الدرس في التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 18، الدرس الثامن عشر : الحديث المبهم . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الإبهام في الحديث هو عدم تسمية شخص في السند أو المتن، ويختلف حكمه باختلاف حال المبهم وموقعه في السند أو المتن. الإبهام في السند يؤثر على صحة الحديث بينما في المتن لا يضر.
يمكن معرفة المبهم من خلال طرق أخرى أو تنصيص الأئمة، ولا تقبل رواية المبهم في السند حتى يعرف، بينما الإبهام في المتن لا يضر في صحة الحديث. يتم كشف إبهامه بجمع الطرق واستخدام الكتب المتخصصة.
يتم استخدام الكتب المتخصصة في المبهمات والبرامج الحاسوبية لمعرفة المبهم مع الحذر من الأخطاء، ويتم ختام الحديث بالتأكيد على أهمية معرفة حال المبهم لصحة الحديث. الحديث صحيح ويحتوي على معانٍ وفوائد مهمة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال الناظم رحمه الله تعالى: ومبهم ما فيه راو لم يسم. قال الشارح رحمه الله تعالى: الحديث المبهم، قال. قوله: ومبهم، أي من الحديث، أي من أنواع الحديث حديث المبهم. وسيأتي معنا أن الإبهام قد يكون في السند، وقد يكون في المتن. فمن مباحث علم الحديث مبحث، أو علم يتعلق، أو نوع يتعلق بالمبهمات. قال: أي حده هو، ومعنى حده، أي تعريفه كما سبق معنا. قال: قوله: ما، أي حديث، ومعنى: وبمهم ما فيه راو لم يسم، أي أي حديث فيه راو لم يسم، سواء كان هذا الراو الذي لم يسم في المتن، أو كان هذا الراو الذي لم يسم في السند. قال: وقوله: فيه راو لم يسم، أي لم يذكر باسمه، بل أبهم وأخفي، سواء كان رجلا أو امرأة في المتن أو الإسناد. وهذا الإبهام بأي صورة وكيفية من صور وكيفيات الإبهام، كأن يقول: عن رجل، أو عن امرأة، أو يقول: عن عمه، أو عن خاله، أو كذلك عن أبيه إذا لم يعرف اسم الأب، أو عن أخيه، أو أمه، أو خالته، أو غير ذلك. فهذا كله من الإبهام. ومثله: عن شيخ، شيخ مبهم، ما هو مسمى، أو تلميذ. فهذه كلها ألفاظ فيها معنى الإبهام. قال: مثاله في المتن: حديث عائشة أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أصلها من المحيض، قال: «خذي فرصة من مسك فتطهر بها» الحديث، والحديث في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها. قال: واسم هذه المرأة أسماء بنت شكل على الصحيح. وسيأتي معنا في التعليق أنه اختلف في اسمها، ولكن جاء في رواية عند الإمام مسلم أنها أسماء بنت شكل. قال: والفرصة، بكسر الفاء، قطعة من صوف ونحوه. بعضهم خصه بالصوف والقطن، وبعضهم قال: الفرصة القطعة من أي قماش، يعني القطعة من أي شيء من أنواع القماش الثياب يسمى فرصة. والظاهر، والله أعلم، أن المراد بالفرصة: الفرصة، القطعة التي يحصل بها المقصود في مثل هذا المقام؛ لأنه ليس كل نوع من القماش يحصل به المقصود في هذا المقام. قال: ومثاله في الإسناد: ما إذا قيل: حدثني سفيان عن رجل، يعني غير مسمى. وحكمه الضعف إذا كان في السند، ولم يعلم لعدم وروده في طريق أخرى. وفي هذا إشارة منه إلى أن الإبهام يكشف ويبين بجمع الطرق. فجمع طرق الحديث يستطيع بها الباحث أن يصل إلى معرفة اسم المبهم. قال: ومن أحسن الكتب التي يعرف بها جمع الطريق: الكتب التي اختصت بهذا الباب، سواء ما تعلقت بالمبهمات، كالمبهمات للخطيب، أو ابن بشكوال، أو غيرها من كتب المبهمات، أو كذلك الكتب العامة التي فيها جمع الطرق، مثل تحفة الأشراف، والجامع في معرفة الأسانيد، أو كتب التخاريج، كنصب الراية للزيلعي، أو تلخيص الحبير للحافظ ابن حجر، وغيره من الكتب الأخرى، كبارا وصغارا، فيما فيه بغية الباحث من ذكر تسمية هذا المبهم في السند أو في المتن. قال: وقد يجتهد هو، أي الباحث، في البحث في كتب المسانيد والسنن والمصنفات والأجزاء، بما يمكن به الوصول إلى معرفة اسم هذا المبهم. واليوم، الحمد لله، تيسرت للباحثين وسائل حديثة، يستطيع بها أن يصل إلى اسم هذا المبهم، كبعض البرامج الحاسوبية التي بها يستطيع الوقوف على هذا المتن أو هذا الإسناد من مضان كثيرة جدا، فهو يساعد ويقرب. قال: مع التنبه إلى أن طالب العلم لا ينبغي أن يعتمد اعتمادا كليا على هذه البرامج؛ لكثرة الخطأ فيها. أحيانا تنحدث صفحة بسبب الطابع الذي يطبع، تبحث عن عبارة ما تجدها، أو حديث ما تجده، وإذا رجعت إلى المطبوع تجده، والسبب أن صفحة سقطت على الطابع، وهذا كثير. قال: فالممارس مع هذه البرامج يكتشف أخطاء أحيانا: أخطاء في الأسماء، أحيانا أخطاء في الأسانيد، أحيانا أخطاء في سقوط بعض الصفحات، أحيانا أخطاء في الترقيم، وغير ذلك من الأخطاء. لذلك هي تقرب، ولا تضبط ضبطا كاملا، ولا ينبغي أن يعتمد عليها اعتمادا كاملا، بل يستعين بها. قال رحمه الله تعالى: ولم يعلم. قال: طيب، وحكمه الضعف إذا كان في السند، يعني المبهم في السند، ولم يعلم لعدم وروده في طريق أخرى، يعني لم يعلم هذا المبهم من هو. فإذا علم فيحكم عليه بحسب حاله، وكذلك عدالته. إن كان ثقة فهو، يعني في أهل الصحيح، أو صدوق في أهل الحسن، أو دون ذلك. فالضعيف والضعيف درجات، إما في الشواهد، أو في غير الشواهد. قال: أما في المتن فلا يضر، يعني إذا وجد الإبهام في المتن، فهذا لا يضر في صحة الحديث. وفائدته، أو وفائدة معرفة، زوال معرفة زوال الجهالة. لا، إذن، وفائدته: معرفته، زوال الجهالة. طيب، يعني يكون فائدة هذا المبحث هو زوال الجهالة. وفائدته: معرفته، زوال الجهالة، يعني أن الجهالة تزول. قال: أما إذا كان في السند؛ لأن به يصح الحديث، ويحكم عليه بما يناسبه، وإلا فهو ضعيف. وأما في المتن، فزوال الجهالة مفيد لأشياء قد يكون ذلك يتعلق بمناقب وفضائل، فتعرف أن هذا الحديث فيه منقبة وفضيلة لمن من الصحابة، فهو فلان ابن فلان، فتزداد عندك منقبة وفضيلة لرجل من الصحابة. في بعض الطرق لم يسمى، وسمي في طرق أخرى. قال: مع الانتباه أن الطريق التي يسمى فيها المبهم ينبغي أن تكون صحيحة. وهذا ما يقع فيه الخطأ؛ إذ أنه ربما يكون الحديث صحيحا بالإبهام، وضعيفا بالتصريح بالمبهم. فعند ذلك لا ينبغي أن يقال: ذاك المبهم الذي في الحديث الصحيح هو هذا الرجل المصرح بإسمه في هذا الحديث الضعيف؛ لأن الضعيف لا يثبت به حكم حتى يصح. قال: فإن جاء من طرق، وارتقى إلى الحسن، فيثبت به الحكم. قال المعلق رحمه الله تعالى: تعريفه لغة: هو اسم، وفعول من الإبهام، ضد الإيضاح، وهذا واضح. المبهم ضده الواضح. قال: اصطلاحا: هو الحديث الذي في متنه، أو في سنده، شخص لم يسمى. وعرفنا صيغ الإبهام، وليس له صيغة واحدة فقط: رجل أو امرأة، بل قد يكون: شيخ، أو تلميذ، أو عم، أو أب، أو أخ، أو أم، أو غير ذلك. قال: ويستدل على معرفة اسم المبهم بطريق أخرى مسمى فيها، أو بتنصيص من الأئمة المطلعين. وهذا التنصيص كذلك ما يكون بالرأي والهوى، إنما يكون بالنص، أن يكون في طرق أخرى، أو بأدلة. إذا كان في السند بأدلة أخرى، كان يصرح أحد الأئمة أن فلان روى حديثا فيه مبهم، هذا المبهم هو فلان ابن فلان، عرفته بكذا وكذا. قال: مثال ذلك في المتن: ما رواه الشيخان من حديث عائشة رضي الله عنها أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن وصلها من الحيض كيف تغتسل، فقال: «خذي فرصة من مسك فتطهر بها». فهذه المرأة المبهمة اسمها أسماء بنت شكل. وأسماء لم يختلف العلماء في الاسم الأول، ولكن اختلفوا في الاسم الثاني. قال: لثبوت ذلك في بعض طرق الحديث في مسلم، يعني في رواية للإمام مسلم في كتاب الحيض. وأشار في حاشية التعليق بقوله: جزم ابن الصلاح في مقدمته أنها أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية، وكان يقال لها خطيبة النساء. وفي رواية لمسلم تسميتها أسماء عندي بنت شكل. الصواب بنت شكل. قال: وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، والخطيب في المبهمات، من طريق يحيى بن سعيد عن شعبة هذا الحديث، فقال: أسماء بنت يزيد بن السكن، بالمهمل والنون، الأنصارية، التي يقال لها خطيبة النساء. وتبعه ابن الجوزي في التلقيح، والدمياطي، وزاد: أن الذي وقع في مسلم تصحيف؛ لأنه ليس في الأنصار من يقال لها شكل، يعني بنت شكل. قال: وهو رد للرواية الثابت بغير دليل. وقد يحتمل أن يكون شكل لقبا لسمى. والمشهور في المسانيد والجوامع في هذا الحديث: أسماء بنت الشكل، كما في مسلم، أو أسماء لغير نسب، كما في أبي داود. وكذا في مستخرج ابن منده من الطريق التي أخرجه منها الخطيب. قال: وحكى النووي في شرح مسلم الوجهين بغير ترجيح. والله أعلم. وللعلماء في هذا ثلاثة أقوال مشهورة. أولها: ترجيح اسم شكل. وثانيها: ترجيح الأنصارية بحذف شكل. كما سمعنا القولين. والثالث: أنها قصتان. وحكى هذا الثالث المنذري رحمه الله تعالى. قال: فهذه ثلاثة أقوال مشهورة. فأما إثبات اسم أسماء بنت شكل، فهذا ثابت كما جاء في صحيح مسلم، وهو ظاهر. وأما نفي أسماء بنت شكل، فهو مرجوح؛ لأنه ثابت. بقي إضافة اسم أسماء الأنصارية، أو بنت يزيد بن السكن الأنصارية، فهذا كما رأينا ثبت، لكن خارج الصحيح. قال: ونبه العلامة الألباني رحمه الله في تمام المنة إلى أنه أخطأ بعض الحفاظ إذ نسبوا هذا إلى صحيح مسلم، وأنه ليس في صحيح مسلم هذا، وإنما في صحيح مسلم الإبهام، وفي رواية التصريح بأنها أسماء بنت شكل. فعلى صحة الرواية الأخرى يحتمل أن تكون امرأة أخرى كما قال المنذري رحمه الله، فتكون قصة أخرى. قال: ويحتمل أن تكون هذه المرأة، ولكن لها أكثر من مسمى، أو كان أحدهما لقبا والآخر اسما، فلا مانع من هذا. والله تعالى أعلم. قال رحمه الله تعالى: ومثال ذلك في السند: ما رواه أبو داود من طريق حجاج بن فرافصة عن رجل عن أبي سلمة عن أبي هريرة: «المؤمن غر كريم». والحديث معناه صحيح، وحسنه الألباني رحمه الله في مواضع. قال: فهذا الرجل الذي ورد ذكره في السند أنه يحيى بن أبي كثير. فقد روى الحديث أبو داود والترمذي من حديث بشر بن رافع عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة. ويحيى بن أبي كثير يروي عن أبي سلمة، فعلم بجمع الطرق من المبهم. فيحكم عليه بحسب حال هذا المبهم. قال: حكم المبهم: لا يقبل المبهم ما لم يسمى؛ لأن شرط قبول الخبر عدالة راويه، ومن أبهم اسمه لا تعرف عينه، فكيف عدالته؟ وبهذا يعلم أنه ضعيف حتى يعرف من هذا المبهم، وليس هذا فحسب، حتى يعرف حاله: هل هو من أهل الصحيح أم لا؟ قال: وكذا لا يقبل خبره ولو أبهم بلفظ التعديل على الأصح. أبهم بلفظ التعديل، كأن يقول الراوي: حدثني الثقة، ولم يسم أحدا؛ لأنه ثبت عن عدد من أهل الحديث أنه يقول: حدثني الثقة، فعند البحث وجدوا أنه ليس بثقة. كما يروى عن إمام الشافعي رحمه الله نحو ذلك في الحارث الأعور. قال: فهذا قال، وقال ابن كثير: فهذا ممن لا يقبل روايته، أو لا يقبل روايته أحد علمنا. ولكن إذا كان من عصر التابعين والقرون المشهود لهم بالخير، فإنه يستأنس بروايته، ويستضاء بها من مواطن، يعني كأنه يقول: في الشواهد. وبعضهم يضيف إلى ذلك أن يكون هناك توثيق ممن يقبل توثيقه، أي ممن يعرف أنه لا يوثق إلا من هو أهل لذلك، ليس ممن هو متساهل. قال: وقال بعض الأحناف في قبوله، وإن أبهم بغير لفظ التعديل، بشرط أن يكون من القرون الثلاثة دون ما عداها. وهذا ذكر في قواعد علوم الحديث كما أشار. والصحيح أن المبهم لا تقبل روايته حتى يعلم من هو. قال: وأنه إذا كان في عهد التابعين، وكان كذلك بتوثيق من لا يعرف عنه التساهل، فهو يصلح للشواهد، ولكنه لا يصح منفردا، لا يصح منفردا كما حكاه ابن كثير رحمه الله. قال: هذا إذا كان الإبهام في السند. وأما إذا كان الإبهام في المتن، فإنه لا يكون سببا في ضعف الحديث ورده؛ لأنه لا يضر في صحة الحديث. قال: فائدته: إن كان الإبهام في السند، قال الحافظ ابن كثير: وأهم ما فيه ما رفع إبهام في إسناد، كما إذا ورد في سند عن فلان ابن فلان، أو عن أبيه، أو عمه، أو أمه، فورد التسمية هذا المبهم من طريق أخرى، أو من طريق أخرى. نعم، أو طريق أخرى. هذا وهذا، فإذا هو ثقة، أو ضعيف، أو ممن ينظر في أمره. فهذا أنفع ما في هذا، أي في معرفة المبهمات. وهذا هو المهم الذي به تصح الأحاديث، أو تضعف. قال: وإن كان الإبهام في المتن، فله فوائد كثيرة. أبرزها: معرفة صاحب القصة، أو السائل، حتى إذا كان بالحديث منقبة له، عرفنا فضله. وإن كان عكس ذلك، فيحصل بمعرفة السلام من الظن بغيره من أفاضل الصحابة. وهذا كما سمعنا، وسبق الإشارة إليه: لا يضر أولا بصحة الحديث، وثانيا يكون فيه مثل هذا المعنى، وهذه الفوائد. قال: طيب، إلى هنا والله تعالى أعلم.