الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح  161

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 161

الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 161، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

انتقاد التثليث عند النصارى

يناقش الشيخ مفهوم التثليث عند النصارى ويبين تناقضهم في إثبات الأقانيم الثلاثة، ويرد على حججهم ويظهر فساد قولهم في إثبات ثلاثة آلهة أو أقانيم في جوهر واحد.

مقارنة بين النصارى وغلاة المجسمة

يتناول المقطع مقارنة بين النصارى وغلاة المجسمة، ويبين أن كلا الطائفتين قد خالفتا الشرع والعقل، ويوضح أن النصارى خالفوا صريح المعقول ونصوص الأنبياء.

تناقض معتقدات النصارى وتجسيم الله

يناقش النص معتقدات النصارى ويبين تناقضها مع تعاليم الأنبياء، ويشير إلى أن تجسيم الله يؤدي إلى افتراءات خطيرة مثل اعتقاد اتحاد اللاهوت بالناسوت في المسيح.

  • 21 جمادى الأولى 1432هـ - 24/04/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال الشيخ: «الإسلام المتنمي» رحمه الله، في كتاب «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح»: «وذلك يتبين بالوجه التاسع، وهو أنكم إنما ضللتم بعدولكم عن صريح كلام الأنبياء وظاهره إلى ما تأولتموه عليه من التأويلات التي لا يدل عليها لفظه، لا نصا ولا ظاهرا. فعدلتم عن المحكم واتبعتم المتشابه، ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله. فلو تمسكتم بظاهر هذا الكلام لم تضلوا، فإن الإبن ظاهره في كلام الأنبياء لا يراد به شيء من صفات الله، بل يراد به وليه وحبيبه ونحو ذلك، وروح القدس لا يراد به صفته، بل يراد به وحيه وملكه ونحو ذلك. فعدلتم عن ظاهر اللفظ ومفهومه إلى معنى لا يدل عليه اللفظ البتة. فكيف تدعون أنكم اتبعتم نصوص الأنبياء؟ الوجه العاشر: إنكم بالغتم في ذنب المسيح وإنجيله، كما بالغتم في سب الله وشتمه، وإن كنتم لا تعلمون أن ذلك ذنب. فلم ترضوا أن تجعلوا ظاهر كلام المسيح ما أنتم عليه من الكفر، حتى جعلتم ظاهره كفرا لا ترضونه، مثل: ثلاثة آلهة متفقة أو متفرقة، أو ثلاثة أجسام مؤلفة، أو ثلاثة أجزاء مفرقة، أو ثلاثة أشخاص مركبة. فهذا ونحوه هو الذي زعمتم أنه ظاهر كلام المسيح عليه السلام، وأنتم لا تقولون بهذا الظاهر، بل تكفرون قائله، كما يكفر المسلمون من يقول بالظاهر الذي هو التجسيم والتمثيل. وهذا ما يتضمن أن كلام المسيح ظاهر في إثبات ثلاثة آلهة وثلاثة أشخاص مؤلفة، وثلاثة أجزاء متفرقة، وثلاثة أشخاص مركبة، كما زعمتم أن ظاهر القرآن التجسيم، وأنكم عدلتم عن هذا الظاهر إلى إثبات الأقانيم الثلاثة التي جعلتم فيها كلمة الله هي ابنه، وهو جوهر خالق يساويه في الجوهر. وأن المسيح هو هذا الإبن المساوي للأب في الجوهر، خالق العالمين، وديان يوم الدين، والجالس فوق العرش عن يمين الرب، وأنه إله حق من إله حق. والروح أيضا إله ثالث، والآلهة الثلاثة إله واحد. وهذا الذي ذكرتموه فيه من عيب المسيح وذمه ما ينتصر الله به للمسيح، وممن افترى عليه منكم ومن غيركم. فإن المسيح عليه السلام، على قولكم، لم يفصح لكم بأمانة تعتقدونها، ولا بتوحيد تعرفون به ربكم عز وجل. فالتكلم بما ظاهره إثبات ثلاثة آلهة وثلاثة أجسام مركبة، وثلاثة أجساء متفرقة، وأنكم أنتم أصلحتم ذلك حتى جعلتموه ثلاثة أقانيم، ووضعتم تلك الأمانة المخالفة لعقول ذوي العقول، ولكل كتاب جاء به رسول. مع أن المسيح لم ينطق بتثليث قط، ولا باتحاد، ولا بما يدل على ذلك. وعمدتم على ما نقله متى عنه، دون الثلاثة، أنه قال: «عمدوا الناس باسم الأب والإبن وروح القدس». وهذا الكلام ظاهر، بل نصه حجة على خلاف قولكم، وأنه أراد بالإبن نفسه، وهو الناسوت، ولم يرد به صفة الله. وأراد بروح القدس ما أيده الله به، أو روح القدس الذي نفح في أمه حتى حبلت به، لم يرد به صفة الله تعالى. فتأولتم كلامه على خلاف ظاهره، تأويلا يخالف صريح المعقول، وصحيح المنقول. فكيف تدعون أنكم تمسكتم بظاهر كلامه؟ ولما كان قول النصارى في التثليث متناقضا في نفسه، لا حقيقة له، صار مجرد تصوره التام كافيا في العلم بفساده، من غير احتياج إلى دليل. وإن كانت الأدلة تظهر بفساده. ولهذا سلك طائفة من العلماء في الكلام معهم هذا المسلك، وهو أن مجرد تصور مذهبهم كاف في العلم بفساده، فإنه غير معقول. وقالوا: إن النصارى تناقضت في اللفظ، وأحالت في المعنى، فلا يجوز أن يعتقد ما يدعون انتحاله لتناقضه. وذلك أنهم يزعمون أن الثلاثة واحد، والواحد ثلاثة. وهذا لا يصح اعتقاده، لأنه لا يجوز أن يعتقد المعتقد في شيء أنه ثلاثة، مع اعتقاده فيه أنه واحد، لأن ذلك متضاد. وإذا كان ذلك كذلك، فليس يقال: إنه ثلاثة، أو أنه واحد. وليس يحتاج أن يعرف بدليل بطلان قول من ادعى أن الواحد ثلاثة، وأن ثلاثة واحد، لأن ذلك لا يعقل. وهو كمن ادعى في الشيء أنه موجود معدوم، أو قديم محدث، أو في الجسم أنه قائم قاعد، متحرك ساكن. وإذا قال النصارى: «إنه أحدي الذات، ثلاثي الصفات»، قيل: لو قصرتم على قولكم: «إنه واحد له صفات متعددة»، لم ينكر ذلك عليكم جمهور المسلمين، بل ينكرون تخصيص الصفات بثلاث. فإن هذا باطل من وجوه متعددة. منها: أن الأب عندكم هو الجوهر، ليس هو صفة، فليس يكون له صفات إلا الحياة والعلم، فيكون جوهرا واحدا له أقنومان. وأنتم جعلتم ثلاثة أقانيم. ومنها: أن صفات الرب لا تنحصر في العلم والحياة، بل هو موصوف بالقدرة وغيرها. ومنها: أنكم تارة تفسرون روح القدس بالحياة، وتارة بالقدرة، وتارة بالوجود. وتفسرون الكلمة تارة بالعلم، وتارة بالحكمة، وتارة بالكلام. فبطلان قولكم في إثبات ثلاث صفات كثير. وأنتم مع هذا تجعلون كل واحدة منها إلها، وتجعلون الحياة إلها، والعلم إلها. وهذا باطل. وأما من لم يثبت الصفات من المسلمين وغيرهم، فيردون عليكم من وجوه أخرى. فقول بعضهم: إذا قيل: «ألستم تقولون إن الأبعاض الكثيرة تكون إنسانا واحدا، والآحاد الكثيرة عشرة واحدة، والأجسام الكثيرة دارا واحدة ومدينة واحدة، وما جرى هذا المجرى مما هو أكثر من أن يحصى، وأظهر من أن يخفى؟ فكيف عبتم ذلك من النصارى؟ ولم أنكرتم أن يكون ثلاثة أقانيم جوهرا واحدا؟» قيل: «إن قولنا إنسان واحد، ودار واحدة، وعشرة واحدة، وما يجري هذا المجرى، أسماء تنبي عن الجمل، لا عن أحد. وإذا قلنا إنسان واحد، فكأننا قلنا جملة واحدة. وكذلك إذا قلنا عشرة واحدة، لا أن نثبته واحدا في الحقيقة. كيف ونحن نقول: إن أبعاض الإنسان متغايرة، فكل بعض منها غير سائرها. وكذلك كل واحد من العشرة غير سائرها. فنحن وإن قلنا إنسان واحد، فلسنا نثبته شيئا واحدا في نفسه. ولو أثبتنا ذلك لتناقضنا مناقضة النصارى. وإنما قلنا هي جملة واحدة. ولو قالت النصارى مثل ذلك، لم تتناقض، حتى يزعموا أنها ثلاثة أشياء جملة واحدة. فيكون مرادهم في ذلك بوصفهم الأقانيم الثلاثة بأنها جوهر واحد، مما نريد بقولنا: الأبعاض الكثيرة إنسان واحد. فيكون وصفهم لها بأنها جوهر، إنما ينبئ أنها جملة، وليس هذا مما يذهبون إليه، ولا يعتقدونه، ولا يجعلون له معنى. لأنهم لا يعطون حقيقة التثليث، فيثبتون الأقانيم الثلاثة متغايرة، ولا حقيقة التوحيد، فيثبتون القديم واحدا، ليس باثنين، ولا أكثر من ذلك. وإذا كان ذلك كذلك، فما قالوه هو شيء لا يعقل، ولا يصلح اعتقاده. ويمكن أن يعارضوا على قولهم بكل حال. فيقال لهم: إذا جاز عندكم أن تكون ثلاثة أقانيم جوهرا واحدا، فلم لا يجوز أن تكون ثلاثة آلهة جوهرا واحدا، وثلاثة فاعلين جوهرا واحدا، وثلاثة أغيار جوهرا واحدا، وثلاثة أشياء جوهرا واحدا، وثلاثة قادرين جوهرا واحدا، وكل ثلاثة أشياء جوهرا واحدا، وكل ما يجري هذا المجرى من المعارضة، فلا يجدون فصلا. الوجه الحادي عشر: أن غلاة المجسمة، الذين يكفرهم المسلمون، أحسن حالا منكم شرعا وعقلا. وهم أقل مخالفة للشرع والعقل منكم. فإذا كان هؤلاء خيرا منكم، فكيف تشبهون أنفسكم بمن هو خير من هؤلاء، من أهل السنة المسلمين، الذين لا يقولون لا بتمثيل ولا بتعطيل؟ وبيان ذلك: أن التوراة والإنجيل، وسائر كتب الله، وغير ذلك مما هو مأثور عن الأنبياء، فيه نصوص كثيرة صريحة ظاهرة واضحة في وحدانية الله، وأنه لا إله غيره، وهو مسمى فيها بالأسماء الحسنى، موصوف بالصفات العلى. وأن كل ما سواه مخلوق له، ليس فيه تثليث ولا اتحاد الخالق بشيء من المخلوقات، لا المسيح ولا غيره. وفيها ألفاظ قليلة مشكلة متشابهة، وهي مع ذلك لا تدل على ما ذكرتموه من التثليث والاتحاد، لا نصا ولا ظاهرا. ولكن بعضها يحتمل بعض ما قلتم، وليس فيها شيء يحتمل جميع ما قلتم، فضلا عن أن يكون ظاهرا فيه أو نصا. بل بعضها يحتمل بعض قولكم. فأخذتم ذلك المحتمل، وضممتم إليه من الكفر الصريح، والتناقض القبيح، ما صيرتموه أمانة لكم، أي عقيدة إيمان لكم. ولو كانت كلها تحتمل جميع ما قلتم، لم يجز العدول عن النص والظاهر إلى المحتمل. ولو كان بعضها ظاهرا فيما قلتم، لم يجز العدول عن النصوص الصريحة إلى الظاهر المحتمل. ولو قدر أن فيها نصوصا صريحة قد عارضتها نصوص أخرى صريحة، لكان الواجب أن ينظروا بنور الله الذي أيد به عباده المؤمنين، فيتبعون أحسن ما أنزل الله، وهو المعنى الذي يوافق صريح المعقول، وسائر كتب الله. وذلك النص الآخر، إن فهموا تفسيره، وإلا فوضوا معناه إلى الله تعالى، إن كان ثابتا عن الأنبياء. وهؤلاء عدلوا عما يعلن بصريح المعقول، وعما يعلن بنصوص الأنبياء الكثيرة، إلى ما يحتمله بعض الألفاظ، لموافقته لهواهم. فلم يتبعوا إلا الظن وما تهوى الأنفس. ولقد جاءهم من ربهم الهدى. وأما كفار المجسمة، فهؤلاء أعذر، وأقلوا كفرا من النصارى. فإن هؤلاء يقولون كما يقوله معهم النافاة: إن ظواهر جميع الكتب، وهو التجسيم. ففي التوراة والقرآن من الآيات التي ظاهرها التجسيم ما لا يحصى. وليس فيها نص بما يقوله النافاة من أن الله ليس بداخل العالم، ولا خارجه، ولا متصل به، ولا منفصل عنه، ولا هو فوق العرش، ولا يشار إليه، ولا يصعد إليه شيء، ولا ينزل منه شيء، ولا يقرب منه شيء، ولا يدنو إليه شيء، إلى نحو ذلك من النفي الذي يقوله نفات الصفات. فمعلوم أنه ليس في الكتب الإلهية، لا التوراة، ولا الإنجيل، ولا الزبور، ولا القرآن، ولا غير ذلك من النبوات، من هذا حرف واحد. وكلها مملوءة مما يقول هؤلاء: إنه تجسيم. فيقول هؤلاء: «نحن اتبعنا نصوص الأنبياء، ولم نعدل عنها إلى غيرها. ولم نجد في نصوصهم نصا محكما صريحا بالنفي الذي يقوله نفات الصفات. ووجدنا نصوصهم كلها بالإثبات الذي يقولون إنه تجسيم. فكان على قولنا، وقولهم، نصوص الأنبياء ظاهرة في التجسيم. وليس لهم نص يناقض ذلك. فاتبعنا نصوصهم. وكل من عارض إثبات الصفات، لم يعارضها بنصوص صريحة عن الأنبياء، لكن بحجج عقلية». فيقول هؤلاء: «إن النصارى خالفوا صريح المعقول، وصريح كلام الأنبياء، واتبعوا قليلا من متشابه كلامهم. ونحن اتبعنا نصوص الأنبياء، ولم نخالف شيئا من صريح نصوصهم. ولكن مخالفنا يقول: «إنا خالفنا العقل». ونحن ننازعه في ذلك، وندعي أن العقل معنا، لا علينا. وأن ما يدعيه من المعقولات التي تعارض كلام الأنبياء، فهي باطلة. أو يقولون: «نحن والنصارى متفقون على أن لا نعارض كلام الأنبياء بالشبه العقلية. لكن نحن اتبعنا كلامهم المحكم الظاهر الكثير، الذي لا مخالف له من كلامهم. وهم خالفوا كلامهم الكثير المحكم، واتبعوا قليلا من المتشابه». ويقول الغلاة من هؤلاء، الذين يكفرهم أئمة المسلمين، وجمهورهم، الذي يحكي عنهم: «إن الله ينزل إلى الأرض عشية عرفة، فيعانق المشاة، ويصافح الركبان. وإنه يتمشى في الأرض، يكون موطأ أقدامه مروجا». ونحو ذلك. ليس هذا القول بأعجب من قول النصارى، الذين يقولون: «إنه هو المسيح، وأن اللاهوت والناسوت اتحدا». فنحن نقول أيضا: «إنه حل في بعض الأجساد المخلوقة»، كما يقوله النصارى. أو نقول: «إنه تجسد»، كما تتجسد الملائكة والجن. وهذا أقرأ من قول النصارى: «إنه اتحد بجسم المسيح». فإنا قد عهدنا لطائف من الملائكة تتصور في صورة بشرية. ولم نعهد ملكا صار هو والبشر شيئا واحدا. فإذا لم يجوز أن يتحد الملك بالبشر، فكيف يجوز أن يتحد رب الخلائق كلهم بالبشر؟ قالوا: «وقد يحل الجن في بدن الإنس، ويتكلم على لسانه، إلا أنهما جوهران، ومشيئتان، وطبيعتان، ليس بينهما اتحاد. لكنه دخل فيه، وتكلم على لسانه». والنصارى يقولون: «إن رب العالمين اتحد بالبشر». فمنهم من يقول: «جوهر واحد». ومنهم من يقول: «شخص واحد، وقنوم واحد». ومنهم من يقول: «مشيئة واحدة». فلابد لكل منهم من نوع اتحاد. وهذا أبعد من حلول الجن في الإنس. فإذا كان ما يقولونه ممتنعا في الجن والملائكة، فكيف برب العالمين؟ ومن غلاة المجسمة اليهود، من يحكى عنه أنه قال: «إن الله بكى على الطوفان حتى رمد، وعادته الملائكة. وإنه ندم حتى عظ يده، وجرى منه الدم». وهذا كفر واضح صريح. ولكن يقولون: «قولنا خير من قول النصارى». فإن النصارى يقولون: «إنه أخذ، وضرب بالسياط، وبصق في وجهه، ووضع الشوك على رأسه كالتاج، وضرب بين الخشيبين». وفعل به من أقبح ما يفعل باللصوص قطاع الطرق. وقد صرح كثير منهم بأن هذا فعل باللاهوت والناسوت جميعا. وشريعة إيمانهم تدل على ذلك. وهو لازم لمن أنكر ذلك منهم. فإنه مع القول بالاتحاد، الذي لا بد لطوائفهم الثلاثة منه، يمتنع أن تحل هذه العقوبات في هذا دون ذاك. فلا يمكن أن يحل في الناسوت دون اللاهوت. فإن هذا إنما يتصور إذا كان اثنين. ومن قال بالاتحاد، امتنع عنده أن يكون هناك إثنان. وفي الجملة، فالنصارى المثلثة، إما أن يصرحوا بالاتحاد من كل وجه، كاليعقوبية. وهؤلاء يصرحون بأن الآلام حلت باللاهوت. وإما أن يقولوا بالاتحاد من وجه، كقول الملكية: «إنهما شخص واحد». وقول النسطورية: «هما مشيئة واحدة». وحينئذ، فما قالوه من التعدد الذي يوجب المباينة، وأنه لا يتصف أحدهما بما يتصف به الآخر، ولا يحل به ما حل به، فيكونوا متناقضا لهذا. فأحسن أحوالهم أن يتناقضوا في الاتحاد، كما تناقضوا في التثليث. وهذا حقيقة قول خيار هؤلاء: يتكلمون بالكفر، وبما يناقضه، وبالتوحيد، وبما يناقضه. ومعلوم أن ما يفعله بنفسه من ندم، وبكاء، وحزن، هو دون ما يفعله أعداؤه به من ضرب، وصفع، وجعل الشوك على رأسه، وصلبه بين الخشيبين. أو أن استغاثته بمن يخلصه من ذلك أشد نقصا من ندمه وحزنه. وإن قالوا: «فعل هذا حتى يعلم عباده التشبه به»، أمكن أولئك المجسم الكفرة أن يقولوا: «بكى وندم، وعظ يده ندما حتى جرى الدم، حتى يعلم عباده التوبة من الذنوب». ففي الجملة، ما قال قوم من أهل الملل لقولا في الله، إلا وقول النصارى أقبح منه. ولهذا كان معاذ بن جبل رضي الله عنه يقول: «لا ترحموهم، فلقد سبوا الله مسبة ما سبهوا إياها أحد من البشر». ولهذا يعظم الله فريتهم على الله في القرآن، أشد من تعظيم افتراء غيرهم، كقوله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدْيًا تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَاءَ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ﴾ [مريم: 88 - 95]. وفي الصحيحين، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «يقول الله عز وجل: كذبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك. وشتمني ابن آدم، ولم يكن له ذلك. فأما شتمه إياي، فقوله: اتخذ الله ولدا. وأنا الأحد الصمد، لم ألد، ولم أولد، ولم يكن لي كفوا أحد. وأما تكذيبه إياي، فقوله: لن يعيدني كما بدأني. وليس أول الخلق بأهوى علي من إعادته». ورواه البخاري، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «قال الله عز وجل: كذبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك. وشتمني، ولم يكن له ذلك. فأما تكذيبه إياي، فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان. وأما شتمه إياي، فقوله: لي ولد. فسبحاني أن أتخذ صاحبة، ولا ولد». وفي الصحيحين، عن أبي موسى، قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله عز وجل. إنه يشرك به، ويجعل له ندا، وهو يعافيهم، ويرزقهم، ويدفع عنهم». الوجه الثاني عشر: أن كل من يعتقد في التجسيم ما يعتقد، يمكنه أن يقول كما يقوله النصارى. فإن النصارى عمدوا إلى ما هو جسد من جنس سائر أجساد بني آدم، قالوا: «إنه إله تام، وإنسان تام. وليس فيه من إلهية شيء». فما بقي مع هذا يمتنع أن يعتقد في نظائره ما يعتقد فيه؟ فلو قال القائل: «إن موسى بن عمران كان هو الله»، لم يكن هذا أبعد من قول النصارى. فإن معجزات موسى كانت أعظم، وانتصاره على عدوه أظهر. وقد سمى الله في التوراة إلها لهارون، ولفرعون. فإذا قيل فيه ما قالوا في المسيح: «إنه أظهر المعجز بلاهوته، وأظهر العبودية بنسوته»، لم يكن بطلان هذا أظهر من بطلان قول النصارى. بل متى جوزوا اتحاد اللاهوت بالنسوت، لم يمكنهم دفع ذلك عن أحد ممن يدعى فيه، إلا بدليل خاص. بل إذا قيل لهم: «حل في كثير من الأنبياء، والقديسين»، لم يمكنهم نفي ذلك. وإذا قالوا: «لم يخبر بذلك أحد، ولم يبشر به نبي. أو هذا غير معلوم»، قيل لهم: «غاية هذا كله أنكم لا تعلمون ذلك، ولم يقم عندكم دليل عليه. وعدم العلم ليس علما بالعدم. فعدم علمكم، وعدم علم غيركم بالشيء، ليس علما بعدم ذلك الشيء. وكذلك عدم الدليل المعين، لا يستلزم عدم المدلول عليه. فإن كل ما قلقه الله دليل عليه». ثم إذا عدم ذلك، لم يلزم عدم الخالق. فلا يجوز نفي الشيء لعدم الدليل الدال عليه، إلا أن يكون عدم الدليل مستلزما لعدمه، كالأمور التي تتوفر الهمم على نقلها، إذا لم ينقل، علم انتفاؤها. المقصود: أنكم مع العدم، لا يمكنكم النفي العام من غير المسيح، لعدم الدليل الدال عليه. فإنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول في نفس الأمر، لا سيما وهو كان متحدا بالمسيح عندهم، أكثر من ثلاثين سنة. ومع هذا، فكان يخفي نفسه، ولا يظهر، ولا يظهر إلا العبودية. فإذا قيل لهم: «هكذا كان متحدا بغيره من الأنبياء، والصالحين، ولكن أخفى نفسه لحكمة له في ذلك. وأظهر على نفسه بعض خواص عباده، أو أظهر لطائفة لم ينقل إلينا خبرهم». ونحو ذلك، لم يمكن مع تصديق النصارى فيما يدعونه، الجزم بكذب هؤلاء. بل من جوز قول النصارى، جوز أن يكون متحدا بغير ذلك من الأجسام. فيجعل كثيرا من الأجسام المخلوقة هي رب العالمين، إذ كانت ليس هو متحدا بها في نفس الأمر. فإذا اعتقدوا الاتحاد فيها، كما اعتقدته النصارى في المسيح، لم يكن ثم إله في الحقيقة إلا ذلك الجسم الناسوتي المخلوق. لكن ظن الضال أنه رب العالمين، كما ظن عباد العجل أن العجل إله موسى. فإذا جاز أن يتحد الرب عز وجل ببعض الأجسام، لم ينكر على أصحاب العجل، إذا جوزوا أن يكون رب العالمين اتحد بالعجل. وقد رأوا منه نوع خرق عادة. فليس للنصارى أن ينكروا على عباد العجل، ولا عباد شيء من الأصنام، إذا أمكن أن يكون الرب عز وجل حل فيها عندهم، إن لم يقيموا دليلا على أن الرب لم يحل في ذلك. فإذا قيل: «إن موسى عليه السلام أنكر على عباد العجل»، قيل: «نعم. وموسى ينكر على كل من عبد شيئا من المخلوقات، حتى لو عبد أحد الشجرة التي كلمه الله منها، لا ينكر عليه». فإنكاره على النصارى أعظم. وموسى عليه السلام لم يقل قط: «إن الله يتحد بشيء من المخلوقات، ويحل فيه». بل أخبر من عظمة الله عز وجل بما يناقض ذلك. ففي التوراة من نهيه عن عبادة ما سوى الله، ومن تعظيم أمره، وعقوبة المشركين به، وبما أخبر به من صفات الله عز وجل، ما يناقض قول النصارى. ولهذا كان من تدبر التوراة، وغيرها من كلام الأنبياء عليهم السلام، للنصارى، تبين له أن دينهم يناقض دين الأنبياء كلهم. وأن ما هم عليه من التثليث، والاتحاد، والشرك، لم يبعث به أحد من الأنبياء عليهم السلام. وما يفعلونه من دعاء المخلوقين، كالملائكة، أو كالأنبياء، والصالحين الذين ماتوا، مثل دعائهم مريم، وغيرها، وطلبهم من الأموات شفاعة لهم عند الله، لم يبعث به أحد من الأنبياء. فكيف وقد صوروا تماثيلهم ليكون تذكيرا لهم بأصحابها، ويدعون تلك الصور، وإن قصدوا دعاء أصحابها، فهم إذا صرحوا بدعاء أصحابها، وطلبوا منهم الشفاعة، وهم موتى، وغائبون، كانوا مشركين. فكيف إذا كان الدعاء في الظاهر لتماثيلهم المصورة؟ وهذا مما يعترف حذاق علمائهم بأنهم مخالفون لدين الأنبياء كلهم. ولهذا وقع بينهم تنازع في اتخاذ الصور في الكنائس، لما ابتدعه بعضهم، كما هو مذكور في أخبارهم. ولم يأت من ابتدع ذلك بحجة شرعية. والمجسمة يعتقدون أن الله قديم أزلي، وأنه عظيم جدا. ليقولون: «إنه متحد بشيء من الأجسام المخلوقة، ولا يحل فيها». فمن قال باتحاده، وحلوله فيها، كان قوله شرا من قول هؤلاء المجسمة. كما أن المتفلسفة الذين يقولون: «بأن الأفلاك أجسام قديمة أزلية، واجبة بنفسها». أولها علة تتشبه بها، كما يقوله أرسطو، وذووه. أو يثبتون لها علة فاعلة لم تزل مقارنة لها، كما يقوله ابن سينا، وأمثاله. هؤلاء قولهم شر من قول اليهود، والنصارى، ومشركي العرب، الذين يثبتون للسماوات، والأرض خالقا خلقها بمشيئته، وقدرته. ولو قال من قال منهم: «إن ذلك جسم»، فغايته أن يثبت جسما قديما أزليا، موصوفا بصفات الكمال. فمن أثبت جسما قديما أزليا، ليس موصوفا بصفات الكمال، كان قوله شرا من قول هذا. فتبين أن المجسم، الذين يثبتون جسما قديما أزليا، واجب الوجود بنفسه، عالما بكل شيء، قادرا على كل شيء، مع قولهم: «إنه تملكه الحوادث، وتقوم به الحركة، والسكون»، خيرا من قول الفلاسفة الذين يقولون: «إن الأفلاك أجسام قديمة أزلية، واجبة الوجود بنفسها»، كما يقوله أرسطو، وذووه. وخير من النصارى أيضا. الوجه الثالث عشر: قولهم: «من قال: ثلاثة آلهة مختلفة، أو متفقة، أو ثلاثة أشخاص مركبة، أو غير ذلك مما يقتضي الاشتراك، والتكثير، والتبعيض، والتشبيه، فنحن نلعنه، ونكفره». فيقال لهم: «وأنتم أيضا تلعنون من قال: إن المسيح ليس هو إله حق من إله حق، وهو مساوي الأب في الجوهر. ومن قال: إنه ليس بخالق. ومن قال: إنه ليس بجالس عن يمين أبيه. ومن قال أيضا: إن روح القدس ليس برب حق محي. ومن قال: إنه ليس ثلاثة أقانيم». وتلعنون أيضا مع قولكم: «إنه الخالق»، من قال: «إنه الأب، والأب هو الخالق». فتلعنون من قال: «هو الأب الخالق»، ومن قال: «ليس هو الخالق». فتجمعون بين النقيضين. فتلعنون من جرد التوحيد بلا شرك، ولا تثليث. ومن أثبت التثليث مع انفصال كل واحد عن الآخر. وتجمعون بين النقيضين. فمن أثبت أحدهما منفكا عن الآخر، لعنتموه. كمن قال: «عندي واحد ثلاثة». فمن قال: «هو واحد، ليس بثلاثة»، كذبه. ومن قال: «هو ثلاثة، ليس واحدا»، كذبه. ومن قال: «عندي شيء موجود معدوم». فمن قال: «هو موجود، ليس بمعدوم»، كذبه. ومن قال: «معدوم، ليس بموجود»، كذبه. ومن قال: «عندي شيء هو حي ميت، هو عالم جاهل، هو قادر عاجز». فمن قال: «هو حي، ليس بميت»، كذبه. ومن قال: «هو ميت، ليس بحي»، كذبه. فهكذا أنتم تجمعون بين قولين متناقضين، أحدهما حق، والآخر باطل. فمن قال الحق، ونفى الباطل عن تمويه. ومن قال الباطل، ونفى الحق، لعنتمه. وأنتم تشبهون الملاحدة من الجهمية، والفلاسفة، والباطنية، الذين يسلمون عن النقيضين، أو يمتنعون عن إثبات أحد النقيضين. فيقولون: «لا نقول: هو حي، ولا ليس بحي. ولا هو عالم، ولا ليس بعالم. ولا قادر، ولا ليس بقادر». بل منهم من يقول: «لا نقول: هو موجود، ولا معدوم. ولا نقول: هو شيء، ولا نقول: ليس بشيء». ومنهم من يقول: «ليس بحي، ولا ميت. ولا عالم، ولا جاهل. ولا قادر، ولا عاجز». ومنهم من يقول: «لا نطلق لا هذا، ولا هذا». فيقال لهم: «رفع النقيضين كجمع النقيضين. والامتناع عن إثبات أحد النقيضين، كالامتناع عن نفي أحد النقيضين». وكذلك من وصفه بأنه موجود، واجب الوجود لذاته، ثم وصفه بصفات تستلزم عدمه، فقد جمع بين النقيضين. وكل قول يتضمن جمع النقيضين، وإثبات الشيء ونفيه، أو رفع النقيضين للإثبات، والنفي، فهو باطل. والنصارى في هذا الباب من أبلغ الناس تناقضا. ويقولون الشيء، ويقولون بما يناقضه، ويلعنون من قال هذا، ومن قال هذا. وأيضا، فكل طائفة منكم تلعن الأخرى. فإن أهل الأمانة تلعن الأريوسية، وغيرهم من طوائف النصارى. وهم يلعنونكم. وكل من فرقكم الثلاثة: النصورية، واليعقوبية، والملكية، تلعن الطائفتين الأخرين. فأنتم واليعقوبية تلعنون من يقول: «إن مريم لم تلد إلها». ويقولون: «إن مريم ولدت إنسانا تاما، إلها تاما». وأنتم والنصورية تلعنون من قال: «إنهما جوهر واحد، بمشيئة واحدة، وطبيعة واحدة». ومن قال: «إن اللاهوت تتألم»، مع قولكم: «إن اللاهوت مولود من مريم». ومع قولكم: «المسيح الذي ولدته مريم مات، وصلب». وفي أقوالكم من العجائب المتناقضة، التي توجب أنكم ملعونون، ما يطول وصفه. فما منكم من أحد، إلا وهو لاعن ملعون. فلعنكم من قال بهذه المقالات، لا يوجب أنكم على الحق. بل يوجب أن يكون من جملة الملعونين عندكم، كطائفة من طوائفكم. والنصارى طوائف كثيرون، مختلفون اختلافا كثيرا. والطوائف الثلاثة المشهورة في الأزمان المتأخرة منهم، بعض طوائفهم. وإلا فهم طوائف كثيرون، مختلفون في التثليث، والاتحاد. وتجد كل صنف منهم، أو غيرهم من مقالاتهم، يحكي أقوالا غير الأقوال التي حكاها الآخرون. ومن أجل من جمع أخبارهم عندهم: سعيد من البطريق، بترك الإسكندرية، في أثناء المئة الرابعة من دولة الإسلام. وقد بحث لهم بحثا استقصى فيه، بزعمه، نصر مذهبهم. وهو ملكي. وقد ذكرت كلامه في غير هذا الموضع. وفيهم من يقول: «إن مريم زوجة الله». وفيهم من يجعلها إلها آخر، كالمسيح. وفيهم من يثبت أن المسيح ابن الله، بالولادة المعقولة المعروفة من الحيوان. والأمانة التي جعلوها عقيدتهم، وأصل إيمانهم،