الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 167، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول اتفاق الأنبياء في دعوتهم إلى توحيد الله والإيمان باليوم الآخر، ويشير إلى دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من خلال أخباره الغيبية. كما يبين أن أخبار الأنبياء متسقة ولا تتناقض.
يتناول الرد على ادعاءات أهل الكتاب بخصوص تناقض نبوة محمد مع كتبهم، موضحًا التحريف في كتبهم وعدم قدرتهم على إثبات صحة احتجاجاتهم. يقدم دلائل على صحة نبوة محمد.
يتناول تفاضل الأنبياء والرسل عليهم السلام، ويبين وجوب الإيمان بالنبي الأكمل. يشير إلى أن الكتب السماوية والمعجزات والشرائع كلها أدلة على تفضيل بعض الأنبياء على بعض.
يؤكد أن الأنبياء وأتباعهم هم الأصح والأهدى، ويستدل على ذلك بالاعتبار العقلي والموازنة بين حال المسلمين وغيرهم من أهل الكتاب وغيرهم، مشيرًا إلى فضل شريعة الأنبياء.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتاب «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح»، فصل: قد ذكرنا في جواب أول كتابهم بيان امتناع احتجاجهم بشيء من كلام محمد صلى الله عليه وسلم أو غيرهم من الأنبياء عليهم السلام على ما يخالف دين المسلمين من دينهم. ونحن نفصل هذا هنا، فنقول: لا ريب أن الباطل لا يقوم عليه دليل صحيح، لا عقلي ولا شرعي، سواء كان من الخبريات أو الطلبيات. فإن الدليل الصحيح يستلزم صحة المدلول عليه، فلو قام على الباطل دليل صحيح، لزم أن يكون حقًا مع كونه باطلًا، وذلك جمع بين النقيضين، مثل كون الشيء موجودًا معدومًا. وأهل الكتاب معهم حق في الخبريات والطلبيات، ومعهم باطل، وهو ما بدلوه في الخبريات، سواء كان المبدل هو اللفظ أو المعنى، وما ابتدعوه أو ما نسخ من العبادات. والمنسوخ الذي تنوعت فيه الشرائع قليل بالنسبة إلى ما اتفقت عليه الكتب والرسل. فإن الذي اتفقت عليه، والذي لا بد للخلق منه في كل زمان ومكان، وهو الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. وعامة السور المكية، كالأنعام والأعراف وآل حاميم وآل طاسين وآل ألف لامراء، هي من السور الكلية التي اتفقت عليها شرائع المرسلين، كالأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والصدق والعدل والإخلاص، وتحريم الظلم والفواحش والشرك والقول على الله بلا علم. وعامة ما عنده من النقول الصحيحة عن الأنبياء من التوراة والإنجيل والزبور ونبوات الأنبياء، توافق المنقول عن محمد صلى الله عليه وسلم. شهد هذا لهذا، وهذا لهذا، وذلك من دلائل نبوة أولئك الأنبياء، ومن دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. ولهذا يذكر الله ذلك بيانًا لإنعامه بمحمد ودلالته ودلالة نبوة محمد. فقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكِ وَمَا كُنْتِ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتِ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾. فذكر الإله نعمته وآياته بكونه لم يكن يعلمها هو ولا قومه، لألا يظن أنه تعلم ذلك من قومه. فإن قومه لم يكن يعلمون ذلك. وقد علم بالنقل المتواتر أن محمدًا صلى الله عليه وسلم ولد بمكة، وبها نشأ بعد أن كان مسترضعًا في بادية سعد بن بكر، قريبًا من الطائف شرقي مكة، وهو صغير. ثم حملته مرضعته حليمة السعدية إلى أمه بمكة، لا يعلم شيئًا من ذلك، ولا هناك من يتعلم منه شيء من ذلك. وأهل مكة يعلمون حاله، وأنه لم يتعلم ذلك من أحد. ثم أخبرهم بالغيب الذي لا يعلمه أحد إلا بتعليم الله له، فكان هذا من أعلام رسالته ودلائل نبوة محمد عليهم أولًا وعلى غيرهم آخرًا. فإنهم كانوا مشاهدين له، يعلمون أنه لم يتعلم ذلك من أحد. وغيرهم يعلم ذلك بالأخبار المتواترة، ويعلم أن قومه المكذبين له، مع حرصهم على الطعن فيه، لو كان قد تعلم من أهل الكتاب لقالوا: هذا قد تعلمه منهم. قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. والمقصود أنه نفى علم قومه بما أخبرهم به، بيانًا لآلاء الله التي هي آياته ونعمه. فإن ذلك يدل على أنه لم يتعلم ذلك من قومه. وفيه إنعام الله على الخلق بذلك. وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾. فنفى سبحانه شهادته لهذه الأمور الغائبة وحضوره لها، تنبيهًا للناس على أنه أخبر بالغيب الذي لم يشهده ولم يعرفه من جهة إخبار الناس. فإن قومه لم يكونوا يعلمون ذلك، ولا عاشر غير قومه. وكل من عرف حاله يعلم أنه لم يتعلم شيئًا من ذلك، لا من أهل الكتاب ولا ممن نقل عن أهل الكتاب. فإذا كان محمد صلى الله عليه وسلم أخبر بمثل ما أخبرت به الأنبياء قبله في باب أسماء الله وصفاته وتوحيده وملائكته وأوليائه وأعدائه، مع العلم بأن في هذه الأمور من التفاصيل الكثيرة ما يمتنع اتفاق اثنين عليه إلا عن مواطئة بينهما. ومحمد وموسى صلى الله عليهما وسلم لم يتواطآ، بل لم يواطئ محمد صلى الله عليه وسلم أحدًا من الرسل قبله، ولا واطأه. والخبر الكذب إما أن يتعمد صاحبه الكذب، وإما أن يغلط. والكاذبان المتعمدان للكذب لا يتفقان في القصص الطويلة والتفاصيل العظيمة. وكذلك الغالطان لا يتفق غلطهما في مثل ذلك. بل الإثنان من آحاد الناس إذا أخبر كل منهما عن حال بلدة، وأخبر الآخر بمثل خبره من غير مواطئة، عرف صدقهما. فكيف بالأمور الغائبة التي لا يمكن العلم بها إلا من جهة الله تعالى؟ فهذا من دلائل نبوة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. وأما القدر الذي خالف ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم مما ينقلونه عن الأنبياء، فهو نوعان: أحدهما ما وقع فيه النسخ من الشرائع. وهذا لا يمنعه. لكن المنسوخ مثل هذا بالنسبة إلى ما لم ينسخ من الكتاب، نظير المنسوخ من القرآن والأحاديث النبوية، فإنه قليل جدًا بالنسبة إلى ما لم ينسخ. وكذلك عامة ما أمر به موسى وداود والمسيح وغيرهم من الأنبياء، إذا اعتبر بما أمر به محمد صلى الله عليه وسلم، وجد عامة ذلك متفقًا، لم ينسخ منه إلا القليل. والثاني الخبريات. وهذه قد ادعى بعض أهل الكتاب أن محمدًا خالف بعض ما أخبرت به الأنبياء قبله. وهذا باطل. فإن أخبار الأنبياء لا يجوز أن تتناقض، إذ هم كلهم صادقون ومصدقون. ومن علم أن محمدًا رسول الله، وأن موسى رسول الله، وأن المسيح رسول الله، علم أن أخبارهم لا تتناقض. لكن قد يخبر هذا بما لم يخبر به هذا، فيكون في أخبار أحدهم زيادات على أخبار غيره، لا ما يناقض خبر غيره. وما يذكر أهل الكتاب مما يناقض خبر محمد صلى الله عليه وسلم، فهو عمدته مما حرفوا معناه وتأويله. وقليل منه حرف لفظه. وأهل الكتاب اليهود والنصارى مع المسلمين متفقون على أن الكتب المتقدمة وقع التحريف بها، إما عمدًا وإما خطأ في ترجمتها وفي تفسيرها وشرحها وتأويلها. وإنما تنازع الناس: هل وقع التحريف في بعض ألفاظها؟ وكل ما يدعي فيه مدع أن محمدًا صلى الله عليه وسلم ناقضه، فلابد له من أن يثبت مقدمتين: إحداهما ثبوت ذلك اللفظ عن ذلك النبي. والثاني ثبوت معناه. وكل من احتج بنقل عن نبي، فلابد له من هاتين المقدمتين: الإسناد والمتن. فلابد له من ثبوت اللفظ، ولابد له من ثبوت معنى اللفظ. وإذا كان النقل ليس بلغة النبي، بل بلغة أخرى، فلابد من الترجمة الصحيحة. وعامة النصارى ليس عندهم كتب الأنبياء بلغة الأنبياء. فإن موسى والمسيح ومن بينهما من أنبياء بني إسرائيل، إنما كانوا يتكلمون باللغة العبرانية. والمسيح كان عبرانيًا لم يتكلم بغير العبرانية. وإنما تكلم بغيرها، كالسريانية واليونانية والرومية، بعض من اتبعه. وجمهور النصارى لا يعرفون بالعبرانية، فلا يحسنون أن يقرأوا بالعبرانية، لا توراة ولا إنجيلًا ولا غير ذلك. وإنما يتكلمون بذلك الرومية أو السريانية أو غيرهما. وإن كان فيهم قليل ممن يتكلم بالعبرانية، بخلاف اليهود، فإن العبرانية فاشية فيهم. وحينئذ، فمن احتج من أهل الكتاب بشيء من كلام الأنبياء المنقول بالرومية والسريانية أو بالعربية، فإنه يحتاج مع إثبات النقل إلى إثبات الترجمة وصحتها. فإنهم كثيرًا ما يضطربون في الترجمة وصحتها ويختلفون في معناها. فهذه مقدمات ثلاث لا بد لهم منها في كل ما يحتجون به من كلام الأنبياء، ولو لم يدعوا أنه معارض لما أخبر به محمد صلى الله عليه وسلم. فكيف إذا ادعوا به تناقضه لما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم؟ فإن قدر أنه ثبت أن نبيًا أخبر بشيء، امتنع قطعًا أن يخبر محمد بنقيضه. فإن فيما نقل عن محمد صلى الله عليه وسلم أيضًا ما ليس بثابت لفظه، مثل بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة. وفيما ثبت لفظه ما ليس معناه صريحًا في المناقضة، بل لا يدل على ذلك. فكم من يفسر القرآن بما لا يدل عليه لفظ القرآن، بل ولا قاله أحد من الصحابة، بل ولا التابعين؟ كمن يقول: إن شعيبًا النبي هو حمو موسى. وليس في القرآن والسنة وكلام الصحابة إلا ما يدل على نقيض ذلك. وكم من يقول: إن الرسل الذين أرسلوا إلى القرية كانوا من أتباع المسيح؟ وليس في القرآن والمنقول عن الصحابة إلا ما يدل على نقيض ذلك. وأما ما علم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم أخبر به، فقد قامت الأدلة القاطعة اليقينية على صدقه وصدق ما أخبر به، أعظم مما قامت على صدق غيره وصدق ما جاء به. فمهما عارض ذلك، علم أنه كذب على الأنبياء. ولا يمكن أحدًا من الخلق أن يذكر دليلًا قطعيا على صحة ذلك النقل. بل غايتهم أن يذكروا طريقًا ظنيًا لا يفيدهم إلا الظن. والظن لا يعارض اليقين. فما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، يمكن صاحب النظر والاستدلال أن يعلمه علمًا يقينيًا لا يرتاب فيه. وما يناقضه لا سبيل لأحد إلى العلم به، ولا يتصور أن يقوم بقلبه منه إلا الظن والتقليد. وكلاهما لا يناقض العلم. فهذا أصل جامع، ثم العارف يعبر عنه بكل لسان مع كل إنسان، بحسب ما يوصل معناه إلى ذلك المخاطب. والمقصود هنا أن يقال: كل ما يحتجون به على مخالفة ماثبة عن محمد صلى الله عليه وسلم، لا يمكن أن يقوم لهم عليه دليل، لا شرعي ولا عقلي. وهذا نعلمه مجملًا. ونحن نبين ذلك مفصلًا. فنقول: ما يحتجون به إما أن يكون حجة عقلية، وإما أن يكون سمعية. أما العقليات، فمعلوم أن الحجج العقلية الدالة على فساد ما يقوله النصارى، أظهر مما يحتجون به على صحة دينهم. ومن احتج منهم أو من اليهود بحجة عقلية على مخالفة شيء من دينه، فلها أجوبة. أحدها: أن يبين أن ذلك يلزم غيرهم من الأنبياء. فإنهم جاءوا بذلك أو بعضه، فلا يقدح أحد بحجة عقلية في محمد صلى الله عليه وسلم إلا كان ذلك قد جاء بطريق الأولى في غيره من الأنبياء، كما بينا في الرد على الرافضة: أنه لا يقدح أحد في الخلفاء الثلاثة: أبي بكر وعمر وعثمان، إلا أمكن أن يقدح بمثل ذلك أو بأعظم من ذلك في علي. فيمتنع أن يكون علي سالمًا من القوادح في إمامته، إلا والثلاثة أسلم منه مما يقدح في إمامتهم. الثاني: أن يبين أن تلك الحجة لا تصلح أن يعارض بها ما جاءت به الأنبياء، كما إذا أخذ بعض الناس يطعن في شيء من الشرائع بالرأي، بين له أن ما ثبت عن الأنبياء لا يعارض برأي ولا قياس. الثالث: أن يبين فساد تلك الحجة العقلية. إن كانت من باب الخبريات، بيّن فسادها، كما قد بسطنا القول في ذلك في كتاب «درء تعارض العقل والشرع». وذكرنا أن جميع ما يحتج به على خلاف نصوص الأنبياء من العقليات، فإنه باطل. وذكرنا ما يعتمد عليه النافات من هذا الباب. وإن كانت من باب الطلبيات، فهي من باب الأمر والنهي. فمن كان في مذهبه أنه لا يعلل أحكام الله، ولا يقول: إن حسن الأفعال وقبحها يعلم بالعقل، ولا ينزه الله عن فعل أو حكم، بل يجوز عليه كل شيء، وإنما ينفي ذلك بالخبر السمعي أو العادة، فهذا يجيب بهذا الجواب. لكن عامة القلوب والعقول لا تقبل هذا. وأما على قول الجمهور، فنبين ما في مأموراته من الحكم والمصالح، وما في منهياته من المفاسد والضرر. ونبين رجحان ما جاء به على ما يعارض به، بل نبين رجحان شرائع الأنبياء على سياسات سائر الأمم، بل نبين رجحان شريعة محمد صلى الله عليه وسلم على سائر الشرائع. وهذا مبسوط في مواضع. وأما إذا احتج أهل الكتاب على مناقضة محمد صلى الله عليه وسلم بحجة سمعية، سواء كانت من كلامه أو كلام غيره من الأنبياء عليهم السلام، كان الجواب من وجوه: أحدها أن يقال لهم: لا يمكنكم أن تصدقوا بنبوة نبينا مع التكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم. والطريق الذي به تثبت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، بمثلها وبأعظم منها. بل نحن نبين أن التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم أولى من التصديق بنبوة غيره. وأن كل ما يستدل به على نبوة نبي، فمحمد صلى الله عليه وسلم أحق بجنس ذلك الدليل من غيره. وما يعارض به نبوة نبي، فالجواب عن محمد صلى الله عليه وسلم أولى من الجواب عن غيره. فهو مقدم فيما يدل على النبوة، وفيما يجاب به عن المعارضة. وهذا أكمل في ذلك. فيمتنع مع العلم أو العدل أن يصدق بنبوة غيره مع التكذيب بنبوته، كما يمتنع مع العلم والعدل في كل اثنين أحدهما أكمل من الآخر في فن، أن يقر بمعرفة ذلك الفن المفضول دون الفاضل. وقولنا: «مع العلم والعدل»، لأن الظالم يفضل المفضول مع علمه بأنه مفضول. والجاهل قد يعرف المفضول ولا يعرف الفاضل. فإن كثيرًا من الناس يعلمون فضيلة متبوعهم، إما في العلم أو العبادة، ولا يعرفون أخبار غيره. حتى يوجد أقوام يعظمون بعض الأتباع دون متبوعه، الذي هو أفضل منه عند التابع وغيره، لا يعرفونه. فهؤلاء ليس عندهم علم. ولهذا تجد كثيرًا من هؤلاء يرجح المفضول لعدم علمه بأخبار الفاضل. وهذا موجود في جميع الأصناف، حتى في المدائن، يفضل الإنسان مدينة يعرفها على مدينة هي أكمل منها لكونه لا يعرفها. والحكم بين الشيئين بالتماثل أو التفاضل يستدعي معرفة كل منهما، ومعرفة ما اتصف به من الصفات التي يقع بها التماثل والتفاضل. كمن يريد أن يعرف أن البخاري أعلى من مسلم، وكتابه أصح، أو أن سيبويه أعلى من الأخفش، ونحو ذلك. وقد فضل الله بعض النبيين على بعض، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾. وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. والكلام في شيئين: أحدهما في كون المفضول يستحق تلك المنزلة دون الفاضل. وهذا غاية الجهل والظلم. فقول الرافضة الذين يقولون: إن عليًا كان إمامًا عالما عادلًا، والثلاثة لم يكونوا كذلك. وكذلك اليهود والنصارى الذين يقولون: إن موسى كان رسولًا، ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يكن كذلك. فإن هذا في غاية الجهل والظلم. بخلاف من اعترف باستحقاق الاثنين للمنزلة، ولكن فضل المفضول. فهذا أقل جهلًا وظلمًا. ومعلوم أن المرسلين يتفاضلون تارة في الكتب المنزلة عليهم، وتارة في الآيات والمعجزات الدالة على صدقهم، وتارة في الشرائع وما جاء بهم من العلم والعمل، وتارة في أممهم. فمن عنده علم وعدل، فينظر في القرآن، وفي غيره من الكتب، كالتوراة والإنجيل، أو في معجزات محمد صلى الله عليه وسلم ومعجزات غيره، أو في شريعته وشريعة غيره، أو في أمته وأمة غيره، وجد له من التفضيل مع غيره ما لا يخفى إلا على مفرط في الجهل أو الظلم. فكيف يمكن مع هذا أن يقال: هو كاذب مفتر، وغيره هو النبي الصادق؟ نعم، كثير من أهل الكتاب لم يعرفوا من أخباره ما يبين لهم ذلك. كما أن كثيرًا من الرافضة لم يعرفوا من أخبار الثلاثة ما يبين لهم فضلهم على علي رضي الله عنه. فهؤلاء في الجهل، وطلب العلم عليهم فرض، خصوصًا أمر النبوة. فإن النظر في أمر من قال: «إني رسول الله إليكم جميعًا»، مقدم على كل شيء. إذ كان التصديق بهذا مستلزمًا لغاية السعادة، والتكذيب به مقضيًا لغاية الشقاوة. فبالرسول يحصل الفرق بين السعداء والأشقياء، وبين الحق والباطل والهدى والضلال، والفرق بين أولياء الله وعدوه. وكما يسلك هذه الطريق العقلية في القياس والاعتبار، بأن يعتبر حال محمد صلى الله عليه وسلم وكتابه وشرعه وأمته بحال غيره وكتابه وشرعه، وينظر: هل هما متماثلان أو متفاضلان؟ وأيهما أفضل؟ وإذا تبين أن حاله أفضل، كان تصديقه أولى. وامتنع أن يكون غيره صادقًا وهو كاذب. بل لو كانا متماثلين، وجب كونه صادقًا. وكذلك لو كانا متقاربين، وغيره أفضل، فإن المتنبي الكذاب لا يقارب الصادق. بل بينهما من التباين ما لا يخفى إلا على أعمى الناس. وكذلك نسلك هذه الطريق بجنس الأنبياء عليهم السلام مطلقًا، وأممهم. فإن تعرف أخبار من مضى من الأنبياء وأممهم، وترى آثار هؤلاء وهؤلاء، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا إِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَاتْبَعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾. وكذلك قال تعالى عن عاد: ﴿وَاتْبَعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾. وقال تعالى عن قوم شعيب: ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَتْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾. وقال تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ سَلَامٌ عَلَى آلِ يَاسِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾. ومثل هذا في القرآن كثير، فيذكر من حال الأنبياء وأتباعهم، وما حصل لهم من الكرامة، وما حصل للكفار بهم من الخزي والعذاب، ما يبين حسن حال هؤلاء، وقبح حال هؤلاء. ومما يوضح ذلك: أن من اعتبر حال أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى، وحال غيرهم في العلوم النافعة والأعمال الصالحة، تبين له أن حال أهل الملل أكمل، بما لا يحصى. وإذا نظر ما عند غير أهل الملل من الحكمة العلمية والعملية، كحكمة الهند واليونان والعرب من الجاهلية والفرس وغيرهم، وجد ما عندهم بعض ما عند أهل الملل من الحكمة العلمية والعملية. فيمتنع أن يكون علماء اليونان والهند نحوهم على حق وهدى، وعلماء المسلمين واليهود والنصارى على باطل وظلال. وكذلك يمتنع أن تكون الأمة لها علم نافع وعمل صالح، وأهل الملل ليس كذلك. ففي الجملة، لا يوجد في غير أهل الملل من علم نافع وعمل صالح، من حكمة علمية وعملية، إلا وذلك في أهل الملل أكمل. ولا يوجد في أهل الملل شر إلا وهو في غيرهم أكثر. وهؤلاء فلاسفة اليونان الذين قد شامروا عند كثير من الناس باسم الحكمة، وحكمتهم كحكمة سائر الأمم، نوعان: فطرية وعملية. والعملية في الأخلاق وسياسة المنزل وسياسة المدائن. وكل من تأمل ما عند اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل من سياسة الأخلاق والمنزل والمدائن، وجده خيرًا مما عند أولئك، بضعاف مضاعفة. فإن أولئك عمدتهم الكلام على قوى النفس الشهوية والغضبية، وقوة العلم والعدل، كآداب العقلاء، ليس عندهم من معرفة الله وملائكته وكتبه ورسله، ومن عبادته وحده لا شريك له، شيء له قدر. والذي عندهم من علوم الطبيعية والحسابية، ليس مما ينفع بعد الموت، إلا أن يستعان به على ما ينفع بعد الموت. والذي عندهم من العلم الإلهي قليل جدًا، مع ما فيه من خطأ كثير. وكل ما عندهم من علم نافع وعمل صالح، فهو جزء مما جاءت به الأنبياء عليهم السلام. فيمتنع أن يكون هؤلاء المسمون بالحكماء وأتباعهم على حق في الاعتقاد، وصدق في الأقوال، وخير في الأعمال، كما هو غاية مطلوبهم. والأنبياء وأتباعهم ليسوا كذلك. واعتبر ذلك بمن يعرف من خاصة هؤلاء وعمتهم، وخاصة هؤلاء وعمتهم. وإن كان بينهما من التفاوت ما بين أهل الجنة وأهل النار. فالاعتبار في مثل ذلك مما جاء به التنزيل. قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. والمقصود أنه بالاعتبار والقياس العقلي والموازنة، يوزن الشيء بما يناظره، ويعتبر به. قياس الطرد، وقياس العكس. فيظهر لكل من تدبر ذلك أن أهل الملل أولى بالحق والصدق والخير من غيرهم. وإن كان لأولئك من الحكمة ما يناسب أحوالهم، وحكماءهم أفضل من عوامهم، وهم في خير من الكفار بالرسل، الذين ليس فيهم خير أصلا. وهذا مما استفادوه أتباع الأنبياء منهم. فيكون هذا من دلائل نبوة الأنبياء وأعلام رسالتهم، استدلالًا بالأثر على المؤثر، وبالمعلول على علته. وكذلك من تدبر حال المسلمين وحال اليهود والنصارى، تبين له رجحان حال المسلمين. فيكون هذا من دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأعلام رسالته. وقد ذكرنا في غير هذا الموضع أن النبوة تعلم بطرق كثيرة. وذكرنا طرقًا متعددة في معرفة النبي الصادق والمتنبي الكاذب، غير طريق المعجزات. فإن الناس كلما قويت حاجتهم إلى معرفة الشيء، يسر الله أسبابه. كما يتيسر ما كانت حاجتهم إليه في أبدانهم أشد. فلما كانت حاجتهم إلى النفس والهواء أعظم منها إلى الماء، كان مبذولًا لكل أحد في كل وقت. ولما كانت حاجتهم إلى الماء أكثر من حاجتهم إلى القوت، كان وجود الماء أكثر. وكذلك لما كانت حاجتهم إلى معرفة الخالق أعظم، كانت آياته ودلائل ربوبيته وقدرته وعلمه ومشيئته وحكمته أعظم من غيرها. ولما كانت حاجتهم إلى معرفة صدق الرسل بعد ذلك أعظم من حاجتهم إلى غير ذلك، أقام الله سبحانه من دلائل صدقهم وشواهد نبوتهم، وحسن حال من اتبعهم وسعادته ونجاته، وبيان ما يحصل له من العلم النافع والعمل الصالح، وقبح حال من خالفهم وشقاوته وجهله وظلمه، ما يظهر لمن تدبر ذلك. ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور. وهذا الذي ذكرناه من اعتبار الشيء بنظرائه وموافقيه وأشباهه، واعتباره بأضداده ومخالفيه، حتى يعرف في المتشابهين أيهم أكمل وأفضل، وفي المختلفين أيهم أولى بالحق والهدى والعدل، موجود في سائر الأمور، علمها وعملها، كعلم الطب والحساب والفقه وغير ذلك. فيمتنع مع العلم والعدل أن يقال: جالينوس كان طبيبًا، وأبقراط لم يكن طبيبًا. أو أن يقال: ثامسطيوس كان فيلسوفًا، وأرسطو لم يكن فيلسوفًا. أو أن يقال: الأخفش كان نحويا، وسيبويه لم يكن نحويا. أو أن يقال: زفر والحسن بن زياد ومحمد بن الحسن كانوا فقهاء، وأبو حنيفة لم يكن فقيهًا. أو أن يقال: أشهب وأصبغ وأمية بن وهب كانوا فقهاء، ومالك لم يكن فقيهًا. أو أن يقال: المزني والبويطي وحرملة كانوا فقهاء، والشافعي لم يكن فقيهًا. أو أن يقال: أبو داود وإبراهيم الحربي وأبو بكر الأثرم كانوا فقهاء، وأحمد بن حنبل لم يكن فقيهًا. أو أن يقال: علي كان إمام عدل، وأبو بكر وعمر لم يكونا إمام عدل. أو أن يقال: نور الدين الشهيد كان عادلًا، وعمر بن عبد العزيز لم يكن عادلًا. أو أن يقال: كوشيار كان يعلم الهيئة، وبطليموس لم يكن يعرف الهيئة. أو أن يقال: النابغة الجعدي كان شاعرًا، والنابغة الذبياني لم يكن شاعرًا. أو أن يقال: إن القمر مستنير، والشمس ليست مستنيرة. أو أن عطارد نجم ثاقب، وزحل ليس بنجم ثاقب. أو أن يقال: مسلم كان عالمًا بالحديث، والبخاري لم يكن كذلك. أو أن كتابه أصح من كتاب البخاري. ونحو ذلك مما يطول تعداده. سمعنا في هذا الفصل أدلة كثيرة: شرعية وعقلية وعرفية وفطرية وحسية، يستدل بها شيخ الإسلام رحمه الله على إثبات فضل وكمال رسالة نبينا عليه الصلاة والسلام، وشريعته وأمته. وأن ذلك مثبت بهذه الحقائق كلها. فتارة يأتي بشيء من هذا، وتارة بشيء من هذا. وقد بين على وجه الاختصار: أن ما ادعاه اليهود والنصارى