تعليق - الرد على الأخنائي 27

تعليق - الرد على الأخنائي 27

الدرس في تعليق - الرد على الأخنائي 27، الدرس السابع والعشرون : من : (قال المعترض وتضافرت النقول عن الصحابة والتابعين ... وقال قل لله الشفاعة جميعاً وبسط هذا له موضع آخر ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الصلاة على النبي ورد السلام عليه بعد الموت

يناقش المقطع الصلاة على النبي ورد السلام عليه بعد الموت، ويوضح أن الصلاة عليه تبلغه حيثما كان. كما يشير إلى أن السلام عليه عند قبره يرد عليه كما يرد على سائر المؤمنين.

الرد على الأحاديث الضعيفة حول سماع النبي للصلاة والسلام

يتناول المقطع الرد على الأحاديث الضعيفة التي يستدل بها المعترض حول سماع النبي للصلاة والسلام من البعيد، ويبين ضعف هذه الأحاديث لوجود رواة متروكين فيها.

حقيقة سماع النبي للصلاة عليه والسلام

يشرح المقطع حقيقة سماع النبي للصلاة عليه والسلام، ويبين أن الأحاديث الثابتة تشير إلى أن الصلاة عليه تبلغه وتعرض عليه، وليس هناك دليل على أنه يسمع صوت المصلي بنفسه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال الشيخ الإسلام رحمه الله في رده عن أخطاء خصلة: قال المعترض: وتظافرت النقول عن الصحابة والتابعين، وعن سادة العلماء المجتهدين، بالحث على ذلك والندب إليه، والغبطة لمن سارع لذلك وداوم عليه، حتى نحى بعضهم في ذلك إلى الوجوب، ورفعه عن درجة المباح والمندوب. ولم يزل الناس مطبقين على ذلك عملا وقولا، لا يشكون في ندبه ولا يبغون عنه حولا. وفي مسند ابن أبي شيبة: «من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائيا سمعته». هكذا في النسخة التي أُحضرت إلي مكتوبا عن المعترض، وقد صححها علي. قوله: «سمعته» غلط، فإن لفظ الحديث: «من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائيا بلغته» أو «بلغته». هكذا ذكره الناس، وهكذا ذكره القاضي عياض عن ابن أبي شيبة. وهذا المعترض عمدته في مثل هذا الكتاب القاضي عياض. وهذا الحديث قد رواه البيهقي وغيره من حديث العلاء بن عمر الحنفي، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى علي عند قبري...». وهذا البيهقي، وأبو عبد الرحمن هذا هو محمد بن مروان السدي -فيما أرى- وفيه نظر. وقد مضى ما يؤكده: قوله وتبليغ صلاة أمته وسلامه عليهم، كما في الأحاديث المعروفة، مثل الحديث الذي في سنن أبي داود وغيره، عن حسين الجعفي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن أبي الأشعث الصنعاني عن أوس بن أبي أوس الثقفي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي». قال: «وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟» -يقول: بليت- قال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء». وهذا الحديث رواه أبو داود والنسائي، ورواه أبو حاتم. قال البيهقي: وله شواهد. وروى حديثين عن ابن مسعود وأبي أمامة. وله شواهد أجود مما ذكرها البيهقي، منها ما رواه ابن ماجة، قال: حدثنا عمر بن سواد البصري، قال: حدثنا عبد الله بن نواب عن عمر بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أيمن عن عبادة بن نسي الكندي عن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة، وإن أحدا لم يصل علي إلا عرضت علي صلاته حتى يفرغ منها». قال: «قلت: وبعد الموت؟» قال: «وبعد الموت، إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء». وراه أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تهذيب الآثار من حديث سعيد بن أبي هلال كما تقدم. ومنها ما رواه أبو داود وغيره عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تتخذوا قبري عيدا، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم». وهذا له شواهد ومراسيل من وجوه مختلفة يصدق بعضها بعضا. منها ما رواه سعيد بن منصور في سننه، قال: حدثنا حبان بن علي، قال: حدثنا محمد بن عجلان عن أبي سعيد مولى المهري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذوا بيتي عيدا، ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي حيث ما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني». وقال سعيد: حدثنا عبد العزيز بن محمد، قال: أخبرني سهيل بن أبي سهيل، قال: رأى الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر، فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى، فقال: «هل أم إلى العشاء؟» قلت: «لا أريده». فقال: «مالي رأيتك عند القبر؟» قلت: «سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم». فقال: «إذا دخلت المسجد فسلم عليه...» ثم قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تتخذوا بيتي عيدا، ولا بيوتكم مقابر -يعني: مثل اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد- وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم، ما أنتم ومن بالأندلس منه إلا سواء». وراه إسماعيل بن إسحاق القاضي في كتاب فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ولفظه: قال: «مالي رأيتك وقفت؟» قلت: «وقفت أسلم على النبي صلى الله عليه وسلم». فقال: «إذا دخلت المسجد فسلم...» وذكر الحديث، ولم يذكر قول الحسن. وقال إسماعيل: حدثنا إبراهيم بن الحجاج عن أيوب السختياني، قال: «بلغني -والله أعلم- أن ملكا موكل بكل من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم حتى يبلغه». وأما السلام في النفس وغيره، فمن حديث سفيان الثوري عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام». وفي الحديث الذي تقدم من رواية أبي يعلى الموصلي -وقد تقدم إسناده- عن علي بن الحسين أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها، فنهاه، وقال: «ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تتخذوا بيتي عيدا، ولا بيوتكم قبورا، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم». فهذه الأحاديث معروفة عند أهل العلم التي جاءت من وجوه حسان يصدق بعضها بعضا، وهي متفقة على أنه من صلى عليه وسلم عليه من أمته، فإن ذلك يبلغه ويعرض عليه. وليس في شيء منها أنه يسمع صوت المصلي والمسلم بنفسه، إنما فيه أن ذلك يعرض عليه ويبلغه صلى الله عليه وسلم في مدينته ومسجده أو مكان آخر. فعلم أن ما أمر الله به من ذلك فإنه يبلغه. وأما من سلم عليه عند قبره، فإن يرد عليه ذلك كالسلام على سائر المؤمنين، ليس هو من خصائصه، ولا هو السلام المأمور به الذي يسلم الله على صاحبه عشرا كما يصلي على من صلى عليه عشرا، فإن هذا هو الذي أمر الله به في القرآن، وهو لا يختص بمكان دون مكان. وقد تقدم حديث أبي هريرة أن يرد السلام على من سلم عليه، والمراد عند قبره. ذاكر النزاع في معنى كونه عند القبر: هل المراد به في بيته كما يراد مثل ذلك في سائر ما أخبر به من سماع الموتى؟ إنما هو لمن كان عند قبورهم قريبا منها، أو يراد به من كان في المسجد أيضا قريبا من الحجرة كما قاله طائفة من السلف والخلف؟ وهل يستحب ذلك عند الحجرة لمن قدم من سفر أو لمن أراده من أهل المدينة أو لا يستحب بحال؟ وليس الاعتماد في سماعه ما يبلغه من صلاة أمته وسلامهم إلا على هذه الأحاديث الثابتة. فأما ذاك الحديث، وإن كان معناه صحيحا، فإسناده لا يعتد به. وإنما يثبت معناه بأحاديث أخرى، فإنه لا يعرف إلا من حديث محمد بن مروان السدي الصغير، وعن الأعمش كما ظنه البيهقي. وما ظنه في هذا هو متفق عليه عند أهل المعرفة بالحديث، وهو عندهم موضوع على الأعمش. قال عباس الدوري عن يحيى بن معين عن محمد بن مروان: «ليس بثقة». وقال البخاري: «السكت عنه لا يكتب حديثه البتة». وقال الجوزجاني: «ذاهب الحديث». وقال النسائي: «متروك الحديث». وقال صالح جزرة: «كان يضع الحديث». وقال أبو حاتم الرازي والأزدي: «متروك الحديث». وقال الدارقطني: «ضعيف». وقال ابن حبان: «لا يحل كسب حديثه إلا اعتبارا، ولا للاحتجاج به بحال». وقال ابن عدي: «عامة ما يرويه غير محفوظ، والضعف على روايته بين». فهذا الكلام على ما ذكره من الحديث، مع أنه قد بينا صحة معناه بأحاديث أخرى. وهو لو كان صحيحا، فإنما فيه أنه يبلغ صلاة من صلى عليه نائيا، ليس فيه أنه يسمع ذلك كما وجدته منقولا عن هذا المعترض، فإن هذا لم يقله أحد من أهل العلم، ولا يعرف في شيء من الحديث. وإنما يقوله بعض المتأخرين الجهال، يقولون: إنه ليلة الجمعة ويوم الجمعة يسمع بأذنيه صلاة من يصلي عليه. فالقول إنه يسمع ذلك من نفس المصلي باطل. وإنما في الأحاديث المعروفة أنه يبلغ ذلك ويعرض عليه، وكذلك السلام تبلغه إياه الملائكة. وقول القائل: إنه يسمع الصلاة من البعيد ممتنع، فإنه إن أراد وصول صوت المصلي إليه فهذه مكابرة، وإن أراد أنه يكون بحيث يسمع أصوات الخلائق من بعيد، فليس هذا إلا لله رب العالمين الذي يسمع أصوات العباد كلهم. قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾، وقال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ الآية. وليس أحد من البشر، بل ولا من الملائكة يسمع أصوات العباد كلهم. من قال هذا في بشر فقوله من جنس قول النصارى الذين يقولون إن المسيح هو الله، وأنه يعلم ما يفعله العباد ويسمع أصواتهم ويجيب دعاءهم. قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿اللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. فلا المسيح ولا غيره من البشر، ولا أحد من الخلق يملك لأحد من الخلق لا ضر ولا نفع، بل ولا لنفسه، وإن كان أفضل الخلائق. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾، وقال: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾، وقال: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ الآية. وقول: «إلا ما شاء الله» فيه قولان: قيل: هو استثناء متصل، وأنه يملك من ذلك ما ملكه الله. وقيل: هو منقطع، والمخلوق لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا بحال، فقوله: «إلا ما شاء الله» استثناء منقطع، أي: لكن يكون من ذلك ما شاء الله. تقول الخليل عليه السلام: ﴿وَلَا أُقِيمُ مَا تَشْرِكُونَ﴾ ثم قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ أي: لا أقدر أن تفعلوا شيئا، لكن إن شاء ربي شيئا كان، وإلا لم يكن، وإلا فأنتم لا تفعلون شيئا. وكذلك قوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ ثم قال: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ فيه قولان، أصحهما أنه استثناء منقطع، أي: لكن من شهد بالحق تنفعه الشفاعة وتنفع شفاعته، لقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، وقال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾. وبسط هذا له موضع آخر. وهذا الباب من المؤلف رحمه الله تعالى كذلك في الرد على هذا الحديث الذي استدل به المعترض، وهو حديث ضعيف كما أشار إليه. فيه أولا: السدي الصغير محمد بن مروان أبو عبد الرحمن، وهو متروك عند أهل الحديث. وفيه كذلك العلاء بن عمر الحنفي، وهو كذلك متروك، كما قال ابن حبان: «لا يجوز الاحتجاج به بحال». وأشار الذهبي في الميزان: لأنه متروك، ثم غمز بقوله رحمه الله. وهذا المعترض عمدته في مثل هذا الكتاب القاضي عياض، يعني: أن المعترض اعتمد في أكثر ما يستدل به من أحاديث عما ذكره القاضي عياض في كتابه الشفا. والشفا للقاضي عياض فيه منح صوفي، واستدلال بأحاديث: «من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائيا سمعته». هكذا في النسخة التي أُحضرت إلي مكتوبا عن المعترض، وقد صححها علي. قوله: «سمعته» غلط، فإن لفظ الحديث: «من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائيا بلغته» أو «بلغته». هكذا ذكره الناس، وهكذا ذكره القاضي عياض عن ابن أبي شيبة. وهذا المعترض عمدته في مثل هذا الكتاب القاضي عياض. وهذا الحديث قد رواه البيهقي وغيره من حديث العلاء بن عمر الحنفي، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى علي عند قبري...». وهذا البيهقي، وأبو عبد الرحمن هذا هو محمد بن مروان السدي -فيما أرى- وفيه نظر. وقد مضى ما يؤكده: قوله وتبليغ صلاة أمته وسلامه عليهم، كما في الأحاديث المعروفة، مثل الحديث الذي في سنن أبي داود وغيره، عن حسين الجعفي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن أبي الأشعث الصنعاني عن أوس بن أبي أوس الثقفي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي». قال: «وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟» -يقول: بليت- قال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء». وهذا الحديث رواه أبو داود والنسائي، ورواه أبو حاتم. قال البيهقي: وله شواهد. وروى حديثين عن ابن مسعود وأبي أمامة. وله شواهد أجود مما ذكرها البيهقي، منها ما رواه ابن ماجة، قال: حدثنا عمر بن سواد البصري، قال: حدثنا عبد الله بن نواب عن عمر بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أيمن عن عبادة بن نسي الكندي عن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة، وإن أحدا لم يصل علي إلا عرضت علي صلاته حتى يفرغ منها». قال: «قلت: وبعد الموت؟» قال: «وبعد الموت، إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء». وراه أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تهذيب الآثار من حديث سعيد بن أبي هلال كما تقدم. ومنها ما رواه أبو داود وغيره عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تتخذوا قبري عيدا، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم». وهذا له شواهد ومراسيل من وجوه مختلفة يصدق بعضها بعضا. منها ما رواه سعيد بن منصور في سننه، قال: حدثنا حبان بن علي، قال: حدثنا محمد بن عجلان عن أبي سعيد مولى المهري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذوا بيتي عيدا، ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي حيث ما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني». وقال سعيد: حدثنا عبد العزيز بن محمد، قال: أخبرني سهيل بن أبي سهيل، قال: رأى الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر، فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى، فقال: «هل أم إلى العشاء؟» قلت: «لا أريده». فقال: «مالي رأيتك عند القبر؟» قلت: «سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم». فقال: «إذا دخلت المسجد فسلم عليه...» ثم قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تتخذوا بيتي عيدا، ولا بيوتكم مقابر -يعني: مثل اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد- وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم، ما أنتم ومن بالأندلس منه إلا سواء». وراه إسماعيل بن إسحاق القاضي في كتاب فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ولفظه: قال: «مالي رأيتك وقفت؟» قلت: «وقفت أسلم على النبي صلى الله عليه وسلم». فقال: «إذا دخلت المسجد فسلم...» وذكر الحديث، ولم يذكر قول الحسن. وقال إسماعيل: حدثنا إبراهيم بن الحجاج عن أيوب السختياني، قال: «بلغني -والله أعلم- أن ملكا موكل بكل من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم حتى يبلغه». وأما السلام في النفس وغيره، فمن حديث سفيان الثوري عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام». وفي الحديث الذي تقدم من رواية أبي يعلى الموصلي -وقد تقدم إسناده- عن علي بن الحسين أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها، فنهاه، وقال: «ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تتخذوا بيتي عيدا، ولا بيوتكم قبورا، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم». فهذه الأحاديث معروفة عند أهل العلم التي جاءت من وجوه حسان يصدق بعضها بعضا، وهي متفقة على أنه من صلى عليه وسلم عليه من أمته، فإن ذلك يبلغه ويعرض عليه. وليس في شيء منها أنه يسمع صوت المصلي والمسلم بنفسه، إنما فيه أن ذلك يعرض عليه ويبلغه صلى الله عليه وسلم في مدينته ومسجده أو مكان آخر. فعلم أن ما أمر الله به من ذلك فإنه يبلغه. وأما من سلم عليه عند قبره، فإن يرد عليه ذلك كالسلام على سائر المؤمنين، ليس هو من خصائصه، ولا هو السلام المأمور به الذي يسلم الله على صاحبه عشرا كما يصلي على من صلى عليه عشرا، فإن هذا هو الذي أمر الله به في القرآن، وهو لا يختص بمكان دون مكان. وقد تقدم حديث أبي هريرة أن يرد السلام على من سلم عليه، والمراد عند قبره. ذاكر النزاع في معنى كونه عند القبر: هل المراد به في بيته كما يراد مثل ذلك في سائر ما أخبر به من سماع الموتى؟ إنما هو لمن كان عند قبورهم قريبا منها، أو يراد به من كان في المسجد أيضا قريبا من الحجرة كما قاله طائفة من السلف والخلف؟ وهل يستحب ذلك عند الحجرة لمن قدم من سفر أو لمن أراده من أهل المدينة أو لا يستحب بحال؟ وليس الاعتماد في سماعه ما يبلغه من صلاة أمته وسلامهم إلا على هذه الأحاديث الثابتة. فأما ذاك الحديث، وإن كان معناه صحيحا، فإسناده لا يعتد به. وإنما يثبت معناه بأحاديث أخرى، فإنه لا يعرف إلا من حديث محمد بن مروان السدي الصغير، وعن الأعمش كما ظنه البيهقي. وما ظنه في هذا هو متفق عليه عند أهل المعرفة بالحديث، وهو عندهم موضوع على الأعمش. قال عباس الدوري عن يحيى بن معين عن محمد بن مروان: «ليس بثقة». وقال البخاري: «السكت عنه لا يكتب حديثه البتة». وقال الجوزجاني: «ذاهب الحديث». وقال النسائي: «متروك الحديث». وقال صالح جزرة: «كان يضع الحديث». وقال أبو حاتم الرازي والأزدي: «متروك الحديث». وقال الدارقطني: «ضعيف». وقال ابن حبان: «لا يحل كسب حديثه إلا اعتبارا، ولا للاحتجاج به بحال». وقال ابن عدي: «عامة ما يرويه غير محفوظ، والضعف على روايته بين». فهذا الكلام على ما ذكره من الحديث، مع أنه قد بينا صحة معناه بأحاديث أخرى. وهو لو كان صحيحا، فإنما فيه أنه يبلغ صلاة من صلى عليه نائيا، ليس فيه أنه يسمع ذلك كما وجدته منقولا عن هذا المعترض، فإن هذا لم يقله أحد من أهل العلم، ولا يعرف في شيء من الحديث. وإنما يقوله بعض المتأخرين الجهال، يقولون: إنه ليلة الجمعة ويوم الجمعة يسمع بأذنيه صلاة من يصلي عليه. فالقول إنه يسمع ذلك من نفس المصلي باطل. وإنما في الأحاديث المعروفة أنه يبلغ ذلك ويعرض عليه، وكذلك السلام تبلغه إياه الملائكة. وقول القائل: إنه يسمع الصلاة من البعيد ممتنع، فإنه إن أراد وصول صوت المصلي إليه فهذه مكابرة، وإن أراد أنه يكون بحيث يسمع أصوات الخلائق من بعيد، فليس هذا إلا لله رب العالمين الذي يسمع أصوات العباد كلهم. قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾، وقال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ الآية. وليس أحد من البشر، بل ولا من الملائكة يسمع أصوات العباد كلهم. من قال هذا في بشر فقوله من جنس قول النصارى الذين يقولون إن المسيح هو الله، وأنه يعلم ما يفعله العباد ويسمع أصواتهم ويجيب دعاءهم. قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿اللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. فلا المسيح ولا غيره من البشر، ولا أحد من الخلق يملك لأحد من الخلق لا ضر ولا نفع، بل ولا لنفسه، وإن كان أفضل الخلائق. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾، وقال: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾، وقال: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ الآية. وقول: «إلا ما شاء الله» فيه قولان: قيل: هو استثناء متصل، وأنه يملك من ذلك ما ملكه الله. وقيل: هو منقطع، والمخلوق لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا بحال، فقوله: «إلا ما شاء الله» استثناء منقطع، أي: لكن يكون من ذلك ما شاء الله. تقول الخليل عليه السلام: ﴿وَلَا أُقِيمُ مَا تَشْرِكُونَ﴾ ثم قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ أي: لا أقدر أن تفعلوا شيئا، لكن إن شاء ربي شيئا كان، وإلا لم يكن، وإلا فأنتم لا تفعلون شيئا. وكذلك قوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ ثم قال: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ فيه قولان، أصحهما أنه استثناء منقطع، أي: لكن من شهد بالحق تنفعه الشفاعة وتنفع شفاعته، لقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، وقال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾. وبسط هذا له موضع آخر. وهذا الباب من المؤلف رحمه الله تعالى كذلك في الرد على هذا الحديث الذي استدل به المعترض، وهو حديث ضعيف كما أشار إليه. فيه أولا: السدي الصغير محمد بن مروان أبو عبد الرحمن، وهو متروك عند أهل الحديث. وفيه كذلك العلاء بن عمر الحنفي، وهو كذلك متروك، كما قال ابن حبان: «لا يجوز الاحتجاج به بحال». وأشار الذهبي في الميزان: لأنه متروك، ثم غمز بقوله رحمه الله. وهذا المعترض عمدته في مثل هذا الكتاب القاضي عياض، يعني: أن المعترض اعتمد في أكثر ما يستدل به من أحاديث عما ذكره القاضي عياض في كتابه الشفا. والشفا للقاضي عياض فيه منح صوفي، واستدلال بأحاديث موضوعة ومتروكة، وغير ذلك مما لا يصح الاستدلال به. وهذا معروف معلوم عند أهل العلم. فإشارة شيخ الإسلام ابن تيمية إلى مثل هذا إشارة إلى أن المعترض على جهل بالسنة، حتى أنه يرجع إلى مضانها فيميز بين الصحيح والضعيف، لكنه اتكأ على مثل هذا الكتاب، وهو كتاب الشفا للقاضي عياض، وهو عند أهل المعرفة بالحديث ليس مما يعتمد عليه، مع ما فيه من شطحات وسقطات في مباحث في الاعتقاد، وفي التبرك والغلو في النبي عليه الصلاة والسلام، وغير ذلك مما يعرفه أهل العلم. ثم أشار إلى بعض الأحاديث التي هي بمعنى هذا الحديث، ليصل به إلى التفصيل إلى أن السلام على النبي عليه الصلاة والسلام على نوعين: سلام كسائر السلام على أهل القبور، وسلام بمعنى الصلاة والسلام عليه. وعلى كل الحالين لا يسمع النبي عليه الصلاة والسلام ذلك مباشرة، خصوصا ممن كان بعيدا، وإنما يبلغه ملك. فحياة الأنبياء في قبورهم حياة برزخية. وما أشار إليه من قوله: «وروى حديثين عن ابن مسعود وأبي أمامة» يريد حديث ابن مسعود الذي ذكره بعد ذلك: «إن لله ملائكة سياحين يبلغون عن أمتي السلام»، وهو حديث صحيح. وقد ذكره الشيخ العلامة الألباني في الصحيحة المجلد الرابع. وهكذا حديث أبي أمامة، يشير إلى قوله عليه الصلاة والسلام الذي رواه كذلك ابن أمامة، وذكره صاحب الترغيب، وحسنه شيخ العلامة الألباني. وأصله عند الطبراني في الكبير: «من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا». والحديث: أن هناك ملكا موكل بتبليغ السلام إلى النبي عليه الصلاة والسلام. وما أشار إليه من حديث أبي الدرداء: «وإن كان معناه صحيحا، لكنه ضعيف، فزيد بن أيمن لم يسمع من عبادة بن نسي، وعبادة لم يسمع من أبي الدرداء». ولهذا فهو ضعيف، كما أشار إلى ذلك البوصيري في تعليقه على سنن ابن ماجة. وقد أشار أنه رواه ابن ماجة، وأشار البوصيري رحمه الله أنه منقطع في موضعين، فزيد بن أيمن لم يسمع من عبادة، وعبادة لم يسمع من أبي الدرداء، فهي رواية مرسلة. وأشار إلى أن هذا قاله البخاري رحمه الله. وما ذكر بعد ذلك من أحاديث فهي أحاديث صحيحة بمجموع طرقها، كما مر معنا في أوائل هذا الكتاب. ثم ختم رحمه الله بقوله: بأن زعم هذا المعترض أن النبي عليه الصلاة والسلام يسمع البعيد، هذا شيء نافٍ للعقيدة الصحيحة التي ينبغي أن يكون عليها المسلم، فإن هذا من خصائص الله، ولكن هذا ما يأتي إلا من قبل الجهال الذين يجهلون العقيدة والثوابت الشرعية الصحيحة. فلذلك ينساقون خلف الأحاديث الموضوعة والضعيفة والتي لا أصل لها، بل وربما إلى كلام العامة. كما أشار أن النبي عليه الصلاة والسلام يوم الجمعة يسمع بأذنيه صلاة من يصلي عليه، هذا لا أصل له. وأعظم من ذلك أن يدعى أن النبي عليه الصلاة والسلام يمكنه أن يسمع من يصلي عليه في أي مكان وفي أي زمان، وهذا لا يكون إلا لله رب العالمين. ولهذا أتبع بهذه الأدلة التي سمعناها ليبين أن هؤلاء أهل غلو وأهل جهل بالشرع، وفيهم مشابهة في غلوهم من اليهود والنصارى الذين غلوا في بعض أنبيائهم حتى نزلوهم منزلة الله سبحانه وتعالى. لا يسمع البعيد ولا يسمع القريب على الصحيح، ما من بعد ومن قرب إلا سواء، لأنه في حياة برزخية، هو في حياة برزخية. وأصلا القرب منه غير ممكن كما قال شيخ الإسلام، فالحجرة الآن بين الواقف عندها وبينها حواجز لا يسمع مثلها الإنسان الطبيعي هذا الصوت. وإذا كان كذلك لا يسمع مثلها الإنسان الطبيعي هذا الصوت، كيف يزعم أن النبي عليه الصلاة والسلام يسمع؟! إذا كان ما يسمعه في حياته، كيف يسمع بعد ما مات؟! هو يعيش حياة برزخية تختلف عن حياة أهل الدنيا، هي أبعد من حياة أهل الدنيا، اتصاله بأهل الدنيا.