شرح مختصر السيرة 28

شرح مختصر السيرة 28

الدرس في شرح مختصر السيرة 28، الدرس الثامن والعشرون : وفيه : ( فلا يجد أحد ينصره ويحميه ... أن رآه استغنى ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

معاناة النبي في بداية الدعوة وأذى قومه له

واجه النبي صلى الله عليه وسلم معارضة شديدة من قومه وتعرض للأذى والتشكيك. نزلت سورة المسد كرد فعل على تحدي أبو لهب للنبي.

دعوة النبي سرًا وجهرًا وحكمة الله في حمايته

دعا النبي سرًا ثلاث سنين قبل الجهر بالدعوة، وآمن له جماعة ليس معظمهم من قبيلته. أول دم أهريق في الإسلام كان في السنة الرابعة عندما ضرب سعد بن أبي وقاص رجلًا فشجوه.

الاستهزاء بالنبي وأصحابه ونزول الآيات الردية

نزلت الآيات القرآنية ردًا على استهزاء المشركين بالنبي وأصحابه، وأظهرت أن الله أعلم بمن يصلح للدين. ووبخت أبا جهل على تهديده للنبي عند الصلاة.

طغيان الإنسان وسبب نزول الآيات الخاصة بذلك

نزلت الآيات ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ بسبب طغيان الإنسان عند شعوره بالغنى. النبي ومن معه تعرضوا للأذية والصبر على ذلك.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. قال: فلا يجد أحدًا ينصره ويحميه، يعني النبي عليه الصلاة والسلام في دعوته وابتدائها، قال: حتى ليسأل عن القبائل منازلها قبيلة قبيلة، فيقول: يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا وتملكوا بها العرب وتدين لكم بها العجم، وهذا معنى لحديث: «فأما لا إله إلا الله تفلحوا» فقط، صح عن النبي عليه الصلاة والسلام حديث جابر وغيره، قال: «فإذا ميتم كنتم ملوكًا في الجنة». قال: وأبو لهب من وراءه يقول: لا تطيعوه؛ فإنه صابئ، والصابئ الذي يترك الدين وينسلخ من دين الأجداد. قال: قال: وأبو لهب -وهو يقول-: لا تطيعوه؛ فإنه صابئ كذاب، فيردون على رسول الله صلى الله عليه وسلم أذى الرجل ويؤذونه، ويقولون: عشيرتك أعلم بك، حيث لم يتبعوه، وهو يقول: «اللهم لو شئت لم يكونوا هكذا». ولا أعرف الآن هذا ما وقفت على إسناد هذه اللفظة، وعندنا المحفوظ بإسناد إمام أحمد، أنا ما أتيح لي أن أقف على هذا الحديث، لكن معناه بالجملة صحيح. فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عُودي وأُوذي وكُذب وأُشيع فيه معنى هذا الذي ذكر. قال: ولما نزل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، صعد الصفا فنادى: «يا صباحاه»، فلما أمعنوا إليه قال: «لو أخبرتكم أن خيلًا تخرج عليكم من سفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟» قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذبًا، قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد»، فقال أبو لهب: «تبًا لك، ما جمعتنا إلا لهذا». فأنزل الله قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾. والحديث بالصحيح كما أشار المعلق، وفيه كذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أعلن بدعوته، لكن ليس فيه أنه كان ذلك قرب بين عهد النبوة والرسالة. وأمرنا الصحيح في التفريق بين النبوة والرسالة ما هو على خلاف المعنى المشهور عند الجمهور. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: دعا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى الله مستخفيًا ثلاث سنين، ثم نزل عليه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾. ومعنى أنه قعد فترة يدعو سرًا، وقد آمن له عليه الصلاة والسلام جماعة في تلك الدعوة بالسر. ومن حكمة الله عز وجل به عليه الصلاة والسلام أن أكثر من آمن لم يكونوا من قبيلته، بل لم يؤمن من قبيلته وعشيرته إلا علي بن أبي طالب، وأكثر الذين آمنوا به من قبائل أخرى متفرقة، فكان ذلك سببًا وحكمة من الله عز وجل في حماية النبي عليه الصلاة والسلام، إذ لو آمن أهله وقومه لعاداهم من أول الأمر، ولما كان لكلمتهم ولحمايتهم للنبي عليه الصلاة والسلام قبول. لكن من حكمة الله عز وجل أن تأخر ذلك حتى إن كبيرهم، وهو عم النبي عليه الصلاة والسلام أبو طالب، لم يؤمن إلى آخر حياته، وكان ذلك سببًا في حماية النبي عليه الصلاة والسلام، ولله الحكمة سبحانه وتعالى. وقد مر معنا عدد ممن أسلم، فمنهم العشرة، وكذلك منهم ضعفاء الضعفاء كعمار وزياد، وكذلك بلال، وجمع وضعف هؤلاء، كذلك من قبائل أخرى من خارج مكة، مثل الطفيل بن عمرو الدوسي، وكذلك جماعة آخرون، عمر بن عبسة وجماعة آخرون، قد جاؤوا على النبي عليه الصلاة والسلام فأسلموا من خارج مكة. ومن قبائل العرب منهم أبو ذر الغفاري، حين ضرب، فخوفوه بأن تجارتهم تمر عليهم، أشهد أن في هذا الوقت كان حكمة في انتشار الإسلام على هذا الاستخفاء في قبائل شتى من قبائل العرب، ولو كانوا أفرادًا. قال رحمه الله تعالى: أول دم أهريق في الإسلام، قالوا: كان في السنة الرابعة، ضرب سعد بن أبي وقاص رجلًا من المشركين فشجوه، وذلك أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يجتمعون في الشعاب فيصلون فيها، فرآهم رجل من الكبار ومعه جماعة من قريش، فضرب سعد بن أبي وقاص رجلًا منهم فسال دمه، فكان أول دم أهريق في الإسلام، يعني أهريق من قبل المسلمين على الكافرين. وفيه أن سعدًا رضي الله عنه -أي ابن أبي وقاص- ممن أسلم من أوائل المسلمين. قال: استهزاء المشركين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جلس وحوله المستضعفون من أصحابه، مثل عمار بن ياسر، وخباب بن الأرت، وصهيب الرومي، وبلال، وأشباههم، فإذا مر بهم قريش استهزؤوا بهم، وقالوا: أهؤلاء جلساؤه قد من الله عليهم من بيننا، يعني إذا كانت هذه كرامة فلن تكون الكرامة لهؤلاء المستضعفين؛ لأنهم جربوا الدنيا أنها تكون للزعماء ولا تكون لهؤلاء المستضعفين، فظنوا أن أمر الآخرة كأمر الدنيا، وأرادوا بهذا التهوين مما يدعو إليه النبي عليه الصلاة والسلام، يعني هؤلاء قد من الله عليهم من بيننا، لو كان هذا خيرًا لكنا نحن أولى الناس به، هكذا يزعمون. قال: فأنزل الله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾، يعني مسألة الدين الله عز وجل أعلم من الذي يصلح لها، ليست المسألة بالوجاهة ولا بكثرة المال ولا كذلك بالمنصب وغير ذلك. قال: وفيهم نزل: ﴿وَالَّذِينَ هَجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. قال: وقال أبو جهل: والله لئن رأيت محمدًا يصلي لأطأن على رقبته، فبلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، فأتاه فقال: «ألم أنهك عن الصلاة؟» فانتهره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أتنتهرني وأنا عز أهل البطحاء؟ فنزل قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾. قيل في بعض الروايات: أنه قال: «ألم أنهك»، فوالله ما برح عزم النادي -يعني من مجلسه-. قال: وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، وزعم ليطأ رقبته، فما فجأهم -يعني ما وقع إلا أن فاجأ أصحابه- إلا وهو ينكص على عقبيه -يعني يفر هاربًا- ويتقي بيديه، يعني أبو جهل كأن أحدًا يريد أن يؤذيه في وجهه. قال: وقال: «بيني وبينه خندق من نار وهولا وأجنحة» -يعني رأى شيئًا يخيفه-. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لو دنا مني -يعني لو قرب مني وحاول أن يؤذيني- لفتفته الملائكة عضوًا عضوًا -يعني لفتكت به-. قال: فأنزل الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾، هذا لفظ مسلم كما أشار إليه المؤلف رحمه الله، وعندكم كذلك الإشارة بالتعليق. ومراده رحمه الله تعالى أن يبين شيئًا مما أوذي به النبي عليه الصلاة والسلام ومن كان معه، وما كان من السخرية والأذية والصبر على هذا الدين كأولي الأمر. نكتفي بهذا ونكمل إن شاء الله في درس لاحق، وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.