الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 12، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يؤكد الشيخ ابن تيمية على وجوب بيان آيات الإسلام وبراهينه قبل القتال، ويشير إلى أن ظهور الإسلام يتم بالعلم والبيان أولا. هذا البيان واجب مطلقا بينما الجهاد مشروع للضرورة.
يؤكد النص على أن المجادلة مع أهل الكتاب تكون بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا، ويستدل على ذلك بتفسيرات مجاهد وغيره من المفسرين. بعض المنكرين لمجادلة الكفار يتناقضون في مواقفهم.
يتناول المقطع أهمية إظهار الحجج والبراهين في تثبيت الدين ودفع الشبهات عنه، ويبين أن استخدام السيف دون بيان الحجة لا يثبت الدين بل يضر به. قيام الحجة على الناس هو أساس التكليف الإلهي.
النبي صلى الله عليه وسلم يبين أن الله يحب العذر أكثر من أي أحد آخر، وهذا هو السبب في إرسال الرسل مبشرين ومنذرين لتحذير الناس وتبشيرهم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام رحمه الله بكتابه "الجواب الصحيح من بدل دين المسيح": قال الوجه السادس: أنه من المعلوم أن القتال إنما شرع للضرورة، ولو أن الناس آمنوا بالقرآن والآيات لم احتيج إلى القتال، فبيان آيات الإسلام وبراهينه واجب مطلقا، وجوبا أصليا. وأما الجهاد فمشروع للضرورة. فكيف يكون هذا مانعا من ذلك؟ فإن قيل: الإسلام قد ظهرت أعلامه وآياته، فلم يبق حاجة إلى إظهار آياته، وإنما يحتاج إلى السيف. قيل: معلوم أن الله وعد بإظهاره على الدين كله، ظهور علم وبيان، وظهور سيف وسنان. فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾. وقد فسر العلماء ظهوره بهذا وهذا، ولفظ الظهور يتناولهما. فإن ظهور الهدى بالعلم والبيان، وظهور الدين باليد والعمل. والله تعالى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله. ومعلوم أن ظهور الإسلام بالعلم والبيان قبل ظهوره باليد والقتال. فإن النبي صلى الله عليه وسلم مكث بمكة ثلاث عشرة سنة يظهر الإسلام بالعلم والبيان والآيات والبراهين، فآمن به المهاجرون والأنصار طوعا واختيارا، بغير سيف. لما بان لهم من الآيات البينات والبراهين والمعجزات. ثم أظهره بالسيف. فإذا وجب علينا جهاد الكفار بالسيف ابتداء ودفعا، فلأن يجب علينا بيان الإسلام وإعلامه ابتداء ودفعا لمن يطعن فيه بطريق الأولى والأحرى. فإن وجوب هذا قبل وجوب ذاك، ومنفعته قبل منفعته. ومعلوم أنه يحتاج كل وقت إلى بيان الإسلام وإظهاره بالعلم والبيان. قال: وإظهاره بالعلم والبيان من جنس إظهاره بالسيف، وهو ظهور مجمل على كل دين. مع أن كثيرا من الكفار لم يظهر لهم سيفه، فكذلك كثير من الناس لم يظهر لهم آياته وبراهينه، بل قد يقدحون فيه ويقيمون الحجج على بطلانه. لا سيما والمقتول بالسيف فيهم منافقون كثيرون، فهؤلاء جهادهم بالعلم والبيان دون السيف والسنان. يؤكد هذا الوجه السابع، وهو أن القتال لا يكون إلا لظالم. فإن من قاتل المسلمين لم يكن إلا ظالما معتديا. ومن قامت عليه الحجة فشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين لم يكن إلا ظالما. وأما المجادلة فقد تكون لظالم، إما طاعن في الدين بالظلم، وإما من قامت عليه الحجة الظاهرة فامتنع من قبولها. وقد تكون لمسترشد طالب حق لم يبلغه، وإما من بلغه بعض أعلام نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ودلائل نبوته، ولكن عورض ذلك عنده بشبهات تنافي ذلك، فاحتاج إلى جواب تلك المعارضات. فإذا كان القتال الذي لا يكون إلا لدفع ظلم المقاتل مشروعا، فالمجادلة التي تكون لدفع ظلمه والانتفاع بها وانتفاع غيره مشروعة بطريق الأولى. قال مجاهد: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾، قال: الذين ظلموا من قاتلك ولم يعطك الجزية. وفي لفظ آخر عنه قال: الذين ظلموا منهم أهل الحرب من لا عهد لهم، المجادلة لهم بالسيف. وفي رواية عنه قال: لا تقاتل إلا من قاتلك ولم يعطك الجزية. وفي رواية عنه قال: من أدى منهم الجزية فلا تقول له إلا خيرا. وعن مجاهد إلا بالتي هي أحسن، فإن قالوا شرا فقولوا خيرا. فهذا مجاهد لا يجعلها منسوخة، وهي قول أكثر المفسرين. قال عبد الرحمن بن زيد: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ليست منسوخة. ولكن عن قتادة قال: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، ولا مجادلة أشد من السيف. والأول أصح، لأن هؤلاء من الذين ظلموا فلا نسخ. ومما يعجب منه أن بعض المنكرين لمجادلة الكفار بناء على ظهور دلائل النبوة، نجده ومن يعظمه من شيوخه الذين يعتمدوا في أصول الدين على نظرهم ومناظرتهم، ويجعلون أنهم قرروا دلائل النبوة. قد أوردوا من الشبهات والشكوك والمطاعن على دلائل النبوة ما يبلغ نحو ثمانين سؤالا، وأجابوا عنه بأجوبة لا تصلح أن تكون جوابا في المسائل الظنية، بل هي إلى تقرير شبه الطاعنين أقرب منها إلى تقرير أصول الدين. وهم كما مثلهم الغزالي وغيره بمن يضرب شجرة ضربا يزلزلها به وهو يزعم أنه يريد أن يثبتها. وكثير من أئمة هؤلاء مضطرب في الإيمان بالنبوة اضطرابا ليس هذا موضع بسطه. وهم مع ذلك يدعون أنه قد ظهر عند أهل الكتاب ما لم يظهر عند شيوخ هؤلاء النظار. وينأون عن إظهار آيات الله وبراهينه التي هي غاية وطالب مشايخهم. وهم لم يعطوها حقها إما عجزا وإما تقصيرا. الوجه الثامن: أن كثيرا من أهل الكتاب يزعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته إنما أقاموا دينهم بالسيف لا بالهدى والعلم والآيات. فإذا طلبوا العلم والمناظرة، قيل لهم ليس لكم جواب إلا السيف. كان هذا مما يقرر ظنهم بالكاذب. وكان هذا من أعظم ما يحتجون به عند أنفسهم على فساد الإسلام وأنه ليس دين رسول من عند الله، وإنما هو دين ملك أقامه بالسيف. الوجه التاسع: أنه من المعلوم أن السيف لا سيما سيف المسلمين وأهل الكتاب هو تابع للعلم والحجة. بل وسيف المسلمين هو تابع لآرائهم واعتقادهم. والسيف من جنس العمل، والعمل أبدا تابع للعلم والرأي. وحينئذ فبيان دين الإسلام بالعلم وبيان أن ما خالفه ضلال وجهل هو تثبيت لأصل دين الإسلام واجتنام لأصل غيره من الأديان التي يقاتل عليها أهلها. ومتى ظهر صحته وفساد غيره، كان الناس أحد رجلين: إما رجل تبين له الحق فاتبعه، فهذا هو المقصود الأعظم من إرسال الرسل. وإما رجل لم يتبعه، فهذا قامت عليه الحجة. إما لكونه لم ينظر في أعلام الإسلام، أو نظر وعلم فاتبع هواه أو جهل. وإذا قامت عليه الحجة كان أرضى لله ورسوله وأنصر لسيف الإسلام وأذل لسيف الكفار. وإذا قدر أن فيهم من يعجز عن فهم الحجة، فهذا إذا لم يكن معذورا مع عدم قيامها، فهو مع قيامها أولى أن لا يعذر. وإن كان معذورا مع قيامها، فهو مع عدمها أعذر. فعلى التقديرين قيام الحجة أنصر وأعذر. قد قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. وقال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾. وقال تعالى: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين».