الدرس في التعليق على شرح السنة للمزني 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الإمام المزني كتابه بالحمد والثناء على الله، ويشرح الشيخ معاني هذه المقدمة وأهميتها في تحقيق العبودية وتأكيد كمال الله. يُبين أهمية الإيمان بصفات الله مثل السميع البصير والعليم الخبير.
يثبت أهل السنة علو الله واستواءه على عرشه مع تأكيد قربه من خلقه بعلمه. يؤمنون بصفات الله دون تكييف أو تعطيل، ويردون على الفرق الضالة التي تزعم الحلول والاتحاد.
يشرح المفهوم الصحيح للإيمان بالقدر، حيث للعبد إرادة وقدرة ضمن علم الله وقدره. يُبين أن الله خلق الخلق بمشيئته، وخلق الملائكة لطاعته وجعلهم لأداء مهام مختلفة.
يذكر أدلة من القرآن على وظائف الملائكة وتسبيحهم، مثل حمل العرش والتسبيح حوله، واصطفاء الله لبعضهم ليكونوا رسلاً بينه وبين الأنبياء. يُشير إلى آيات تدل على أصناف الملائكة ووظائفهم.
يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم هذه المادة: تعليقات على كتاب شرح السنة للإمام المزني -رحمه الله تعالى- لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن برعي، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الثاني: الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، أخذنا في الدرس السابق مقدمة المؤلف -رحمه الله، الإمام المزني رحمه الله- في كتابه شرح السنة، ووقفنا عند قوله -رحمه الله تعالى-: «بدأت فيه بحمد الله للرشد والتزديد». وقلنا -كما تقدم- أنه ابتدأ هذه الرسالة بالبسملة، والإشارة إلى أنها جواب عن سؤال، ثم شرع -رحمه الله- ببعض التنبيهات والتوطئة، ثم قال -رحمه الله تعالى-: «الحمد لله أحق من ذكر وأولى من شكر، وعليه أثني الواحد الصمد، ليس له صاحبة ولا ولد، جل عن المثيل فلا شبيه له ولا عديل، السميع البصير العليم الخبير المنيع الرفيع، عال على عرشه، ودان بعلمه من خلقه». هذه كذلك من مقدمة هذه العقيدة والرسالة التي أجاب فيها عن سؤال السائل، وإزالة الإشكال واللبس والتشويش الذي نقل عنه -رحمه الله- وعنه بريء، فابتدأ بالحمد والثناء على الله عز وجل بما هو أهله، وهذه طريقة أهل العلم في افتتاح كتبهم ورسائلهم، اقتداءً بكتاب الله عز وجل، إذ افتتح كتاب الله القرآن بالحمد لله رب العالمين، بل عدد من سور القرآن افتتحت بالحمد لله. وهكذا من فعل نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم في خطبه وكلماته -عليه الصلاة والسلام- كان يفتتحها بحمد الله عز وجل والثناء عليه. وحمد الله سبحانه وتعالى مفتاح كل خير، وتحقيق لمعنى العبودية لله عز وجل، فأنت حين تقول «الحمد لله» تثبت أن كل المحامد التي أنعمت بها الله وحده أنعم بها، وهو وحده سبحانه وتعالى الذي يستحقها. وهو جل وعلا يحمد على كماله في أسمائه وصفاته وذاته جل وعلا، وهكذا يحمد سبحانه وتعالى على عظيم إنعامه وإحسانه، فله المحامد كلها جل وعلا، يحمد لكماله ويحمد لعظيم إنعامه وإحسانه، فله المحامد كلها جل وعلا. وإذا اعترف العبد بالمعنى الشامل للحمد لله عز وجل حقق العبودية لله سبحانه وتعالى، وكذلك حقق افتقاره لربه جل وعلا. ولذلك كان من مواطن دعاء الرب جل وعلا حمده، لأن الحمد من الدعاء، أنت حين تقول «الحمد لله» تعترف لله عز وجل بما هو عليه من الكمال والجلال، وكذلك تعترف على نفسك بالتقصير والفقر والفاقة إلى الله سبحانه وتعالى. وعند ذلك تبدأ بسؤال مسائلك، ويكون ذلك أدعى لإجابة دعوتك. وهكذا في افتتاح الكتب، إذا افتتح الكاتب كتابه والمتكلم كلمته، كأنه يقول: يا ربي، أنت الكامل في كل شيء، وأنت المنعم بكل شيء، وأنا الفقير من كل وجه، فألتجئ إليك أن تعينني وتوفقني فيما أنا قادم عليه. وقوله: «وأولى من شكر، وعليه أثني الواحد الصمد» إلى آخره، هذا تفصيل بعد إجمال، كله من كمال الله عز وجل، فهو -كما تقدم- يحمد لكماله في ذاته وأسمائه وصفاته، ولعظيم إنعامه وإحسانه سبحانه وتعالى. وقوله: «جل عن المثيل فلا شبيه له ولا عديل» هذا شروع في هذه العقيدة، وهو من براعة الاستهلال أن يشرع في ثنايا الحمد والمقدمة بذكر شيء من هذه التفاصيل في العقيدة، فهو مثل قول الله عز وجل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. فـ «جل عن المثيل» نفي التمثيل عن الله عز وجل، فهو سبحانه ليس كمثله شيء، والله سبحانه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته سبحانه وتعالى، لأنه الإله الحق وحده الذي لا شريك له لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته. فكذلك يجب أن لا يكون له شريك في ربوبيته وألوهيته وفي أسمائه وصفاته، فلا شبيه له، الشبيه معنى من معاني المثيل، ولكنه من باب التأكيد والتفصيل، وهو مثل قول الله عز وجل: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾. فليس لله عز وجل سمي، السمي بمعنى الشبيه، لأنه سبحانه وتعالى الإله الحق والرب الفرد الصمد وحده، ليس كمثله شيء، وليس له سمي، وليس له كفو سبحانه، ولم يكن له كفوا أحد، لا يكافئه ولا يساويه ولا يقرب منه سبحانه وتعالى شيء، لأنه الفرد الأحد الصمد الإله الحق وحده لا شريك له، ولا عديل له. العديل بمعنى المكافئ، لم يكن له كفوا أحد، مكافئ عديل، تقول: هذا عديل هذا، هذا يعدل هذا، يكافئ هذا، والله عز وجل ليس له عديل، ليس له مكافئ، ليس له سمي، ليس له مثيل سبحانه وتعالى. فهذه معاني بعض ما ورد في كتاب الله، ومعناه في سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. «السميع البصير» وهي الآية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. فالله عز وجل حين ينفى عنه ما ينفى، ينفى ليثبت كمال ضده، ينفى ليثبت له كمال ضده، لأنه الكامل سبحانه وتعالى، فهو منزه عن كل نقص وعيب جل وعلا، فهو السميع البصير، والسميع الكامل في سمعه، الذي ليس له مثيل لا في سمعه ولا في فعله سبحانه وتعالى. وسمعه المقترن بالبصر دليل على كمال هذه الصفة، والبصير الذي قرن بالسميع يدل على كمال هذه الصفة، مما يدل على كمال إحاطته وعظيم قدرته جل وعلا. «العليم الخبير المنيع الرفيع» علمه مقترن بخبرة، وخبرته مقترنة بعلم، وهي كاملة من كل الوجوه، لكماله سبحانه وتعالى في ذاته وأسمائه وصفاته. المنيع الرفيع، منيع عن كل نقص وعيد، ورفيع سبحانه وتعالى، له كل كمال وجلال، وهو كذلك منزه عن كل نقص وعيب جل وعلا، فله الرفعة: رفعة الذات، ورفعة القهر، وكذلك رفعة القوة والقدر، فهو الرفيع بجميع معاني الرفعة جل وعلا، العلي بجميع معاني العلو جل وعلا، العلي بذاته، والعلي بأسمائه وصفاته، والعلي بقهره وقوته وقدرته سبحانه وتعالى. «عال على عرشه» وهذا من معاني العلو الذي يثبته أهل السنة وينفيه أهل البدعة، فالله عز وجل له علو الذات كما له علو القهر والصفات جل وعلا، وعلوه سبحانه وتعالى على عرشه على ما يليق بجلاله وعظمته، نؤمن بذلك كما أخبرنا الله عز وجل به في كتابه في أكثر من سبع آيات، بقوله سبحانه وتعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، ﴿هُوَ الَّذِي اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، وغيرها من الآيات في إثبات الاستواء والعلو. استواء وعلو يليق بجلال الله سبحانه وتعالى وعظمته، لا يستلزم استواء وعلو المخلوقين، كما لا يعني أنه ليس له معنى، ولا كذلك مفهوم، بل العلو معلوم، والاستواء معلوم، ولكن الكيف مجهول، لأنه من الغيب الذي لم يخبرنا الله عز وجل به، ولا يمكننا إدراكه، لأننا ليس لنا قدرة على الاطلاع على الغيب إلا بما أخبرنا الله سبحانه وتعالى، فنقف حيث وقف بنا الدليل. وهذه طريقة أهل السنة والجماعة، يمرون بآيات الصفات، ويثبتونها إثبات وجود، لا إحبات تكييف، ولا تعطيل، يثبتونها إثبات وجود، لا إثبات تكييف، ولا تعطيل، ولا تفويض وتنزيه كما زعموا، فعطلوا بذلك الأسماء والصفات. وقوله: «وهو دان بعلمه من خلقه» أي أنه جل وعلا مع علوه، هو قريب من خلقه، فالله عز وجل عال على عرشه، مستو عليه سبحانه وتعالى استواء يليق بجلاله وعظمته، ومع ذلك محيط بخلقه إحاطة علم وقدرة وقهر، ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم، ولا خمسة إلا هو سادسهم، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا. والله جل وعلا يقول: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾، فهو محيط بغير مخالطة، لا تستلزم لحاطة المخالطة، كما لا يستلزم العلو والاستواء البعد، لأنه سبحانه وتعالى الرب الحق والإله الفرد الصمد الكامل في أسمائه وصفاته سبحانه وتعالى. فلا ينافي علوه قربه، ولا ينافي قربه علوه سبحانه وتعالى، وهو على كل شيء قدير. وقوله سبحانه وتعالى: «بعلمه من خلقه» هذه اللفظة أتى بها العلماء دفعًا لقولي الباطنية من الحلولية والاتحادية، الذين استلزموا إلزامات باطلة بشبهات تتبعوها من بعض نصوص الكتاب أو السنة، زعموا أنها تدل على الحلول والاتحاد، أي مخالطة الله سبحانه وتعالى لخلقه، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا. أو حلول الله سبحانه وتعالى في خلقه، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا. وأصل هذه العقائد عقائد فاسدة، أتت من بعض الكفار من المجوس وغيرهم، ومن ضل من أهل الكتاب، وإلا فالبشرية بريئة ومنزهة عن مثل هذا المعنى الفاسد الذي لا يقبله العقل، فضلًا أن يستصوب أن ينسبه إنسان إلى شرع. فإنما هي مفاهيم في المعقول، وليس لها وجود في المحسوس، لأن هؤلاء أخذوا هذه من عقائد فاسدة من عقائد المجوس والوثنيين، ومن ضل من أهل الكتاب ممن تبعهم على هذه العقائد الفاسدة، وإلا فلا يعرف في المحسوس حلول شيء في شيء، فضلًا إذا لم يكن هذا في المخلوق، فكيف ينسب للخالق سبحانه وتعالى؟ قال -رحمه الله تعالى-: «أحاط علمه بالأمور، وأنفذ في خلقه سابق المقدور، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور». فالخلق عاملون بسابق علمه، ونافذون لما خلقهم له، من خير وشر، لا يملكون لأنفسهم من الطاعة نفعًا، ولا يجدون إلى صرف المعصية عنها دفعًا. هكذا ثنى بهذا المبحث الذي فيه تأكيد ما سبق، أنه ما علوه سبحانه وتعالى، فهو محيط بخلقه إحاطة علم وقدرة وقهر وقوة، لا إحاطة ذات، لا إحاطة مخالطة واتحاد، كما يزعمه الباطنية وغيرهم من الظلال الذين تابعوا أهل البدع والضلال، وأهل الكفر والشرك والإلحاد. «أحاط علمه بالأمور» لأنه سبحانه وتعالى الإله الحق العظيم الذي له القدرة الكاملة جل وعلا، وهو على كل شيء قدير. «وأنفذ في خلقه سابق المقدور» فله إحاطة علم، وحس، إحاطة علمية بأحوال الناس وأمورهم وذواتهم وأشخاصهم، بهذه الإحاطة، وإحاطة كذلك حسية. وهكذا كذلك إحاطة علمية بمعرفة سابق فعل العباد قبل وقوعه، «وأنفذ في خلقه سابق المقدور» يعني أنه علم ما يكون قبل أن يكون، كيف يكون حين يكون، لأنه الخالق سبحانه وتعالى، وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين، فمشيئة العبد تابعة لمشيئة الله سبحانه وتعالى، وفعل العبد لا يخرج عن علم الله سبحانه وتعالى. ومع ذلك لا ينافي ما يفعله العبد قدرة العبد وإرادته، ولكن إرادته وقدرته لا تخرج عن إرادة الله وعلم الله سبحانه وتعالى، لأنه الخالق الذي علم كل شيء، وأحاط بكل شيء، وقدر جل وعلا على كل شيء. فمن سعة علمه: «يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور» يعلم السر وأخفى، وأخفى من هذا السر، قال بعض أهل العلم: هو ما حدث به المرء نفسه قبل أن يمضي ذلك في قلبه، فضلًا أن يخرجه إلى خارج صدره. فالله عز وجل علم به، وهو على هذا الخفاء، لأنه خلق الخلق، ويعلم سبحانه وتعالى ما هم عليه، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟ من سعة علمه، وواسع قدرته، أن علمه لطيف، يعلم أدق الأشياء كيف تكون قبل أن تكون، وفضلًا عن أنها تكون من هؤلاء المخلوقين. وقوله سبحانه: «وما تخفي الصدور» أي مما كان، بل يعلم أدق من هذا، وهو ما لم يتكون في الصدر أصلا. وهذا هو قوله سبحانه: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾. قال: «فالخلق عاملون بسابق علمه، ونافذون لما خلقهم له» الخلق عاملون بسابق علمه، يعني: لا يخرج أحد عما سبق به علم الله سبحانه وتعالى، لو لم يكن كذلك لما كان إلها حقًا، ولما كان ربا كذلك فردا سبحانه وتعالى، لأنه الخالق الحق الذي أحاط بكل شيء علمًا، وهو على كل شيء قدير. علم ما يعمله العاملون بسابق علمه، قبل أن يعمله هؤلاء العاملون، وهذا من كمال ربوبيته وألوهيته سبحانه وتعالى. وكما تقدم: لا ينافي ذلك أن يكون للعبد إرادة وقدرة، فهو له إرادة وقدرة أثبتها الله عز وجل في كتابه، ونبينا صلى الله عليه وسلم في سنته، وهو كذلك في الواقع المشهود المحسوس، لا ينكره ولا يجحده إلا مكابر. ما أحد يشك أنه يفعل ويختار، قال الله عز وجل: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾. فالله عز وجل هدانا السبيل، إما أن تكون شاكرًا، وإما أن تكون كفورًا، من الذي يفعل؟ أنت تفعل، بما أعطاك الله عز وجل من قدرة، والله عز وجل يقول: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ هداك السبيل، وأنت تختار، وهديناه النجدين، أي الطريقين الواضحين، وأنت تأخذ أحد الطريقين. فأما ثمود فهديناهم، أي: عرضنا عليهم أسباب الهداية: هداية الإرشاد والدلالة، ومع ذلك ماذا قال الله عز وجل عنهم؟ ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ من الذي استحب العمى على الهدى؟ هم أنفسهم باختيارهم وقدرتهم، إذن العبد له اختيار، وله قدرة. ولكن لأنه عبد لله سبحانه وتعالى، سبق علم الله بما يفعل هذا العبد، ولا يخرج اختيار العبد عن ما علمه الله سبحانه وتعالى. ويضرب العلماء من باب تقريب الأمثلة -ولله المثل الأعلى- مثالا للتوضيح، وليس ذلك للمماثلة، ولكن لتقريب المعنى -ولله المثل الأعلى-. لو أن أبا علم من أبنائه من صفاتهم، وما خبره من سابق أخلاقهم: من يمتثل أمره في أمر، ومن لا يمتثل، فحدث قبل أن يمتحنهم بأمر: أن فلانًا من أبنائه سيجيبه، يطيعه فيما يأمر، وأن فلانًا من أبنائه سيخالفه ويعصيه فيما يأمر. فأمر أبنائه بما أمر، ثم بعد ذلك وقع ما أخبر به هذا الأب من طاعة من أخبر بالطاعة، ومعصية ومخالفة من أخبر بالمعصية، فحين وقع ذلك قام العاصي فاستدل بقول الأب على أنه لا يلام على ما فعل، ولا يخطأ على ما صنع. فهل فعلوا هذا صحيح؟ وصواب الجواب: لا، بل يستحق العقوبة مرتين: المرة الأولى لأجل أنه عصى وخالف ما أمر به، والمرة الثانية: أنه كابر وجادل بالباطل فيما لا يستحق الجدال به. وهكذا كذلك الذي يستدل بالقدر، ويستدل بسابق علم الله عز وجل في هذا الباب على إساءته، على إساءته، فإنه يستحق العقوبة مرتين. ولهذا كان من أركان الإيمان: الإيمان بالقدر خيره وشره، وهذا هو قوله: «ونافذون لما خلقهم له من خير وشر». وفي حديث جبريل المشهور في الصحيح: من الإيمان من أركان الإيمان الستة: الإيمان بالقدر خيره وشره من الله سبحانه وتعالى. وتؤمن بالقدر خيره وشره، حديث جبريل المشهور الذي جاء من حديث عمر -في صحيح مسلم- وجاء من حديث أبي هريرة -في الصحيحين-. قال -رحمه الله تعالى-: «ولا يملكون لأنفسهم من الطاعة نفعًا، ولا يجدون إلى صرف المعصية عنها دفعًا» لا يملكون لأنفسهم من الطاعة نفعًا، يعني: أن التوفيق من الله سبحانه وتعالى في فعل الطاعة، وفي كذلك ثمرة هذه الطاعة في الدنيا، وكذلك في الآخرة. فإن أحسنت فبفضله، وإن أسأت فبتقصيرك وعدله سبحانه وتعالى، لأنه وكلك إلى نفسك الأمارة بالسوء. «ولا يجدون إلى صرف المعصية عنها دفعًا» ليس هذا معناه الجبر، ولكن معناه إثبات القدر، معناه إثبات القدر. وهذا هو كقول الله عز وجل: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ فالله عز وجل قد كتب كل شيء عنده، كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: «أن الله عز وجل كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام». وهو سبحانه وتعالى على كل شيء قدير. وقوله -رحمه الله تعالى-: «ولا يجدون» كما تقدم، هذا معناه: أن أفعالهم دائرة تحت ما قدر الله عز وجل لهم، حسب ما قدر الله عز وجل لهم. قال -رحمه الله تعالى-: «خلق الخلق بمشيئته، عن غير حاجة كانت به، وخلق الملائكة جميعًا لطاعته، وجبلهم على عبادته، فمنهم ملائكة بقدرته للعرش حاملون، وطائفة منهم حول عرش يسبحون، وآخرون بحمده يقدسون، واصطفى منهم رسلًا إلى رسله، وبعضهم مدبرون لأمره». انتقل -رحمه الله- إلى ذكر المشيئة بعد ذكر العلم والقدر، فهو سبحانه وتعالى خلق الخلق بمشيئته، وما تشاءون إلا أن يشاء الله، هذا في الأعمال، وهكذا كذلك في المخلوقات. شاء الله سبحانه وتعالى بواسع علمه وعظيم حكمته أن يخلق الخلق، ليس لأنه محتاج لعبادتهم، فهو الغني سبحانه، ولكن لحكمة أرادها الله عز وجل من خلقهم، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. هذه الحكمة من خلق الخلق: أن يعبدوه سبحانه وتعالى، وهو غني عن عبادته، غني عن عبادتهم، كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. وقوله -رحمه الله-: «وخلق الملائكة جميعًا لطاعته» أي: أنه من صنف ما خلق، كما خلق الإنس والجن، وأمرهم بعبادته، خلق الملائكة سبحانه وتعالى، وجبلهم على طاعته وعبادته، يعني: أنهم يلهمون العبادة، كما يلهم الإنس، النفس جبلوا على ذلك، ولا يتكلفون، وكذلك عبادة الملائكة. وفي هذا حكمة، كما قال العلماء: يُعلم به عظمة الرب سبحانه وتعالى. ومن مسائل هذا المبحث: إثبات وجود الملائكة، أنهم خلق من خلق الله، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، مجبولون على عبادة الله وطاعته. وهم أصناف، كما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، فمنهم الذين يحملون العرش بعظيم قدرته سبحانه وتعالى، ومنهم من هم حول العرش يسبحون، ومنهم من لله عز وجل يحمدون ويقدسون، ومنهم من جعلهم الله عز وجل رسلًا إلى رسله، ومنهم من يدبر أمره. فمنهم من موكل في نفخ الروح، ومنهم من موكل بنزع الروح، منهم من موكل بأمر السماوات، ومنهم من موكل بأمر الأرض، ومنهم من موكل بتفاصيل أدق من ذلك، على ما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. وما ذكره -رحمه الله- له أدلة كثيرة، كقول الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾، وهكذا الصنف الآخر: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾. وهكذا كذلك: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾، وهكذا غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تدل على أصناف ما عليه الملائكة، وما أمرهم، وما أوكلهم به سبحانه وتعالى. نكتفي بهذا القدر، ونترك الباقي -إن شاء الله- في درس لاحق.