يفوتكم هذا الشهر، ولم يغفر لكم؟ توبوا إلى الله سبحانه وتعالى حتى لا تكونوا من الظالمين. قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. يا عبد الله، لا تظلم نفسك بالدنيا والآخرة، وقد أكرمك الله عز وجل بموسم عظيم من مواسم الخيرات، جعله سبحانه وتعالى سببًا للمغفرة، ولرفع الدرجة، ثم تكون من المحرومين، والعياذ بالله. ثم تعلموا، عباد الله، أنه ليس الشأن كل الشأن أن توفق للأعمال الصالحة فحسب، ولكن الشأن كل الشأن أن تعملها على ما يحبه الله سبحانه وتعالى، خالصة له، ثم تدعو الله سبحانه وتعالى ليتقبلها منك. وكان السلف رضي الله عنهم وأرضاهم يخافون ويجلون ألا تتقبل أعمالهم الصالحة، وهم يجتهدون فيها. جاء عبد العزيز بن أبي رواج رحمه الله تعالى يتكلم عن حال السلف رحمهم الله ورضي الله عنهم، قال: «كانوا يجتهدون في الأعمال الصالحة، كانوا يجتهدون في الأعمال الصالحة، ثم يصيبهم الهم ألا يتقبل منهم». وعن عمر بن دينار رحمه الله تعالى، أنه كان يقول: «لقبول عمل أشد من العمل». فإن قبول الأعمال الصالحة أشد من الأعمال الصالحة. كونك توفق للأعمال هذا شيء، وأعظم منه أن يتقبل الله عز وجل منك هذه الأعمال الصالحة. فإذن، احرص يا عبد الله، احرص يا عبد الله، على أن يوفقك الله عز وجل لأعمال صالحة متقبلة. فخذ بأسباب قبول الأعمال، من الإخلاص لله سبحانه وتعالى، ومن كذلك متابعة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن كذلك أن لا تفعل ما يمنع ما يكون سببًا في منع قبول هذه الأعمال الصالحة، سيئات أو أمور أخرى مما يكون سببًا في إذهاب هذه الأعمال الصالحة. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «يأتيهم القيامة رجال ولهم أعمال صالحة عظيمة جبال تهامة، ثم يجعلها الله عز وجل هباء منثورًا». فسأل الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم: «من هؤلاء يا رسول الله؟» فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم لهم أعمال صالحة، ولهم نصيب من قيام الليل، ولكن أنهم ممن يعملون الأعمال الصالحة، ولهم كذلك قيام يقومون لله عز وجل في الليل، ولكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها. فيحذر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن تنتهك حرمات الله عز وجل في الخلوات، فإنها سبب في إحباط الأعمال وعدم قبولها. وهكذا كذلك صح عند الترمذي وغيره، عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها، أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾، قالت: «يا رسول الله، أهم الذين يسرقون ويشربون الخمر ويفعلون المعاصي؟» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يا بنة الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، ولكنهم يخشون أن لا تقبل منهم، فقلوبهم وجلة»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فتأمل هذا الحديث مع الذي قبله، وانظر إلى أعمالك إذا وفقك الله عز وجل للأعمال الصالحة، فتعلم عند ذلك أننا بحاجة أن نفتش عن أعمالنا الصالحة التي يتقبلها الله سبحانه وتعالى، فإنها قليلة. وفي حديث الثلاثة الذين آوى بهم المبيت إلى غار في ليلة مطيرة، والحديث بالصحيح، فانسدت عليهم فتحة الغار، فنظر كل أحد منهم، فقال: «لا ينجينا من هذا إلا أن ندعو بصالح أعمالنا». فلم يجد كل واحد منهم من صالح عمله إلا عملًا صالحًا واحدًا. فأحدهم وجد أمانته مع من كان يعمل معه، والآخر وجد عفته مع ابنة عمه، والآخر وجد كذلك عملًا صالحًا آخر واحدًا. فانظروا، فافتشوا في أعمالهم في هذا الموضع العظيم، وهذا الكرب الكبير، فلم يجدوا إلا عملًا صالحًا واحدًا. وذلك لأن الأعمال الصالحة إذا حققتها وفتشت فيها، فإنك لا تجدها كثيرة، لا تجدها كثيرة. ولهذا كان السلف يحرصون رضي الله عنهم ورحمهم الله على أن تكون أعمالهم صالحة ومتقبلة. لا يكفي أن يكون عملك صالحًا، ولكن احرص أن يكون عملك صالحًا فيه أسباب القبول، حتى يتقبلها الله سبحانه وتعالى. وعن فضالة بن عبيد رحمه الله تعالى، أنه كان يقول: «لئن أعلم أن لي مثل حبة خردل واحدة تتقبل مني، خير لي من الدنيا وما فيها». لعلمهم أن الشأن كل الشأن ليس بأن تعمل الأعمال الصالحة، ولكن الشأن كل الشأن أن تعمل أعمالًا صالحة فيها أسباب القبول، فيتقبلها الله سبحانه وتعالى منك. وإنما يتقبل الله من المتقين، إنما يتقبل الله من المتقين. فكونوا، عباد الله، من المتقين الذين يتقون الله سبحانه وتعالى في السر والعلن، وفي الظاهر والباطن، وفي كل أحوالهم، حتى يتقبل الله سبحانه وتعالى منا أعمالنا. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا للأعمال الصالحة، وأن يحسن ختامنا، وأن يتقبل منا أعمالنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. الحمد لله رب العالمين، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم الصادق الأمين. أما بعد، عباد الله، وإن من علامات الأعمال الصالحة المتقبلة أن يكون عمل العامل بعد عمله أفضل من عمله قبل عمله. فإن ذلك من علامات القبول، أن يوفقك الله عز وجل لأعمال صالحة، وكذلك استقامة مستديمة دائمة، تكون علامة على قبول الله عز وجل لك وتوفيقه لك. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم بالصحيح من حديث أبي هريرة، أنه: «لا يزال العبد يتقرب إلى الله، فإذا تقرب إلى الله تقرب الله عز وجل منه». فأنت إذا تقربت إلى الله شبرًا، تقرب الله عز وجل منك ذراعًا، وإذا تقربت ذراعًا، تقرب الله عز وجل منك باعًا، وإذا تقربت إلى الله عز وجل بالأعمال الصالحة التي يحبها الله، أحبك الله. فعند ذلك، يا عبد الله، لا تسأل عن القبول الذي يكون لك، والقرب الذي يكون كذلك منك من الله سبحانه وتعالى. وكل ذلك علامة من علامات قبول أعمالك الصالحة. وكان النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء بالصحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها، يحب المداومة على أعماله، ويقول: «أحب الأعمال إلى الله ما داوم عليه العبد وإن قل». فداوم على أعمالك الصالحة، ولا تقطعها. فيا من وفقك الله لصيام هذا الشهر، فلا تحرم نفسك من صيامه بعده. وأول ما تبدأ به من صيام التطوع بعد هذا الشهر، صيام ست من شوال. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من صام رمضان ثم أتبعه ست من شوال، كان كصيام الدهر». فاحرص على صيام الست من شوال، يستكمل الله عز وجل لك الأجر، فيكون صيامك كصيام الدهر. وذلك أن صيام رمضان ثلاثين يومًا، وست من شوال ستة أيام، والحسنة بعشر أمثالها، ويضاعفها الله أضعافًا كثيرًا. وذلك هو أيام العام ثلاثمائة وستون يومًا. وهكذا كذلك، احرصوا، عباد الله، أن تكملوا صيامكم وما كان فيه من نقص، بصدقة الفطر التي أفرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم، بما أحيا الله عز وجل إليه. وقد صح في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم فرض صدقة الفطر صاعًا من تمر أو شعير. وهكذا قال العلماء: من غالب قوت البلد، بحسب حال الزمان والمكان. قال ابن عمر: «على الحر والعبد، والصغير والكبير، والذكر والأنثى». وجاء بحديث ابن عباس أنها طهرة للصائم من اللغو والرفث. فهي تكفر وتكمل وتجبر ما كان من نقصك في صيامك. فاحرص على أدائها. ومن أداها كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة. ومن أداها بعد الصلاة، صلاة العيد، فإنما هي صدقة من الصدقات. فاحرصوا على أدائها صاعًا من غالب قوت البلد، تخرجه لتجبر، وكذلك تكفر ما كان من نقص وخلل في صيامك. لعل الله عز وجل أن يتقبل منك صيامك وقيامك وأعمالك الصالحة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا أعمالنا، وأن يجعل خير أعمالنا آخرها، وأن يختم لنا بخير ختام. اللهم يا رب العالمين، اجعل شهر رمضان هذا سببًا لمغفرتك ورضوانك ورحمتك ودخول جنتك، يا أرحم الراحمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات. اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين في كل مكان. اللهم أصلح ولاة أمورنا، واجعل ولايتك فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك، يا رب العالمين.