الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح  139

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 139

الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 139، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

اختلاف النصارى في تفسير ألوهية المسيح

يتناول المقطع آراء النصارى المختلفة حول طبيعة المسيح واتحاد اللاهوت بالناسوت، ويبرز اضطراب أقوالهم وتناقضها. يذكر أمثلة على هذه الاختلافات مثل تفسير الاتحاد بالاختلاط أو الحلول أو الظهور.

تنوع آراء فرق النصارى حول الأقانيم

يتناول المقطع آراء النصارى المختلفة حول الأقانيم واختلافهم في تفسير الاتحاد بين الأقانيم، مع ذكر آراء فرق مختلفة. كما يشير إلى تحول بعض علماء النصارى إلى الإسلام بعد اطلاعهم على تناقضات معتقداتهم.

انتقاد تناقضات الطوائف النصرانية حول المسيح

يناقش المقطع تناقضات الطوائف النصرانية حول طبيعة المسيح وتفسير الاتحاد بين اللاهوت والناسوت، ويظهر عدم اتساق أقوالهم مع العقل والمنطق. ينتقد الكاتب هذه الأقوال ويحاجج بأن اعتقادهم بأن المسيح إله يؤدي إلى تناقضات في دينهم.

  • 12 جمادى الأولى 1430هـ - 06/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. قال شيخ الإسلام رحمه الله: قال فصل، وأما قولهم: وعلى هذا المثال نقول في سيد المسيح: طبيعة لاهوتية، التي هي طبيعة كلمة الله وروحه، وطبيعة الناسوتية، التي أخذت من مريم العذراء واتحدت به، فيقال لهم: كلام النصارى في هذا الباب مضطرب مختلف متناقض، وليس لهم في ذلك قول اتفقوا عليه، ولا قول معقول، ولا قول دل عليه الكتاب، بل هم فيه فرق طواف، كل فرقة تكفر الأخرى، كالعقوبية والملكانية والنصطورية. ونقل الأقوال عنهم في ذلك ونقل الأقوال عنهم في ذلك مضطربة، كثيرة الاختلاف، ولهذا يقال: لو اجتمع عشرة نصارى لتفرقوا على أحد عشر قولا، وذلك أن ما هم عليه من اعتقادهم من التثليث والاتحاد، كما هو مذكور في أمانتهم، لم ينطق به شيء من كتب الأنبياء، ولا يوجد لا في كلام المسيح ولا الحواريين ولا أحد من الأنبياء، ولكن عندهم في الكتب ألفاظا متشابهة وألفاظا محكمة يتنازعون في فهمها. ثم القائلون منهم بالأمانة، وهم عامة النصارى اليوم، الملكانية والنصطورية والعقوبية، مختلفون في تفسيرها، ونفس قولهم متناقض، يمتنع تصوره على الوجه الصحيح، فلهذا صار كل منهم يقول ما يظن أنه أقوم من غيره، فمنهم من يراعي لفظ أمانتهم، وإن صرح بالكفر الذي يظهر فساده لكل أحد، كالعقوبية، ومنهم من يسطر بعض ذلك، كالنصطورية، وكثير منهم، وهم الملكانية، بين هؤلاء وهؤلاء. ولما ابتدعوا ما ابتدعوا من التثليث والحلول، كان فيهم من يخالفهم في ذلك، وقد يوجد نقل الناس لمقالاتهم مختلفا، وذلك بحسب قول الطائفة التي ينقل ذلك الناقل قولها، والقول الذي يحكيه كثير من نظار المسلمين يوجد كثير منهم على خلافه. كما نقل عنهم ما ذكره أبو المعالي وصاحبه أبو القاسم الأنصاري وغيرهما: أن القديم واحد بالجوهر، ثلاثة بالأقنوم، وأنهم يعنون بالأقنوم الوجود والحياة والعلم، ونقل عنهم أن الحياة والعلم ليس بوصفين زائدين على الذات موجودين، بل هما صفتان نفسيتان للجوهر. قالوا: ولو مثل مذهبهم بمثال، لقيل: إن الأقانيم عندهم تنزل منزلة الأحوال والصفات النفسية عند مثبتيها من المسلمين، فإن سوادية اللون ولونيته صفتان نفسيتان للعرض. قال: وربما يعبرون عن الأقانيم بالأب وروح القدس، فيعنون بالأب الوجود، وبالابن المسيح والكلمة، وربما سموا العلم كلمة والكلمة علما، ويعبرون عن الحياة بالروح. قال: ولا يريدون بالكلمة الكلام، فإن الكلام عندهم من صفات الفعل، ولا يسمون العلم قبل تدرعه بالمسيح واتحاده به ابنا، بل المسيح عندهم مع ما تدرع به ابن. قالوا: من مذهبهم أن الكلمة اتحدت بالمسيح وتدرعت بالناسوت، ثم اختلفوا في معنى الاتحاد، فمنهم من فسره بالاختلاط والامتزاج، وهذا مذهب طوائف من العقوبية والنصطورية والملكانية. قالوا: إن الكلمة خالطت جسد المسيح ومازجته، كما مازج الخمر الماء، والأول اللبن، قالوا: هذا مذهب الروم ومعظمهم الملكانية، قالوا: فمازجت الكلمة جسد المسيح فصارت شيئا واحدا، وصارت الكثرة قلة. وذهب طائفة من العاقبة إلى أن الكلمة انقلبت لحما ودما، وقالوا: وصارت شرذمة من كل صنف، إلى أن المراد بالاتحاد ظهور اللاهوت على الناسوت، كظهور الصورة في المرآة، والنقش في الخاتم، ومنهم من قال: ظهور اللاهوت على الناسوت كاستواء الإله على العرش عند المسلمين. وذهب كثير من هذه الطوائف إلى أن المراد بالاتحاد الحلول، قالوا: وقد اختلفوا أيضا في الجوهر والأقانيم، فذهبت اليعقوبية والنصطورية إلى أن الجوهر ليس بغير الأقانيم، ولا يقال: إنه هي، وصرحت الملكانية بأنه غير الأقانيم، وآخرون قالوا: هو الأقانيم. قالوا: وافترقت النصارى من وجه آخر، فذهبت الروم إلى التصريح بإثبات ثلاث آلهة، وامتنعت اليعقوبية والنصطورية من ذلك في وجه، والتزموه من وجه، وذلك أنهم قالوا: الكلمة إله، والروح إله، والأب إله، والثلاثة الأقانيم التي كل أقنوم منها إله، إله واحد. قالوا: وذابت شرذمة من النصارى إلى أن عيسى كان ابنا لله على جهة الكرامة، فكما اتخذ الله إبراهيم خليلا، كذلك اتخذ عيسى ابنا، قالوا: وهؤلاء يقال لهم الأريوسية. فهذا نقل طائفة من نظار المسلمين، وهذا قول لمن قاله من النصارى، وفيه ما هو مخالف لصريح أمانتهم، وما عليه جمهورهم، مثل قوله: إنهم لا يسمون العلم قبل تدرعه بالمسيح ابنا، بل المسيح مع ما تدرع به ابن، فإن هذا خلاف ما عليه فرق النصارى من الملكانية والعقوبية والنصورية، وخلاف ما تضمنته أمانتهم، إذ صرحوا فيها بأن الكلمة ابن قديم أزلي مولود قبل الدهور، وهذا صفة اللاهوت عندهم. ونقل الطائفة الأخرى منهم أبو الحسن بن الزاغوني عنهم ما يوافق هذا من وجه دون وجه، فقالوا: اتفق الطوائف النصارى على أن الله ليس بجسم، واتفقوا على أنه جوهر واحد، ثلاثة أقانيم، وأن كل واحد من الأقانيم جوهر خاص، يجمعها الجوهر العام. ثم اختلفوا، فقال بعضهم: إن الأقانيم مختلفة في الأقنومية، متفقة في الجوهرية، وقال آخرون: ليست مختلفة في الأقنومية، بل متغايرة، وقال فريق منهم: إن كل واحد منها لا هو الآخر، ولا هو غيره، وليست متغايرة، ولا مختلفة. وزعموا أن الجوهر ليس هو غيرها، إلا ما ذكر عن طائفة من الملكانية، فإنهم قالوا: إن الأقانيم هي الجوهر، غير الأقانيم، وزعموا أن الجوهر هو الأب، والأقانيم الحياة، وروح القدس، والقدرة، والعلم، وأن الله اتحد بأحد الأقانيم الذي هو الإبن، بعيس بن مريم، وكان مسيحا عند الاتحاد لاهوتا وناسوتا. حمل وولد ونشأ وقتل وصلب ودفن، واختلفوا أيضا، فقالت النصطورية: إن المسيح جوهران، أقنومان، قديم ومحدث، وأن اتحاده إنما هو بالمشيئة، وأن مشيئتهما واحدة، وإن كان جوهرين. وقالت العقوبية: لما اتحدا صار الجوهران، الجوهر القديم والجوهر المحدث، جوهرا واحدا، واختلفوا هنا، فقال بعضهم: الجوهر المحدث صار قديما، وزعم آخرون: أنهما لما اتحدا صار جوهرا واحدا، قديما محدثا من وجه آخر. وقالت الملكانية: إن المسيح جوهران، أقنوم واحد، وحكي عن بعضهم: أنه أقنومان، جوهر واحد، وقالت الأريوسية: إن الله ليس بجسم، ولا أقانيم له، وأن المسيح لم يصلب، ولم يقتل، وأنه نبي. وحكي عن بعضهم: أنه قال: المسيح ليس بابن الله، وحكي عن بعضهم: أنه ابن الله، مع التسمية والتقريب، واختلفوا في الكلمة الملقى إلى مريم، فقالت طائفة منهم: إن الكلمة حلت في مريم حلول الممازجة، كما يحل الماء في اللبن، فيمازجه ويخالطه. وقالت طائفة منهم: إنها حلت في مريم من غير ممازجة، كما أن شخص الإنسان يحل في المرآة، وفي الأجسام الصقيلة، من غير ممازجة، وزعم طائفة من النصارى: أن الناسوت مع اللاهوت كمثل الخاتم مع الشمع، يؤثر فيه بالنقش، ثم لا يبقى منه شيء إلا أثره. قال أبو الحسن بن الزاغوني: ومن معه، واختلفت النصارى في الأقانيم، فقال قوم منهم: هي جواهر، وقال قوم: هي قواص، وقال قوم: هي صفات، وقال قوم: هي أشخاص، والأب عندهم الجوهر الجامع للأقانيم، والابن هو الكلمة التي اتحدت عند مبدأ المسيح، والروح هي الحياة. واجتمعوا على أن الاتحاد صفة فعل، وليس بصفة ذات، قالوا: واختلف قولهم في الاتحاد اختلافا متباينا، فزعم قوم منهم: أن الاتحاد هو أن الكلمة التي هي الابن حلت في جسد المسيح، وقيل: هذا قول الأكثرين منهم. وزعم قوم منهم: أن الاتحاد هو الاختلاط والامتزاج، وقال قوم من العقوبية: هو أن كلمة الله قد انقلبت لحما ودما بالاختلاط، وقال كثير من العقوبية والنصورية: الاتحاد هو أن الكلمة والناس اختلطا وامتزجا، كاختلاط الماء بالخمر، وامتزاجهما، وكذلك الخمر باللبن. وقال قوم منهم: الاتحاد هو أن الكلمة والناس اتحدا فصارا هيكلا واحدا، وقال قوم منهم: الاتحاد مثل ظهور صورة الإنسان في المرآة، وكظهور الطابع في المطبوع، مثل الخاتم في الشمع. وقال قوم منهم: الكلمة اتحدت بجسد المسيح على معنى أنها حلته من غير مماسة، ولا ممازجة، كما نقول: الله في السماء على العرش، من غير مماسة، ولا ممازجة، وكما نقول: إن العقل جوهر حال في النفس، من غير مخالطة للنفس، ولا مماسة لها. فقالت الملكانية: الاتحاد أن الاثنين صارا واحدا، وصارت الكثرة قلة، وهذا الذي نقله عنهم أبو الحسن الزاغوني، ونحو ما نقله عنهم القاضي أبو بكر بن الطيب، والقاضي أبو يعلى، وغيرهما. وقال أبو محمد بن حزم: أن صارا فرق منهم أصحاب أريوس، وكان قصيسا بالإسكندرية، ومن قوله التوحيد المجرد، وأن عيسى عبد مخلوق، وأنه كلمة الله التي بها خلق السماوات والأرض. وكان في زمن قسطنطين الأول، باني القسطنطينية، وأول من تنصر من ملوك الروم، وكان على مذهب أريوس هذا، قالوا: منهم أصحاب بولس الشمشاطي، وكان بطرياركا بأنطاكية، قبل ظهور النصرانية، وكان قوله بالتوحيد المجرد الصحيح، وأن عيسى عبد الله ورسوله، كأحد الأنبياء عليه السلام. خلقه الله في بطن أمه مريم من غير ذكر، وأنه إنسان لا إلهية فيه البتة، وكان يقول: لا أدري ما الكلمة، ولا الروح القدس، قال: وكان منهم أصحاب مقدونيوس، كان بطرياركا بالقسطنطينية، بعد ظهور النصرانية، أيام قسطنطين ابن قسطنطين، باني القسطنطينية. وكان هذا الملك أريوسيا كأبيه، وكان من قول مقدونيوس هذا التوحيد المجرد، وأن عيسى عليه السلام عبد مخلوق، إنسان نبي رسول، كسائر الأنبياء عليه السلام، وأن عيسى هو روح القدس، وكلمة الله، وأن روح القدس والكلمة مخلوقان، خلق الله كل ذلك. قال: وكان منهم البربرانية، وهم يقولون: إن عيسى وأمه إلهان من دون الله تعالى، قال: وهذه الفرق قد بادت، وعمدتهم اليوم ثلاث فرق، وأعظمها فرق الملكانية، وهي مذهب جميع ملوك النصارى، حيث كانوا، حاش الحبشة والنوبة، ومذهب عامة أهل كل مملكة النصارى، حاش النوبة والحبشة. وهو مذهب جميع نصارى أفريقية، وصقلية، والأندلس، وجمهور الشام، وقولهم: إن الله تعالى -الله عن قولهم- ثلاثة أشياء: أب وابن وروح القدس، كلها لم تزل، وأن عيسى إله تام كله، وإنسان تام، ليس أحدهما غير الآخر. وأن الإنسان منه هو الذي صلب وقتل، وأن الإله منه لم ينله شيء من ذلك، وأن مريم ولدت الإله والإنسان، وأنهما معا شيء واحد، ابن الله تعالى -الله عن كفرهم-، وقالت النصورية مثل ذلك سواء بسواء، إلا أنهم قالوا: إن مريم لم تلد الإله، وإنما ولدت الإنسان، وأن الله لم يلد الإنسان، وإنما ولد الإله -تعالى الله عن كفرهم-. وهذه الفرقة غالبة على الموصل، والعراق، وفارس، وخراسان، وهم من سوبون إلى نصطور، وكان بطرياركا بالقسطنطينية، وقالت العقوبية: إن المسيح والله نفسه، وإن الله تعالى -الله عن عظيم كفرهم- مات وصلب وقتل، وإن العالم بقي ثلاثة أيام بلا مدبر، والفلك بلا مدبر. ثم قام ورجع كما كان، والله تعالى عاد محدثا، والمحدث عاد قديما، والله تعالى كان في بطن مريم محمولا به، وهم في أعمال مصر، وجميع النوبة، وجميع الحبشة، وملوك الأمتين المذكورتين. قلت: ومن أخبر الناس مقالاتهم من كان من علمائهم وأسلم على بصيرة بعد الخبرة بكتبهم ومقالاتهم، كالحسن بن أيوب الذي كتب رسالة إلى أخيه علي بن أيوب، يذكر فيها سبب إسلامه، ويذكر الأدل على بطلان دين النصارى، وصحة دين الإسلام. قال في رسالته إلى أخيه: لما كتب إليه يسأله عن سبب إسلامه، بعد أن ذكر خطبته، ثم أعلمك -أرشدك الله- أن ابتداء أمري في الشك الذي دخلني فيما كنت عليه، والاستبشاع بالقول به، من أكثر من عشرين سنة. لما كنت أقف عليه في المقالة من فساد التوحيد لله عز وجل، بما أدخل فيه من القول بالثلاثة الأقانيم، وغيرها مما تضمنت شريعة النصارى، ووضع الاحتجاجات التي لا تزكو ولا تثبت في تقرير ذلك. وكنت إذا تبحرته وأجلت الفكرة فيه، بان لي عواره، ونفرت نفسي من قبوله، وإذا فكرت في دين الإسلام الذي من الله علي به، وجدت أصوله ثابتة، وفروعه مستقيمة، وشرائعه جميلة. وأصل ذلك ما لا يختلف فيه أحد ممن عرف الله عز وجل منكم ومن غيركم، وهو الإيمان بالله الحي القيوم السميع البصير الواحد الفرد الملك القدوس الجواد العدل، إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب الأسباط، وإله موسى وعيسى وسائر النبيين والخلق أجمعين. الذي لا ابتداء له ولا انتهاء، ولا ضد ولا ند، ولم يتخذ صاحبة ولا ولد، الذي خلق الأشياء كلها لا من شيء ولا على مثال، بل كيف شاء، وبأن قال لها: كوني فكانت على ما قدر وأراد، وهو العليم القدير الرؤوف الرحيم. الذي لا يشبهه شيء، وهو الغالب فلا يغلب، والجواد فلا يبخل، ولا يفوته مطلوب، ولا تخف عليه خافية، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، وكل مذكور أو موهوم هو منه، وكل ذلك به، وكل له قانتون. ثم نؤمن بأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون، ونؤمن بموسى وعيسى وسائر الأنبياء عليه الصلاة والسلام، لا نفرق بين أحد منهم، ونؤمن بالتوراة والإنجيل والزبور والقرآن، وسائر الكتب التي أنزلها الله تعالى على أنبيائه. وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الأبرار لفي نعيم، وأن الفجار لفي جحيم، يصلونها يوم الدين، ذلك بما كسبت أيديهم، وأن الله ليس بظلام من العبيد. قال: وكان يحملني الفديني وطول المدة والعهد عليه، والاجتماع مع الآباء والأمهات والإخوة والأخوات والأقارب والإخوان والجيران وأهل المودات على التسويف بالعزم، والتلبث على إبرام الأمر. ويعرض مع ذلك الفكر في إمعان النظر، وإزدياد في البصيرة، فلم أدع كتابا من كتب أنبياء التوراة والإنجيل والزبور، وكتب الأنبياء والقرآن، إلا نظرت فيه وتصفحته، ولا شيئا من مقالات نصرانية إلا تأملته. فلما لم أجد للحق مدفعا، ولا للشك فيه موضعا، ولا للأنات والتلبث وجها، خرجت مهاجرا إلى الله عز وجل بنفسي، هاربا بديني عن نعمة وأهل، مستقر ومحل، وعز ومتصرف في عمل، فأظهرت ما أظهرته عن نية صحيحة، وسريرة صادقة، ويقين ثابت. فالحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، لقد جاءت رسل ربنا بالحق، وإياه تعالى نسأل ألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا منه رحمة، إنه هو الوهاب. قال: ولما نظرت في مقالات النصارى، وجدت صنفا منهم يعرفون بالأريوسية، يجردون توحيد الله، ويعترفون بعبودية المسيح عليه السلام، ولا يقولون فيه شيئا مما يقوله النصارى من ربوبية، ولا بنوة خاصة، ولا غيرهما، وهم متمسكون بإنجيل المسيح، مقرون بما جاء به تلاميذه، والحاملون عنه. فكانت هذه الطبقة قريبة من الحق، مخالفة لبعضه في جحود نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ودفع ما جاء به من الكتاب والسنة، قال: ثم وجدت منهم صنفا يعرفون باليعقوبية، يقولون: إن المسيح طبيعة واحدة من طبيعتين، إحداهما طبيعة الناسوت، والأخرى طبيعة اللاهوت. وأن هتين الطبيعتين تركبت كما تركبت النفس مع البدن، فصارت إنسانا واحدا، وجوهرا واحدا، وشخصا واحدا، وأن هذه الطبيعة الواحدة والشخص الواحد هو المسيح، وهو إله كله، وإنسان كله، وهو شخص واحد، وطبيعة واحدة من طبيعتين. وقالوا: إن مريم ولدت الله -تعالى الله عما يقولون-، وإن الله مات وتألم وصلب متجسدا، ودفن وقام من بين الأموات، وصعد إلى السماء، فجاء من القول بما لو عرض على السماء لنفطرت، أو على الأرض لنشقت، أو على الجبال لنهدت. فلم يكن لمحاجة هؤلاء وجه، إذ كان كفرهم بما صرحوا به أوضح من أن يقع فيه الشك، وكان غيرهم من النصارى كالملكانية والنصورية يشهدون بذلك عليهم، قال: ثم نظرت في قول الملكانية، وهم الروم، وهم أكثر النصارى. فوجدتهم قالوا: إن الأبن الأزلي الذي هو الله الكلمة لجسد من مريم جسدا كاملا، كسائر أجساد الناس، وركب في ذلك الجسد نفسا كاملة، بالعقل والمعرفة والعلم، كسائر أنفس الناس، وأنه صار إنسانا بالنفس والجسد، اللذين هما من جوهر الناس، وإلها بجوهر اللاهوت، كمثل أبيه لم يزل. وهو إنسان بجوهر الناسوت، مثل إبراهيم وداود، وهو شخص واحد، لم يزد عدده، وثبت له جوهر اللاهوت، كما لم يزل، يصح له جوهر الناسوت الذي لبسه من مريم، وهو شخص واحد، لم يزد عدده، وطبيعتان، ولكل واحد من الطبيعتين مشيئة كاملة. فله بلاهوته مشيئة مثل الأب والروح، وله بناسوته مشيئة مثل مشيئة إبراهيم وداود، وقالوا: إن مريم ولدت إلها، وإن المسيح وهو اسم يجمع اللاهوت والناسوت مات، وقالوا: إن الله لم يمت، والذي ولدت مريم قد مات بجوهر ناسوته. فهو إله تام بجوهر لاهوته، وإنسان تام بجوهر ناسوته، وله مشيئة اللاهوت، ومشيئة الناسوت، وهو شخص واحد، لا نقول: شخصان، لألا يلزمنا القول بأربعة أقانيم، قالها: فهؤلاء أتوا من ذلك بمثل ما تبهي به العقوبية في ولادة مريم الله -تعالى الله عما يقول الظالمون-. وقالوا: إن المسيح وهو اسم لا تشك جماعة النصارى أنه واقع على اللاهوت والناسوت مات، وإن الله لم يمت، فكيف يكون ميتا لم يمت، وقائما قاعدا في حال واحدة، وهل بين المقالتين فرق إلا ما اختلفوا فيه من الطباع؟ قال: ثم نظرت في قول نصورية، فوجدتهم قالوا: إن المسيح شخصان، وطبيعتان، لهما مشيئة واحدة، وأن طبيعة اللاهوت التي للمسيح غير طبيعة ناسوته، وأن طبيعة اللاهوت لما توحدت بالناسوت بشخصها الكلمة، التي صارت الطبيعتان بجهة واحدة، وإرادة واحدة. واللاهوت لا يقبل زيادة ولا نقصانا، ولا يمتزج بشيء، والناسوت يقبل الزيادة والنقصان، فكان المسيح بتلك إلها وإنسانا، فهو إله بجوهر اللاهوت الذي لا يزيد ولا ينقص، وهو إنسان بجوهر الناسوت القابل للزيادة والنقصان. وقالوا: إن مريم ولدت المسيح بناسوته، وإن اللاهوت لم يفارقه قط منذ توحدت بناسوته، وقال: فوجدنا العقوبية قد صرحوا بأن مريم ولدت الله -تعالى تعالى عما يصفه المبطلون ويقوله العادلون-، وأنه تألم وصلب ومات وقام بعد ثلاثة أيام بين الموتى. وآذى الكفر الذي تشهد به عليهم سائر من النصارى وغيرهم، ووجدنا الملكانية قد حادوا عن هذا التصريح إلى ما هو دونه في الظاهر، فقالوا: إن المسيح شخص واحد، وطبيعتان، فلكل واحد من الطبيعتين مشيئة، فله بلاهوته مشيئة مثل الأب والروح، وله بناسوته مشيئة كمشيئة إبراهيم وداود. وأوهم الواقف على قولهم أنهم بما اخترعوه من هذا الاختيار قد فرقوا بين اللاهوت والناسوت، ثم عادوا إلى قول اليعقوبية، فقالوا: إن مريم ولدت إلها، وإن المسيح هو اسم يجمع اللاهوت والناسوت عند جماعتهم، لا يشكون في ذلك، مات بالجسد، وإن الله لم يمت، والذي قد ولدته مريم قد مات بجوهر ناسوته. فكيف يكون ميتا لم يمت، وهل بين المقالتين إلا ما اختل فيه من الطباع فرق، وإن كانوا قد اعترفوا بأن مريم ولدت الله، وأن الذي ولدته مريم وهو المسيح الاسم الجامع للجوهرين لللاهوت والناسوت قد مات. فهل وقعت الولادة والموت، والسائر الأفعال التي تحكي النصارى أنها فعلت بالمسيح إلا عليهما، فكيف يصح لذي عقل عبادة مولود من امرأة بشرية قد مات، ونالته العيل والآفات؟ قلت: ومما يوضح تناقضهم أنهم يقولون: إن المسيح وهو اللاهوت والناسوت شخص واحد، وأقنوم واحد، مع قولهم: إنهما جوهران بطبيعتين، ومشيئتين، فيثبتون للجوهرين أقنوما واحدا، ويقولون: هو شخص واحد. ثم يقولون: إن رب العالمين إله واحد، وأقنوم واحد، وجوهر واحد، وهو ثلاثة أقانيم، فيثبتون للجوهر الواحد ثلاثة أقانيم، وللجوهرين المتحدين أقنوما واحدا، مع أن مشيئة الأقانيم الثلاثة عندهم واحدة، والناسوت واللاهوت يثبتون لهما مشيئتين، وطبيعتين. ومع هذا هما عندهم شخص واحد، أقنوم واحد، وهذا يقتضي غاية التناقض، سواء فسروا الأقنوم بالصفة، أو الشخص، أو الذات مع الصفة، أو أي شيء قالوه، وهو يبين أن الذين تكلموا بهذا الكلام ما تصوروا ما قالوه، بل كانوا ظلالا جهالا. خلاف ما يقوله الأنبياء، فإنه حق، فلهذا لا يوجد عن المسيح ولا غيره من الأنبياء ما يوافق قولهم في التثليث والأقانيم والاتحاد، نحو ذلك مما ابتدعوه بغير سمع وعقل، بل ألقوا أقوالا مخالفة للشرع والعقل. ثم قال الحسن بن أيوب: ثم وجدنا النصارى المعروفين من نصطورية قد خالفوا اليعقوبية والملكانية في قولهم بشخصين لهما مشيئة واحدة، وأن الطبيعتين اتحدتا فصارتا بجهة واحدة. ثم عادوا إلى شبيه قولهم في أن مريم ولدت المسيح، فإذا كانت ولدت المسيح، فقد لزمهم ووجب عليهم الإقرار بأنها ولدت هذا اللاهوت والناسوت المتحدين، وقد رجع المعنى إلى قول اليعقوبية، إلا أنهم اختاروا لذلك ألفاظا زوقوها، وقدروا بها التمويه على السامع. ولم يصرحوا بالقول كتصريح اليعقوبية، لأن المتحد بالشيء هو الممازج له، والمجتمع معه، حتى صار مازجه وهو شيئا واحدا، ثم أكدوا القول بإقرارهم أن الناسوت منذ التحد باللاهوت لم يفارقه. فما لم يفارق الشيء هل هو إلا يجري مجراه في سائر متفرقاته من ضر ونفع وخير وشر وحاجة وغنى؟ قالوا: أما قولهم: إن مريم ولدت المسيح بناسوته، فهذه غلطية، إلا فكيف يولد ولد متحد بشيء آخر مجامع له دون ذلك الشيء؟ وكيف يكون ذاك، وهم يقولون: إنه لم يفارقه قط، وليصح هذا عند أهل النظر، أو ليس الحكم عند كل ناظر، ومن كل ذي عقل يوجب أن تكون الولادة واقع على اللاهوت والناسوت معا، بمعنى الاتحاد، وبمعنى الاسم الجامع لللاهوت والناسوت، وهو المسيح. وكذلك الحمل بهما جميعا، وأن يكون البطن قد حواهما، قال: فإن لجوا في الباطل ودافعوا عن قبيح هذه المقالة، ومالوا إلى تحسينها بالتمويهات المشككة لمن قصرت معرفته، فنحن نقيم عليهم شاهدا من أنفسهم، لا يمكنهم دفعه. وذلك أن شريعة إيمانهم التي ألفها لهم رؤساؤهم من البطاركة والمطارنة والأساقفة والأحبار في دينهم، وذوي العلم منهم، بحضرة الملك، عند اجتماع من آفاق الأرض، من مدينة قسطنطينية، وكانوا ثلاثمائة وثمانية عشر رجلا. يصفون أنهم نطقوا بها بروح القدس، وهي التي لم تختلف جماعتهم عند اختلافهم في المقالات فيها، وليتم لهم قربان إلا بها، على هذا النسق الذي نبينه: نؤمن بالله الأب، مالك كل شيء، صانع ما يرى وما لا يرى، وبالرب الواحد يسوع المسيح، ابن الله الواحد، بكر الخلائق كلها، وليس بمصنوع، إله حق من إله حق، من جوهر أبيه. الذي بيده أتقنت العوالم، وخلق كل شيء، الذي من أجلنا معشر البشر، ومن أجل خلاصنا، نزل من السماء، وتجسد من روح القدس، وصار إنسانا، وحبل به، وولد من مريم البتول، وتألم وصلب أيام قيطوس ابن بيلاطوس، ودفن، وقام في اليوم الثالث، كما هو مكتوب، وصعد إلى السماء، وجلس عن يمين أبيه. وهو مستعد للمجيء تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء، ونؤمن بروح القدس الواحد، روح الحق، الذي يخرج من أبيه، روح ومجيئه، وبمعمودية واحدة لغفران الخطايا، وبجماعة واحدة قديسية سليخية جاثليقية، وبقيامة أبداننا، وبالحياة الدائمة إلى أبد الآبدين. قال: فهذه الشريعة يجتمع على الإيمان بها، وبذل المهج فيها، وإخراج الأنفس دونها، جماهيرهم من الملكانية واليعقوبية والنصطورية، وقد اعترفوا فيها جميعا بأن الرب المسيح، الذي هو صفته على ما اقتصصناه منها، من الإله الحق، نزل من السماء، وتجسد من روح القدس، وصار إنسانا. وحبل به، وولد من مريم البتول، وتألم وصلب، قال: فهل في هذا الإقرار شبها أو علق يتعلقوا به، العنت المدافع عن الحجة، فتدبروا هذا القول -يا معشر النصارى-، فإنه لا يمكن أحد منكم أن يخرج عنه، ولا أن يدفع ما صرح به. فإنكم إن قلتم: إن المقتول المصلوب هو الله، فمريم على قولكم ولدت الله -سبحانه وتعالى عما يقولون-، وإن قلتم: إنه إنسان، فمريم ولدت إنسانا، وفي ذلك أجمع بطلان شريعة إيمانكم، فاختاروا أي القولين شئتم، فإن فيه نقض الدين. قال: وقد يجب على ذوي العقول أن تسجرهم عقولهم عن عبادة إله ولدته مريم، وهي امرأة آدمية، ثم مكث على الأرض ثلاثين سنة، تجري عليه أحكام الآدميين، من غذاء وتربية، وصحة وسقم، وخوف أمن، وتعلم وتعليم. لا يتهيأ لكم أن تدعوا أنه كان منه في تلك المدة من أسباب اللاهوتية شيء، ولا له من أحوال الأدميين كلها، من حادتهم وضروراتهم، وهمومهم ومحنهم، وتصرفاتهم مخرج. ثم أحدث بعد هذه المدة الطويلة ما أحدثه من إظهار أمر الله تعالى، والنبوات، والآيات الباهرة المعجزة، بقوة الله تعالى، وقد كان من غيره من الأنبياء مثلها، وما هو أعلى منها، فكانت مدته في ذلك أقل من ثلاث سنين. ثم انقضى أمره بما يصفون أنه انقضى به، وينسبونه إليه من حبس وضرب وقذف وصلب وقتل، فهل تقبل العقول ما يقولون من أن إلها نال عباده منه مثل ما تذكرون أنه نيل منه؟ فإن تأولتم أن ذلك حل بالجسم، وليس باللاهوت، يحتمل ذلك لما شرحناه من معنى اتحاد اللاهوت به، أفليس قد وقع بجسم توحدت اللاهوتية به، وحلت الروح فيه، وقد أنجبه الله على ما تزعمون، وتصفون لخلاص الخلق. وفوض إليه القضاء بين العباد في اليوم الذي يجتمع فيه الأولون والآخرون للحساب، وقد وجدنا النصارى يؤثرون أخبارا في قوم عرضوا التوابيت فيها شهداء لكم بأن الأيدي التي بسطت إليها جفت. أو هل نال أحدا من الجزع والهلع والغم والقلق والتضرع إلى الله في إزالة ما حل به مثل ما يحكى في الإنجيل أنه ناله، وجدنا الكتب تنبئ بأن نال جرجيس -أحد من كان على دين المسيح صلى الله عليه وسلم- من العذاب الشديد بالقتل والحرق، والنشر بالمناشير. ما لم يسمع بمثله في أحد من الخلق، ونال خلقا كثيرا من تلامذته أيضا عذاب شديد، وقيل: لما كان الملوك المحاربون لهم يسومونهم إياه من رجوع عن أديانهم إلى الكفر الذي كان أولئك الملوك عليه، فصبروا على ذلك، واحتسبوا أنفسهم، فلم يهربوا من الموت. وقد كان يمكنهم الهرب من بلد إلى بلد، والاستتار وإخفاء أشخاصهم، وما أظهروا في حال من تلك الأحوال جزعا، ولا هلعا، وهم بعض الآدميين التابعين له، لأنه خفف عنهم ما كانوا ينالون