الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 18، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
دعا النبي صلى الله عليه وسلم المجوس إلى الإسلام عبر رسله وضرب الجزية عليهم بعد الفتوحات الإسلامية. كانت الدعوة عامة لجميع الناس وليست خاصة بالعرب.
أخذ الجزية من المجوس كان سنة نبوية وراشدية، حيث دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام أو الجزية أو القتال مثل غيرهم من أهل الكتاب. استدل بذلك من الأحاديث النبوية وسنة الخلفاء الراشدين.
استدل بآيات القرآن وسنة النبي صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين على جواز أخذ الجزية من غير أهل الكتاب مثل المجوس والبربر. جاء ذلك بتفصيل في أقوال الصحابة والتابعين.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: فصلٌ، ولما فتح خلفاء النبي صلى الله عليه وسلم -عمر أو عثمان- العراق وخارسان، ضربوا الجزية على المجوس كما ضربوها على النصارى، بعد أن دعوهم إلى الإسلام كما دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما ضرب النبي صلى الله عليه وسلم الجزية على اليهود والنصارى والمجوس بعد أن دعاهم إلى الله عز وجل. فإنه صلى الله عليه وسلم بعت العلاء بن الحضرمي -أو بن الحضرمي- إلى المنذر بن ساوى العبدي، صاحب هجر، وهي قرية بالبحرين، بكتابه صلى الله عليه وسلم يدعوه للإسلام. قال العلاق: فلما دخلت عليه، قلت: يا منذر، إنك عظيم العقل في الدنيا، فلا تصغرن عن الآخرة، إن هذه المجوسية شر دين، ليس فيها تكرم، العرب ولا علم أهل الكتاب ينقحون ما يسلخ من نكاحه، ويأكلون ما يتكرم عن أكله، ويعبدون في الدنيا نارا تأكلهم يوم القيامة. ولست بعديم عقل ولا رأي، فانظر: هل ينبغي لمن لا يكذب أن تصدقه، ولمن لا يخون أن تأمنه، ولمن لا يخلف أن تثق به؟ فإن كان هذا هكذا، فهذا هو النبي صلى الله عليه وسلم، الأمّي الذي والله لا يستطيع، إذ عقل، أن يقول: ليس ما أمر به نهى عنه، أو ما نهى عنه أمر به، أو ليته زاد في عفوه، أو نغص في عقابه. إن كل ذلك منه على أمنية أهل العقل وفكر أهل البصر. فقال المنذر: نظرت في هذا الذي في يدي، فوجدته للدنيا دون الآخرة، ونظرت في دينكم، فوجدته للآخرة والدنيا، فما يمنعني من قبول دين فيه أمنية الحياة وراحة الممات؟ ولقد عجبت أمس مما يقبله، وعجبت اليوم مما يرده. وإن من أعظم من جاء به أن يعظم رسوله. وسأنظر، ثم أسلم المنذر، وكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالإسلام والتصديق. وقال عمر بن عوف: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة إلى البحرين، فأتَى جزيتها. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو صالح للبحرين، وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي. فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة، فوافوا صلاة الصبح مع النبي صلى الله عليه وسلم. فلما صلى بهم الفجر، انصرف، فتعرضوا له. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآهم، وقال: أظنكم قد سمعتم أن أبا عبيدة قد جاء بشيء؟ قالوا: أجل يا رسول الله. قال: فابشروا وأملوا ما يسركم. إنه الله، للفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم. أخرج في الصحيحين. وأخرج البخاري عن حنظلة بن عبده أنه قال: أتانا كتاب عمر بن الخطاب قبل موته بسنة: فرقوا بين كل ذي محرم من المجوس. ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر. وقال ابن شهاب: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم جزية من مجوس هجر، وأخذ عمر بن الخطاب جزية من مجوس فارس، وأخذ عثمان بن عفان جزية من البربر. قال ابن شهاب: أول من أعطى جزية من أهل الكتاب أهل نجران فيما بلغنا، وكانوا نصارى. وقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم جزية من أهل البحرين، وكانوا مجوسا. ثم أدى أهل أيلة وأهل أذرح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جزية في غزوة تبوك. وبعث خالد بن الوليد إلى أهل دومة الجندل، فأسروا رئيسهم أكيدرا، فبايعوا على الجزية. قال أبو عبيدة: الجزية مأخوذة من أهل الكتاب بالتنزيل، ومن المجوس والبربر وغيرهم بالسنة. أورد المؤلف -رحمه الله تعالى- هذا الفصل ليستدل به -رحمه الله تعالى- على أن دعوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم تكن خاصة بالعرب، بل كانت للعرب ولغيرهم من العجم، ولم تكن لأهل الجاهلية خاصة، بل كانت لهم ولمن حولهم من أهل الأديان، سواء اليهود أو النصارى أو المجوس أو غيرهم ممن كانوا حول العرب. ودلل على ذلك بهذه الوقائع التي أشار إليها، أولها أخذ الجزية على اليهود والنصارى والمجوس، وقد مر معنى ذلك في أخذ الجزية عن نصارى نجران، وهكذا ما سبق من نزول آيات الجزية، وأنها من آخر ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. وهكذا ما سنه بعده خلفاؤه الراشدون. ومن ذلك ما وقع للمجوس، ومجوس هجر على وجه الخصوص، وأصل الحديث في الصحيح، كما مر في صحيح البخاري من حديث عبد الرحمن بن عوف. وجاء عند الترمذي بشيء فيه طول، بإسناد صحيح كذلك. وهكذا أثر عثمان، رواه الترمذي، وأشار إليه، وأشار كذلك إلى تصحيح الإمام البخاري لهذا الأثر، غير أنه قال: الفرس، ولم يقل: البربر. وجاء خارج الترمذي، كما مر معنا من حديث ابن شهاب مرسلا، بذكر البربر، فيكون هذا إسنادا حسنا، فهو من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وسنة عمر، وسنة عثمان. وفي هذا دليل على أنهم مدعوون إلى دين الإسلام، فهم يخيرون بإحدى ثلاث: إما الإسلام، وإما الجزية، وإما السيف، كغيرهم ممن دعاهم النبي عليه الصلاة والسلام. وكذلك أكد ذلك بقصة المنذر، وقصة المنذر كما أشار المعلق: أصلها صحيح، وإن كانت هذه الزيادات رواها بعض أهل السير، لكن أصل القصة صحيح. وهكذا قصة مبعث أبي عبيدة إلى أهل البحرين، فأصلها بالصحيحين في حديث عمر بن عوف. وهكذا ما ختم به من أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع الجزية من أهل البحرين، وهكذا أدى الجزية أهل أيلة وأهل أذرح، وهكذا بعد خالد بن الوليد أهل دومة الجندل، فأسروا رئيسا أكيدر. وهذا كذلك معناه صحيح، وقد روي بمراسيل، ويصحح بعضها بعضا. فأصل هذه الوقائع يؤكد بعضها بعضا، ويثبت هذا الأصل، وهو أخذ الجزية عن هؤلاء، ويدل ذلك على أنهم مدعوون لدين الإسلام. وهذا شيء معلوم متواتر في دين الله جل وعلا، ولا ينكره أحد من أهل التاريخ، لا من أهل الإسلام ولا من غير أهل الإسلام. وختم بقول أبي عبيدة: الجزية مأخوذة من أهل الكتاب بالتنزيل، يعني في قول الله جل وعلا: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، ومن المجوس والبربر وغيرهم بالسنة، يعني سنة النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الرحمن بن عوف وغيره، وهكذا سنة الخلفاء الراشدين من بعده، ما صح عن عمر وعثمان -رضي الله تعالى عنهما- وعن جميع الصحابة.