الدرس في كتاب الطهارة 47، الدرس السابع والأربعون:من( الحديث السادس والعشرون:عن أنس بن مالك رضي الله عنه ... 7-الرفق بتعليم الجاهل ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشرح بحديث أنس بن مالك عن الأعرابي الذي بال في المسجد، حيث نهاه الناس فتدخل النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بصب الماء على البول. يُفسر الحديث ويُستخرج منه أحكام الطهارة.
يستند الشرح إلى الحديث لبيان أحكام المساجد وآدابها، مثل تطهير النجاسات وجواز الصلاة فوقها بحائل، واحترام المساجد وتطهيرها، مع التركيز على سماحة خلق النبي.
يشرح كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يراعي طبائع الناس في دعوته، ويؤجل النصح لمن لا يقبله، ويختار الأسلوب المناسب لكل شخص، مع التركيز على أهمية معرفة الأحوال لتحقيق مقصود الشريعة.
يُناقش أهمية الرفق في تعليم الجاهل ونشر العلم، ويشير إلى أن البعد عن الناس قد يؤدي إلى الجفاء والجهل، ويُشدد على ضرورة الرفق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: الحديث السادس والعشرون، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم، فلما قضى بوله أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذنوب من ماء فأهريق عليه. أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله هذا الحديث في سياق ذكره لأحاديث كتاب الطهارة، ومناسبته ظاهرة في طهارة المكان، أي مكان الصلاة، وما يلحق به من أحكام مما سيأتي إن شاء الله. أقرب الألفاظ إليه هو لفظ الإمام البخاري رحمه الله، قال رحمه الله تعالى: حدثنا عبدان قال: أخبرنا عبد الله قال: أخبرنا يحيى بن سعيد قال: سمعت أنسا قال... وحدثنا خالد قال: حدثنا سليمان عن يحيى بن سعيد قال: سمعت أنس بن مالك فذكر الحديث. واللفظ الثاني أو الإسناد الثاني هو الذي لفظه هذا الحديث، وأما الإسناد الأول فكما قال الحافظ بن حجر لم يذكر البخاري رحمه الله لفظه ومتنه، ولكن أخرجه البيهقي بمتن مختلف. قال الشارح رحمه الله تعالى: غريب الحديث. قال: قوله «أعرابي» بفتح الهمزة، نسبة إلى الأعراب، وهم سكان البادية. وقد جاءت النسبة فيه إلى الجمع دون الواحد، يعني الأعراب، وليس لهم قبيلة واحدة ولا وصف خاص، لكن كل من سكن البادية صار من الأعراب، وربما قيل فيمن شابههم بالصفات ولو لم يسكن البادية. قال ثانيا: قوله «في طائفة المسجد» أي في ناحية المسجد، ومعنى الطائفة أخص من الناحية، فالطائفة ناحية معينة لا تكون في الغالب في الزوايا، يعني كأنه يقول في موضع مهم يحتاج إليهم في المسجد، كأنه يصل فيه. قال: قوله «فزجره الناس» أي نهروه، وهكذا كذلك اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، فليس الزجر هو عين النهر، لكن الزجر أخف من النهر، والمعنى أنهم حاولوا أن يمنعوه بالصوت، حاولوا أن يمنعوه بالصوت. قال: قوله «بذنوب من ماء» بفتح الذال المعجمة، وهو الدلو الملآن ماء، ولا تسمى ذنوبا إلا إذا كان فيها ماء، والذنوب نوع من الأوعية أولا، ولا يسمى كذلك إلا إذا كان فيه ماء، فليس كل وعاء فيه ماء يقال له ذنوب. قال: «فأهريق عليه» أصله أريق عليه، أبدلت الهمزة هاء فصار فهريق، ثم زيدت همزة أخرى فصار فأهريق، وهو بسكون الهاء مبني للمجهول، هكذا قال بعض أهل التصريف. وبعضهم أنشأ على ظاهره، فقيل: هو لغة في أريق، يعني يجوز بهذا وهذا. وقال بعضهم: بالإبدال، لأن أحرف المخرج الواحد قد تبدل بعضها ببعض. فالحاصل سواء قلنا الأول أو قلنا الثاني، فالمهم أن معناه قريب من معنى الإراقة، لكن الإهراق يكون أشد من الإراقة، فأهريق يعني صب عليه بكثرة، ليس مثل الإراقة، فأنت تقول: أراق الماء، أي صبه ولو كان ببطء ولو كان بقلة متتابعة، لكن إذا قلت: أهريق، فإنه لا يكون إلا بما كان بشدة وكثرة. قال رحمه الله: المعنى الإجمالي: أن من عادة الأعراب الجفاء والجهل، لبعدهم عن تعلم ما أنزل الله على رسوله، وهذا من آثار حرمان العلم، فإن من أعظم آثاره الجفاء والجهل، الجهل بالأحكام والجفاء في التصرفات. قال: فبينما كان النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه في المسجد النبوي، إذ جاء أعرابي وبال في أحد جوانب المسجد، ظنا منه أنه كالفلاة، يعني كالأرض التي يجوز قضاء الحاجة فيها. فعظم فعله على الصحابة لعظم حرمة المساجد، وما علموا ذلك إلا بالعلم، فنهروه في أثناء بوله، يعني زجروه. وقلنا: هو النهي أو مطالبته بالكف بالصوت. ولكن صاحب الخلق الكريم الذي بعث بالتبشير والتيسير، ولما يعلموا من حال الأعراب، يعني من الجفاء، أنه لا يصلح لهم مثل هذه الحال، قال: نهاهم عن زجره، لأن لا يلوث بقعة كثيرا من المسجد، لأنه لو زجر ربما قام وهو يبول، فلوث شيئا أكثر، إما بدنه أو ثوبه أو كذلك شيئا آخر من المسجد. قال: ولئلا يصيبه الضرر بقطع بوله عليه، وهذا معروف عند الأطباء وغيرهم. قال: وليكون أدعى لقبول النصيحة والتعليم حين يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم، وأمرهم أن يطهروا مكان بوله بصب دلو من ماء عليه. قال: ما يأخذ من الحديث أولا: أن البول على الأرض يطهر بغمره بالماء، يعني أنه يصب الماء عليه فيكون هذا تطهيرا للأرض. قال: ولا يشترط نقل التراب من المكان بعد ذلك ولا قبله، يعني يكفي صب الماء ليطهر. ويتضمن ذلك كذلك جواز الصلاة فوق النجاسة بحائل إذا كان الحائل طاهرا. لأن النجاسة ستنزل إلى أين إذا صب عليها الماء؟ هل ستزول أم ستنزل إلى الأسفل؟ ستنزل إلى الأسفل. فاستدل به العلماء على أنه يجوز الصلاة فوق النجاسة إذا كان الحائل طاهرا، ولم يكن ولم تكن النجاسة رطبة حتى تؤثر على الحائل. فإذا كانت سجادة فيها نجاسة يشق نزعها، كالقطف التي في البيوت اليوم، فبال الصبي في مكان ونشف البول، أردت أن تصلي، هل يجزئ أن تفرش سجادة أخرى أو قطيفة أخرى أو حائلا فتصلي عليه؟ الجواب: نعم. ما هو الدليل؟ الدليل هذا الحديث. وهكذا كذلك اختلف بعض الناس حديثا في حكم جعل مواضع الخلاء تحت المسجد، في الدور الأول مثلا دورات المياه، والدور الثاني المسجد، هل يجوز هذا؟ الصحيح أنه يجوز، وقد يحتاج لذلك. ولا شك أن ترك مثل هذا أفضل، لكن قد يحتاج لذلك مع ضيق المكان، بعض المدن التي هي ممتلئة بالزحام، يشق أن تجعل دورات المياه في بقعة أخرى، لأن ما عندهم إلا هذه البقعة أرض واحدة، ولا يمكن أن يكون المسجد أسفل من دورات المياه، فيكون المسجد في الأعلى ودورات المياه في الأسفل، فيه نجاسات، فيه أشياء. يقول: نعم، لكنه بينه وبينها حائل، بينه وبينها حائل أشد من ذاك الذنوب الذي صب على الأرض، فنزلت النجاسة إلى أسفل. قال رحمه الله تعالى ثانيا: يعني مما يؤخذ من الحديث احترام المساجد وتطهيرها. وقد جاءت أدل كثيرة في تعظيم المساجد، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يطيبها بيده، فيصب الطيب على جدران المسجد، مع أن مسجده كان من ماذا؟ ها من طين. كان مسجد النبي عليه الصلاة والسلام من طين، ومع ذلك يصب الطيب على جدران المسجد لأجل أن يبقى المسجد طيبا. وثبت أن رجلا بصق على جدار المسجد، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وحك تلك البصقة بيده عليه الصلاة والسلام، ووضع مكانها ماذا؟ الطيب، وضع مكانها الطيب عليه الصلاة والسلام. فالمساجد تعظم وتحترم ويعتنى بها، وهذا من تعظيم شعائر الله. ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب. قال ثالثا: سماحة خلق النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أرشد الأعرابي برفق. ولي بعدما بال مما جعله يقول: «اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا»، كما جاء في صحيح البخاري. وهذا من أثر الرفق بهذا الأعرابي. ولكن أنكر عليه النبي عليه الصلاة والسلام قوله ذلك. وفيه دليل ضمنا كذلك على جواز تأخير البيان إذا اقتضت الحاجة إليه. هناك قاعدة: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهي متضمنة لمعنى آخر، وهو جواز تأخير البيان عند الحاجة إلى ذلك، يعني إلى التأخير، لأنه لو بين الآن ما قبل إذن تأخيره أفضل، تأخيره أفضل. وهكذا كذلك فيه دليل على أنه ليس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الفورية، بل بحسب ما يحصل به المقصود من تغيير المنكر والامتثال بالمعروف. وهذا أمر عظيم في فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. بعض الناس عنده حب للخير وغيره للدين، فيظن أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مقتضاه إلقاء المأمور به من على العاتق، بغض النظر ينفع أو لا ينفع، وهذا ليس بصحيح. لكن المقصود هو تتبع ما يحصل به النفع، ولو تأخر الأمر، لو تأخر الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر، هذا هو المقصود. ومنه فعل النبي عليه الصلاة والسلام ها هنا، الصحابة فعلوا بمقتضى الأول، والنبي عليه الصلاة والسلام فعل بمقتضى ماذا؟ الثاني. لأن حقيقة انتفاع هذا الأعرابي بنصيحته لا يكون وهو في هذه الحال، فيؤجل. وهذا يختلف، وهذا كان مع الأعرابي. ولهذا مع الرجل الآخر لما كان على يده الخاتم، جره النبي عليه الصلاة والسلام ورماه، وسماه بعض الناس في بعض الروايات أنه من خيار الصحابة، لكن ما بلغه النهي عن لبس الذهب. فالشاهد ما تأخر البيان، لكن مثل هذا الأعرابي تأخر، مثل هذا الأعرابي تأخر، فيختلف بحسب الناس. فأنت ربما ترى مدخن تعرف من طبعه الرفق واللطف، فلا بأس أن تنصحه ولو كان يدخن. وآخر من طبعه الشدة والعنف، وترى أنك إذا كلمته في حضرة الآخرين ربما لا يقبل، بل هذا يغلب على ظنك، بل ربما إن قلب الأمر إلى الضد، وهو المكابرة والعناد والخصومة. فإذا أجلت أو علمت أن هذا لا يقبل منك، لكن ربما قبل من فلان من الناس، إذن يكلمه فلان، ونحو ذلك. قال رحمه الله رابعا: بعد نظره صلى الله عليه وسلم ومعرفته لطبائع الناس. وهكذا هذا يرشدنا إلى أهمية معرفة مثل ذلك، فإن له شأنا في الوصول إلى المقصود وتحقيق المراد من الشريعة، أن يعرف أن يعرف الإنسان الأحوال التي يكون بها الوصول إلى هذا المقصود. قال خامسا: عند تزاحم المفاسد يرتكب أخفها، فقد تركه يكمل بوله وهو محرم، لا يجوز البول في المسجد، لكن النبي عليه الصلاة والسلام تركه يبول ونهى الصحابة أن يمنعوه، وهذه مفسدة، وهذا فعل محرم. لماذا؟ لأجل أن لا يقع ما هو أشد حرم منه وأشد مفسد منه، وهو أولا انتشار النجاسة في مكان أكثر، وثانيا تضرر هذا الرجل، وثالثا كراهيته لهذا المكان وأهله، ورابعا عدم قبول النصح، وخامسا ما قد يقع بينه وبينهم لو حصل العناد والكبر واشتط كل طرف بما يريد. فلأجل دفع ذلك كله وغيره، فإن النبي صلى الله عليه وسلم تركه يبول. وهذا فيه دليل لقاعدة ارتكاب أخف المفسدتين لدفع أشدها ضررا. وهذه مسألة مهمة يحتاجها المسلم وطالب العلم على وجه الخصوص في حياته الدعوية، بل وحياته اليومية، حتى في تربيته لأولاده. أنت ربما يكون عندك ولد بلغ سن الأمر بالصلاة والذهاب إلى صلاة الجماعة، فترك تعليمه في ذلك مفسدة، لكن إذا اعترضه شيء أشد منه مفسدة، كأن تكون مثلا إذا سافرت ولم يذهب معك إلى المسجد، ذهب وحده، حصل بهذا مفسدة له من مخالطة الأشرار أو الاعتداء عليه أو غير ذلك. فهنا قد تغلب أن يصلي في البيت ولا يذهب إلى المسجد، دفعا لمفسدة أكبر منها. أو كذلك أنت تحب أن تعلم ولدك أن يصلي في الصف، فهو بلغ سن التعليم الذي يصلح معه أن يقف في صف المسلمين في الصلاة، لكن لكون الولد ليس بذاك الرجحان أو خشية أن يحصل ما لا تحسن عقباه في دخوله وخروجه، ربما تؤثر أن يصلي منفردا أمامك، حتى لا تحصل مفسدة أكبر. فأنت فعلت الأخف لدفع الأشد. وهكذا كذلك في أشياء أخرى، في معاملتك لزوجتك، في معاملتك كذلك لوالديك، وغير ذلك. قد تبتلى بابن يشرب الدخان، وأنت تنفق عليه، وأنت بين أمرين: إما أن تقطع منه النفقة، فيحصل المقصود من عدم إعانته على شرب الدخان، لكنك قد توقع هذا الأب الذي هو ضعيف التدين فيما هو أشد فسادا مما علمته من خلقه، إذ قد يأخذ المال بغير حله، يعني يسرق، سواء منك أو من غيرك. فإذا استيقنت مثل ذلك، لا شك أن إعطائه المال مع استمرارك في نصيحته أخف مفسدة من منع المال منه، على أن ينتقل إلى ما هو أشد منه مفسدة. وهكذا قل في نظائر كثيرة تمر بالمسلم وطالب العلم في يومياته وحياته الدعوية. قال رحمه الله تعالى سادسا: أن البعد عن الناس والمدن يسبب الجفاء والجهل. ولهذا نهى الناس عن الركون إلى أهل البادية، لما في ذلك من ما سمعنا. قال سابعا: الرفق بتعليم الجاهل، وهذا من الأمور المهمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهكذا كذلك في بث العلم. طيب في شيء في هذا نكتب بهذا والله تعالى أعلم.