الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 10

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 10

الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 10، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في الجدال مع أهل الكتاب

يناقش الشيخ آراء العلماء حول قدوم وفد نجران وعلاقته بنزول آية الجزية، ويوضح أن الجدال مع أهل الكتاب بالتي هي أحسن لا يناقض الأمر بقتالهم. يبين أن هناك مواضع يجتمع فيها الجدال والقتال.

أحكام إعطاء الأمان وتفسير آية الإجارة

يتناول تفسير آية الإجارة وأحكام إعطاء الأمان للمشركين، حيث يبين أن المراد من الآية هو تمكين الشخص من سماع كلام الله وفهم معناه. يشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجيب على أسئلة المشركين وأهل الكتاب والمسلمين حول القرآن.

مجادلة النبي لأهل الكتاب والمشركين وتطبيقاتها

يتناول مجادلة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الكتاب والمشركين، ويبين أن المجادلة بالتي أحسن لم تنسخ بآية السيف. يمكن الجمع بين المجادلة والقتال، حيث يقاتل من أعرض وظلم، ويدعى بالتي أحسن من لم يكن كذلك.

تأكيد أهمية الدعوة برسالة النبي إلى أهل الكتاب

يدل حديث المغيرة بن شعبة على إرسال النبي صلى الله عليه وسلم الرسل إلى أهل الكتاب ودعوتهم إلى الإسلام، مؤكداً على أهمية الدعوة إلى الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مريم بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه «دواب الصحيح»: من البتة لذين المسيح، قال: وكذلك استعمل النبي صلى الله عليه وسلم عليهم عمر بن حزم، وكتب له الكتاب المشهور الذي فيه الفرائض والسنن، قد رواه النسائي بطوله. وروى الناس بعضهم مفرقا، ومحمد بن سعد لم يذكر بعد وفد نجران إلا وفد جيسان، فلعل أن قدومهم كان متأخرا. ومحمد بن إسحاق ذكر قدومهم في أوائل السيرة مع قصة اليهود؛ ليجمع بين خبر اليهود والنصارى، وذكر في سنة عشرة نجران وإرسال النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد. وإرسال خالد ذكروا أنه كان متأخرا قبل وفاته صلى الله عليه وسلم بأربعة أشهر، وأنه قدم وفد منهم بالإسلام، وهذا إنما كان بعد قدوم وفد النصارى؛ فإنه قد ذكر المسعودي أن العاقب والسيد أسلم بعد ذلك. والعهد بالجزية إنما كان مع النصارى، وآية الجزية هي قوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾، وهذه آية السيف مع أهل الكتاب، وقد ذكر فيها قتالهم إذا لم يؤمنوا حتى يعطوا الجزية. والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأخذ من أحد الجزية إلا بعد هذه الآية، بل قالوا: إن أهل نجران أول من أخذت منهم الجزية، كما ذكر ذلك أهل العلم كالزهري وغيره؛ فإنه باتفاق أهل العلم لم يضرب النبي صلى الله عليه وسلم على أحد قبل نزول هذه الآية جزية؛ لا من الأميين ولا من أهل الكتاب. ولهذا لم يضربها على يهود قينقاع والنضير وقريظة، ولا ضربها على أهل خيبر؛ فإنها فتحت سنة سبع قبل نزول آية الجزية، وأقرهم فلاحين، وهادنهم هدنة مالية، قال فيها: «نقركم ما أقركم الله»، فإذا كان أول ما أخذها من وفد نجران، علم أن قدومهم عليه ومناظرته لهم ومحاجته إياهم وطلبه المباهلة معهم كانت بعد آية السيف التي فيها قتالهم. وعلم بذلك أن ما ذكره الله تعالى من مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا محكم لم ينتقض شيء، وكذلك ما ذكره تعالى من مجادلة القلق مطلقا بقوله: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾، فإن من الناس من يقول: آيات المجادلة والمحاجة الكفار منسوخة بآية السيف؛ لاعتقاده أن الأمر بالقتال المشروع ينافي المجادلة المشروعة، وهذا غلط؛ فإن النسخ إنما يكون إذا كان الحكم المنسوخ مناقضا للحكم الناسخ، كمناقضة الأمر باستقبال المسجد الحرام في الصلاة للأمر باستقبال بيت المقدس بالشام، ومناقضة الأمر بصيام رمضان المقيم للتخيير بين الصيام وبين إطعام كل يوم مسكينا، ومناقضة نهي عن تعدد الحدود التي فرضها للورثة للأمر بالوصية للوالدين والأقربين، ومناقضة قوله: «كفوا أيديكم عن القتال» لقوله: «قاتلوهم»، كما قال تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية﴾؛ فأمرهم لهم بالقتال ناسخ لأمرهم لهم بكف أيديهم عنهم. أما قوله تعالى: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾، وقوله: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم﴾، فهذا لا يناقضه الأمر بجهاد من أمر بجهاده منهم، ولكن الأمر بالقتال يناقض النهي عنه، والاقتصار على المجادلة، فأما مع إمكان الجمع بين الجدال المأمور به والقتال المأمور به فلا منافاة بينهما. وإذا لم يتنافيا بل أمكن الجمع لم يجب الحكم بالنسخ. ومعلوم أن كل منهما ينفع حيث لا ينفع الآخر، وأن استعمالهما جميعا أبلغ في إظهار الهدى ودين الحق. ومما يبين ذلك وجوه: أحدها أن من كان من أهل الذمة والعهد والمستأمن منهم لا يجاهد بالقتال، وهو داخل فيمن أمر الله بدعوته ومجادلته بالتي أحسن، وليس هو داخلا فيمن أمر الله بقتاله. الثاني: أنه قال: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا﴾، فالظالم من يؤمر بجداله بالتي هي أحسن، فمن كان ظالما مستحقا للقتال غير طالب للعلم والدين، فهو من هؤلاء الظالمين الذين لا يجادلون بالتي هي أحسن، بخلاف من طلب العلم والدين ولم يظهر منه ظلم، سواء كان قصده الاسترشاد أو كان يظن أنه على حق يقصد نصر ما يظنه حقا. ومن كان قصده العناد يعلم أنه على باطل ويجادل عليه، فهذا لم يؤمر بمجادلته بالتي هي أحسن، لكن قد نجادله بطرق أخرى تبين فيها عناده وظلمه وجهله؛ جزاء له بموجب عمله. الثالث: أنه سبحانه قال: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه﴾، هذا مستجير المستأمن، وهو من أهل الحرب، أمر الله بإجارته حتى تقوم حجة الله عليه، ثم يبلغ مأمنه، وهذا في سورة براءة التي فيها نقض العهود، وفيها آية السيف، وذكر هذه الآية في ضمن الأمر بنقض العهود؛ ليبين سبحانه أن مثل هذا يجب أمانه حتى تقوم عليه الحجة، لا تجوز محاربته كمحاربة من لم يطلب أن يبلغ حجة الله عليه. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: «ثم أبلغه مأمنه إن لم يوفق ما نزل عليه ونقهر به فأبلغ مأمنه»، قال: «وليس هذا بمن سوء». وقال مجاهد: «من جاء واستمع ما أنزل إليك؛ فهو آمن حتى يأتيك». قال عطاء: «الرجل من أهل الشرك يأتي المسلمين بغير عهد»، قال: «تخيره إما أن تقره وإما أن تبلغ مأمنه». قوله تعالى: ﴿فأجره حتى يسمع كلام الله﴾، قد علم أن المراد أنه يسمعه سمعا يتمكن معه من فهم المعنى؛ إذ المقصود لا يقوم بمجرد سمع لا يتمكن معه من فهم المعنى. فلو كان غير عربي وجب أن يترجم له ما يقوم به عليه الحجة، ولو كان عربيا في القرآن ألفاظ غريبة ليست لغته وجب أن يبين له معناها. ولو سمع اللفظ كما يسمعه كثير من الناس ولم يفقه المعنى وطلب منا أن نفسره له ونبين له معناه؛ فعلينا ذلك. وإن سألنا عن سؤال يقدح في القرآن أجبناه عنه؛ كما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أورد عليه بعض المشركين أو أهل الكتاب أو المسلمين سؤالا يوردونه على القرآن؛ فإنه كان يجيبه عنه. كما أجاب ابن الزبعري لما قاس المسيح على آلهة المشركين، وظن أن العلة في الأصل بمجرد كونهم معبودين، وأن ذلك يقتضي كل معبود غير الله فإنه يعذب في الآخرة، فجعل المسيح مثلا لآلهة المشركين، قاسهم عليه قياس الفرع على الأصل. قال تعالى: ﴿ولم نضرب ابن مريم مثلا إلا قومك منه يصدون وقالوا آلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون﴾، فبين سبحانه الفرق المانع من الحاق بقوله تعالى: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾، وبينا أن هؤلاء القاسين ما قاسوه إلا جدلا محضا لا يوجب علما؛ لأن الفرق حاصل بين الفرع والأصل. فإن الأصنام قد جعلت حطبا لجهنم، كان ذلك إهانة وخزيا لعابديها من غير تعذيب لمن لا يستحق التعذيب، بخلاف ما إذا عذب عباد الله الصالحون بذنب غيرهم؛ فإن هذا لا يفعله الله تعالى، لا سيما عند جماهير المسلمين وسائر أهل الملل سلفهم وخلفهم، الذين يقولون: إن الله لا يخلق ولا يأمر إلا لحكمة، ولا يظلم أحدا، فينقصه شيئا من حسناته، ولا يحمل عليه سيئات غيره، بل ولا يعذب أحدا إلا بعد إرسال رسول إليه، كما قال تعالى: ﴿ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما﴾، وقال تعالى: ﴿فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا﴾، وقال تعالى: ﴿هل تجزون إلا ما كنتم تعملون﴾، وقال تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾. ومن قال من المسلمين وغيرهم من أهل الملل: إنه يجوز من الله تعالى فعل كل شيء، وأن الظلم هو المنتنع الذي لا يدخل تحت القدرة؛ فهؤلاء يقولون: إنما يعلم ما يفعله وما لا يفعله بدلالة قوله الصادق أو بالعادة. وإن كان الجمهور يستدلون بقول الصادق وبغيره على ما يمتنع من الله، فقد أخبر الله تعالى أن عباده الصالحين في الجنة لا يعذبهم في النار، بل يتقبل عنهم أحسن ما عملوا، وتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة، فضلا أن يعاقبهم بذنب غيرهم مع كراهيتهم لفعلهم وكراهيتهم عن ذلك. ومن زعم أن لفظ «ما كان» يتناول المسيح، وأخر بيان العام، أو أجاب بأن لفظ «ما» لا يتناول إلا ما لا يعقل؛ فالقولان ضعيفان كما قد بسط في موضعه. وإنما المشركون عارضوا النص الصحيح بقياس فاسد، فبين الله تعالى فساد القياس، وذكر الفرق بين الأصل والفرع. وكذلك لما أورد بعض النصارى على قوله تعالى: ﴿يا أخت هارون﴾، ظن منه أن هارون هذا هو هارون أخو موسى من عمران، وأن عمران هذا هو عمران أبو مريم أم المسيح، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، أجاب بأن هارون هذا ليس هو ذات هارون، ولكنهم كانوا يسمون بأسماء الأنبياء والصالحين. وبعض جهال النصارى يقدح في القرآن بمثل هذا، ولا يعلم هذا المفرط في جهله أن أحدا من الناس يعلمون أن بين موسى وعيسى مدة طويلة جدا، يمتنع معها أن يكون موسى وهارون خالي المسيح. وأن هذا مما لا يقف على أقل أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، فضلا عن أن يقف عليه محمد صلى الله عليه وسلم. وهذا السؤال مما أورده أهل نجران، كما ثبت عن المغيرة بن شعبة، قال: «بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل نجران، فقالوا: ألستم تقرءون "يا أخت هارون" وقد علمتم ما بين موسى وعيسى؟ فلم أدري ما أجيبهم، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم والصالحين قبلهم؟». وهذا السؤال الذي هو سؤال الطاعن في القرآن لما أورده أهل نجران الكفار على رسول أهل نجران، ولم يجبهم عنه، أجاب عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقل لهم: «ليس لكم عندي إلا السيف»، ولا قال: «قد نقضتم العهد» إن كانوا قد عاهدوه. وقد عرف أن أهل نجران لم يرسل إليهم رسولا إلا والجهاد مأمور به، وكان المسلمون يوردون الأسئلة عليه؛ كما أورد عليه عمر عام الحديبية لما صالح المشركين ولم يدخل مكة، قال له: «ألم تكن تحدثنا أن نأتي البيت ونطوف به؟» قال: «بلى، وأقلت لك أنك تأتيه في هذا العام؟» قال: «لا»، قال: «فإنك آتيه ومطوف به». وكذلك أجابه أبو بكر، ولم يكن سمع جواب النبي صلى الله عليه وسلم له. ومعلوم أنه ليس في ظاهر اللفظ توطين ذلك بعام، ولكن السائل ظن ما لا يدل اللفظ عليه. وكذلك لما قال من نوقش الحساب عذب، قالت له عائشة: «لم يقل الله: فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا»، فقال: «ذلك العرض»، ومن نوقش الحساب عذب. ومعلوم أن الحساب اليسير لا يتناول من نوقش، وقد جادلها بيانا، فأخبر أنها العرض المقابل المتضمن للمناقشة. فذلك لما قال: «إنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة»، قالت له حفصة: «ألم يقل الله: وإن منكم إلا واردها؟» فأجابها بأنه قال: «ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين بها جثيا»، فبين صلى الله عليه وسلم أن هؤلاء هم الذين يدخلون جهنم، وهذا الدخول هو الذي نفى عن أهل الحديبية. وأما الورود فهو مرور الناس على الصراط، كما فسره في الحديث الصحيح حديث جابر بن عبد الله. وهذا المرور لا يطلق عليه اسم الدخول الذي يجزى به العصاة وينفع المتقين. ومثل هذا كثير. وأما ما في القرآن من ذكر أقوال الكفار وحججهم وجوابها؛ فهذا كثير جدا؛ فإنه يجادلهم تارة في التوحيد وتارة في النبوات وتارة في المعاد وتارة في الشرائع بأحسن الحجج وأكملها، كما قال تعالى: ﴿وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا﴾. وقد أخبر الله تبارك وتعالى عن أولي العزم من الرسل من مجادلة الكفار، وقال تعالى عن قوم نوح: ﴿قالوا يا نوح قد جادلتنا فأبلغت جدالنا﴾، وقال عن الخليل وحاجه قومه: ﴿قال تحاجوني في الله وقد هدان﴾، إلى قوله: ﴿وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء﴾، وأمر تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم بالمجادلة بالتي أحسن، وذم سبحانه من جادل بغير علم أو في الحق بعد ما تبين، ومن جادل بالباطل. وقال تعالى: ﴿أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾، وقال تعالى: ﴿يجادلونك في الحق بعد ما تبين﴾، وقال تعالى: ﴿وجادلوا بالباطل لينحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب﴾، وهذا هو الجدال المذكور في قوله: ﴿ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا﴾. وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحاج الكفار بعد نزول الأمر بالقتال، وقد أمره الله تعالى أن يجير المستجير حتى يسمع كلام الله ثم يبلغه مأمنه، والمراد بذلك تبليغ رسالات الله وإقامة الحجة عليه، وذلك قد لا يتم إلا بتفسيره له الذي تقوم به الحجة، ويجاب به عن المعارضة. وما لا يجب الواجب إلا به فهو واجب. علم أن قول من ظن أن الأمر بالجهاد ناسخ للأمر بالمجادلة مطلقا غير صحيح. وهذا المقطع من المؤلف رحمه الله تعالى تتمة لما سبق في بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل للناس جميعا، ومن الناس أهل الكتاب، وهو لم يرسل للعرب خاصة، بل أرسل للناس جميعا. ومن ذلك أمر وفد نجران، وما ذكر قبل ذلك من أمر اليهود وقصة أهل نجران، سبقت أصلها في البخاري وغيره في حديث حذيفة مجملا غير مبين، وتفاصيلها بعضها صحيح وبعضها ليس بصحيح، لكن الجملة أصل القصة ثابت، وهو المقصود. وهذا الكتاب لابن حزم، وإن كان بأسانيده ضعف، لكن الكتاب تلقى بالقبول كما قال المحققون من أهل العلم. ولثنايا هذا الكتاب شواهد كثيرة صحيحة تؤكد وتؤيد صحة هذا الكتاب. وأراد رحمه الله تعالى أن يستشهد بذلك كذلك على تأكيد ما وقع من دعوة نصارى نجران وغيرهم إلى الإسلام، واستجابة من استجاب منهم، وإسلام من أسلم منهم. وهذا يبطل دعوى هؤلاء أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث للعرب خاصة. ثم ذكر استطرادا مسألة كون أن آية السيف نزلت لا ينافي الجزية؛ فإن الجزية فرضت متأخرة، وآية السيف التي فيها ذكر الجزية؛ فيها بيان أن من لم يؤد الجزية فإنه يقاتل. وذكر معه أنه لا تعارض بين مجادلة أهل الكتاب بالتي أحسن وبين آية السيف؛ فإنه ليس هذا بناسخ لهذا؛ لأن الأصل أننا لا نقول بالنسخ إلا إذا تبين الدليل الصحيح الصريح الدال على النسخ مع عدم إمكان الجمع. وأما إذا أمكن الجمع فلا نقول بالنسخ. ثم ذكر أوجه رحمه الله تعالى تدل على تأييد أنه لا تعارض بين آية السيف وآية المجادلة بالتي أحسن، فذكر أوجه تؤيد هذا المعنى؛ بأنه لا تعارض من إعمال الدليلين. فمن أعرض وظلم فإنه يقاتل، ومن لم يكن كذلك فإنه يدعى بالتي أحسن. بل إن الذي ظلم حتى ولو كان ظالما، لو أتى بحجة تحتاج لمجادلة؛ فإنه يجادل حتى في وقت القتال؛ كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإجابة المشركين في وقت القتال. أما قال أبو سفيان: «ولا عز لكم»، أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يجيبه من يجيب من المسلمين: «الله مولانا ولا مولى لكم». وهذا من مجادلة المشركين، وهو في وقت القتال، فلا معارضة بين آية السيف وبين المجادلة. وما ذكره رحمه الله تعالى من أمثلة ظاهرة واضحة، وهي كلها تؤيد هذا المعنى. والله تعالى أعلم. وحديث المغيرة بن شعبة أصله في صحيح مسلم، وهو يدل كذلك على تأكيد إرسال النبي صلى الله عليه وسلم الرسل إلى أهل الكتاب، ومنهم النصارى، ودعوة من آمن منهم إلى دين الإسلام. طيب لهنا إن شاء الله.