شرح كتاب مختصر فرض طلب العلم  8

شرح كتاب مختصر فرض طلب العلم 8

الدرس في شرح كتاب مختصر فرض طلب العلم 8، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

التواضع وأهميته في طلب العلم

يؤكد الشيخ على أهمية التواضع في طلب العلم، حيث يسهل التحصيل ويجعل المعلمين يحبون الطالب ويفيده. كما يشير إلى أن التكبر يمنع من تحصيل العلم ويجعل المعلمين يكرهون الطالب.

مراحل طلب العلم وآدابه

يمر طالب العلم بثلاث مراحل، ويجب عليه التواضع لمن يتعلم منه والتعامل بلطف معهم. كما يشير إلى أن العلماء يزدادون بالعلم تواضعًا ولينًا، ويجب على الطالب الصبر على مشقة طلب العلم.

التفصيل في مسائل طلب العلم والحفاظ على الدين

يُناقش المقطع أهمية التفصيل في مسائل طلب العلم والحفاظ على الدين، ويحذر من استخدام العلم لتحصيل منافع دنيوية. كما يُوضح أن التصدر للدعوة يحتاج إلى تفصيل، فمن هو أهل للتصدر فهو ممدوح، ومن ليس أهلاً له فهو مذموم.

ختام الدرس وتوجيهات نهائية

تم اختتام الدرس بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مع شكر الحضور وتوجيه التحية لهم. كما تم التأكيد على أهمية التعاون بين طلبة العلم والمشايخ لتحقيق الفائدة المثلى.

  • 28 جمادى الأولى 1439هـ - 13/02/2018مـ
التفريغ النصي الكامل

يسر إخوانكم بموقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم شرح كتاب مختصر فرض طلب العلم للإمام الآجري رحمه الله تعالى، اختصره فضيلة الشيخ عمر بن مصلح الحسين، شرح فضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، القائم على دار الحديث بالفيوش ودار الحديث بالشحر. والآن مع الدرس الثامن. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صله الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فهذا هو المجلس الثامن من مجالسنا في درس فرض طلب العلم ومختصر هذا الكتاب الذي مر معنا عددا من مباحثه في دروس سابقة. وأخر ما وقفنا عليه في الدرس الماضي كلام المؤلف رحمه الله عن التواضع العالم والمتعلم، وكان آخر ما وقفنا عليه عند قوله رحمه الله: «والعمل به خصتان: الحياء والكبر». ومراده رحمه الله، كما تقدم حين ذكر تواضع المتعلم، أن لا يأنف من السؤال عما يغيب عنه، ثم ذكر رحمه الله تبعا لذلك أن من العمل بالعلم والتواضع أن لا يمنعه حياء ولا كبر عن التعلم. ثم ذكر أثر مجاهد رحمه الله مما يوضح ويفسر ويشرح هذا المعنى، قال رحمه الله تعالى: «وروي عن مجاهد أنه قال: لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر». وأشار في التعليق، كما ترون، قال: علقه البخاري في صحيحه في كتاب العلم، باب الحياء في العلم. وقد أشار الحافظ بن حجر رحمه الله في الفتح إلى أن هذا الأثر المعلق عن مجاهد رحمه الله وصله أبو نعيم في الحلية من طريق علي بن المديني رحمه الله، عن ابن عجينة، عن منصور، عن مجاهد رضي الله عنه أرضاه. ثم قال الحافظ بن حجر: وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري، فهو أثر صحيح عن مجاهد رحمه الله ورضي الله عنه. والشاهد من قوله: «لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر»، إذن على طالب العلم ألا يمنعه حياء أن يتعلم العلم، بل يسأل إذا احتاج إلى السؤال. والمراد بالحياء هنا المعنى الأعم الذي يدخل فيه ما يذم، وهو الخور، وإلا فقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الحياء كله خير. والمراد به الحياء بالمعنى الصحيح الشرعي، لأن الحياء بالمعنى اللغوي أوسع من الحياء بالمعنى الشرعي، أما بالمعنى الشرعي فكله خير، أما بالمعنى اللغوي فمنه ما هو خير، وهو ذاك المعنى الشرعي، ومنه ما هو خور، ومنه ما هو خور وتقاعص. أن الخير لا يقره الشرع، وليس هو من الحياء الممدوح، بل هو من المذموم، ومنه هذا الباب، أن يستحيي في طلب العلم أو في السؤال عما يحتاجه من العلم. لكن كما تقدم معنا من الحياء ما هو خير، الذي لا يمنع من العلم، لكن قد لا يستطيع أن يسأل هو، فإذا لا يمنعه من السؤال، فيتخذ واسطة ليسأل، كما مر معنا في حديث علي رضي الله عنه حين قال: «فأرسلت المقداد ليسأل النبي صلى الله عليه وسلم». ما الذي منعه؟ قال: «لمكان ابنتي مني»، لأنه سأل عن المذيء وكثرته، وهو متزوج ابنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فاستحي أن يسأل كما جاء في الحديث، فهذا من الخير، «الحياء كله خير»، لكن لم يمنعه ذلك عن السؤال عن العلم، فأرسل من يسأل له. وهكذا كذلك ينبغي في مواضع الحياء التي تدخل في عموم الخير، يعمل بها الإنسان، ولكن لا يمنعه من تحصيل العلم من طريق آخر. إذن: «لا يتعلم العلم مستحين» يعني الحياء هنا المعنى المذموم من الخور والضعف والعجز، وما كان بمعناه مما يمنع من تحصيل العلم. قوله: «ولا مستكبر»، أي متعالي، المستكبر واضح، لأنه إذا استكبر منعه ذلك أن يأخذ العلم، ظن نفسه على شيء وهو ليس على شيء، وهذا هو الغالب لمن لم يعرف حقيقة العلم ولم يهذبه العلم وأدبه. إلا من عرف حقيقة العلم وأدبه وهدبه العلم، فإنه يحرص على تحصيل العلم ولو ممن هو أصغر منه. وقد ذكر العلماء في كتب الحديث فصولا وأبوابا فيما يتعلق برواية الكبير عن الصغير، فيروي الكبير عن الصغير كما يروي الصغير عن الكبير، لا يمنع ذلك طالب العلم أن يأخذ العلم عن من هو دونه، ولو كان هو أعلم. انظروا إلى ما أخبرنا الله عز وجل به في كتابه الكريم في قصة الهدهد مع نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام، وهكذا كذلك ما أخبر الله عز وجل في قصة الخضر مع موسى عليه الصلاة والسلام. فإنه قد يكون عند من هو دون غيره في الفضل، عنده من العلم ما ليس عند الآخر، فلا يمنعه أن يأخذ العلم منه. ثم قال رحمه الله تعالى: «ولا شك أن طالب العلم إذا صار عنده تواضع كان ذلك سببا في تحصيله للعلم ولتهذيب العلم له، والعكس بالعكس إذا لم يهذب نفسه بهذا الخلق، خلق التواضع، فإنه يمنعه ذلك - والعياذ بالله - من تحصيل العلم، فضلا أن يوفق للعمل به». قال رحمه الله: «وإذا تواضع الطالب للعلماء أحبوه وأفادوه، وإذا تعاضم عليهم وتكبر وأراهم أنه مستغن عنهم مقتوه، وكرهوا أن يفيدوه». وهذا هو الواقع، إذا تواضع الطالب أحبه من يعلمه لما يرى من حرصه على تحصيل العلم، وأما إذا رآه متعاضما ومتكبرا ويرى نفسه أعلم، ويجادل، وفي الحقيقة هذه الأخلاق لا تأتي إلا لمن قصر علمه. لأن زيادة العلم سبب في حصول وتحقيق التواضع، لا يزداد المرء علما إلا وازداد معرفة لنفسه أنه ناقص ويحتاج إلى الزيادة من العلم، فلذلك هو في حاجة أن يتعلم من العلم ما يجده عند غيره ممن هو أعلم منه. فلذلك يلازم ويسأل ويستفيد ويكتب، وأما من لم يكن قصده تحصيل العلم، فإنه يغتر بما معه من القليل، فيجعله صامتا غير حريص على الاستفهام، ولو كان هو لم يفهم خشية أن يظهر أنه لم يفهم، وهذا الكبر منعه من العلم، بينما لو سأل لا ازداد فهما وازداد علما وحرص معلمه على إفادته أكثر وأكثر. وهكذا القول هو: «وأراهم أنه مستغن عنهم مقتوه»، يعني إذا أظهر لهم أنه مستغن عنهم، بمعنى أنه لا يحتاج إلى فائدتهم، ربما يريد أن يتكلم الشيخ بالفائدة فيقاطع الطالب بما يظهر أنه مستغن عن هذه الفائدة، أو بإظهار أن عنده شيئا يريد أن يفيد به، فيدفع ذلك المعلم أن يسكت فيحرم المتعلم ما عند المعلم من العلم. لكن أدب التعلم أن ينصت ويسمع ويسأل إذا أشكل عليه شيء، على الوجه الذي يكون به الأدب مع هذا المعلم. وقوله رحمه الله: «وكره أن يفيدوه»، يعني لما رأوا منه من تكبر واستغناء. ولذلك قيل: إن طالب العلم يمر في طريقه العلمي بثلاثة مراحل، أو ثلاثة أشبار، كما ذكر معنا ذلك صاحب تذكرة السامع المتكلم. فالشبر الأول يكون معه شيء من الكبر بسبب عدم معرفته للعلم، والمرحلة الثانية أو الشبر الثاني أن يعلم أنه جاهل ويحتاج إلى العلم، فيدفعه ذلك إلى التواضع. وأما الثالث فهو أنه مهما ازداد من العلم يرى أنه لا شيء عنده من العلم، لحقيقة سعة العلم مع ما عنده، فيزداد تواضعا بزيادة أخذه للعلم. وهكذا حال العلماء، لا يزدادون بالعلم إلا تواضعا ولينا، وهكذا ينبغي أن يكون طالب العلم. قال رحمه الله تعالى: «أما من يعلم الناس فتواضعه - أي العالم - ثم كان بمعناه»، قال: «أن يشكر الله ويتواضع له، ويعلم أن الله قد خصه بخاصية خير، وجعله وارثا من ورثة الأنبياء». يعني أن من أعطاه الله عز وجل شيئا من العلم فصار معلما، فينبغي أن يشكر الله، ومن شكر الله عز وجل أن يتواضع. وتواضعه كما سيأتي بما يكون من لين جانبه وعدم ترفعه وتنقصه لمن تحته يأخذ العلم، بل يؤدي تأدية من يرى أن ذلك حق، وهذا هو الواقع. أعطى الله عز وجل هذا العالم العلم لا لأجل أن يكتمه، ولكن لأجل أن يبلغه، فهو يؤدي ما أوجب الله عز وجل عليه، فلا يمنع من كان هذا حاله لا بلسان الحال ولا بلسان المقال، ولا يتنقص ولا يترفع ولا يحتقر، بل يلين جانبه ويرفق ويتواضع، ويكون غاية في حسن الخلق والعطاء. قال رحمه الله تعالى: «وجعله وارثا من ورثة الأنبياء، والأنبياء كانوا أكمل الناس أخلاقا عليهم الصلاة والسلام، فإن بغى أن يقتدي بهم». قال: «ويعلم أن كثيرا من الناس قد يحتاجوا إلى علمه، فعليه أن يتواضع لمن يتعلم منه». وتواضعوا كما قلنا: بلين جانبه، وبعدم ترفعه، وببدله، وحسن تعليمه، قال: «ويرفق به ولا يحتقره، ويقرب على المتعلم ما يخاف بعده». يعني من العلم، فإذا رأى أن مسألة فيها إشكال وقف عندها وقفة تقتضي وصول ما فيها من العلم إلى هؤلاء المتعلمين، لا يتكبر ويقول مثلا: «إلى متى وأنا أتأخر؟ أريد أن أمضي»، لا، المقصود أن تعلم من معك، لا المقصود أن تنهي ما في يدك. فلذلك كما قال: «ويقرب على المتعلم ما يخاف بعده»، فإذا كان هناك شيء يخاف أن لا يفهم فيقربه توضيحه، ولو بإعادته. وهكذا قال: «ومن فعل ذلك رفعه الله وحببه إلى عباده»، لأنه ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: «قال عمر بن الخطاب: تعلموا العلم وتعلموا للعلم السكينة والحلم، وتواضعوا لمن تتعلمون منه، ولتواضع لكم من تعلمون، ولا تكونوا جبابرة العلماء، فلا يقوم علمكم بجهلكم». وهذا الأثر، كما أشار، أخرجه البيهقي في الشعب، والخطيب في الجامع، ووكيع في الزهد، وله طرق كثيرة يرتقي بها إلى الحسن، وبعضها بحد ذاتها حسن. ورؤية كذلك عن علي رضي الله عنه موقوفا من قوله بمعنى ما روي عن عمر رضي الله عنه، وروي مرفوعا من حديث ابن عباس، لكنه لا يصح كما في أمالي شجري. فجاء من حديث ابن عباس، لكنه ضعيف، لأنه من طريق ليث بن أبي سليم، أن مجاهدا عن ابن عباس، وهذا إسناد لا يصح. وهكذا كذلك جاء مرفوعا من حديث أبي سعيد الخدري، وهو ضعيف أيضا، جاء من طريقي عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، وهذا كذلك إسناد آخر لا يصح. فصح موقوفا من حديث عمر، وجاء معنا من حديث علي، فهو أثر صحيح. وقوله: «تعلموا العلم وتعلموا للعلم السكينة والحلم»، يعني حث منه رضي الله عنه على تعلم العلم، وحث على أن يتعلم للعلم السكينة والحلم، فالعلم يحتاج العمل، فمما يعين على بقاء العلم وتحصيله العمل به، ومن ذلك السكينة والحلم والتواضع كما تقدم معنا. «وتواضعوا لمن تتعلمون منه»، يعني هذا مما يعينكم على تحصيل العلم. «وليتواضع لكم من تعلمون»، يعني كذلك المعلم يتواضع، لأن هذا أدعى لقبول العلم والانتشار العلم، ولحب أخذ العلم عن هذا العالم. «ولا تكونوا جبابرة العلماء»، لماذا؟ لأنه إذا تكبر ولم يتواضع وتعالى ولم يلين، منع ذلك التجبر طلبة العلم أن يأخذ منه العلم، فيكره ويمقتوه، ويكون بينه وبينه حاجزا يمنعه من تحصيل العلم منه. وقوله: «فلا يقوم علمكم بجهلكم»، والمعنى: عليكم بالعمل بالعلم لترفعوا الجهل، فالجهل جهلان: جهل العلم، وجهل العمل. ومن جهل العمل ما يمنع من تحصيل العلم، فعملنا بالعلم يعيننا على تعلم العلم. قال رحمه الله تعالى: «ومن تأمل ما ورد في فضل العلم لم يؤثر على طلب العلم شيئا إلا ما لابد منه، وصبر على ما يلحق فيه من مشقة». والمعنى: إذا حرص طالب العلم على تعلم العلم وعلم ما فيه من فضل، دفعه ذلك على الصبر على تحصيله، ولم يضره ما يناله من مشقة وأذية وتعب ونصب وضيق حال، ما دام أنه في هذا الفضل العظيم، فضل العلم. قد تقدم معنا في أوائل هذا الكتاب شيئا مما يتعلق بفضل العلم، فإذا لم يمنعه شيء عن طلب العلم، ولم ينشغل إلا بما لابد منه، يعني مما يحتاجه الإنسان. فمثلا في يومه وليلته يحتاج أن ينام يستعين بنومه على جده واجتهاده في سائر يومه وليله، ويحتاج لطعام وشراب يعينه على قوته في تحصيل العلم، فيأخذ ما لابد منه. وهكذا كذلك الحقوق الشرعية كالصلوات وما يتعلق بحق الله، أو حق المخلوقين كحق الوالدين وحق الزوجة والأبناء إن كان متزوجا، فهذا كله لابد منه فيؤدي ذلك لا يتوسع، لأن التوسع ينقصه تحصيله للعلم فيفوته شيء كثير. قال: «وصبر على ما يلحق فيه من مشقة»، لأن طلب العلم فيه مشقة، مشقة في التعلم، في الحفظ، في الرحلة، وفي الكتابة والفهم، وغير ذلك من مباحث العلم الكثيرة التي يكون معها مشقة. كذلك مشقة العيش، لأن الذي يريد أن يحصل العلم يمنعه ذلك أن يتوسع في دنياه، فيلحقه شدة في حياته، لأنه ليس كسولا عن التكسب والتعيش، ولكن آثر قلة الدنيا بأن يأخذ منها قدر ما يكفيه فقط. وليس معناه أن يكون صاحب اليد السفلى، لا، بل يتكسب تكسبا يغنيه، ولا يتوسع يأخذ قدر الحاجة. وإذا يعين بغيره لا مانع، إذا مثلا فرغ طالب العلم، وهذه مسألة: هل طالب العلم يؤثر التفرغ مع قبول من يحسن إليه بالنفقة ليتفرغ لطلب العلم، أم يرد هذا الإحسان ويتكسب ويأكل من كسب يده كما كان الأنبياء عليه الصلاة والسلام والصحابة رضي الله عنهم؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، والصحيح أن المسألة فيها تفصيل، من استطاع أن يأكل من كسب يده ولا يمنعه ذلك من طلبه للعلم، فهذا هو الأفضل والأكمل. ومن لم يستطع، جاز له أن يأخذ، بشرط أن لا يكون في ذلك من عليه ضرة في دينه، أم إذا كانت هذه المنة قد تضره في دينه، فهنا ينبغي عليه أن يرد هذا العطاء، لأنه عطاء ينقص من دينه. ما فائدة طلب العلم إذا كان ثمرته نقصان الدين؟ فلذلك الصحيح في هذه المسألة التفصيل. وقد تكون هناك أحوال وحالات يستثنى فيها ويختلف فيها حال الناس من شخص إلى آخر، ومن زمان إلى زمان، ومن مكان إلى آخر. فالمهم أننا نحرص دائما في مثل هذه المسائل وما كان بمعناها، على تفصيل يقدم فيه صلاح وسلامة الدين، هذا هو الأصل. قال رحمه الله تعالى: «وإنما يفعل ذلك من هو مشفق على دينه، يخاف عليه أشد من خوف على نفسه وماله إن كان ذا بصيرة وعقل». هذا هو الضابط، أن يحرص على سلامة دينه، كيف ذلك؟ طبعا تحصيل العلم سبب لقوة الدين إذا عمل بعلمه، فلذلك لا يؤثر عليه شيء. هذا هو الأصل، وفي نفس الوقت كذلك لا ينبغي له أن يجعل طلبه للعلم سببا لنقصان دينه، كيف ذاك؟ بأن يتكسب بالعلم، العلم حقيقة يدعو إلى العمل، فعلم لا يدعو إلى العمل فهو علم ضار. ومن ذلك أن يتخذ العلم وسيلة لأن يتكسب به، سواء بالشهرة أو المناصب أو الوظائف أو غير ذلك. فكما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل أنه قال: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه». فينبغي أن يصفي كل عمل مما قد يشوبه، فيبطل الأجر. قال رحمه الله: «ورأس مال المؤمن دينه، حيث ما زال زال معه، ولا يخلف في الرحال ولا يمن عليه الرجال». والمعنى: كما أشار أنه في المطبوع: «ولا يخلفه في الرجال ولا من عليه الرجال»، وهذا خطأ. والذي يظهر أن هذا الذي ذكره هنا هو الصواب، والمعنى: أن الإنسان يحافظ على رأس ماله، وهو الدين، هذا هو الأصل. فلو كان محافظا على الدين على حساب نقصان العلم، فلا عيب في ذلك، لماذا؟ ما الفائدة من علم كثير، لكنه مع نقصان الدين؟ كيف ذاك؟ ذاك مثلا أن يصل لتحصيل العلم بالرحلة بالمال الحرام مثلا، هذا ليس صحيحا، بل إن تيسر المال الحلال، وإلا فلا خير في رحلة في طلب العلم بمال حرام، لأنه أذهب رأس المال وخسر رأس المال. فإذا زال رأس المال زال معه ما يخلفه في الرحال، يعني كيف تريد أن تحصل العلم وأنت قد خسرت الدين؟ إذا خسرت الدين لم تحصل العلم، ولو حصلته لم تجد بركته، يذهب تذهب بركته. وهكذا كذلك إذا ذهب الدين ذهب معه كل شيء، والرجل مهما بلغ في رجولته إذا لم يكن محافظا على دينه ذهب كل ما معه من معاني الرجولة والخير، لأن الرجولة الحقيقية والخير الحقيقي بالحفاظ على رأس المال، ألا وهو الدين. قال رحمه الله: «واعلم - رحمك الله - وإياك في زمان كثير الفتن من جهات كثيرة، إن لم يكن مع الإنسان علم بالخلاص من كل فتنة ترد عليه وإلا فقد هلك». ختم رحمه الله بهذا التنبيه، إشارة منه رحمه الله إلى ضرورة زيادة التحري والاحتياط في حفظ الدين، وأن يطلب العلم على وجه يكون فيه حفظ الدين. وأكد ذلك بأن زمانه - رحمه الله - وهذا في زمان الآجري - في ذاك الزمان الذي فيه العلماء والعلم والخير، فما عسانا أن نقول في مثل هذا الزمان؟ وقد كثرت فيه الفتن. حقيقة يقول ذلك وهو في القرن الرابع الهجري، توفي رحمه الله الآجري في سنة ستين وثلاثمائة للهجرة، فماذا عسانا أن نقول ونحن بعد أكثر من أربعمائة وألف من الهجرة؟ فإذا كان قال هذا في ذاك الزمان، فماذا عسانا أن نقول في هذا الزمان؟ إذن علينا أن نحتاط وأن نحرص أكثر وأكثر لكثرة الفتن من جهات كثيرة. وقول: «إن لم يكن مع الإنسان علم بالخلاص من كل فتنة ترد عليه وإلا فقد هلك»، ومعناه: احرص على العلم ليحفظك الله عز وجل بهذا العلم من هذه الفتن الكثيرة التي ترد من جهات كثيرة. في هذا الزمان الذي قل به العلم والعلماء، وكثر فيه أهل الجهل والفتن، ففيه حث على تحصيل العلم، لأن العلم حصن حصين يتحصن به المسلم من سائر الفتن، سواء فتن الشبهات أو فتن الشهوات. فإنه لا عاصم بعد عصمة الله سبحانه وتعالى بمثل العلم، فبالعلم يبصر ما لا يبصر غيره، ويسلم بإذن الله سبحانه وتعالى من الفتن، سواء فتن الشبهات أو فتن الشهوات، لأنه بالعلم يكون على بصيرة وعلى نور، يرى ما لا يرى الآخرون، ويدرك ما لا يدرك غيره. فبالعلم يدفع تلك الشبهة، ويحمي نفسه من تلك الفتنة. وقوله رحمه الله: «ترد عليه»، يعني إذا وردت فهو محفوظ ومحصن بهذا العلم، محفوظ ومحصن بهذا العلم. ومن لم يحفظ نفسه بالعلم، كان عرضة لهذه الفتن، كان عرضة لهذه الفتن، ولا عاصم ولا حافظ بعد حفظ الله وعصمة الله سبحانه وتعالى بمثل العلم. طيب نكتفي هذه الليلة بهذا القدر، وإن شاء الله نكمل ما تبقى في درس لاحق. وننظر الآن إن شاء الله إلى ما يتيسر مما ورد من الأسئلة. هذا سؤال يقول السائل فيه: هل التصدر للدعوة ينافي التواضع الذي ينبغي أن يكون عليه طالب العلم؟ الجواب في هذا تفصيل، إن أراد بالتصدر تصدر من ليس أهلا للتصدر، فهذا لا شك أنه خطأ، ولذلك تحصل الأخطاء في الساحة الدعوية بسبب تصدر من ليس بأهل. وأما تصدر من هو أهل، ومن أذن له العلماء بالتصدر، ومن أحال العلماء إليه بأن يتصدر معلما أو خطيبا أو إماما بحسبه، فهذا من أداء الأمانات، بل هو من الجهاد في سبيل الله، الجهاد بالعلم، ومن تبليغ العلم. لكن كما تقدم أن يؤذن له، وأن يكون بحسب ما أذن له، وشهد له بأنه أهل فيه. فحافظ القرآن الذي شهد له مشايخه بحفظه وأهليته أن يؤم الناس ويعلم الناس، فهذا يتصدر في هذا الموضع، حتى لا يأخذ هذا المكان أهل الأهواء وأهل البدع وأهل الباطل. وهكذا كذلك الخطيب الذي شهد له مشايخه علماؤه أنه أهل للخطابة، وهكذا كذلك المدرس الذي شهد له علماؤه مشايخه أنه أهل للتدريس، سواء في علم أو علمين أو ثلاثة، بحسب ما أذن له وشهد له فيه. فمثل هذا ممدوح، والأول كما تقدم مذموم، فينبغي التنبه لمثل هذا التفصيل. ومع هذا من كان أهلا يحرص حتى لا يفتن نفسه ولا يمرض نفسه على أن لا يرضى لأحد أن يرفعه فوق منزلته، ليس كونه صار إماما أو صار خطيبا أو صار معلما ومدرسا يتعاظم بكلامه ويترفع على من يعلمهم أو على مجتمعه، لا، هذا ليس صحيحا. بل العلم يزيد صاحبه تواضعا، وكذلك لا يرضى لأحد أن يرفعه فوق منزلته. حسب يقول طالب علم: «أنا طالب علم، لا ترفعوني فوق منزلتي». كان مشايخنا - وهما إمامان - يقولون: «حسبنا أن نكون طلبة علم». كما كان شيخنا مقبل رحمه الله يقول هذا كثيرا، بل وسمعتها - والله - من شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز، يقول: «نحن طلبة علم، استغفر الله، نحن طلبة علم». وهكذا شيخنا الشيخ عثيمين رحمه الله يقول: «نحن طلبة علم». وهم من عرفتم، أئمة العصر في هذا الزمان، ومع ذلك ما يرضون أحدا يرفعهم، لا يبالغ في الزمان، بل أحيانا شيء يليق بهم ويستحقون أكثر منه، ومع ذلك تهذيبا لأنفسهم ولغيرهم لا يرضون بمثل هذه الألقاب. فماذا عسانا أن نقول ونحن الصغار طلبة العلم الصغار؟ فلا ينبغي أن نمرض أنفسنا بتلك العبارات والألفاظ والألقاب التي توسع فيها الكثير إلا من رحم الله. فنهذب أنفسنا ونربي أنفسنا ومن معنا على التواضع بارك الله فيكم. وهذا سؤال آخر يسأل فيه السائل: ما هي الوسائل التي تعين على التواضع؟ الجواب: هي كثيرة، علمية وعملية، من العلمية أن يقرأ ما كتبه العلماء قديما وحديثا في هذا الباب، في كتب الآداب والأخلاق، أخلاق طالب العلم، مثل كتاب تذكرة السامع، وهكذا كذلك غيره من كتب أهل العلم في هذا الباب قديما وحديثا. وأخرى عملية، بأن يقرأ في تراجم العلماء، كيف كان أدبهم، كيف كان خلقهم، كيف كان تواضعهم. وهكذا كذلك يخالط العلماء، ينظر، وهذا هو الفرق بين من أخذ العلم عن المشايخ، لم يأخذ فقط المعلومات، بل يأخذ مع العلم العمل، الهدي والسمت والأدب، وكيف يتصرف في كل موقف. فيكون له قدوة، فيأخذ من مثل هذا، ونحوه ما يعين على تهذيب نفسه. كذلك الأمر الثالث: يحرص على إمرار هذا العلم والعمل على حياته وسيره في طريق العلم. فرق بين أن تعلم وأن تعمل بما تعلم، تمر علينا المسائل الكثيرة العلمية والعملية، ولكن هل طبقناها؟ هل فتشنا في أقوالنا وأفعالنا ومواقفنا، هل هي موافقة لهذا العلم والعمل الذي علمناه؟ هذا هو المقصود، وهذا هو المطلوب، وبهذا إن شاء الله يعيننا الله على إصلاح أنفسنا. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه. هذا سؤال ثالث يسأل فيه السائل عن مسألة، وإن كانت ليست متعلقة بالدرس، لكن لا بأس أن تذكر إن شاء الله. يقول: بعض إخواننا ينشغل في طلب العلم بالتفريغ، تفريغ بعض الأشرطة، فأيهما أفضل: أن يفرغ الأشرطة عن المشايخ، أو يأخذها من معه ممن يدرس العلوم في مركزه؟ الجواب: خير له أن يجمع بين الأمرين، بين السماع للعلماء في الصوتيات، أو القراءة في الكتب، مع ما يأخذه مشافهة من المشايخ الذين يدرسون تلك الكتب والعلوم الموجودة في واقع تلك الدار أو تلك المدرسة. لأنه سيحتاج أن يسأل عن أشياء تمر به لا يجد جوابها في تلك الصوتيات أو تلك الكتب. كذلك ربما يفهم شيئا خطأ، فأثناء النقاش وسؤال الشيخ أو المدرس لطلاب، أو سؤال بعض الطلاب للمدرس أو الشيخ، يثبت الفهم الصحيح ويزول الفهم الخاطئ. وغير ذلك كثير من مصالح مشافهة العلم وأخذه، كذلك ما يكون من مراجعة العلم ومذاكرته. لأنك إذا راجعت العلم بهذه المدارسة تمر بك المسائل فتثبت، بخلاف إذا كنت تسمع أو كنت تقرأ، قد ترد عليك تلك الصوتية أو ذاك الذي تقرؤه في الكتاب وأنت ذاهل، وأنت شارد الذهن، أو غير ذلك مما لا يكون معه حسن إتقان هذا العلم. فلذلك اجمع بين الأمرين، والأفضل أنك تجعل سماعك وقراءتك يوافق ما تدرس. أنت مثلا تدرس الآن في الأجرومية، تسمع شروح العلماء في هذا الكتاب، تدرس في الباعث الحديث، تسمع وتقرأ ما ذكره العلماء وما شرحه العلماء لهذا الكتاب. وبهذا تكمل لك الفائدة، لكن احرص على أن يكون سماعك وقراءتك لإفادة نفسك، لا لتعارض وتسابق المدرس، حتى لا تفسد على نفسك نيتك والعلم الذي أنت تطلبه. وإذا كان المعلم قصر في فائدة، فلا يدفعك ذلك أن تنتقص وتترفع على معلمك، بل العكس ينبغي أن يدفعك ذلك أن تعلم أن الناس تفاوتوا في العلم. بل ربما لحكمة لم يذكر تلك الفائدة، لأنه يريد أن يدرجك في العلم. فالمهم تقصد بذلك إفادة نفسك، لا التشويش على غيرك. وأخيرا أنصح إخواني المشايخ والمشرفين في دار الحديث والفيوش، وكبار طلبة العلم، بالتعاون فيما بيننا، وبين أن نكون جميعا كالأسرة الواحدة. فإن أهل الإيمان عموما، ولا شك طلبة العلم من باب أولى وأخص، هم كالبنيان الواحد يشد بعضه بعضا. وبهذا التعاون والتكاتف يشتد بنيان أهل الإيمان، ومن باب أولى بنيان هذه المراكز الطيبة المباركة، بالنصيحة الصادقة، والتعاون، والأخوة، وأخلاق الإسلام النبيلة، ونصيحة، وغير ذلك، وغير ذلك مما ينبغي أن يكون عليه المسلم، فضلا عن طالب العلم. فلا يمن وحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فالإخوة الذين فتح الله عز وجل عليهم بالعلم يعينوا إخوانهم بالتعليم، سواء الدروس العامة والدروس الخاصة. والدروس الخاصة أولى وأهم، لأنها هي التي تخرج طلبة العلم، وهنا تنبيه: لو لم يحضر إلا القليل، مقارنة بالدروس العامة، فلا يكون ذلك مانعا من استمرار المدرس. وكذلك رفع معنوية المدرس والطالب في الاستمرار في الدرس، لو كان معك رجلا واحدا ينفع الله عز وجل به في المستقبل، والله خير لك من كثير هم في النهاية ليسوا بطلبة علم، يتفرقون للطلب، وينفعون المجتمع. فالدروس الخاصة هي الأنفع، مع ما في الدروس العامة من التنبيهات والفوائد، وغير ذلك لا شك، لكن كذلك لا تهمل الدروس الخاصة في كافة العلوم، لأنه هي التي تبني طالب العلم وتخرج الدعاة. وكذلك المشايخ ومن ينفع الله عز وجل بهم في المجتمع، فينبغي أن يجتهد الإخوة الكبار ومشايخ الدار بالدروس الخاصة في كافة العلوم، ويصبر المدرس في درسه. وكذلك يحرص الإخوة طلبة العلم لحضور هذه الدروس الخاصة، ويصبر أنفسهم عليها، فهي التي أخرجت العلماء والمشايخ. وهكذا من كان يستطيع أن يعين إخوانه في باب الإشراف، وباب الإدارة، أو أبواب أخرى، يتعاون الجميع، وتعاون على البر والتقوى، ولا تعاون على الإثم والعدوان. ومن لم يستطع، فلا أقل من أن يدعو بدعوة صالحة، بالتيسير والتوفيق، وحسن الظن بإخوانه، وبمن معه، بما يكون به - إن شاء الله - حصول الخير. ونحذر من القيل والقال، وغيرها مما يطمع به الشيطان، مما يفرق الصف، ومما يبث الشحناء والبغضاء. وهذا لا شك أنه من أعظم مطامع الشيطان، وجود التنازع، وجود البغضاء والشحناء التي هي سبب التنافر والتدابر والفرقة. والله عز وجل يقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، ويقول سبحانه: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي: قوتكم. نسأل الله سبحانه وتعالى لنا وللجميع التوفيق والسداد، ونجعلنا وإياكم مفاتيح خير، مغالق شر. والحمد لله رب العالمين. طيب نكتفي بهذا القدر وإلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وجزاكم الله خيرا، شكرا.