الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 22، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم عامة للإنس والجن وأهل الكتاب وغيرهم. من لم يؤمن به فهو كافر.
يرد المؤلف على من زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم بُعث لجاهلية العرب خاصة. هذا الزعم جهل وضلال ودين الإسلام أظهر وأقوى من دين اليهود والنصارى.
اليهود والنصارى لديهم أدلة في كتبهم على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. المعاندون لديهم تناقض في سلوكهم مع عنادهم ومكابرتهم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «فصل والمقصود هنا أن الذي يدين به المسلمون من أن محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول إلى الثقلين الإنس والجن، أهل الكتاب وغيرهم، وأن من لم يؤمن به فهو كافر مستحق لعذاب الله، مستحق للجهاد، وهو مما أجمع أهل الإيمان بالله ورسوله عليه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي جاء بذلك، وذكره الله في كتابه، وبينه الرسول أيضًا في الحكمة المنزلة من غير الكتاب، فإنه تعالى أنزل عليه الكتاب والحكمة، ولم يبتدع المسلمون شيئًا من ذلك من تلقاء أنفسهم، كما ابتدعت النصارى كثيرًا من دينهم، بل أكثر دينهم وبدلوا دين المسيح وغيروه. ولهذا كان كفر النصارى لما بعث محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم مثل كفر اليهود لما بعث المسيح عليه السلام؛ فإن اليهود كانوا قد بدلوا شرع التوراة قبل مجيء المسيح، فكفروا بذلك، ولما بعث المسيح إليهم كذبوه، فصاروا كفارًا بتبديل معاني الكتاب الأول وأحكامه، وبتكذيب الكتاب الثاني. وكذلك النصارى كانوا قد بدلوا دين المسيح قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم، فابتدعوا من التثليث والاتحاد وتغيير شرائع الإنجيل أشياء لم يبعث بها المسيح عليه السلام، بل تخالف ما بعث به، واختلفوا في ذلك فرقًا متعددة، وكفر بعضهم بعضًا. فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم كذبوه، فصاروا كفارًا بتبديل معاني الكتاب الأول وأحكامه، وتكذيب الكتاب الثاني، كما يقول علماء المسلمين: إن دينهم مبدل منسوخ. وإن كان قليل من النصارى كانوا عند مبعث محمد صلى الله عليه وسلم متمسكين بدين المسيح، كما كان الذين لم يبدلوا دين المسيح، دين المسيح كله على الحق. فهذا كما أن من كان متبعًا لشرع التوراة عند مبعث المسيح كان متمسكًا بالحق، فسائر من اتبع موسى، فلما بعث المسيح صار كل من لم يؤمن به كافرًا. وكذلك لما بعث محمد صلى الله عليه وسلم صار كل من لم يؤمن به كافرًا. والمقصود في هذا المقام بيان ما بعث به محمد صلى الله عليه وسلم من عموم رسالته، وأنه نفسه الذي أخبر أن الله تعالى أرسله إلى أهل الكتاب وغيرهم، وأنه نفسه صلى الله عليه وسلم دعا أهل الكتاب وجاهدهم، وأمر بجهادهم. فمن قال بعد هذا من أهل الكتاب، اليهود والنصارى: إنه لم يبعث إلينا بمعنى أنه لم يقل إنه مبعوث إلينا، كان مكابرًا جاحدًا للضرورة، مفتريًا على الرسول فرية ظاهرة تعرفها الخاصة والعامة. وكان جحده لهذا كما لو جحد أنه جاء بالقرآن، أو شرع الصلوات الخمس، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام. وجحد محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وما تواتر عنه أعظم من جحد اتباع الحواريين المسيح عليه السلام، وإرساله لهم إلى الأمم، ومجيئه بالإنجيل، وجحد مجيء موسى عليه السلام بالتوراة، وجحد أنه كان يثبته؛ فإنه النغل عن محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم حديثة قريبة. قال: والناقلون عنه أضعاف وأضعاف من نقل دين المسيح عنه، وأضعاف أضعاف أضعاف من اتصل به نغل دين موسى عليه السلام؛ فإن أمة محمد صلى الله عليه وسلم ما زالوا كثيرين منتشرين في مشارق الأرض ومغاربها، وما زال فيهم من هو ظاهر بالدين، منصور على الأعداء، بخلاف بني إسرائيل؛ فإنهم زال ملكهم في أثناء الأمر لما خرب بيت المقدس الخراب الأول بعد داود عليه السلام، ونقص عدد من نقل دينهم، حتى قد قيل: إنه لم يبق من يحفظ التوراة إلا واحد. المسيح عليه السلام لم ينقل دينه عنه إلا عدد قليل، لكن النصارى يزعمون أنهم رسل الله معصومون. نحن عندنا معصومون بتشديد الصاد. طيب؛ لأن معصومون بالواو، أنا عندي بدون واو معصومون عندنا. لكن النصارى يزعمون أنهم رسل الله معصومون مثل إبراهيم وموسى، وسيأتي الكلام على هذا إن شاء الله تعالى إذا وصلنا إليه؛ إذ المقصود هنا بيان من زعم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم كان يقول: إنه لم يبعث إلا إلى مشركي العرب، فإنه في غاية الجهل والضلال، أو غاية المكابرة والمعاندة؛ فإن هذا أعظم جهلًا وعنادًا ممن ينكر أنه كان يأمر بالطهارة والغسل من الجنابة، ويحرم الخمر والخنزير، وأعظم جهلًا وعنادًا ممن ينكر ما تواتر من أمر المسيح وموسى عليه السلام. وقد ظهر بهذا بطلان قولهم: علمنا أنه لم يأت إلينا، بل إلى جاهلية العرب. جعل الملك رحمه الله تعالى هذا الفصل كذلك ليرد هذه الشبهة، وهي زعم هؤلاء أن النبي عليه الصلاة والسلام بُعث لجاهلية العرب خاصة، ولم يبعث إلى اليهود والنصارى. وقد مر في الفصل الذي قبله كيف أن المنصف كان ينبغي أن يبحث عن الرسول الحق الذي يصح لهم دينهم بعد تغييره وتبديله، وأن يميزوا بما بُعث به النبي عليه الصلاة والسلام بعد الإدعاء بالآيات والبراهين الكثيرة التي دل عليها دينهم، فضلًا عما يكفي من بعث النبي عليه الصلاة والسلام بها. فما بعث الله من نبي إلا وجعل معه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر. وزاد المؤلف رحمه الله في هذا الفصل بأن أشار رحمه الله أولًا بأن دين الإسلام في الظهور أشد ظهورًا من دين اليهود والنصارى؛ فكل حجة يثبتون بها دين اليهود والنصارى، فدين الإسلام ثابت بحجج أكثر وأقوى منها. فلو قيل لهم: من أين أتيتم باليهودية؟ وقالوا: أتينا بها بما بعث الله به موسى. وقيل لهم: كيف علمتم أن الله بعث موسى؟ قالوا: بما أنزل الله من التوراة، ومما أخبر به من نقل عن موسى. فيقال لهم: هاتوا من نقل ذلك عن موسى. ويؤت بمن نقل ذلك عن محمد صلى الله عليه وسلم، فسيجدون أن ما نقل عن محمد صلى الله عليه وسلم أكثر وأقوى مما نقل دين موسى عليه الصلاة والسلام. وهكذا يقال للنصارى بمثله؛ فإنهم سيجدون أن ما نقل عن عيسى عليه الصلاة والسلام ليس هو كالذي نقل عن محمد صلى الله عليه وسلم. فكل ذلك يؤكد ويلزم هؤلاء بالإيمان بالنبي عليه الصلاة والسلام. فكيف يضلون إلى أن أكثر دين اليهود والنصارى من المغير والمبدل الذي كما مر في الفصل الذي قبل هذا أكثره بدع ومحدثات وتغيير وتبديل وشرك؛ فالنصارى تدعو إلى التثليث والاتحاد وتغيير شرائع الإنجيل وغير ذلك، مما ضرب بعض الأمثلة في الباب الذي سبق. بل صار أكثر الدين الذي يدينون به هو من الدين المبدل، ليس الأكثر هو الصحيح، بل الأكثر هو المبدل. وصار صاحب الدين الصحيح منبوذًا شاذًا، وغير ذلك مما سبق ذكره. وهكذا كذلك أشار رحمه الله إلى أن ما بعث به عيسى بعد موسى، وكفر بعيسى كذلك كان مثله، ولا فرق ما بعث به النبي عليه الصلاة والسلام ولم يؤمن به؛ فإذا كان اليهود ينكر عليهم أن لم يؤمنوا بعيسى، بل وسعوا في قتله كما قال الله عز وجل عنهم: ﴿كُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾، فكما أنهم كفروا بذلك، فكذلك النصارى كفروا إذا لم يؤمنوا بالنبي عليه الصلاة والسلام؛ فليس كفرهم ببعيد، ولا بمختلف عن كفر اليهود بعدم إيمانهم بالمسيح عليه الصلاة والسلام. فكان لزامًا عليهم خصوصًا وأنهم قد أخبروا في كتبهم بمبعث النبي عليه الصلاة والسلام، بل كان اليهود يطمعون أن يكون منهم، ولهذا كفروا حسدًا إذ لم يكن منهم، وكبرًا وعنادًا. وهذه حجة أخرى كذلك ألزم بها رحمه الله تعالى أهل هذه الشبهة. ثم ختم رحمه الله تعالى بأن المقصود في هذا المقام بيان ما بعث به النبي عليه الصلاة والسلام، وأن ما بعث به من الدين لا ينكره إلا مكابر لما فيه من الآيات والبراهين الكثيرة التي تدل أنها رسالة عامة للناس جميعًا، العرب وغير العرب، وأهل الكتاب وغير أهل الكتاب. وقد مر معنا بعض تلك الأدلة التي تدل على ذلك. وإذا كانوا هم يرون أن من جحد ما جاء به عيسى عليه الصلاة والسلام كفر، فإن جحد ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام أعظم كفرًا؛ لأنه ثبت بالأدلة الواضحة البينة القوية الصحيحة بما لم يثبت به دين عيسى ودين موسى، وكلهم أنبياء الله ورسله عليه الصلاة والسلام. وأخيرًا ذكر شيئًا سبق الكلام عليه من أن هؤلاء عندهم من التغيير والتبديل والدين الباطل مع عنادهم ومكابرتهم في عدم قبول رسالة النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يقتضي تسليمهم وإذعانهم وإيمانهم بما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام لو كانوا من المنصفين. والله تعالى أعلم.