شرح مختصر السيرة 14

شرح مختصر السيرة 14

الدرس في شرح مختصر السيرة 14، الدرس الرابع عشر : وفيه : ( الدليل الثالث ما وقع في زمان الخلفاء الراشدين ... فأين هذا من اعتقاد أعداء الله في البدو ؟ ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

قصة أصحاب علي وتكفير الغالين

يروي الشيخ قصة أصحاب علي بن أبي طالب الذين غلوا فيه وكيف حرقهم أحياءً، ويستدل بذلك على كفر من يعتقد الألوهية في غير الله. يقارن بين كفر هؤلاء وكفر اليهود والنصارى.

أدلة تكفير البدو والمنافقين

يشرح المؤلف كيف استدل الشيخ على كفر البدو والمنافقين بمقارنة بينهم وبين الصحابة الذين كفروا من خالفهم، ويبين أن البدو جنوا على أشياء كثيرة في الدين. يذكر قصة المختار بن أبي عبيد الثقفي كدليل على خطورة الفتن.

تكفير المبتدع واستحلال دمه

يذكر المؤلف قصة المختار بن أبي عبيد الثقفي والجعد بن درهم ويستدل بهما على جواز تكفير المبتدع واستحلال دمه إذا كان إفساده عظيمًا. يبين أن الصحابة كفروا المختار لادعائه الوحي.

صحة قصة الجارية وتأكيدها

القصة لها شواهد ومتابعات تؤكد صحتها كما أشار الشيخ الألباني وغيره. تم تصحيح وتأكيد القصة من قبل علماء مثل الصابوني وابن كثير في كتبهم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال: الدليل الثالث؛ يعني الدليل الثالث لما سبق ذكره من أن من قال: لا إله إلا الله، وفعل ما يوجب الكفر، فإنه يكفر، ولو قال: لا إله إلا الله. قال: الدليل الثالث ما وقع في زمان الخلفاء الراشدين. قال: قصة أصحاب علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ لما اعتقدوا فيه الألوهية التي تعتقد اليوم في أناس من أكثر بني آدم وأفسقهم، ويريد بذلك بعض عباد القبور وغيرهم من الباطنية الذين يعتقدون الألوهية في بعض المخلوقين؛ من السحرة والمشعوذين والكهان والعرافين وأهل الحلول والاتحاد، الذين ربما لا يرفعون لله ركعة، ويُفعلون كل فسق وكفر، فمع ذلك تعتقد فيهم عامتهم بعض صفات الألوهية، فيعبدونهم من دون الله عز وجل. يقول: قال؛ لما اعتقدوا فيه الألوهية التي تعتقد اليوم في أناس من أكثر بني آدم وأفسقهم، فدعاهم إلى التوبة، فأبوا، فحفر لهم الأخاديد، وملأها حطبًا، وأضرم فيها النار، وقذفهم فيها وهم أحياء؛ يعني هؤلاء الذين اعتقدوا أن عليًا هو الله، تعالى الله عن قولهم. والقصة مشهورة، معروفة، صحيحة، متواترة، ذكرها أهل التاريخ والسير وكتب الحديث. قال: ومعلوم أن الكافر؛ مثل اليهود والنصارى، إذا أمر بقتله، لا يجوز إحراقه بالنار. علم أنه أفتى بعض فقهاء اليهود والنصارى يقول: أن هذا الحكم ما يخفى على علي رضي الله عنه وأرضاه؛ أن اليهود والنصارى الحربي إذا قوتل، فإنه لا يُحرق بالنار؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يعذب بالنار إلا رب النار». وإنما يُقتلون، ويُفعل بهم ما فُعل بالمسلمين. ومع ذلك، رأى علي رضي الله عنه أن يُحرقوا بالنار؛ وذلك إن دل على شيء، دل على أن كفرهم أشد من كفر اليهود والنصارى. وهذا إذا اعتقدوا هذا الاعتقاد في علي؛ فما بالك إذا اعتقدوا في مثل ذلك وأشد فيما هو دون علي رضي الله عنه وأرضاه؛ فإنه أشد كفرًا. وهذا الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى. وإن كان استلحم إحراقهم استلهم بها الصحابة؛ عبد الله بن عباس يقول: لو كان الأمر إلي؛ لقتلتهم، ولما حرقتهم؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إنه لا يعذب بالنار إلا رب النار». قال: وهذا وهم يقومون الليل، ويصومون النهار، ويقرؤون القرآن؛ آخرين له. يعني: أخذوا هذا القرآن عن من؟ عن الصحابة؛ عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلما غلوا في علي ذلك الغلو؛ أحرقهم بالنار وهم أحياء. وأجمع الصحابة وأهل العلم كلهم على كفرهم؛ ما أحد شك بكفرهم، ولكن اختلفوا في كيفية قتلهم. قال: فأين هذا ممن يقول في البدو تلك المقالة؟ اعتراضي بهذه القصة وأمثالها؛ اعتراضي أن البدو كفروا بالإسلام كله، إلا أنهم يقولون: لا إله إلا الله. ومراد: الكفروا بالإسلام؛ يعني أن هذا الذي يدافع عن عباد القبور وعن عامة أهل البدو الذين يقعون في الشركيات وغيرها؛ أنه يدافع عنهم مع اعتقاده أنهم لا يفعلون بشيء من الإسلام، وربما كذلك يؤكد أنهم عندهم أشياء تخرجهم من الإسلام. وهذه كما سيأتي معنا إن شاء الله؛ هذه حجة بعض أعداء الشيخ في زمانه رحمه الله؛ كأمثال سليمان بن سحيم وولده، وجماعة من أهل نجد؛ فإنهم كانوا ينافحون عن الشركيات وعن الباطل الذي كان يغلب على المجتمع، وهو يستدلون بعموم وخصوص؛ أحيانًا يقولون: أن الدين إنما دين الجماعة، ويريدون بذلك الأكثر؛ يعني الدين دين الأكثرين، وأنهم ما داموا على هذا فهم كلهم من المسلمين، ونحو ذلك من الباطل الذي يستدل به. فأراد المؤلف رحمه الله أن يبرهن بهذه القصص أن الصحابة رضي الله عنهم كفروا من كان أتقى من هؤلاء إذا فعلوا ما يوجب الكفر؛ فكيف بالبدو الذين ينكرون البعض، ويستهزئون بالأحكام، ويُفعلون الشركيات، ولا يعرفون الصلاة، ولا يعرفون الصيام، ولا يؤدون الزكاة؟ فمثل هذا كيف يمكن أن يتوقف في كفره؟ قال رحمه الله: اعلم أن جناية هؤلاء إنما هي على الألوهية، وما علم نبيهم جناية على النبوة؛ يعني أن جناية أصحاب علي الذين كفروهم وقتلوهم؛ كانت جنايتهم في باب واحد؛ في باب الألوهية. وأما البدو فإنهم جنوا على أشياء كثيرة في الدين؛ ففي مقام الألوهية اعتقدوا الألوهية في أشياء كثيرة؛ كما ذكر هو ذلك في بعض رسائله؛ كشمسان وغيرها مما كان يُعبد من القبور في زمن المؤلف رحمه الله؛ يعبدها هؤلاء العامة والبدو. وهذا بمقام الإقراض لأشياء في النبوة، وإنكار للبعث، وعدم قيام للواجبات وأركان الإسلام؛ كالصلاة والصيام والحج والزكاة وغير ذلك. قال: ومن علم نبيهم جناية على النبوة؛ والذين قبلهم جنايتهم على النبوة؛ يعني قوم مسيلمة؛ كانت جنايتهم على النبوة؛ لأنهم أكذبوا كل الإسلام إلا النبوة؛ فزعموا أن مسيلمة نبي مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: وما علم لهم جناية على الألوهية؛ وهذا ممن يبين لك شيئًا من معنى الشهادتين اللتين هما أصل الإسلام؛ يعني ما ينفع أن يؤمن بشيء دون شيء؛ بل لا بد أن يؤمن بإفراد الله عز وجل بالعبادة وحده، وإفراد النبي عليه الصلاة والسلام بالرسالة وحده. قال: والدليل الرابع ما وقع في زمن الصحابة أيضًا، وهي قصة المختار بن أبي عبيد الثقفي؛ وهو رجل من التابعين، مصاهر لعبد الله بن عمر رضي الله عنه وعن أبيه؛ يعني متزوج أخته، مظهر للصلاح. فظهر بالعراق يطلب بدم الحسين وأهل بيته؛ فقتل ابن زياد، ومال إليه من مال؛ يعني من المسلمين؛ لأنه أظهر الغيرة على الدين ومطالبة بدم الحسين، وقتل بعض الظلمة. قال: ومال إليه من مال لظنه دم أهل البيت ممن ظلمهم ابن زياد؛ فاستولوا على العراق، وأظهروا شرائع الإسلام، ونصب القضاء، ولأم من أصحاب ابن مسعود رضي الله عنهم. وقد مال إليه جماعة من خيار التابعين في أول الأمر؛ اغتروا بأمره في أول الأمر؛ وهي فتنة عظيمة. وهذا ينبهنا بخطورة الفتن؛ وأن الفتن لا يسلم منها إلا من سلمه الله ممن اعتصم به الوحي بالكتاب والسنة، وفهم سلف الأمة، ونظر العلماء الراسخون. قال: وأظهر شرائع الإسلام، ونصب القضاء، ولأم من أصحاب ابن مسعود رضي الله عنه. وكان هو الذي يصلي بالناس الجمعة والجماعة. لكن في آخر أمره زعم أنه يوحى إليه؛ فتنة الشيطان. وأراد أن يستكفر ويستجلب الناس أكثر؛ زعم أنه يوحى إليه. فسيّر إليه عبد الله بن الزبير جيشًا؛ فهزموا جيشه، وقتلوه. وأمير الجيش مصعب بن الزبير، وتحت إمارة امرأة؛ أبوها أحد الصحابة؛ فدعاها مصعب إلى تكفيره؛ فأبى؛ يعني أبى أن تكفر زوجها. فكتب إلى أخيه عبد الله يستفتيه فيها؛ يعني عبد الله بن الزبير؛ كيف يفعل بهذه المرأة التي هي أخت هذا الصحابي الجليل عبد الله بن عمر. قال: فكتب إليه: إن لم تبرأ منه فاقتلها. قال: فامتنعت؛ أي أن تتبرأ؛ فقتلها مصعب. قال: وأجمع العلماء كلهم على كفر المختار؛ مع إقامته شعائر الإسلام؛ لما جنى على النبوة بإدعائه الوحي. قال: وإذا كان الصحابة قتلوا المرأة التي من بنات الصحابة؛ لما امتنعت من تكفيره؛ فكيف بمن لم يكفر البدو مع إقراره بحالهم؟ فكيف بمن زعم أنهم هم أهل الإسلام؛ يعني لا يوجد الإسلام إلا عندهم، ومن دعاهم إلى الإسلام هو الكافر؟ يا ربنا نسألك العفو العافية. وهذه القصة كذلك قصة مشهورة، صحيحة، تواتر ذكرها أهل التاريخ والسير؛ بل نقل العلماء حوادثها بالأسانيد؛ كما ذكر ذلك ابن كثير في كتابه البداية والنهاية؛ في نهاية الجزء الثامن. قال: بعد أن ذكر أسانيد عن إمام أحمد؛ مما يدل على كفر هذا الرجل، وكيف ولماذا استحل دمه وقتاله ومن معه؛ أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رضي الله عنهم. قال: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا يحيى بن سعيد وهو الأنصاري؛ قال: عن حماد بن سلمة؛ قال: حدثنا عبد الملك بن عمير؛ عن رفاعة بن شداد؛ قال: كنت أقوم عند المختار؛ يعني ابن أبي عبيد الثقفي. قال: فلما عرفت كذبه؛ هممت أن أسل سيفي وأضرب عنقه. ثم ذكر القصة، وذكر أسانيد كثيرة. وهذا الإسناد إسناد صحيح؛ رجاله كلهم ثقات، وهو متصل؛ فيدلك على أن هذا الرجل كفره الصحابة لما ادعى هذا الشيء؛ مع ما عنده من خير كثير؛ فلم يمنعهم من تكفيره؛ ولم يزعموا أنه قوله يصلي ويقول: لا إله إلا الله؛ فإنه لا يكفر؛ بل كل من فعل الكفر؛ ولو كان من أعبد الناس؛ ولو كان يقول: لا إله إلا الله؛ فإنه كذلك يكفر. قال: الدليل الخامس ما وقع بزمن التابعين؛ وذلك قصة الجعد بن درهم؛ وكان من أشهر الناس بالعلم والعبادة. فلما جهر بشيء من صفات الله؛ مع كونها مقالة خفية عند الأكثر؛ يعني مقالة علمية دقيقة خفية؛ لا يعلمها العامة واشباه العامة؛ ولكن يعلمها العلماء وطلبة العلم. قال: ضحى به خالد بن عبد الله القسري يوم عيد الأضحى؛ فقال: أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم؛ فإن مضح بالجعد بن درهم؛ فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا. ثم نزل فذبحه. ولم يعلم أن أحدًا من العلماء أنكر ذلك عليه؛ بل ذكر ابن القيم إجماعهم على استحسانه؛ يعني استحسان العلماء هذا الفعل من خالد القسري رحمه الله تعالى. قال: فقال أي ابن القيم: شكر الضحية كل صاحب سنة لله ذبح من أجله قرباني. قال: فإذا كان رجل من أشهر الناس بالعلم والعبادة؛ أخذ العلم عن الصحابة؛ أجمعوا على استحسان قتله؛ فأين هذا من اعتقاد أعداء الله في البدو؟ ويريد أعداء الله عباد القبور؛ في هؤلاء الذين يعبدون غير الله. وهذه القصة كذلك قصة صحيحة مشهورة؛ أثرت عن العلماء من الاستدلال بها؛ ولا يضرها أن جاء في إسنادها بعض المجاهيل؛ فإنه روى إمام البخاري بخلق أفعال العباد من طريق عبد الرحمن بن حبيب عن أبيه؛ وعبد الرحمن مقبول، وأبوه مجهول. ولكن للقصة في شواهد؛ كما أشار إلى ذلك الشيخ الألباني رحمه الله في مختصر العلو؛ وصحح أو حسن هذه القصة؛ بل ويشهد لها شواهد أخرى؛ ذكرها الصابوني رحمه الله في عقيدته، وابن كثير كذلك في البداية والنهاية؛ وهي قصة صحيحة؛ لها شواهد ومتابعات تؤكد صحة هذه القصة. وبهذا القدر نكتفي؛ ونكمل إن شاء الله في درس لاحق. والحمد لله رب العالمين. اشتركوا في القناة.