الدرس في تعليق - الرد على الأخنائي 12، الدرس الثاني عشر : من :( الوجه الثاني:من الجواب أن قول القائل إن الناهي عن السفر ... زيادة على قبور الأربعة فم تغن عنهم من الله شيئاً). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ ابن باز رحمه الله أن الزيارة المشروعة للقبور للدعاء للميت والصلاة عليه، وليست للخضوع والتذلل للمزور. ويوضح أن تخصيص قبر النبي بصلاة أو دعاء قد يفوت مصلحة تعظيم النبي في جميع البقاع.
يناقش المقطع خطر الغلو في تعظيم قبور الأنبياء والصالحين، ويحذر من الشرك والانحراف عن العبادة الصحيحة. يشرح كيف أن بعض الناس يبالغون في تعظيم القبور ويعتقدون أنها تمنح البركة وتدفع البلاء.
يشرح النص أن وجود قبور الأنبياء والصالحين لا يمنع البلاء، وأن العذاب يأتي بسبب الذنوب والمعاصي. يشدد على أهمية طاعة الله ورسله في دفع البلاء، مستشهدا بآيات قرآنية وأحاديث نبوية وقصص تاريخية.
يناقش المقطع فكرة وجود قبر خفير لدفع البلاء، مستشهدا بأحداث تاريخية مثل ما حدث في بغداد والعراق من قتل وتسلط التتار. يرى المؤلف أن هذه الأحداث تثبت عدم صحة الفكرة القائلة بوجود خفراء يحفظون ويدفعون البلاء.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام رحمه الله في ردي عام الأثناء: قال الوجه الثاني من الجواب: أن قول القائل: إن الناهي عن السفر لزيارة القبور، قبور الأنبياء وغيرهم، قد جاهر الأنبياء بالعداوة وأظهر لهم العناد، إنما يتوجه إذا كانت زيارة القبور التي جاءت بها الشريعة هي من باب خضوع الزائر المزور وذله وتواضعه له واستسلامه وانقياده لعظمة قدر المزور وجاهه عند الله وقربه إليه. فإذا كان المقصود بالزيارة مثل هذا، كان النهي عن ذلك تنقيصا لهم وغضا من أقدارهم، كالذي يزور معظما في الدين أو الدنيا زيارة فاضع له متواضع له متبرك به، فإذا قيل له: هذا لا ينبغي زيارته، أمكن أن يقال: هذا تنقص لقدره وخفض من منزلته. والزيارة التي جاءت بها الشريعة وذكرها الأئمة من قول النبي ﷺ وفعله، ليست من هذا النوع، بل مقصودها الدعاء للميت والصلاة على جنازته. وقد يكون الزائر فيها أعظم قدرا من المزور، كما كان النبي ﷺ أعظم قدرا من كل من زار قبره كأهل البقيع وشهداء أحد وأمه. وقد يكون الزائر دون المزور، كما في صحيح مسلم عن بريدة قال: كان النبي ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر، فكان قائلهم يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية. وفي حديث عائشة بالصحيح: ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين. وفي حديث آخر: اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم. فالدعاء الذي أمر به بعد السلام من جنس الدعاء في صلاة الجنازة. وفي صلاة الجنازة قد يكون المصلي أفضل من الميت، كما كان النبي ﷺ أفضل من الذين صلى عليهم، وكذلك السابقون من أصحابه أفضل ممن صلوا عليهم من غيرهم. وقد يكون المصلي والمصلى عليه أفضل، كالنبي ﷺ لما مات وصلى عليه المسلمون أفذاذا، وهو أفضل من كل من صلى عليه. وكذلك أبو بكر وعمر صلى عليهم المسلمون، وهما أفضل ممن صلى عليهما. وأما الرسول ﷺ فقبره أجل وأعظم من أن يزار كما تزار قبور سائر المؤمنين. فإن أولئك إذا حصل الزائر عند قبورهم وشاهد القبر، فإنه يحصل له من الرغبة في الدعاء للميت والترحم عليه والمحبة والمودة ما قد يكون أعظم مما لو كان غائبا. ولهذا شرعت الصلاة على قبره، واختلف العلماء هل تشرع على القبر مطلقا على قولين في مذهب الشافعي وأحمد، مع اتفاقهم على أنه لا يصلى على قبر النبي ﷺ. وذلك لعظم قدره وحقه، لا لنقص في ذلك. فإن الناس مأمورون أن يحبوه ويعظموه ويذكروه ويذكروا ما من الله به عليه وما من به عليهم بسببه، ويصلوا عليه ويسلموا عليه في كل مكان، وأن لا يفعلوا ذلك عند قبره أعظم مما يفعلونه في سائر البقاع. فإنه يفضي إلى نقص ذلك في سائر البقاع إذا خص قبره بما لا يوجد عند غيره. ومعلوم أنه لا يمكن أن يكون أحد عند قبره في كل وقت، ولو كان مما يوصل إليه، فكيف إذا كان محجوبا؟ فتخصيص قبره بصلاة عليه أو سلام أو دعاء أو ثناء يقتضي هضم ذلك ونقصه في سائر البقاع، فينقص إيمانهم به وتوسلهم بالإيمان به، ويفوتهم حظ عظيم من كرامة الله لهم بقيامهم بحبته. مع أن ذلك ذريعة إلى الشر، فكان في تخصيص قبره بما يخص به قبر غيره مفسدة وفوات مصلحة. ولهذا جاءت سنته بأن لا يزار قبره كما تزار القبور، لعظم قدره وحقه كما بينا. وأما من زار قبره أو قبر غيره ليشرك به ويدعوه من دون الله، فهذا حرام كله، وهو مع كونه شركا بالله فهو ترك لما يجب من حقه ﷺ وطلب منه ما ليس إليه بل إلى الله. وأين من يطيعه ويعينه على ما أمر الله به ويقوم بما يجب عليه من حقه ممن يقصر في حقه وطاعته وإعانته، ويقصر في عبادة الله وتوحيده ودعائه، ويكلف المخلوق بما لا يقدر عليه إلا الخالق سبحانه وتعالى، فيؤذيه بذلك ويؤذي الله بالشرك به. وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله، يجعلون له ندا وشريكا، وهو يعافيهم ويرزقهم». وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، فهذا حقه ﷺ. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ الآية. وهذا من المؤلف رحمه الله كذلك بيان لمعنيين آخرين يوافقان ما دلت عليه الأدلة من عدم شد الرحل لزيارة القبور وعدم تكرار الزيارة إلى قبر النبي ﷺ خاصة. وقد مرت معاني دلت عليها عمومات الشرع تؤيد الأدلة الواردة في الباب وترجح قول المتقدمين من أهل العلم، ومما كان عليه سلف الأمة، وتبين خطأ قول المتأخرين والمتأخرين الذين قالوا بالجواز لا بالاستحباب. وضاف هنا إلى معنيين آخرين: المعنى الأول أن المقصود من الزيارة في الشرع ليس هو ما يظنه من يشد الرحل إلى زيارة قبر النبي ﷺ، بل المقصود هو الدعاء لأهل القبور وإلا فأهل القبور لا ينفعون ولا ينتفع منهم بشيء بالنسبة للأحياء. ولهذا علم النبي ﷺ الدعاء لهم، كما أشار الحديث بريدة وعائشة بالصحيح، والحديث الآخر وهو ضعيف لكن معنى صحيح. وأشار الشيخ الألباني رحمه الله إلى ضعفه، وأن الشريك اضطرب في سنده. وهو: «اللهم لا تحرمنا أجره». ثم أشار إلى معنى ثاني وهو يؤكد ترجيح هذا القول الذي أنكره هذا المعترض. وهذا المعنى هو أن الناس فضلا عن الشرع، فضلا عن الله ورسوله ﷺ، قد يعظمون تعظيما لا يرتضيه المعظم، بل هو نقص في حقه وتقصير في و، بما يكون من الغلو، وما يكون كذلك من الذريعة لفتح أبواب شر. ومن ذلك فيما يتعلق بالشرع: الشرك، مع ما يفوت من مصالح أخرى. فالقلب لا يلتفت إلى غلو إلا وينصرف عن عبادة وطاعة، وينفتح عليه باب شر من الشرك الأصغر أو الأكبر. وأشار إلى حديث أبي موسى في الصحيحين: «ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله، يجعلون له ندا وشريكا، هو يعافيهم ويرزقهم». يعني: مع أن المقصود والمطلوب هو عبادة الله، فهؤلاء الذين يشدون الرحل إلى زيارة القبور، هل فعلوا ما هو مقتضاه عبادة الله؟ الجواب: لا، بل كلهم همه وقلبه ملتفت إلى النبي ﷺ. فانصرفوا عن عبادة الله التي ينبغي ويجب أن تكون خالصة لله، بجوارحهم وقلوبهم، فصارت قلوبهم ملتفتة وجوارحهم متوجهة إلى غير ما أمروا به شرعا. قالوا: أهل البدع والجاهل يفعلون ما هو من جنس الأذى لله ورسوله، ويدعون ما أمر الله به من حقوقه، وهم يظنون أنهم يعظمون، كما تفعل النصارى بالمسيح، فيضلهم الشيطان كما أضل النصارى، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. والذين يزورون قبور الأنبياء والصالحين ويحجون إليها ليدعوهم ويسألوهم أو ليعبدوهم ويدعوهم من دون الله، هم مشركون. وهم إذا قالوا: نحن نحبهم، فهم إن كانوا صادقين، هم يحبونهم مع الله، لا يحبونهم لله، كمحبة أهل الشرك للأنداد. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾. والحب لله أن يكون الله هو المحبوب لذاته، ويحب أنبياءه لأنه يحبهم. وعلامة محبتهم متابعتهم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. فمن اتبع الرسول فهو الذي يحبه الله. وأما من قال: إنه يحبه وإن غلا فيه وأشرك به، إذا لم يتبعوا، فإن الله لا يحبه، بل إذا قال: فهو أبغضه بحسب ذلك. ولكل درجات مما عملوا، وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون. وما ربك بظلام للعبيد. فالزيارة للقبور التي شرعها الرسول هي من جنس الصلاة على الجنائز، سواء كانت داعيا طائعا أو مفضولا، فليس المقصود بها القعود للميت والتواضع له، كما يقصد بتصديق الأنبياء وطاعتهم. ولا شرعة لكون المزور ذا جاه عند الله ومنزلة، بل هي مشروعة في حق كل مؤمن، وجائز أيضا زيارة قبر الكافر لتذكر الموت. ولكن شاع لفظ الزيارة في المعنى الأول عند كثير من المتأخرين، ولم يكن هذا معروفا في السلف. وما صاروا يفهمون من إطلاق اللفظ بزيارة قبور الأنبياء والصالحين إلا أنها زيارة لقبورهم لعظم قدرهم وجاههم وعلو منزلتهم عند الله، كما تزور النصارى قبور من يعظمونه، وكما يتوجهون إلى صورته المصورة ويتشفعون به. ومن هؤلاء من يظن أن القبر إذا كان في مدينة أو قرية فإنهم ببركته يرزقون وينصرون، وأنه يندفع عنهم الأعداء والبلاء بسببه. ويقولون عن من يعظمونه: إنه خفير البلد الفلاني، كما يقولون: السيد نفيسة خفيرة مصر القاهرة، وفلان وفلان خفراء دمشق أو غيرها، وفلان خفير حران أو غيرها، وفلان وفلان خفراء بغداد أو غيرها. ويظنون أن البلاء يندفع عن هذه المدائن والقرى بمن عندهم من قبور الصالحين أو الأنبياء. ثم قد يكون في البلد من قبور الصحابة والتابعين من هو أفضل من ذلك الذي جعلوه خفيرا. كما أن فيهم من الصحابة والتابعين وغيرهم من هو أفضل من نفيسة بكثير، وبدمشق من الصحابة والتابعين من هو أفضل من بعض من يجعلونه خفيرا أو يقصدون الدعاء عند قبره، كرابعة في باب الصغير، وكرسلان التركماني وغيرهم. وقد نزل عدو كافر بالبلد، فتمثل له الشيطان بصورة ذلك الخفير، وأنه يضربه بعكازة أو غيره، ويقول: ارحل من عندي، فيرحل ذلك الملك الكافر لما رآه، فيظن أولئك أن نفس الشيخ الميت أو سره أتاه فدفع عنه. وفي المدفونين بالبلد من هو أفضل من ذلك بكثير. وهذا مما لم يكن معروفا على عهد الصحابة والتابعين، ولكن حدث بعدهم. ومن أقدم ما رؤي في ذلك ما ذكره أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت عبد الله بن موسى الطلحي يقول: سمعت أحمد بن العباس يقول: خرجت من بغداد هاربا منها، فاستقبلني رجل عليه أثر العبادة، فقال لي: من أين خرجت؟ قلت: من بغداد، وهربت منها لما رأيت فيها من الفساد، فخفت أن يقصف بأهلها. فقال: ارجع ولا تقف، فإن فيها قبور أربعة من أولياء الله هم حصن لها من جميع البلايا. قلت: من هم؟ قال: الإمام أحمد بن حنبل، ومعروف الكرخي، وبشر بن الحارث الحافي، ومنصور بن عمار الواعظ. قال: فرجعت ولم أخرج. وهذا الشخص الذي قال هذا هو مجهول لا يعرف، وقد يكون جنيا، وقد يكون إنسيا. إن الجن كثيرا ما يتصورون في صورة الإنس، ويقول أحدهم: لن يفرد به في البرية، أنا النبي فلان أو الشيخ فلان أو الخضر. ومثل هذا كثير معروف، تطول حكاية أحدهم، فإنها لا تحصر لكثرتها. وهؤلاء قد يظنون قوله رحمه الله أولا فيما نقله من الآيات التي أشار بها إلى أن بعض العباد قد يظلم نفسه في عبادة الله عز وجل، بما يكون من غلوه، وكذلك وقوعه في شيء من ذرائع الشرك، والانصراف عن العبادة الشرعية. مع أن المقصود هو زيارة القبور للاتعاظ. وهذا تأكيد لما سبق، وبين بعد ذلك أمثلة تبين أن هذا المعنى موجود عند العامة، وأن قول من يقول: بأن شد الرحل لزيارة القبور مستحب، يعين على هذا الغلو وهذا الظلم للنفس والعبادة لغير الله. ثم مثل بهذه القبور التي يسميها بعض العامة خفير، ومعنى الخفير يعني الرقيب والحفيظ، خفير البلد الفلاني، يعني مثل العسكر خفراء، يعني حفظة يحفظون. كر سيدة نفيسة في مصر، وفلان وفلان ممن ذكر رحمه الله تعالى، مع أنه قد يوجد من هو أولى منهم، لكن لسبب أو لآخر يحصل تعظيم بعض القبور، بما يكون فيه أولا الوقوع في الشرك وذراعه ووسائله. وما يكون فيه كذلك انصراف الناس عما أمروا به من عبادة الله، وما يكون فيه كذلك بخس لحق من هو أولى منهم التعظيم. وأما ما ذكره من القصة أو الخبر الذي رواه أبو عبد الرحمن السلمي، فقد ذكر هذا الخطيب البغدادي بتاريخ بغداد، وقد أشار إلى هذه القصة ورواها بإسنادها في المجلد الأول صفحة 54. وبه تعرف شطحات الصوفية. وهذا الذي روى عنه أبو عبد الرحمن السلمي: أبو بكر الرازي، هو محمد بن عبد الله بن عبد العزيز بن شاذان الرازي الصوفي. قال عنه الذهبي: يروي عنه أبو عبد الرحمن السلمي بلايا وحكايات منكرة. وهذا إما لأن دين الصوفية جواز الكذب لمصلحة الدين، وهم ما يستبعد عنهم الكذب، يكذبون. وإما أن يكون كذلك أنهم بسبب انصرافهم عن عبادة الله يتصور لهم الشيطان فيضلهم ليضل بهم الناس، كما ذكر شيخ الإسلام التيمي رحمه الله. وهذا أحد المعاني قد أشار إلى المعنى الأول في بعض كتبه الأخرى. وهكذا معنى ثالث: أن هؤلاء في الغالب هم على طريقة ليست طريقة الأنبياء، من الغلو وتعذيب النفس، فيحصل لهم من الخيالات ما يتصورون أن أحدا يكلمهم، وليس أحد يكلمهم. هو مثل الرؤى في المنام، فالنائم إذا تعلق قلبه بشيء حصل له من أضغاث الأحلام ما يكون معه حكاية الواقع، فيظن أنها رؤية من الله، وأنها في معنى حديث النبي ﷺ: «أن الرؤية جزء من سبعين جزءا من وحي النبوة»، وليس الأمر كذلك. وإنما هي أضغاث أحلام، يعين على تهييجها الشيطان، أو تكون كذلك من الشيطان. وكثيرا ما ينخلط الخيال بالواقع عند هؤلاء الذين يعذبون أنفسهم، حتى لا يميزون بين ما يرونه في الواقع حقيقة وبين ما يرونه في المنام. فلا يفصل ولا يميز بين هذا وهذا. وهذه ثلاثة أسباب في الغالب يكون بها تفسير مثل هذه الغرائب من القصص والأخبار التي يرويها الصوفية ومن كان بمعنى هؤلاء. قالوا: هؤلاء قد يظنون أن وجود النبي ﷺ مكرما بينهم مثل وجوده في حياته. والله تعالى يقول: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾. ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. وهذا غلط عظيم. وقد روى الترمذي قال: حدثنا سفيان بن وكيع قال: حدثنا ابن نمير عن إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن عباد بن يوسف عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «أنزل الله علي أمانين لأمتي، وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون، فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار». فقد بين ﷺ أن الأمان بوجوده هو في حياته، وأنه بعد موته لم يبق إلا الاستغفار، ليس في وجود القبور أمان. وكذلك في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ أنه قال: «النجوم أمنة للسماء، أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد. وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون. وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهبت أصحابي أتى أمتي ما يوعدون». ومما يوضح الأمر في ذلك: أنه من المعلوم أن بيت المقدس وما حوله من قبور الأنبياء ما هو أكثر من غيره، فإنه قد قيل: إن بني إسرائيل بعث فيهم ألف نبي. ومع هذا فقد قال الله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾. قال: فقد بين الله أنهم إذا علوا وأفسدوا عاقبهم الله بذنوبهم، وصلت عليهم العدو الذي جاس خلال الديار ودخل المسجد وقتل فيهم من لا يحصي عدده إلا الله. ولم يخرهم أحد من قبور الأنبياء التي كانت هناك. وإنما الناس يجزون بأعمالهم، والله تعالى هو الذي يرزقهم وينصرهم، لا رازق غيره، ولا ناصر إلا هو. قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ الآيتين. فليس للعباد من دون الله لا رازق ولا ناصر. وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ الآية. فأخبر أنه لا بد لكل قرية من هلاك أو عذاب شديد بدون الهلاك، وذلك بذنوبهم بعد إرسال الرسل لهم. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. وكان أهل المدينة النبوية على عهد رسول الله ﷺ وعهد خلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، أحسن أهل المدائن حالا، ونعمة الله عليهم أعظم النعم. لكونهم كانوا مطيعين لله ورسوله، وكانت الخلفاء تسوسهم سياسة نبوية. فلما تغيروا وقتل بينهم عثمان رضي الله عنه، تغير الأمر، وحصل لهم من القول والذل، ثم أصابهم من السيف ما أصابهم. ورسول الله ﷺ مدفون بالحجرة، وهو قد بلغهم الرسالة وأدى الأمانة، ولم يضمن لهم أنه لوجود قبره أو قبر غيره من الأنبياء والصالحين يندفع البلاء. وإنما يندفع البلاء بطاعة الرسل، لا بقبورهم. فمن أطاعهم كان سعيدا في الدنيا والآخرة، ومن عصاهم استحق ما يستحقه أمثاله، وإن كان عنده ما شاء الله من قبورهم. وكانت حفص أم المؤمنين تتأول فيهم قوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ الآية، كما رواه من أبي حاتم وغيره من حديث ابن وهب قال: حدثنا ابن شريح عن عبد الكريم الحارثي سمعه يحدث عن مشرح النهشلي عن سليم بن عتر قال: صحبت حفصة زوج النبي ﷺ وهي خارجة من مكة إلى المدينة، فأخبرت أن عثمان قد قتل، فرجعت حفصة، فقالت: ارجعوا بي عن المدينة، فوالذي نفسي بيده، إنها للقرية التي قال الله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ الآية. ولم ترد حفصة رضي الله عنها أن الآية خصت المدينة بالذكر، بل هذا مثل ضربه الله لمن كان كذلك. وكان أهل مكة لما كانوا كفارا كذلك، فأصابهم ما أصابهم. فلما قتل عثمان علمت حفصة أنه سيصيب أهل المدينة من البلاء ما يناسب حالهم، بعدما كانوا فيهم الأمن والطمأنينة، وأجياد رزقهم رغدا من كل مكان، فذكرت ذلك على سبيل التنفير بالمدينة، لا على سبيل الحصر فيها. وأهل بغداد أصابهم ما أصابهم من السيف العام، وعندهم قبور ألوف من أولياء الله زيادة على قبور الأربعة، فلم تغن عنهم من الله شيئا. وهذا كذلك تأكيد منه رحمه الله تعالى بأن دفع بلاء لا يكون بالقبور، وأن فتوى المعترض تعين على فتح باب الشرك والانصراف عن عبادة الله سبحانه، على خلاف المقاصد الشرعية التي جاءت بسد هذه الوسائل المفضية إلى الشرك. ومنها الفتوى بمنع شد الرحل إلى زيارة القبور، قبور الأنبياء، القبور عموما، وقبور الأنبياء خصوصا، لأنها هي المقصودة. وبمعناها قبور الصالحين، بشد الرحل، هذا هو الغالب. ولو كان في معنى هذه الزيارة التي يشد فيها الرحال أو الرحل، زيارة بعض من ليس من قد يفتتن به، لكن كما علم من القاعدة الشرعية: درء المفاسد أولى من جلب المصالح. وأراد بهذه الأمثلة التي ذكرها رحمه الله أن يبين أن دفع البلاء لا يكون بالقبور، وإنما بالاستمساك بدين الله عز وجل. ووجود العلماء كما أشار بحديث أبي موسى بصحيح مسلم: «أنا أمنة لأصحابي». فأمان لما يكون من تعليمهم وتوجيههم وطاعتهم له. وهكذا الصحابة أمان لأمته، بما يكون من تعليمهم وتوجيههم ونصحهم لهم. فإذا هلك الصحابة أتى الأمة ما يوعدون، لم تكن القبور أبدا سبب لدفع البلاء. وبين كما قلنا بعض الأمثلة، منها قصة حفصة، وأنها قالت فيما وقع عند قتل عثمان: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾. إنها فإنها كما قال، لم تقصد أن الآية نزلت في المدينة، ولكن تقصد أنه متى ما وقعت هذه البلية، وأن الناس كفروا بأنعم الله، جاءهم من العذاب ما هو عدل من الله سبحانه وتعالى، بسبب الذنوب والمعاصي. ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. وهذا الأثر بهذا الإسناد فيه ضعف، فالمعافري الذي هو مشرح بن علهان مقبول، كما قال الحافظ، لكن حسنه بعضهم لوجود أسانيد أخرى، فهو محتمل للتحسين. وكذلك ما ذكره رحمه الله بعد ذلك من أن ما وقع من القتل في بغداد وفي العراق عموما، يؤكد أنه ليس قبر أحد خفير لدفع البلاء، بل وقعت من البلايا في زمن المؤلف رحمه الله من تسلط التتار وقتل فيها من قتل، كما قيل: قتل قرابة ألف ألف نفس، يعني مليون. فأين هؤلاء الخفراء هؤلاء في العراق؟ أين هؤلاء الخفراء الذين يحفظون ويدفعون البلاء؟ فما يذكره هؤلاء ليس بصحيح.