الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 169، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الأنبياء السابقين بشروا بنبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم، وتواترت الأخبار عن أهل الكتاب بذلك.
تنبأ بعض الأشخاص من مختلف الديانات بمبعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مثل ابن الهيبان وورقة بن نوفل، وآمن بعضهم به بعد بعثته.
يوجد دلائل نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في الكتب السابقة مثل التوراة والإنجيل، وانتشار دين الإسلام يعد دليلاً قوياً على نبوته.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام تيمي رحمه الله بكتاب «الجواب الصحيح مدل دين المسيح»: حصل ثم العلم بأن الأنبياء قبله بشروا به يعلم من وجوه، أحدها: ما في الكتب الموجودة اليوم بأيدي أهل الكتاب من ذكره. الثاني: إخبار من وقف على تلك الكتب، وغيرها من كتب أهل الكتاب، ممن أسلم وممن لم يسلم، بما وجدوه من ذكره فيها. وهذا مثل ما تواتر عن الأنصار أن جيرانهم من أهل الكتاب كانوا يخبرون بمبعثه، وأنه رسول الله، وأنه موجود عندهم. وكان هذا من أعظم ما دعا الأنصار إلى الإيمان به لما دعاهم إلى الإسلام، حتى آمن الأنصار به وبايعوه من غير رهبة ولا رغبة. ولهذا قيل: إن المدينة فتحت بالقرآن، لم تفتح بالسيف كما فتح غيرها. ومثل ما تواتر من إخبار النصارى بوجوده في كتبهم، مثل إخباره: «رق الملك الروم والمقوقس ملك مصر صاحب الإسكندرية، والنجاشي ملك الحبشة، والذين جاءوه بمكة». وقد ذكر الله ذلك في القرآن في قوله عن اليهود: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، وقال عن النصارى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمَعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾، وقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾. قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: «أن يهودا كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ما بعثه، فلما بعثه الله من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه». فقال معاذ بن جبل، وبشر بن البراء بن معرور، وداود بن سلمة: «يا معشر يهود، اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم، ونحن أهل شرك، وتخبرونا بأنه مبعوث وتصفونه بصفته». فقال سلام بن مشكم أخو بني النضير: «ما جاءنا شيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكر لكم». فأنزل الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. وقال أبو العالية وغيره: «كانوا يعني اليهود إذا استنصروا بمحمد على مشرك العرب يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبا عندنا حتى نعذب المشركين ونقتلهم، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ورأوا أنه من غيرهم كفروا به حسدا للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم». فأنزل الله هذه الآيات: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾. وروى ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري، ثم الضفري، عن رجال من قومه قالوا: «ومما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله وهداه: أن كنا نسمع من رجال يهود، كنا أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا أهل الكتاب عندهم علم ليس عندنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: قد تقارب زمان نبي يبعث الآن نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وغرم». فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم. فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم رسولا من عند الله أجبنا حين دعانا إلى الله، وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به، فبادرناهم إليه فآمنا به وكفروا به. ففينا وفيهم نزلت هؤلاء الآيات التي في البقرة: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. قال ابن إسحاق: وحدثنا صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: حدثنا يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة الأنصاري قال: حدثني من شئت من رجال قومي عن حسان بن ثابت الأنصاري قال: «والله إني لغلام يفع ابن سبع سنين أو ثمان سنين أعقل كل ما سمعت، إذ سمعت يهوديا يقول على أطم يثرب يصرخ: يا معشر يهود، يا معشر اليهود». فلما اجتمعوا عليه قالوا: «ما لك ويلك؟» قال: «طلع نجم أحمد الذي يبعث الليلة». ورواه أبو زرعة بإسناد صحيح عن سماك بن زيد، عن أبيه زيد بن حارثة قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مردفني خلفه، ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم حار من أيام مكة حتى إذا كنا بأعلى الوادي لقيه زيد بن عمرو بن نفيل». فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا ابن عمرو، ما لأرى قومك قد شنفوك؟» قال: «أما والله إن ذلك لغير ثائرة كانت مني فيهم، لكن أراهم على ضلال، فخرجت أبتغي هذا الدين، فأتيت إلى أحبار يثرب فوجدتهم يعبدون الله ويشركون به، فقلت: ما هذا بالدين الذي أبتغي». فخرجت حتى آتي أحبار خيبر فوجدتهم يعبدون الله ويشركون به، فقلت: «ما هذا بالدين الذي أبتغي». فقال لي حبر من أحبار الشام: «إنك لا تسأل عن دين ما نعلم أحدا يعبد الله به إلا شيخا بالجزيرة، فخرجت فقدمت عليه، فأخبرته بالذي خرجت له، فقال: إن كل من رأيت في ظلاله فمن أنت؟» قلت: «أنا من أهل بيت الله، ومن أهل الشوك والقرض». قال: «إنه قد خرج في بلدك نبي أو خارج، قد خرج نجمه، فارجع فصدقه واتبعه وآمن به». فرجعت فلم أحس شيئا بعد. قال: «فأناف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيره، فقدمنا إليه السفرة». قال زيد: «ما أكل شيئا ذبح لغير الله، فتفرقا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت». قال زيد: «وأنا معه، وكان صنمان من نحاس يقال لهما إساف ونائلة مستقبل الكعبة، يتمسح بهما الناس إذا طافوا». فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تمسهما، ولا تمسح بهما». قال زيد: «فقلت في نفسي: وقد طفنا لأمسنهما حتى أنظر ما يقول، فمسستهما». فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألم تنه؟» فلا والذي أكرمه ما مستهما، ما مسستهما حتى أنزل الله عليه الكتاب. ومات زيد بن عمرو بن نفيل قبل الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه يبعث أمة وحده». وروى البخاري حديث خروج زيد بن عمرو قريبا من هذا اللفظ. قال ابن إسحاق: حدثني صالح، حدثنا صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن محمود بن لبيد، عن سلمة بن سلامة بن وقش قال: «كان بين أبياتنا يهودي، فخرج على نادي قومه بني عبد الأشهل ذات غداة، فذكر البعث والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان». فقال ذلك لأصحاب وثن لا يرون أن بعثا كائنا بعد موت، وذلك قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالوا: «ويحك يا فلان، أو ويلك، وهذا كائن أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار يجزون من أعمالهم؟» قال: «نعم، والذي يحلف به، لو زدت أن حظي من تلك النار أن توقدوا أعظم النور في داركم فتحمونه، ثم تقذفوني فيه، ثم تطينون علي، وإني أنجو من تلك النار غدا». فقيل: «يا فلان، فما علامة ذلك؟» قال: «نبي يبعث من ناحية هذه البلاد، وأشار إلى مكة واليمن بيده». قالوا: «فمتى تراه؟» فرمى بطرفه فرآني وأنا متجعب بفناء باب أهلي وأنا أحدث القوم. فقال: «إن يستنفذ هذا الغلام عمره يدركه». فما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله رسوله، وإنه لحي بين أظهرهم، فآمنا به وصدقناه، وكفر به بغيا وحسدا. فقلنا له: «يا فلان، ألست الذي قلت ما قلت وأخبرتنا؟» قال: «ليس به». وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: «أن غلاما يهوديا كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده، فوجد أباه عند رأسه يقرأ التوراة». فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا يهودي، أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هل تجد في التوراة صفتي ومخرجي؟» قال: «لا». قال الفتى: «بلى، والله يا رسول الله، إنا نجد في التوراة نعتك ومخرجك، وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أقيموا هذا من عند رأسه، أخاكم». رواه البيهقي بإسناد صحيح. وقال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن شيخ من بني قريظة قال: «هل تدري عم كان إسلام سيد وثعلبة ابني سعية وأسد بن عبيد، نفر من بني هدل، لم يكونوا من بني قريظة وبني النضير، كانوا فوق ذلك؟» قلت: «لا». قال: «فإنه قدم علينا رجل من الشام من يهود، يقال له: ابن الهيبان، فأقام عندنا». والله ما رأينا رجلا قط لا يصلي الخمس خيرا منه. فكان إذا أقحطنا وقل علينا المطر، قلنا: «يا ابن الهيبان، أخرج فاستسقي لنا». فيقول: «لا والله حتى تقدموا أمام مخرجكم صدقة». فنقول: «كم؟» فيقول: «صاعا من تمر، أو مدين من شعير». فنخرجه، ثم يخرج إلى ظاهر حرتنا، ونحن معه، فنستسقي. فوالله ما يقوم من مجلسه حتى تمطر، قد فعل ذلك غير مرة، ولا مرتين، ولا ثلاث. فلما حضرته الوفاة، واجتمعوا إليه، فقال: «يا معشر يهود، ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلا إلى أرض البؤس والجوع؟» قالوا: «أنت أعلم». قال: «فإنه إنما أخرجني أتوقع خروج نبي قد أضل زمانه، هذه البلاد مهاجره، فاتبعوه، ولا تستبقن إليه إذا خرج، يا معشر يهود، فإنه يبعث بسفك الدماء، وبسبي الذراري والنساء، ممن يخالفه، لا يمنعنكم ذلك منه». ثم مات. فلما كانت الليلة التي فتحت فيها قريظة، قال أولئك الثلاث الفتية، وكانوا شبانا حدثاء: «يا معشر يهود، والله إنه الذي ذكر لكم ابن الهيبان». فقالوا: «ما هو به». قالوا: «بلى، والله إنه لصفته، ثم نزلوا فأسلموا، وخلوا أموالهم وأولادهم وأهاليهم». قال ابن إسحاق: فلما فتح الحصن رد ذلك عليهم. وفي الصحيحين من حديث ابن عباس، عن أبي سفيان بن حرب: «لما حدثه عن هرقل، وقد تقدم حديثه في أول الكتاب، وذكر فيه أن هرقل لما سأله عن صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إيكن ما تقول حقا، إنه نبي، قد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظنه منكم، ولو أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه». وزاد البخاري في حديثه: وقال ابن الناطور: «وكان هرقل حزاء ينظر في النجوم، فنظر فقال: إن ملك الختان قد ظهر، فمن يختتن من هذه الأمة؟» قال: «تختتن اليهود، فلا يهمنك شأنهم، وابعث إلى من في مملكتك من اليهود فيقتلوهم». ثم وجد إنسانا من العرب، فقال: «انظروا أمختتن هو؟» فنظروا فإذا هو مختتن. وسأله عن العرب، فقال: «يختتنون». فقال: «فيه». وكان بروميا صاحب له، كان هرقل نظيره في العلم، فأرسل إليه، وصار إلى حمص، فلم يرم من حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأيه على خروج النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه نبي. وكذلك النجاشي ملك الحبشة لما هاجر الصحابة إليه لما آذاهم المشركون وخافوا أن يفتنوهم في دينهم، وقرأوا عليه القرآن، قال: «فأخذ عودا بين أصبعيه، فقال: ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود». فتناخرت بطارقته، فقال: «وإن نخرتم، اذهبوا، فأنتم سيوم بأرضي»، يعني: «أنتم آمنون». وقال هذا لأن قريشا أرسلوا هدايا إليه، وطلبوا منه أن يرد هؤلاء المسلمين، وقالوا: «هؤلاء فارقوا ديننا وخالفوا دينك». وفي الصحيح: ورقة بن نوفل الذي ترويه عائشة رضي الله عنها في بدء الوحي، قالت: «أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي الرؤية الصادقة من النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه، وهو التعبد الليالي ذوات العدد». إلى أن قالت: «فأتت به خديجة ورقة بن نوفل، وكان قد تنصر في الجاهلية، وكان يكتب من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب». فقالت: «اسمع بني من أخيك». فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى. فقال ورقة: «هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى، ليتني كنت جذعا أنصرك إذ يخرجك قومك». قال: «أوم خرجهم؟» قال: «لم يأتي أحد بمثل ما جئت به إلا عودي، وأن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا». ثم لم ينشب ورقة أن توفي. قال ابن إسحاق: «فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرون رجلا أو قريب من ذلك، وهو بمكة، من النصارى، حين ظهر خبره بالحبشة، فوجدوه في المجلس، فكلموه وسألوه، ورجال من قريش في أنديتهم، فلما فرغوا من مسألتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أرادوا، دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله عز وجل، وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوا فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا له وآمنوا به وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره». فلما قاموا من عنده اعترضهم أبو جهل في نفر من قريش، فقالوا: «خيبكم الله من ركب، بعثكم من ورائكم من أهل دينكم لترتادوا لهم، فتأتونهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال لكم، ما نعلم ركبا أحمق منكم، أو كما قالوا لهم». قالوا: «سلام عليكم، لا نجاهلكم، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم». ويقال فيهم نزل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾. وعن محمد بن عمر بن إبراهيم بن محمد بن جبير قال: حدثتني جدتي أم عثمان بنت سعيد بن محمد بن جبير، عن أبيها سعيد بن محمد بن جبير المطعم، عن أبيه قال: «سمعت أبي جبير يقول: لما بعث الله نبيه وظهر أمره بمكة، خرجت إلى الشام، فلما كنت ببصرة أتتني جماعة من النصارى، فقالوا لي: أمن الحرم أنت؟» قلت: «نعم». قالوا: «فتعرف هذا الذي تنبأ فيكم؟» قلت: «نعم». فأخذوا بيدي فأدخلوني ديرا لهم فيه تماثيل وصور، فقالوا لي: «انظر هل ترى صورة هذا النبي الذي بعث فيكم؟» فنظرت فلم أر صورته. قلت: «لا أرى صورته». فأدخلوني ديرا أكبر من ذلك الدير، فيه صور أكثر مما في ذلك الدير، فقالوا لي: «انظر هل ترى صورته؟» فنظرت فإذا أنا بصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصورته، وإذا أنا بصفة أبي بكر وصورته، وهو آخذ بعقب رسول الله صلى الله عليه وسلم». فقالوا لي: «انظر هل ترى صفته؟» قلت: «نعم». قالوا: «هو هذا». وأشاروا إلى صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: «اللهم نعم، أشهد أنه هو». قالوا: «تعرف هذا الذي أخذ بعقبه؟» قلت: «نعم». قالوا: «نشهد أن هذا صاحبكم، وأن هذا الخليفة من بعده». رواه البخاري في تاريخه. وقال فيه: «قال الذي أراه: قال الذي أراه: الصور لم يكن نبي إلا كان بعده نبي، إلا هذا النبي». ورواه أبو نعيم في دلائل النبوة. ورواه موسى بن عقبة: «أن هشام بن العاص ونعيم بن عبد الله ورجلا آخر قد سماه، بعث إلى ملك الروم زمن أبي بكر، قال: بدخلا على جبل بن الأيهم، وهو بالغوطة، فذكر الحديث، وأنه انطلق بهم إلى الملك، وأنهم وجدوا عنده شبه الربعة العظيمة مذهبة، وإذا فيها أبواب صغار، ففتح فيها بابا فاستخرج منه خرقة حرير سوداء، فيها صورة بيضاء، وذكر صفة آدم، ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة، وفيها صورة نوح، ثم إبراهيم، ثم أراهم حريرة فيها صورة محمد صلى الله عليه وسلم، وقال: هذا آخر الأبواب، لكني عجلته لأنظر ما عندكم». ثم فتح أبوابا أخر وأراهم صورة بقية الأنبياء: موسى وهارون، وداود، وسليمان، وعيسى بن مريم عليهم السلام، وصفة لوط، وصفة إسحاق، وذكر أن هذا عندهم قديما من عهد آدم، وأن دانيال صورها بأعيانها. ورواية مثل هذا عن المغيره، أنه لما دخل على المقوقس ملك مصر والإسكندرية ملك النصارى، أخرج له صور الأنبياء، وأخرج له صورة نبينا صلى الله عليه وسلم، فعرفها. الوجه الثالث: نفس إخباره بذلك في القرآن مرة بعد مرة، واستشهاده بأهل الكتاب، وإخباره بأنه مذكور في كتبهم، مما يدل العاقل على أنه كان موجودا في كتبهم. فإنه لا ريب عند كل من عرف حال محمد من مؤمن وكافر: أنه كان من أعقل أهل الأرض. فإن المكذبين له لا يشكون في أنه كان عندهم الخبرة والمعرفة والحذق، ما أوجب أن يقيم مثل هذا الأمر العظيم الذي لم يحصل لأحد مثله، لا قبله ولا بعده. فعلم ضرورة أنه لا يفعله، ولا يخبر به، وهو من أحرص الناس على تصديقه، وأخبرهم بالطرق التي يصدق بها، وأبعدهم عن أن يفعل ما يعلم أنه يكذب به. فلو لم يعلم أنه مكتوب عندهم، بل علم انتفاء ذلك، لم تنع أن يخبر بذلك مرة بعد مرة، ويستشهد به، ويظهر ذلك لموافقيه ومخالفيه، وأوليائه وعدائه. فإن هذا لا يفعله إلا من هو أقل الناس عقلا، لأن فيه إظهار كذبه عند من آمن به، ومن يخبرونه، وهو ضد مقصوده. وهو منزلة من يريد إقامة شهود على حقه، فيأتي إلى من يعلم أنه لا يكذب، ويعلم أنه ليس بشاهد، ولا حضر قضيته، ويقول: «هذا يشهد لي، وهذا يشهد لي». فإنهم كانوا حاضرين هذه القضية، فيقول أولئك: «لسنا نشهد له، ولا حضرنا هذه القضية». فهذا لا يفعله عاقل يعلم أنهم لم يكونوا حاضرين، وأنهم يكذبونه، ولا يشهدون له. الرابع: يقال: لما قامت الأعلام على صدقه، فقد أخبر أنه مكتوب في الكتب المتقدمة، وأن الأنبياء بشروا به، علم أن الأمر كذلك. لكن هذا لا يذكر إلا بعد أن يقام دليل منفصل عن نبوته على نبوته. والطريق الأول هو من أظهر الحجج على أهل الكتاب، وأظهر الأعلام على نبوته. وقد استخرج غير واحد من العلماء من الكتب الموجودة الآن في أيدي أهل الكتاب من البشارات بنبوته مواضع متعددة، وصنفوا بذلك مصنفات. وهذه البشارات في هذه الكتب من جنس البشارات بالمسيح صلى الله عليه وسلم. واليهود يقرون باللفظ، لكن يدعون أن المبشر به ليس هو المسيح عيسى بن مريم، وإنما هو آخر ينتظر. وهم في الحقيقة لا ينتظرون إلا المسيح الدجال، وينتظرون أيضا مجيء المسيح عيسى بن مريم إذا نزل من السماء، كما بسط في موضع آخر. ويحرفون دلالة اللفظ، ويقولون: إنها لا تدل على نبي منتظر، كما قالوا في قوله: ﴿سَأُقِيمُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أَخَوَتِهِمْ مِثْلَكَ يَا مُوسَى أَنْزِلُ عَلَيْهِ كِتَابًا أَجْعَلُ كَلَامِي عَلَى فِيهِ﴾. قال بعضهم: «ليس هذا إخبارا، بل هذا استفهام إنكار». وقدروا ألف استفهام، وليس في النص من ذلك. فاليهود يحرفون الدلالات المبشرة بالمسيح، وذلك عند المسلمين والنصارى لا يقدح في البشارة بالمسيح، بل تبين دلالة النصوص عليه، وبطلان تحريف اليهود. وكذلك البشارات بمحمد صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة لا يقدح فيها تحريف أهل الكتاب: اليهود والنصارى، بل تبين دلالة تلك النصوص على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وبطلان تحريف أهل الكتاب. الوجه الخامس: أن يقال: معلوم أن ظهور دين محمد صلى الله عليه وسلم في مشارق الأرض ومغاربها أعظم حادث حدث في الأرض. فلم يعرف قط دين انتشر ودام كانتشاره ودوامه. فإن شرع موسى وإن دام فلم ينتشر انتشاره، بل كان غاية ظهوره ببعض الشام. وأما شرع المسيح، فقيل: قسطنطين لم يكن له ملء ملك، بل كانوا يكونون ببعض بلاد الروم وغيرها، وكانوا مستضعفين، تقتل أعيانهم أو عامتهم في كثير من الأوقات. ولما انتشر تفرق أهله فرقا متباينة، يكفر فيها بعضهم بعضا. ثم إن شرع محمد صلى الله عليه وسلم ظهر في مشارق الأرض ومغاربها، وفي وسط الأرض المعمورة: الإقليم الثالث والرابع والخامس، وظهرت أمته على النصارى في أفضل الأرض وأجلها عندهم، كأرض الشام ومصر والجزيرة وغيرها، ودام شرعه، فله اليوم أكثر من سبعمائة سنة. ومعلوم أن هذا المدعي للنبوة، سواء كان صادقا أو كاذبا، لا بد أن يخبر به الأنبياء. فإنهم أخبروا بظهور الدجال الكذاب تحذيرا للناس، مع أن الدجال مدته قليلة. فلو كان ما يقول المكذب لمحمد حقا، وأنه كاذب ليس برسول، لكانت فتنته أعظم من فتنة الدجال من وجوه كثيرة، لأن الذين اتبعوه أضعاف أضعاف من يتبع الدجال. فلو كان كاذبا لكان الذين افتتنوا به أضعاف أضعاف من يفتتن بالدجال. فكان التحذير منه أولى من التحذير من الدجال، إذ ليس في العالم من زمان آدم إلى اليوم كذاب ظهر ودام هذا الظهور والدوام. فكيف تغفل الأنبياء التحذير عن مثلي هذا لو كان كاذبا؟ وإذا كان صادقا فالبشارة بالإيمان به أولى ما يبشر به الأنبياء من المستقبلات ويخبر به. فعلم أنه لا بد أن يكون في الكتب ذكره. ثم قد وجد مواقع كثيرة في الكتب تزيد على مئة موضع، يستدل بها على أنه مذكور. وتواتر عن خلق كثير من أهل الكتاب أنه موجود في كتبهم. وتواتر عن كثير ممن أسلم أنه كان سببا لإسلامهم، أو من أعظم سبب لإسلامهم، علمهم بذكره في الكتب المتقدمة، إما بأنه وجد ذكره في الكتب، كحال كثير ممن أسلم قديما وحديثا، وإما بما ثبت عندهم من أخبار أهل الكتاب، كالأنصار. فإنه كان من أعظم أسباب إسلامهم ما كانوا يسمعونه من جيرانهم أهل الكتاب من ذكره ونعته وانتظارهم إياه. وأن من خيارهم من لم يوجب له أن يسكن أرض يثرب مع شدتها، ويدع أرض الشام مع رخائها، إلا لانتظاره لهذا النبي العربي الذي يبعث من ولد إسماعيل. ولم يمكن أحد قط أن ينقل عن شيء من الكتب أنه وجد فيها ذكره بالذم والتكذيب والتحذير، كما يوجد ذكر الدجال. وعند أهل الكتاب من ذكر أصحابه كعمر بن الخطاب وغيره، وعدلهم وسيرتهم عن المسيح وغيره، ما هو معروف عندهم. فإذا كان الذين استخرجوا ذكره من كتب أهل الكتاب، والذين سمعوا خبره من علماء أهل الكتاب، إنما يذكرون نعته فيها بالمدح والثناء، علم بذلك أن الأنبياء المتقدمين ذكروه بالمدح والثناء، ولم يذكروه بذم ولا عيب. وكل من ادعى النبوة ومدحه الأنبياء وأثنوا عليه لم يكن إلا صادقا في دعوة النبوة، إذ يمتنع أن الأنبياء يثنون على من يكذب في دعوة النبوة. ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا، أو قال: أوحي إلي ولم يوح إليه شيء. وهذا مما يبين أنه لا بد أن يكون الأنبياء ذكروه وأخبروا به، وأنهم لم يذكروه إلا بالثناء والمدح، لا بالذم والعيب. وذلك مع دعوة النبوة لا يكون إلا إذا كان صادقا في دعوة النبوة. فترجم نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.