شرح مختصر السيرة 46

شرح مختصر السيرة 46

الدرس في شرح مختصر السيرة 46، الدرس السادس والأربعون : فيه : (بيعة العقبة الثانية ... ثم قال رسول الله ارفضوا إلى رحالكم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

بيعة العقبة الثانية وتفاصيلها الأولية

يشرح الشيخ تفاصيل بيع العقبة الثانية حيث اجتمع المسلمون سرًا مع النبي ليلًا. كان العباس بن عبد المطلب حاضرًا وهو يومئذ مشرك.

تفاصيل بيعة الأنصار للنبي

بايع الأنصار النبي على حمايته ودعمه، وتعهدوا بقتال من يقاتلونه. وأكد النبي أنهم سيكونون معه في كل مراحل القتال.

تتمة الكلام عن بيعة العقبة الثانية

كانت بيعة العقبة الثانية بين النبي وسبعين رجلًا وامرأتين من الأنصار. طلب النبي اثني عشر نقيبًا ليكونوا كفلاء على قومهم.

أمر الرسول بالعودة إلى رحالهم

أمر الرسول أصحابه بالعودة بسرعة إلى رحالهم بعد انتهاء مناسك الحج. معنى "ارفضوا" هو الرجوع بسرعة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه «مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم»: قال: «بيع العقبة الثانية»، قالت: لما وصلوا وعدوا العقبة من أواخر أيام التشريق للبيعة بعد من قضى حجهم، فقال له العباس: «ما أدري ما هؤلاء القوم الذين جاءوك»، وكان العباس يومئذ مشركًا لم يسلم، ولكنه كان يحوط النبي عليه الصلاة والسلام لنسبه، قال: «إني ذو معربة بأهل يثرب»، يعني: خذني معك لأنظر من هؤلاء، هم صادقون أنهم يريدون حمايتك وهجرتك إليهم أم غير ذلك. قال: فلما كان بالليل تسللوا من رحالهم مختفين، يعني: خرجوا خفية حتى لا يراهم أهل مكة، ومعهم عبد الله بن عمر بن حرام، أبو جابر، وهو مشرك، وكانوا يكاتمونه الأمر. فلما كانت الليلة التي واعدوا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا له: «يا أبا جابر، إنك شريف من أشرافنا»، يعني: من كبراء أهل المدينة، «وإن نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حقبًا للنار غدًا»، قال: «وما ذلك؟» فأخبروه الخبر، فأسلم، يعني: دخل في دين الإسلام في مكة في منى خاصة، قال: وشهد العقبة وكان نقيبًا، والنقباء كما سيأتي معنا. وأصل هذه البيعة وما فيها من أحداث جاء في الصحيح في صحيح البخاري وصحيح مسلم، كما سيأتي بعض من حديث عبادة، وبعض من حديث جابر بن عبد الله، وبعض من حديث غيرهما، كما سيأتي إن شاء الله. قال: فأخبروه الخبر فأسلم وشهد العقبة وكان نقيبًا، يعني: من نقباء الاثني عشر الذين سيأتي ذكرهم إن شاء الله. قال: فلما مضى ثلث الليل، خرجوا للميعاد حتى اجتمعوا عنده، من رجل ورجلين، لم يخرجوا دفعًا واحدة، وإنما رجل أو رجلين يخرجون شيئًا فشيئًا، قال: ومعه عمّه العباس، وهو يومئذ على دين قومه، يعني: العباس، ولكنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويوافق له حتى لا يحصل له ما يسوء. قال: فلما نظر العباس في وجوههم قال: «هؤلاء قوم لا نعرفهم، هؤلاء أحداث»، يعني: صغار شباب. وكان أول من تكلم فقال: «يا معشر الخزرج»، وكانت العرب تسمي الجميع الخزرج؛ لأنهم أغلب في أهل المدينة، وإلا ففيهم الأوس وفيهم الخزرج، قال: «إن محمدًا منا حيث علمتم، وقد منعناه من قومنا، وهو بمنعة في بلده»، ويريد بذلك قوم النبي عليه الصلاة والسلام الذين حموا النبي عليه الصلاة والسلام ووقفوا معه، كما مر معنا في قصة الشعب وما وقع من أمور بعدها وقبلها. قال: «وقد منعناه من قومنا»، يعني: أهل مكة، «وهو بمنعة في بلده»، يعني: ليس في ضيعة، وإن كان الأمر مشدد عليه، فاعرفوا أنه الآن عنده بعض الخير؛ إذ أنه في حوطة ومنعة، ومعناه: لا تأخذوه معكم أو تطلبوه أن يأتيكم، ثم يكون في ضيعة، قال: «إلا أنه أبى إلا الانفطاع إليكم واللحوق بكم»، يعني: هو الذي طلب ذلك، وليس أهله وأهل قرابته تخلوا عنه. قال: «فإن كنتم ترون أنكم وافون فيما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد ما أروه إليكم، فمن الآن فدعوه؛ فإنه في عز ومنعة»، قالوا: «قد سمعنا ما قلت»، يعني: قالت الأنصار ذلك لأبي العباس عم النبي عليه الصلاة والسلام، قالوا: «قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، خذ لنفسك ولربك ما شئت»، فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «أبايعكم على أن تمنعوني إذا قدمتم عليكم مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم، ولكم الجنة». وأصل هذا في الصحيح، كما سيأتي في حديث عبادة وبمعنى حديث جابر بن عبد الله، وما قبل رؤية مراسيل عن الشعب وغيره. وقد أشار إلى ذلك الذهبي رحمه الله تعالى في كتابه «السير» في المجلد السادس والعشرين. قال: فكان أول من بايعه البراء بن معرور، فقال: «والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا»، فبايعنا يا رسول الله، فنحن أهل الحرب والحلقة، والمراد: نحن أهل لحمايتك والحماية والدفاع عنك، والحلقة المراد بها كما أشار الدرع، يعني: التحمل في القتال، فهي علامة لشدة المقاتل، فالمقاتل إذا حمل السلاح ولبس الدرع معناه أنه لا يريد الرجوع إلى أهله، قال: «ورثناها كابرًا عن كابر». فاعترض أبو الهيثم بن التيهان وقال: «إن بيننا وبين الناس حبالًا ونحن قاطعوها، فهل عسيت إن أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟» فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «لا والله، بل الدم الدم والهدم الهدم، أنتم مني وأنا منكم، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم»، ومعناه: أنهم بيّنوا للنبي عليه الصلاة والسلام أنهم إن هم منعوه وبايعوه فإنه سيكون بينهم وبين بعض قومهم عداء وحبال ستنقطع بسبب ذلك، فيسألون: هل إذا وقع مثل ذلك فأنت تدعنا يا رسول الله وترجع إلى قومك؟ يعني: ولو بعد حين، فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن ليس كذلك يكون، بل القتال فالدم الدم يعني معكم إلى آخر لحظة. قال: فلما قاموا يبايعونه أخذ بيده أصغرهم أسعد بن زرارة، فقال: «رويدًا يا أهل يثرب، إن لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وإن إخراجه اليوم مفارقة للعرب كافة وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف»، يعني: أنه سيكون عليكم العداء من جميع قبائل العرب، ليس أهل مكة فقط؛ لأن أكثرهم كانوا على الشرك، قالوا: «وأن تعضكم السيوف»، وهو كناية على شدة القتال والبأس الذي سيكون عليه من قبل العداء، فإما أنتم تصبرون على ذلك فقضوه وأجركم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه، فأعذر لكم عند الله. فقالوا: «أمض عنا يدك، فوالله ما نذر هذه البيعة ولا نستقيلها»، يعني: ولا نرجع عنها. ومعنى أراد أن يذكرهم على أسوأ وأبأس الأحوال التي قد يصل إليها حالهم وأمرهم إنهم بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم وعاهدوا إليهم، وذلك ليس لأجل أن يحبطهم، ولكن لأجل أن يؤكد هذه البيعة حتى لا يقع في نفسه أحد شيء من الضعف إن أصيب بشيء من البلاء الشديد فيما يلي من أمرهم. قال: فقاموا إليه رجلًا رجلًا يأخذ منهم ويعطيهم بذلك الجنة، ثم كثر اللغط، فقال العباس: «على رسلكم، فإن علينا عيونًا»، يعني: أن الناس يراقبون النبي صلى الله عليه وسلم من أهل مكة ويخافون من لقاء الغرباء به خشية أن ينتشر دينه إلى الغرباء فيكون بذلك انتشار لدينه عليه الصلاة والسلام، وما كانت قريش تحب ذلك. قال: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبًا»، يعني: حتى لا تكون البيعة لجميع من أتى من الأنصار، ولكن البيعة تكون للنقباء، أي: الكبار من أهل يثرب، كل يكون نقيبًا عن من خلفه من قومه، قال: «أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبًا كفلاء على قومهم ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم، وأنا كفيل على قومي»، وهذا معناه جاء في الصحيح في حديث جابر بن عبد الله، وآخر في حديث عبادة بن الصامت. فقد ذكر جابر بن عبد الله أن أفواد النبي صلى الله عليه وسلم ومن بايعه ومن كان النقباء، وذكر أسماء بعض من سيأتي ذكرهم، والمعنى أن هؤلاء يكونون كالنقباء الذين كانوا في الحواريين مع عيسى عليه الصلاة والسلام. قال: وفي رواية: «أن موسى اتخذ من قومه اثني عشر نقيبًا»، فكان نقيب بني النجار أسعد بن زرارة، يعني: يأخذ البيعة لهم جميعًا، وجاء هذا في حديث عبادة بن الصامت في البخاري. قال: ونقيب بني سلمة البراء بن معرور، وعبد الله بن عمرو بن حرام، يعني: والد جابر بن عبد الله، والبراء بن معرور خال جابر بن عبد الله، وجاء هذا في حديث جابر بن عبد الله في صحيح البخاري، قال رحمه الله: ونقيب بني ساعد سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو، ونقيب بني زريق رافع بن مالك بن عجلان، ونقيب بني الحارث بن الخزرج عبد الله بن رواحة وسعد بن الربيع، ونقيب بني قوقل عبادة بن الصامت، ونقيب الأوس سعد بن معاذ، وأبو الهيثم بن التيهان، ونقيب بني عوف سعد بن خيثمة. وكان جميع أهل العقبة سبعين رجلًا وامرأتين، وجاء هذا في مسند الإمام أحمد من حديث جابر بن عبد الله، وصححه شيخ العلامة الألباني في «الصحيحة» في الحديث الثالث والستين في المجلد الأول صفحة 93. قال: فلما بايعوا صرخ الشيطان بأعلى صوت سمع قط: «يا أهل الجباجب، هل لكم في محمد والصبأة معه قد اجتمعوا»، والصبأة يريد بهم الموحدين، فهم يزعمون أن من دخل بدين النبي عليه الصلاة والسلام فهو صابئ، ويريدون تارك الدين، أي: بلا دين، ويرون أن الدين هو عبادة الأوثان، قال: «قد اجتمعوا على حربكم»، والمراد بالشيطان شياطين الأنس وشياطين الجن يشمل هذا وهذا، ولكن المراد به من تصنّت من شياطين الأنس، فأخرج الخبر. قال: «قد اجتمعوا على حربكم»، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا أزب العقبة، أما والله يا عدو الله لأتفرغن لك»، وجاء هذا كما سيأتي عندكم في دلائل النبوة، ولكن في إسناده ما لا يصح به، وإن كان أصل القصة صحيح كما سيأتي. قال: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ارفضوا إلى رحالكم»، ومعنى ارفضوا: يعني هلموا مسرعين راجعين إلى رحالكم، كأنكم لم تخرجوا منها. طيب نكتفي بهذا القدر، ونقوم الباقي إن شاء الله في درس لاحق، والله تعالى أعلم.