جواهر البلاغة 65

جواهر البلاغة 65

الدرس في جواهر البلاغة 65، الدرس الخامس والستون:من( 6-ومنها النص على عموم السلب أو النص ... إن الله لا يحب كل مختال فخور ودليل ذلك الذوق والاستعمال ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تمهيد وتوضيح للمبحث

يبدأ المقطع بتمهيد للمبحث مشيرًا إلى أهمية التأمل في ألفاظه لفهم معناه بشكل دقيق، مع الإشارة إلى سهولة المبحث عند إتقان معناه.

شرح عموم السلب وسلب العموم

يتناول المقطع شرحًا مفصلاً لنكتتين بلاغيتين هما عموم السلب وسلب العموم، موضحًا الفرق بينهما من حيث المعنى والاستخدام اللغوي، مع تقديم أمثلة توضيحية وتأثير ترتيب أداة النفي وأداة العموم.

تأثير تقدم النفي على العموم

يناقش المقطع تأثير تقدم النفي على العموم في اللغة العربية، مستدلاً بآيات قرآنية لتوضيح شمول النفي لجميع الأفراد عند تقدمه على العموم، ويبين أهمية خضوع القواعد اللغوية للاستعمال والسماع.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الملف رحمه الله تعالى: ومنها النص على عموم السلب أو النص على سلب العموم، يعني من دواعي تقديم المسند إليه هذه النكتة البلاغية كذلك، إما التنصيص على عموم السلب أو التنصيص على سلب العموم. ومعنى عموم السلب يعني عموم النفي أو قل مجموع النفي. ومعنى سلب العموم، أي نفي الجمع أو المجموع أو قل نفي الشمول. فإذا عندنا تنصيصان في هذا الموضع، هو من أجله كان تقديم المسند إليه، يعني لهاتين النكتتين البلاغيتين، وذكر في نقطة واحدة؛ لأن فيها تداخل. قال رحمه الله تعالى: فعموم السلب، هذا الأول يكون بتقديم أداة العموم ككل وجميع على أداة النفي، نحو: «كل ظالم لا يفلح»، المعنى: لا يفلح أحد من الظلمة. قال: ونحو «كل ذلك لم يكن»، أي لم يقع هذا ولا ذاك. فقوله: «فعموم السلب»، يعني كما قلنا شمول النفي أو نقول مجموع النفي، يكون بتقديم أداة العموم، وبيّن أداة العموم كمثال لفظة «كل»؛ لأنها من ألفاظ العموم، ولفظة «جميع»؛ لأنها من ألفاظ العموم على أداة النفي. عندنا الآن هذا المثال: «كل ظالم لا يفلح»، عندك «كل» هذه أداة عموم، و«لا» أداة نفي، فقدم لفظ العموم أو أداة العموم على أداة النفي. وقدم مع معنى ثاني، وهو أن الفعل الذي يأتي بعد أداة العموم لم يعمل في أداة العموم. لماذا قلنا هذا؟ هو ذكر تعليقا حاصله هذا الذي سيأتي التنبيه عليه؛ لأنه إذا لم يكن بهذين القيدين فهو ليس هو من عموم السلب، بل هو من سلب العموم. يعني عموم السلب لا يكون عموم سلب إلا بشرطين. قال في التعليق: بشرط أن تكون أداة العموم غير معمولة للفعل الواقع بعدها، كما مثل. يعني لو صار مثلا «كل ظالم لا يفلح» يتغير المعنى إذا أعملنا الفعل في أداة العموم. فإن المعنى يتغير مثل المثال الذي مثل. قال: «فإن كانت معمولة للفعل بعدها، سواء تقدمت لفظا أو تأخرت»، يعني سواء قلت: «كل ذنب لم أصنع»، الآن «كل ذنب لم أصنع»، لم أصنع ماذا؟ «كل ذنب»، يعني صار الآن هناك تسلط من العامل، وهو الفعل على أداة العموم التي هي «كل»، فهو معمول للفعل. قال: «ولم آخذ كل الدراهم»، «ولم آخذ كل الدراهم»، فلم آخذ «كل» جاء بعد الفعل. قال: «أفاد الكلام سلب العموم ونفي الشمول غالبا»، يعني إذا كان بهذا الوصف، فهو ليس من عموم السلب، بل هو من سلب العموم. ومعناه أنه لا يستلزم حصول الأمر كله المذكور. فإن يكون النفي للمجموع لا لأحد كل. نمثل بمثال أقرب، مثلا لو قال: «طائل كل الطعام لم أطعم»، «كل الطعام لم أطعم»، انظر في الأول كان معمول للفعل «أطعم» بالنصب، وفي الثاني ليس معمول للفعل بعده «أطعم». الفرق بين المعنيين على قوله: عموم السلب وسلب العموم. أن قوله: «كل الطعام لم أطعم»، فيه معنى عموم النفي وشمول النفي، وقل: نفي الجميع، يعني ما في شيء من الطعام ماذا؟ طعمه، هذا بالرفع على أن الفعل لم يتسلط عليه، لم يكن عاملا فيه. معناه نفي أن يكون طعم أي شيء من الطعام. لكن لو كان بالنصب «كل الطعام لم أطعم»، يتغير المعنى البلاغي في هذه الجملة؛ لماذا؟ لأن الفعل تسلط عليه وعمل فيه. فلما عمل فيه الفعل، صار المعنى متضمنا لسلب العموم لا لعموم السلب. ومعنى سلب العموم يعني نفي العموم أو قل نفي الشمول أو قل نفي مجموع العمل، لكن لا يستلزم نفي واحد من هذه الأعمال. يعني مثلا لما قال: «كل الطعام لم أطعم»، يعني مجموع الطعام لم أطعم، لكن لا يلزم أن يكون طعم واحد، لا يلزم أن يكون لم يطعم ولا واحد، قد يكون طعم واحدا. وسيتضح أكثر في الأمثلة التي ستأتي في الكلام على سلب العموم. فإذا قوله: «أفاد الكلام سلب العموم ونفي الشمول غالبا»، ما معنى «غالبا»؟ يعني أنه لا يستلزم نفي الجميع، لا يستلزم نفي الجميع. وسيأتي إضاحة إن شاء الله في الكلام على سلب العموم. ظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه يحتاج هنا إلى قيد واحد في التعليق، ظاهره أنه يحتاج إلى قيد واحد، لكن ذكر في المتن القيد الثاني: يكون بتقديم أداة العموم، يعني على أداة النفي. فإذا تقدم النفي على أداة العموم، كذلك لم يكن ماذا؟ كذلك لم يكن فيه معنى عموم السلب، وإنما يكون فيه معنى سلب العموم، وهو نفي الشمول لا شمول النفي. وفرق بين شمول النفي وبين نفي الشمول. وعلمنا الفرق قبل قليل، وسيأتي إن شاء الله زيادة إضاحة في المبحث الآتي إن شاء الله. فصار الآن خلاصة الجزء الأول من هذا المبحث السادس: أنه هنا يتوجه النفي على أصل الفعل فيعم كل فرد من أفراد ما أضيف إليه «كل»، فيكون فيه معنى عموم النفي. مثل ما قلنا: «كل الطعام لم أكل» أو «لم أطعم». ومنه ما ذكر في قول يبي نجيم: «قد أصبحت أم الخيار تدعي علي ذنبا كله». أضع الشاهد أن معنى «كل» هنا على عمومه. قال رحمه الله: «ونحو كل تلميذ لم يقصر في واجبه»، ويسمى شمول النفي. فقوله: «كل تلميذ لم يقصر في واجبه»، هذه الصيغة تقتضي شمول هذا النفي لكل أحد التلاميذ. بخلاف لو قلت: «كل تلميذ لم يقصر»، ها ها لا يعني نريد أنه معمول ليقصر، إذا صار معمولا له التقصير، يعني ما نريده فاعل، نريد نعمله مفعولا، يعني نحتاج تغيير صيغة الفعل حتى نجعله مفعولا. قال: «واعلم أن عموم السلب يكون النفي فيه لكل فرد». ومعنى أن النفي فيه لكل فرد، كما قلنا: أن النفي يتوجه على أصل الفعل فيعم كل فرد من أفراد ما أضيف إليه «كل». هنا «كل» أضيف إلى تلميذ، فيشمل كل أفراد التلاميذ. وفي الطعام أضيف «كل» إلى الطعام، فيشمل كل أنواع الطعام. وهكذا كذلك قل في كل ما هو مثله. قال: «وتوضيح ذلك أنك إذا بدأت بلفظة كل، كنت قد صلت الكلية على النفي وأعملتها فيه». وذلك يقضي أن لا يشد عنه شيء. وهذا زيادة التوضيح، يقول: أنك إذا بدأت بلفظة «كل»، كنت قد صلت الكلية على النفي، مثل ما قلنا: أنه يتوجه النفي على أصل الفعل فيعم كل فرد من أفراد ما أضيف إليه «كل». واضح. قال: «وسلب العموم»، وهذا الجزء الثاني، يكون بتقديم أداة النفي على أداة العموم. وهذا وجه، أو نقول صفة سلب العموم الذي هو نفي الشمول أو قل نفي مجموع المذكور. كيفيته من جهة الصيغة، قال: يكون بتقديم أداة النفي على أداة العموم. وهل هذا وحده؟ مر معنا قبل قليل أن معه شيء آخر، ما هو الشيء الآخر؟ تسلط الفعل عليه. طيب، فبعضهم يعبر بتعبير آخر، فيقول: أن يكون بتقديم أداة النفي على أداة العموم لفظا أو تقديرا. لفظا واضح، مثل المثال الذي مثل، قال: «نحو لم يكن كل ذلك». قال: يعني لم يقع المجموع. أو نستطيع نقول: نحو المثال الذي سبق «لم يقصر كل تلميذ»، أو «كل تلميذ لم يقصر». كذلك في الطعام مثل ما سبق. فالآن لما تقدمت أداة النفي على أداة العموم لفظا، تغير المعنى، بدل ما صار المعنى عموم السلب الذي هو شمول النفي، صار المعنى نفي الشمول، نفي الشمول. قال رحمه الله: «نحو لم يكن كل ذلك». قال: «لم يقع المجموع»، يعني المعنى لم يقع المجموع. قال: «فيحتمل ثبوت البعض ويحتمل نفي كل فرد». الصيغة محتملة. قال: لك إنسان أكلت وشربت ونمت، فتقول: «لم يكن كل ذلك»، يعني لم يكن هذا كله، مجموع هذا. احتمال أن كلامه يقصد به هذا. واحتمال ثاني: أنه بالفعل لم يكن منه ولا واحد من هذه الخصال الثلاثة. لكن لو قال: «كل ذلك لم يكن»، لو قال: «كل ذلك لم يكن»، انظر «كل ذلك» يشمل فردا فردا: الأكل والشرب والنوم. فالمعنى أن العموم شمل النفي كله، لم لا يوجد احتمال أن واحدا منها ماذا حصل؟ بخلاف الثاني: «لم يكن كل ذلك»، الذي يجزم به أنه لم يكن كل ذلك مجموعا، والذي نشك فيه هو أن يكون واحد من ذلك حصل. قال: «فيحتمل ثبوت البعض ويحتمل نفي كل فرد؛ لأن النفي يوجه إلى الشمول خاصة دون أصل الفعل». لماذا؟ لأن النفي تقدم على لفظ العموم، فهز معنى العموم؛ لأن النفي تقدم على لفظ العموم، فتسلط عليه، فصار معنى العموم فيه مهزوزا. قال: «وقد جاء لعموم النفي قليلا». قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾. قوله «قليلا» ليس من جهة العدد، ولكن من جهة الصيغة. من جهة الصيغة، يعني كأنه يقول: هذه الصيغة الأصل أنها تقتضي سلب العموم، ونادرا أن تأتي لعموم السلب. لكن هذا النادر أو القليل بالنسبة لذاك. أما هو بنفسه قد يكون كثير، لكن الخلاصة ضابطه: أن تحتف به قرائن لفظية أو معنوية تقوي معنى العموم. فهنا الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾، يقول: إن المعنى هنا لعموم النفي. قال: «ودليل ذلك الذوق والاستعمال»، يعني الذوق من جهة المعنى، والاستعمال من جهة اللفظ. فهذا اللفظ ما أحد يستعمله ولا يريد نفي العموم. وهكذا كذلك «لا»، المعنى الذوق، يعني لا يتم المعنى المقصود إلا أن يكون فيه معنى العموم. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾، ليس معناه أن أحدا أهل الخيلاء والفخر مستثنى من هذا أبدا، ما يمكن. فالقرينة اللفظية والمعنوية تؤيد معنى العموم، تؤيد معنى العموم. لكن قد يقول قائل: طبعا الأصل كما قلنا فيما سبق مما تقدم: أن اللغة تحكم القواعد، وليس القواعد تحكم اللغة. ولهذا إذا خرج شيء عن القياس عند أهل اللغة، ماذا يسمونه؟ لا ما يقول: إن شاء ما يتجاسر. إذا شيء صحيح، يقول: «هذا سمع»، يقول: «هذا سمع»، يعني خرج عن القاعدة؛ لأنه سمع. كذلك سمع. كذلك فخلص السماع صار عصى، ما أحد يستطيع يرده عند أهل اللغة. فالشاهد من هذا: أن المباحث البلاغية كذلك ينبغي أن نعلم أن ما ثبت، خصوصا في مثل القرآن وصحيح السنة، فإنه يحكم على القواعد، وليس القواعد تحكمه. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾، صيغة «إن» كما مر معنا تفيد ماذا؟ ها تفيد تأكيد، تفيد التأكيد. فهذه صيغة المؤكدة لما اتبعت بالنفي، صار فيه تأكيد نفي هذا العموم للفعل. والمقصود في الجملة ليس هو تعميم ما تسلط عليه الفعل، بقدر ما المقصود تعميم المنفي من الفعل. ولهذا قدم، ولو تأمل تجد أن المعنى يعظم بهذا، يعني تأكيد نفي الحب، زيادة في التنكيل والتعذيب، وبيان ما يلحق هؤلاء من شؤم معصيتهم في الدنيا وفي الآخرة. وهذا هو المقصود؛ لأن الالتفات إلى معنى تعميم ذلك على أفراد أصحاب هذا الوصف، هذا ما يشك فيه أحد. بل قد يقول قائل: نعم يتفاوتون بتفاوت الخيلاء والفخر، لكن الشأن كل الشأن في هذا في مسألة الذي توعد الله عز وجل به أهل هذه الصفة، وهو أنه لا يحبهم. وهذا يستلزم آثار عدم الحب في الدنيا وفي الآخرة. وهكذا آيات أخرى كثيرة هي بهذا المعنى. لأجل لا نقول: إنه قليل بمعنى ليس كثير. فقوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَافِرٍ أَثِيمٍ﴾، نفس الشيء: النفي تقدم على لفظ العموم. ومثله: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾، كذلك النفي تقدم على لفظ العموم. النفي تقدم على لفظ العموم، وأمثال هذا ونظائره كثيرة. طيب، في شيء بهذا؟ هو المبحث فيه ألفاظ تحتاج إلى زيادة تأمل. وإلا فإنه إن شاء الله هو سهل، بل إذا اتقن معناه يكون من أحسن مباحث هذا الفصل. إلى هنا والله أعلم.