الدرس في كتاب الجهاد 15، 28-باب في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى الله وصبره على أذى المنافقين. ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الله تعالى وصبره على أذى المنافقين والكفار، ويبرز ردود أفعال الصحابة تجاه هذه الأحداث.
هذا الفصل يتناول مسائل مهمة تتعلق بالتعامل مع الكفار والمنافقين، مثل جواز التسليم على جماعة فيها كفار ومسلمون، والحلم والرفق في التعامل معهم.
يتناول هذا الفصل خطورة الخلاف بين المسلمين وأهمية تجنب الافتراق، ويشير إلى ضرورة توخي الحذر من النعرات الجاهلية والدعوات الطائفية.
هذا الفصل يحذر من لبس الإحرام بشكل غير صحيح ويشدد على أهمية الإحرام الصحيح وتجنب العيوب في لباس الإحرام.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: باب في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى الله، وصبره على أذى المنافقين. قال: حديث أسامة بن زيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب حمارًا عليه إكاف، تحته قطيفة فدكية. ومعنى إكاف: أي ما يوضع تحت ما يركب عليه الراكب من قماش رقيق، يحمي جلد المركوب من حر واحتكاك ذلك الجلد الذي يجلس عليه الراكب، وربما كان فيه جيب من اليمين ومن الشمال توضع فيه بعض الأمتعة. وتحته قطيفة فدكية، القطيفة تحت هذا الإكاف ترقق وتلين على جلد المركوب. والقطيفة -كما هو ظاهر من معناها- هي تكون من جنس القطائف التي فيها شيء من الغلظ مع شيء من التزيين. وفدكية: يعني من بلاد فدك، وهي البلدة التي فيها اليهود في ذلك الزمان إلى جهة الساحل. قال: وأردف وراءه أسامة بن زيد، وهو يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج، وذلك قبل وقعة بدر، حتى مر في مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين، عبدة الأوثان واليهود، وفيهم عبد الله بن أبي بن سلول. وفي المجلس عبد الله بن رواحة. فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة -يعني غبار الدابة، العجاج والغبار والعجاجة واحدة، والعجاج تصغير له، أي غبار يسير صغير حقير مما قد تثيره حركة الدابة- قال: خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه، ثم قال: لا تغبروا علينا. فسلم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم. وفي التسليم على المشركين والمسلمين إذا كانوا جميعًا، فإنهم يدخلون تبعًا، ولا يجوز التسليم عليهم ابتداء. وبهذا كذلك فيه تصحيح القاعدة: يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا. قال: ثم وقف، فنزل، فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن. فقال عبد الله بن أبي بن سلول: أيها المرء، لا أحسن من هذا. إن كان ما تقول حقًا، فلا تؤذنا في مجالسنا، وارجع إلى رحلك، فمن جاءك منا فاقصص عليه. قال عبد الله بن رواحة: اغشنا في مجالسنا، فإننا نحب ذلك. فاستب المسلمون والمشركون واليهود، حتى هموا أن يتواتبوا -يعني يقفز بعضهم على بعض من شدة الخصومة-. قال: فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم، ثم ركب دابته حتى دخل على سعد بن عبادة. فقال: أي سعد، ألم تسمع ما قال أبو حباب -يريد عبد الله بن أبي-. قال: كذا وكذا. قال: اعف عنه يا رسول الله، واصفح. فوالله لقد أعطاك الله الذي أعطاك، ولقد اصطلح أهل هذه البحرة على أن يتوجوه، فيعصبونه بالعصابة. فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاك، شرق بذلك. ومعنى شرق: يعني غص من الغيظ، وانكضم من الحنق؛ لكون الملك الذي كان ينتظره فات عليه. قال: فذلك فعل به ما رأيت. فعفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم. قال: أخرجه البخاري، كتاب الاستئذان، باب التسليم في مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين. قال: حديث أنس -رضي الله عنه- قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: لو أتيت عبد الله بن أبي. قال: فانطلق إليه النبي صلى الله عليه وسلم، وركب حمارًا، فانطلق المسلمون يمشون معه، وهي أرض سبخة. ومعنى سبخة: يعني فيها رطوبة الملح. قال: فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إليك عني، والله لقد آذاني نتن حمارك. فقال رجل من الأنصار منهم: والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحًا منك. فغضب لعبد الله رجل من قومه، فشتما. فغضب لكل واحد منهما أصحابه، فكان بينهما ضرب بالجريد والأيدي والنعال. فبلغنا أنها أنزلت: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾. قال: أخرجه البخاري بكتاب الصلح، باب ما جاء في الإصلاح بين الناس. أورد المؤلف -رحمه الله- هذين الحديثين، وبوب لهما بهذا التبويب على قاعدته: هذا ما بويب به على أحاديث الباب في الصحيح مسلم. وهذا التبويب -كما قلنا- بوب على الأحاديث، وليس هو تبويب الإمام مسلم، كما تكرر التنبيه على هذا. والحديث الأول على قاعدته لفظه لفظ الإمام البخاري، وقد خرجه البخاري بنفس اللفظ في الباب المشار إليه. فقال: حدثنا إبراهيم الموسى، قال: أخبرنا هشام، عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، قال: أخبرني أسامة بن الزيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم... فذكر الحديث. والحديث الثاني أخرجه البخاري في الباب المشار إليه كذلك. فقال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا معتمر، قال: سمعت أبي: أن أنسًا قال:... فذكر الحديث بلفظه. وفي هذين الحديثين مسائل، من أهمهما: دعوة النبي صلى الله عليه وسلم للكفار والمنافقين، وصبره على الأذى الذي يلاقيه منهم. ودلالة هذين الحديثين على ذلك ظاهرة؛ في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أبي، فإنه حرص على دعوته -عليه الصلاة والسلام- مع أنه لقي منه ما سمعنا من تطاول وعدم حفظ لجناب النبوة. وهكذا كذلك في هذا الحديث مسائل، من أهم هذه المسائل: فيه ما يناسب ذكر هذين الحديثين في كتاب الجهاد؛ من ابتداء دعوة الكفار والمشركين والمنافقين بالحجة والبرهان قبل السيف والسنان. وهذا هو الأصل في دعوة الإسلام، ودعوة نبينا عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك فيه من المسائل: ما أشار إليه الإمام البخاري بتبويبه: باب التسليم في مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين. أي: يجوز التسليم على الجماعة، وفيهم الكفار. أي ابتداءهم بالتسليم. وهذا -كما مر معنا- يصحح القاعدة المتقدمة: يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا. لا يجوز التسليم على الكافر ابتداءً وحده، ولكن إذا كان مع المسلمين فيجوز. وهذا تدل عليه عمومات دلت على هذه القاعدة، وهذا النص يصحح هذا الأصل. وفي هذا دليل على ما نص عليه العلماء: من أن الشرع لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين مفترق. فهو قائم على قواعد وضوابط محكمة متقنة؛ لأنها منزلة من عند الله عز وجل. وفي هذا كذلك إشارة إلى كمال هذا الدين، وذلك بإتقان أحكامه، وصدق أخباره. التي إن دلت على شيء دلت على أن ذلك من الله العليم الحكيم. وفيه من المسائل كذلك: ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام من الحلم والرفق والحكمة. فإنه عليه الصلاة والسلام حلم بهذا السفه. وفيه كذلك ما كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام من تعليم الصحابة القاعدة التي دلت عليها نصوص الشرع: من درء المفسدة الكبرى بالصغرى. لا يعجزه النبي صلى الله عليه وسلم إن شاء أن يبطش بعبد الله بن أبي. إن لم يبطش به جهرة بطش به خفية. ولكن لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك؛ وذلك لما قاله في أحاديث: «لا يقول الناس إن محمدًا يقتل أصحابه». هذه علة ومفسدة؛ لأجلها لم يقتل النبي صلى الله عليه وسلم المنافقين مع علمه بهم، وعلم الكثير من الصحابة بهم. فلم يخف على الصحابة أن أمثال عبد الله بن أبي من المنافقين، بل من رؤوس المنافقين. ولكن منعهم من ذلك نهي النبي صلى الله عليه وسلم. وفي هذا كذلك من المسائل: أثر حب الدنيا في حرمان الخير. فهذا عبد الله بن أبي حرم الإسلام بسبب حبه للملك. كان يرجو أن يملك، فقد حرص فترة من الزمن أن يصالح بين أهل المدينة وبين اليهود حتى كادوا أن يجتمعوا أن يملكوه عليهم. فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم انهدم حلمه الذي يحلم به، وزال عنه ما كان يرجوه. فكان ذلك -كما ذكر في هذا الحديث- مانعًا له. كما قال: شرق بذلك يا رسول الله. يعني كان هذا مما جعله على ما هو عليه، فلم يزل يظهر حنقه وغيظه في فلتات لسانه. كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾. وهكذا كذلك اليهود، فإنهم عرفوا النبي صلى الله عليه وسلم تمام المعرفة، حتى قال صبيان اليهود لعلمائهم وأحبارهم: هذا الذي كان يحدثنا فلان. أي: هذا الوصف نفسه الذي كنا نخبر به في وصف النبي الذي جاء أوان ظهوره، فأسلموا ودخلوا في دين الإسلام. ولم يدخلهم حسدًا أن لم يكن منهم، ورغبة في أن يتركوا ما هم عليه؛ لأنهم طمعوا أن يكون نبيًا منهم فيوافقهم على أهوائهم. وهذه طريقة اليهود: يغيرون، يبدلون دين الله سبحانه وتعالى. وهكذا حال الكثير ممن حرم دعوة الحق، فإن الكثير منهم يمنعه حب الدنيا. تجد الكثير من الكفار عرفوا الحق، ولكن يمنعهم من الدخول فيه ترك ما هم فيه من الدنيا. يصعب عليهم ويشق. وكذلك قل حتى في درجات هذا الدين، فإن أهل الإسلام يتفاوتون في تمام الاستمساك به؛ لأجل هذا المعنى. ربما بعضهم يعلم أن طريق أهل السنة والجماعة هو الحق، وأن ما عليه الكثير من الناس باطل، لكن يمنعه من ذلك المنصب. يمنعه من ذلك ما هو فيه من دنيا فانية حقيرة، فيؤخره في الدخول في الحق. وفيه من المسائل كذلك: ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من صبره على أذى المنافقين والكافرين. وهذا من حسن خلقه عليه الصلاة والسلام. وهو كذلك يؤكد ما سبق من مراعاة درء المفسدة الكبرى بالصغرى. وهكذا ينبغي أن يكون الداعي إلى الله: لا ينتقم لنفسه، بل ينظر ما فيه مصلحة الدعوة. فإن اقتضى المقام الرد رد، وإن اقتضى المقام الصبر صبر. بل لو أراد الناس جميعًا ينتقم له، ورأى أن المصلحة لا تقتضي ذلك، منعهم. ولا يكون كحال بعض من لا رائحة لعمل بالعلم عنده. ربما يهيج أمة ويثيرها لأجل الانتقام لشخصه، والانتقام لنفسه، ولو على حساب مصلحة الدعوة ومصلحة أهل هذا الدين. وهذا باطل ليس بحق. بل الإنسان يضحي بنفسه إن اضطر الأمر، إذا كان هذا هو الذي يوافق الشرع، وهذا الذي يقتضيه درء المفسدة الكبرى بالصغرى، ونحو ذلك من ثوابت هذا الدين. وفيه من المسائل كذلك: خطورة الخلاف وشره. فإن الخلاف شر، فإذا كان مثل هذا كاد أن يوقع فتنة بين الصحابة -رضي الله عنهم- فمن دونهم من باب أولى. وفيه من المسائل كذلك: أهمية الاعتناء بما قد يجره الشيطان من النعرات الجاهلية، والدعوات الطائفية والشعوبية. فإن ذلك من أعظم ما يضيع الحق، ويحرم الناس منه. وأهل الباطل يحرصون على ذلك غاية الحرص؛ حتى يحرم أهل الحق الحق الذي معهم. يثيرونها جاهلية، عصبية، قبلية، شعوبية. فيكون بذلك المناحرات والخلاف الذي يكون به إضعاف أهل الحق. فمن قواعد الكفار: فرق تسد، فرق تسد. إذا تريد السيادة ففرق. وهذا الذي حرص عليه أهل الباطل من القديم. وفيه من المسائل كذلك: سبب نزول هذه الآية: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾. وفي هذا تسمية الخصومة قتالًا. تسمية الخصومة قتالًا. فإن القتال لا يكون بالسيف والسنان فقط، فقد يكون بالسب والشتم، وضرب الأيدي. فإنه من القتال الذي يحرم. وفيه من المسائل كذلك: ما ينبغي أن يحذر منه من شر الخلاف والافتراق. فإنه إذا وقع مثل هذا في الصحابة، فلا نأمن أن يقع مثله فيمن هو دونهم، فيحذر منه ولا يتساهل فيه. وفيه كذلك من المسائل: ما قد سبقت الإشارة إليه في دروس سابقة: أن أهل الفضل مهما كملوا، فإنهم لا يسلمون من النقص. والشيطان حريص، بل شياطين الجن والإنس حريصون على إيقاع الشر بين أهله. فإذا كان مثل هذا لم يسلم منه الصحابة -رضي الله عنهم- على فضلهم، وهم خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن دونهم من باب أولى. فإذا لا ينبغي أن يكون حصول بعض ما قد ينزق به الشيطان مانعًا من الائتلاف، ومن الاجتماع، ومن التعاون على الخير، والتناصر له وعليه. فإن هذا مما يدعو إليه ديننا. لا يظنن إنسان أنه سيجد مجتمعًا سالما من الأخطاء، وسالمًا كذلك من النقص. ولا يظنن أنه سيجد رجلًا مهما بلغ من الفضل كاملًا وسالمًا من النقص. بل إذا وقع مثل هذا بين الصحابة، فهذا ينبهنا ويعلمنا أنه قد يقع مثله، بل وأشد منه فيمن دونهم. ولكن توزن هذه الخصال بالموازين الشرعية، وتنزل كل مسألة منزلتها. وبالعلم يستطيع أهل الحق أن يصلوا إلى ما فيه صلاحهم في دينهم ودنياهم. نكتفي بهذا القدر، والله تعالى أعلم. يقول: ما حكم لبس القميص الذي يسميه الناس بإكاف؟ وهذا سؤال. نفسه: ما حكم لبس القميص؟ إن شاء الله لا بأس به، لكن الله أعلم. هل هذا عن عمد؟ فهي رمية من رامي، أو رمية من غير رامي. يعني إن استطاع الإنسان أن يزيل هذا الاسم أحسن؛ لأنه يخشى أن يكون استهزاء بالمسلمين. فهمتم السؤال: يوجد بعض القمصان مَسْمَى عليها هنا إكاف، وهنا في الخلف. وهي شركة تصنع القمصان. والإكاف هو إيش؟ كما فهمنا هنا لباس الحمار، لباس الحمار. فأنت تمشي ومعلق هنا إكاف. يعني لابس لباس الحمار في صدرك مكتوب إكاف، وفي رقبتك مكتوب إكاف. فقد يكون هذا عن جهل بعض الناس كتب هذا لا يدري ما معنى هذه الكلمة. محتمل. ومحتمل أن يكون وضع بقصد. يعرفون أن مثل هذه التياب يلبسها المسلمون، فيستهزئون بهم، ويكتبون إكاف. والكثير من المسلمين ما يفهم. يعلق وهو فرحان. شركة إكاف شركة طيبة، وهي بالفعل تدقن الخياط. القميص هذا الذي شركت إكاف متقن. الغالب يأتي متقن. لكن ما رأيكم إنسان يمشي وهو كاتب إكاف؟ يعني أنا لابس هو بالحمار. فالأولى أن تنزعوا، والله أعلم. طيب لهنا، والله تعالى أعلم.