الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 151، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش آراء النصارى والنصطورية حول طبيعة المسيح ومريم العذراء، ويرد على ادعاءاتهم بأن المسيح جوهران وأقنومان. يبين أن المسيح ليس مسيحان أو إبنان، بل مسيح واحد وأقنوم واحد.
يناقش مفهوم الاتحاد بين اللاهوت والناسوت عند النصارى، ويبين أنه يؤدي إلى استحالة صفات كل منهما، مما ينتج عنه جوهر ثالث. يستدل على بطلان هذا القول بآيات القرآن ويبين تناقضات أقوال النصارى.
يتناول مناقشة تناقضات الطوائف المسيحية حول طبيعة المسيح وعلاقة اللاهوت بالناسوت، ويناقش معتقدات النصارى حول ولادة الله من مريم. يبين تناقض أقوالهم وعدم ورود مثل هذه الأفكار في الأناجيل أو أقوال الأنبياء.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام تيم رحمه الله: قال سعيد في زمنه، كانت قصة بترك قسطينطينية يوحنا الملقب بفم الذهب، وتولى بعده ابنه ثيودوس الصغير 42 سنة لإحدى عشرة سنة من ملك يسدجرد ابن بهرام. وفي زمنه جعل نستورس الذي تنسب إليه مقالة نستورية بطركا على قسطينطينية. قال: وكان نستورس يقال: إن مريم العذراء ليست بوالدة إلها على الحقيقة، ولذلك كان إثنان، أحدهما الذي هو إله مولود من الأب، والآخر الذي هو إنسان مولود من مريم. وأن هذا الإنسان الذي يقول إنه مسيح بالمحبة متوحد مع ابن إله، ويقال له إله وابن إله ليس بالحقيقة، ولكن موهبة واتفاق الإسمين والكرامة شبيها بأحد الأنبياء. فبلغ قوله بطرك الإسكندرية فأنكر ذلك، وكتب إليه يقبح عليه فعله ومقالته، ويعرفه فساد ما هو عليه، ويسأله الرجوع إلى الحق. فجرت بينهما رسائل كثيرة، ولم يرجع نستورس عن مقالته. فكتب إلى بطرك إنطاكيا يسأله أن يكتب إلى نستورس ويعرفه قبح فعله ورأيه وفساد مقالته، ويسأله الرجوع إلى الحق. فكتب إلى نستورس: إنه لم يرجع. اجتمعوا والعنوه. وجرت بينهما رسائل كثيرة، رسائل كثيرة، فلم يرجع. فكتبوا إلى بطرك رومية وإنطاكيا وبطرك بيت المقدس أن يجتمعوا في مدينة إفسس لينظروا في مقالة نستورس. فاجتمع بالمدينة مئة أسقف، مقدمهم بطرك الإسكندرية، وتأخر بطرك إنطاكيا، فلم ينتظروه. وبعثوا إلى نستورس فلم يحضر معهم. فنظروا في مقالته وأوجبوا عليه اللعنة، فلعنوه ونفوه. وثبتوا أن مريم العذراء والدة الإله، وأن المسيح إله حق وإنسان معروف بطبيعتين متوحدة في الأقنوم. وهذا هو خلاف المحبة، لأن نستورس كان يقول: إن التحيد أي الاتحاد اتفاق الوجهين. وأما التحيد أي الاتحاد المستقيم، فإنما هو أن يكون أقنوما واحدا من طبيعتين. فلما لعنوا نستورس قدم يوحنا بطرك أنطاكيا، فلما وجدهم قد لعنوه قبل حضوره غضب وقال: ظلمتم نستورس ولعنتموه باطلا. وتعصب مع نستورس. فجمع الأساقفة الذين قدموا معه فقطع بطرك الإسكندرية، وقطع أسقف أفسوس. فلما رأى أصحاب بطرك الإسكندرية قبح فعاله وقع بينهم شر عظيم، وخرجوا من أفسوس. وصار أصحاب بطرك الإسكندرية والمشرقيون حزبين، والمشرقيون حزبين. فلم يزل ثيودوس الملك حتى أصلح بينهم. وكتب المشرقيون صحيفة وثبتوا فيها الأمانة الصحيحة، وقالوا فيها: إن مريم العذراء القديسة ولدت إلها ربنا يسوع المسيح الذي هو مع أبيه في الطبيعة ومع الناس في الناسوت. وأقروا بطبيعتين ووجه واحد وأقنوم واحد، ولعنوا نستورس. ووجهوا بالصحيفة إلى بطرك الإسكندرية فقبل الصحيفة، وأجابهم عنها بموافقتهم على ذلك. وقال قوم: لما قبل صحيفة المشرقين بدى له ولم يقبل طبيعتين ووجه واحدا. قال سعيد من البطريق: وهم في ذلك كاذبون، لأن كتبه تنطق بذلك. ثم أصل نسخة صحيفة المشرقيين إلى جماعة من الأساقفة، يعلمهم أن المشرقيين رجعوا إلى الإيمان، وأنهم غير موافقين للنستورس. قال: فمن المجمع الثاني إلى المئة والخمسين أسقفا المجتمعين بمدينة قسطنطين، ولعنوا مقدونيوس إلى هذا المجمع المئتين أسقفا المجتمعين بأفسوس على نستورس إحدى وخمسون سنة. قال: لما نفي نستورس صار إلى مصر، فأقام بضيعة في صعيد مصر يقال لها أخميم، ومات أدفن بها. وكانت مقالته قد اندرست، فأحياها من بعده بزمن طويل مطران نصيبين في عصر بوسي طيانوس ملك الروم وقباد ابن فيروز ملك الفرس، فبثها بالمشرق. فلذلك كثر النصطورية بالمشرق، وخاصة أرض فارس بالعراق والموصل ونصيبين والفرات والجزيرة. قال سعيد من البطريق: رأيت أن أرد على النصطورية في هذا الموضع، وأبين بطلان قولهم وفساده، لأن النصطورية في عصرنا هذا خالفوا قول النصطور القديم، وزعموا أن النصطور كان يقول: إن المسيح جوهران وأقنوما، إله تام بأقنومه وجوهره، وإنسان تام بأقنومه وجوهره. وإن مريم ولدت المسيح من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته، لأن الأب عندهم ولد إلها ولم يلد إنسانا، ومريم ولدت إنسانا ولم تلد إلها. فيقال لهم: إن كان الأمر على ما تقولون، فالمسيح مسيحان وإبنان، مسيح إله وابن إله، ومسيح إنسان وابن إنسان. لأنه لا بد لمريم من أن تكون ولدة المسيح أو لم تلده. فإن كانت ولدته، فلابد أن يكون ولادا روحانيا أو جسمانيا. فإن كان جسمانيا، فهو غير الذي ولده الأب، وذلك يوجب أن يكون مسيحان. وإن كان روحانيا، فالمسيح ابن واحد، أقنوم واحد، مسيح واحد. والدليل على ذلك صفيحة الحديد التي تتحد بها النار، فإنها سيف واحد تحرق وتمنع وتقطع وتضيء. ولا يجوز أن يكون من الجهة الحديدية هي المحرقة المضيئة من غير جهة النار، إذ كان ما لم يكن فيه نار من الحديد غير محرق. ولا الجهة النارية هي القاطعة المانعة، إذ كان شأن النار الإضاءة والإحراق لا القطع. قلت: يقال هذا إن قول النصطورية والملكية وإن كان باطلين، فقول الملكية أشد بطلانا وأعظم كفرا وتناقضا. أما قوله: لو كان الأمر على ما تقولون، فالمسيح مسيحان، فيقال له: هذا إنما يلزم أن لو كان اللاهوت بمجرده يسمى مسيحا. فإن النصطورية وافقوهم على باطل، وهو أن الرب ولد إلها، وهذا باطل. ولم يقل أحد قط من الأنبياء لا في الإنجيل ولا غيره: إن صفة الله القائمة به مولودة. ولأن الرب له مولود قديم أزلي، ولكن إذا قدر أن الأمر كذلك، فصفة الله لم يسميه أحد مسيحا. فإذا قدر أن اللهوت والناسوت جوهران أقنومان لاتحاد بينهما، لم يلزم أن يكون اللهوت مسيحا، ولا هناك مسيح هو إله، ولا مسيح هو ابن إله. وقد تقدم عن النصطور أنه كان يقول: إن هذا الإنسان الذي نقول إنه مسيح متوحد بالمحبة مع ابن إله، ويقال له إله وابن إله ليس بالحقيقة، ولكن موهبة. فقد صرح بأن المسيح هو الإنسان فقط دون اللهوت، وأن المسيح ليس بإله ولا ابن إله في الحقيقة. فبطل ما ألزمه إياه من أنه يلزم أن يكون هنا مسيحان. وأما قوله: لابد لمريم من أن تكون ولدة المسيح أو لم تلده، فيقال: بل ولدة المسيح وهو الإنسان، وهو غير اللهوت الذي تزعمون أن الأب ولده، وليس في ذلك مسيحان، بل مسيح واحد، إنسان مخلوق. وأيضا قوله: فإن كان ولدته، فلابد أن يكون ولادا روحانيا أو جسمانيا، فإن كان روحانيا، فالمسيح ابن واحد، أقنوم واحد، مسيح واحد، تقسيم باطل وحجة فاسدة داحرة. فإن مريم لم تلد ولادة روحانية، بل خرج الولد من فرجها كما يخرج أولاد النساء من فروجهن، سواء كانت عذرتها باقية أو لم تكن. وأما ما ذكره من التمثيل بصفيحة الحديد، فلو قدر أنه مثل مطابق، لم يدل على صحة قولهم، بل غايته أنه يدل على إمكانه. فأين الدليل على أن هذا هو الواقع؟ فليس فيه ما يدل على صحة قول الملكية وفساد قول خصومهم. فكيف وهو تمثيل غير مطابق؟ فإن الحديد إذا اتحدت به النار، كان الحديد قد استحال عن صفته، فلم يبقى حديدا محظا، وليست نارا محظا. والخشب وغيره إذا أحرق وصار نارا، فليس هو خشبا محظا، وليس هو نارا محظا بسيطة. فمن شأن الشيئين إذا اتحدا أن يستحيل كل منهما إلى جوهر ثالث وطبيعة ثالثة، ليست لا هذا ولا هذا. كالماء واللبن إذا اتحدا، فإن ذلك يصير جوهرا ثالثا وطبيعة ثالثة، لا لبنا محظا ولا ماء محظا. وكذلك النار مع الحديد أو الخشب أو غير ذلك، فإن ذلك يصير جوهرا ثالثا، ليس حديدا محظا ولا خشبا محظا ولا نارا محظة. لكن الحديد إذا برد هو حديد، لكنه تغيرت حقيقته. فالنار تلينه وتذهب خبثه، ولا يبقى بعد اتحاده بالنار كما كان قبل. والخشب يصير فحما، وهو جوهر ثالث، إذ كان من طبع النار أنها تؤثر في كل جسد بحسبه، فتؤثر في الحديد بحسبه، وفي الخشب بحسبه. وكل شيئين اتحدا، فإنهما يصيران جوهرا ثالثا وأقنوما ثالثا وطبيعة ثالثة. فإن كان اللاهوت والناسوت قد اتحدا كما زعموا، فقد استحالت صفة اللاهوت واستحالت صفة الناسوت، فلم يبقى اللاهوت لهوتا ولا الناسوت ناسوتا، بل صار جوهرا ثالثا لا لهوت ولا ناسوت. وهم ينكرون هذا القول، وهو باطل. فإن رب العالمين لا يتبدل ولا تستحيل صفاته بصفات المحدثات، ولا ينقلب القديم، ولا شيء من صفاته محدثا، ولا يستحيل القديم الرب الخالق والمخلوق المحدث إلى شيء ثالث. بل صفات الرب التي لم يزل ولا يزال موصوفا بها لا تتبدل ولا تنقلب ولا تستحيل، فضلا عن أن تستحيل إلى أمر ثالث. ثم هذا الثالث إن كان قديما خالقا، صار هنا خالقين قديمين. وإن كان مخلوقا محدثا، كان الخالق قد صار مخلوقا محدثا. ومعلوم أن استحالة الخالق إلى خالق آخر أو إلى مخلوق ممتنع ظاهر الامتناع. ومما يوضح هذا أن ما مثلوا به من الحديدة المحماة بالنار هي جوهر ثالث، يجري على نارها ما يجري على حديدها. فإذا طرقت، فالتطريق واقع على نارها كما هو واقع على حديدها. وكذلك إذا مدت، وكذلك إذا بصق عليها، وكذلك إذا ألقيت في الماء. فإن كان هذا التمثيل مطابقا، لازم أن يكون ما حل بالناسوت قد حل باللهوت، فيكون رب العالمين هو الذي يأكل ويشرب ويبول ويتغوط، وهو الذي صفع عندهم وبصق في وجهه، وجعل الشوك على رأسه، وضرب بالسياط، وصلب ومات وتألم. كما يحكى مثل هذا عن اليعقوبية. وهذا لازم لكل من قال بالاتحاد، حتى النصورية إن قالوا إنهما متحدان بالمشيئة، بمعنى أن مشيئة هذا عين مشيئة هذا، بخلاف ما إذا قالوا إن مشيئته موافقة لمشيئته ليست إياها. ولهذا قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. فذكر سبحانه وتعالى أنهما كانا يأكلان الطعام، لأن ذلك من أظهر الأدلة على أنهما مخلوقان مربوبان، إذ الخالق أحد صمد لا يأكل ولا يشرب. وذكر مريم وذكر مريم مع المسيح، لأن من النصارى من اتخذها إلها آخر فعبدها كما عبد المسيح. والذين لا يقولون بهذا كثير منهم يطلب منها كل ما يطلب من الله، حتى يقول لها: اغفري لي وارحميني وغير ذلك، بناء على أنها تشفع في ذلك إلى ابنها. فتارة يقولون: يا والدة الإله اشفعي لنا إلى الإله. وتارة يسألونها الحوائج التي تطلب من الله، ولا يذكرون شفاعة. وآخرون يعبدونها كما يعبدون المسيح. وقد ذكر سعيد من البطريق هذا عنهم لما ذكر اجتماعهم عند قسطنطين بنيقية. قال: وكانوا مختلف الآراء مختلف الأديان. فمنهم من يقول: المسيح وأمه إلهان من دون الله، وهم المريمانيون. نسبة إلى مريمان. ويسمون المريمانية كذلك. قال ابن حزم: وقد قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾. قال: وسبحانه لم يحكي هذا عن جميع النصارى، بل سأل المسيح سؤالا يقرع به من اتخذه وأمه إلهين من دون الله. قال من البطريق: ويقال للنصورية أيضا: أخبرونا عن الناسوت التي اتحدت بها اللاهوت ويسمى مسيحا، هل لم يزل مسيحا منذ كان في بطن مريم إلى حين وضعته وأرضعته وشب، أم كان ثلاثين سنة وهو واحد من الناس، ثم اتحد بعد ذلك اللاهوت بالناسوت فكان مسيحا؟ فإن قالوا: لم يكن مسيحا هو في بطن مريم، وإنما ولدت مريم إنسانا، كان ثلاثين سنة وهو واحد من الناس، ثم اتحد بعد ذلك اللاهوت بالناسوت فكان مسيحا، تركوا قولهم وكذبوا الإنجيل وبولص وجميع كتب الكنيسة، وخرجوا عن مقالة النصرانية. وإن قالوا: إن اللاهوت اتحد في الناسوت عند الحمل، وأنه كان مسيحا وهو محمول مولود ومرضع إلى أن صلب وقتل، قد أقروا أن مريم ولدت إلها مسيحا واحدا أقنوما واحدا. فيقال لهم: هذا التقسيم يدل على بطلان قول النصارى الذي ابتدعه طوائفهم الثلاثة وغيرهم. فإن الاتحاد يزعمون أنه كان من حين حملت به مريم، وأنه كان ينمو قليلا قليلا كنمو جسد المسيح. والاتحاد باطل كما قد قرر غير مرة. ولو قدر أنه ممكن لظهر أثر ذلك. فإن الله لما كلم موسى من الشجرة ظهر من الآيات والعظمة ما دل على ذلك. ولذلك كان إذا كلم موسى يظهر آيات الله يظهر آيات ذلك. وكذلك ما أخبر به في التوراة وغيرها من مصاحبته لبني إسرائيل، وهو مما ظهر أثره. وإن لم يكن متحدا ولا حالا في شيء من ذلك. ولما تجلى من طور سيناء وأشرق من ساعير واستعلن من جبال فاران، بما أنزله من كتبه ظهر آثار ذلك. وإن لم تكن ذاتهم متحدة ولا حالة بفاران ولا طور سيناء باتفاق الأمم. فكيف تكون ذاتهم متحدة بما في بطن مريم أو حالة فيه ولا يظهر أثر ذلك؟ وأيضا فيقال له: قد يقول النصطورية له: أن سوت كان مسيحا من حين الحمل، بمعنى أنه كان طاهرا مقدسا لا بمعنى اتحاد اللهوت به. وإن قالوا: المسيح اسم اللهوت والناسوت جميعا، فيقال: ليس في كتب الأنبياء ما يقتضي هذا. والنصطورية يسلمون ذلك. لكن قد يقولون: إن المسيح اسم لهما كما أن الإنسان اسم للروح والجسد. ثم قد يقال: لجسد الإنسان الميت هذا الإنسان. فيقال: وهو في بطن مريم أمه قبل نفخ الروح فيه هذا الجنين وهذا الحمل. فكذلك إذا قيل له مسيح بدون اللهوت. وأيضا فقد تقول النساطرة: باقتران اللهوت من حين الحمل، ولا يلزم أن يكون قد ولدت إلها، إذ لم يقولوا بالاتحاد، بل قالوا: هما جوهران أقنومان، ولدت أحدهما ولم تلد الآخر، كما تقول الملكية معهم: إنه صلب أحدهما ولم يصر بالآخر، ومات أحدهما ولم يمت الآخر، وتألم أحدهما ولم يتألم الآخر. فكيف جوزت الملكية حين الموت أن يحل الموت والصلب والأكل والشرب وسائر الأمور البشرية بأحد الجوهرين دون الآخر، ولم يجوزوا حين الولادة أن تلد مريم أحد الجوهرين دون الآخر؟ وهل هذا إلا من تناقضهم؟ كقولهم جميعا: إنه صعد إلى السماء وقعد عن يمين أبيه، مع قولهم: إن اللهوت مع الناسوت قعد عن يمين الأب. ويقولون مع ذلك: إن اللهوت القاعد عن يمين الآخر هو ذلك الآخر، وهما جوهر واحد وإله واحد، مع قوله: إنه إله حق من إله حق. فمناقضتهم كثيرة. ولا ريب أن قول النصطوري أيضا متناقض، لكن لا يمكن أن نصحح قول الملكية دون قولهم، بل قول الملكية أعظم فسادا وتناقضا. فالنصطورية يقولون: الإله لم يولد ولم يصلب. واليعقوبية يقولون: ولد وصلب. والملكية يقولون: ولد ولم يصلب. ومتى جاز أن يولد، جاز أن يموت ويصلب. وإن لم يجز أن يصلب ويموت، لم يجز أن يولد. فتجويزوا أحدهما ومنع الآخر تناقض. ويقال للملكية: أنتم تقولون: إن اللاهوت اتحد بالناسوت عند الحمل، وكان مسيحا، وهو مصفوع ومصلوب وميت ومتألم. وتقولون: هذا كان بالناسوت دون اللاهوت. فهذا التناقض من جنس تناقض النساطرة. قال من البطريق: ويقال للنساطرة أيضا: متى اتحدت الكلمة بالإنسان، أقبل الولادة أم في حال الولادة؟ فإن قالوا: قبل الولادة، قلنا لهم: قبل الولادة قبل الحمل، أو قبل الولادة وهو حمل. فإن قالوا: قبل الولادة وقبل الحمل، فقد زعموا أنه اتحد قبل أن يكون إنسانا، وقبل أن يصور. فإن كان ذلك كذلك، فسد قول النسطورية: إن القديم اتحد بإنسان جزئي. لأن الإنسان الجزئي إنما كان إنسانا جزئيا لما صار مصورا بشريا. فيقال له: هذا السؤال لازم للطوائف الثلاثة، فإنهم يقولون بالاتحاد أعظم من النساطرة. فإن قيل: هم يقولون: إنه اتحد بإنسان كلي. كان هذا من أفسد الأقاويل. فإن المسيح بشر معين جزئي، يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، لم يكن إنسانا كليا. ثم قال: ويلزمهم أن يزعموا أن اللاهوت قد كان حل مع الناسوت تسعة أشهر ونحوها من بدء الحمل، مقيما معه في الموضع الذي يحمل فيه الجنين. ثم ولد معا. وهذا خلاف قولهم: إن مريم ولدت المسيح من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته. فيقال: قد يقولون: إنه ولد الناسوت دون اللاهوت، كما يقول الملكية: إنه صلب الناسوت دون اللاهوت. وإن كان هذا متناقضا، فالنساطرة أقل تناقضا، لأن الملكية يقولون: إنهما شخص واحد أقنوم واحد، فقد اتحد أحدهما بالآخر. فإذا جاز مع هذا أن يفارق أحدهما الآخر في الأكل والشرب والصلب والموت، فمن قال: إنهما جوهران أقنومان، هو أولى أن يقول: ولدت أحدهما دون الآخر. ثم قال: وإن قالوا: اتحد به وهو حمل، صورة تامة. قلنا لهم: فقد كان الإله حملا قبل الولادة. وإذا جاز أن يحمل، جاز أن يولد. فيقال: هم لا يقولون بأنهما صار شخصا واحدا أقنوما واحدا، بل يقولون: جوهران أقنوما. وحينئذ فلا يقولون: حملت بإله، ولا ولدت إلها، كما لا يقول الملكية: صلب اللاهوت ومات اللاهوت، مع قولهم بأن اللاهوت والناسوت اتحدا. قال: فإن قالوا: كان الاتحاد في حال الولادة، قلنا: فقد ولدت مريم الكلمة إذن مع الإنسان، والكلمة عندنا وعندهم إله، فقد ولدت مريم إلها. فإن قالوا: نعم، قلنا: فإذا جاز أن يولد، فلما لا يجوز أن يكون حملا؟ فإذا أجازوا ذلك تركوا قولهم. وإن لم يجيزوه، قلنا: فما الفرق بين أن يكون مولودا وبين أن يكون محمولا؟ فإن قالوا: ليس الإله مولودا، ولم يكن الاتحاد قبل الولادة، وهو أن يكون محمولا، ولا في حال كونه ولدا في حال الولادة. قلنا: هذا نقبل قولكم: إن مريم ولدت المسيح، لأن المسيح عندكم ليس هو الإنسان وحده، ومريم عندكم إنما ولدت الإنسان وحده. وإذا كان المسيح ليس هو الإنسان وحده، وعندكم إنما ولدت الإنسان وحده قبل الاتحاد، فإنما ولدت إذن ما ليس بمسيح، إذ كان إنما كان مسيحا بالاتحاد، وكان الاتحاد بعد الولادة. فإنما كان مسيحا بعد الولادة. فإذا كان هذا عندكم فاسدا، وكانت مريم ولدة المسيح، فمريم لم تلد الإنسان وحده. وهذا يوجب أنها قد ولدت الإله مع الإنسان، ويوجب أن الاتحاد كان قبل الولادة. قال: فقد تبين زائف ما تعتقده النصطورية من أن مريم ولدت المسيح من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته، وصح أن مريم ولدت إلها مسيحا واحدا. قال: ويقال لهم: إذا زعمتم أن المسيح جوهران، جوهر قديم، جوهر محدث، ثم زعمتم أن مريم ولدت المسيح، فقد أقررتم أن مريم ولدت هذين الجوهرين الذين هما المسيح. وإذا ولدتهما، وأحدهما إله، فقد ولدت إلها قديما. ولا يجوز أن تلد إلا ما كان محمولا. فهذا يوجب أنها قد كانت حاملة لذلك الإله. فقد تبين زائف ما تعتقده النصطورية: أن مريم لم تحمل إلها ولم تلده، وصح ما تعتقده الملكية: أن مريم ولدت إلها مسيحا واحدا وابنا واحدا أقنوما واحدا. فيقال له: ليس هذا التناقض من النصطورية بأعظم من تناقض الملكية. فإنهم مع قولهم باتحاد اللاهوت والناسوت، وأنهما شخص واحد، يقولون بأن أحدهما كان يأكل ويشرب ويصوم ويصلي ويتصرف، وإنه أخذ وصفع ووضع الشوك على رأسه، وصلب وتألم ومات دون الآخر. فإذا كان قول النصطورية متناقضا، فقول الملكية أعظم تناقضا. فإذا منعوا أن تحمل المرأة وتلد الناسوت دون اللاهوت، لأجل الاتحاد الذي بينهما، وجب أن يمنعوا أن يأكل ويشرب ويصلب ويقتل أحدهما دون الآخر، لأجل الاتحاد بطريق الأولى. وكون الصليب وكون الصلب والقتل أعظم منافاة للربوبية من حمل مريم به وولادته إياه، لا يمنع كل ذلك ممتنعا على الله. ومن جوز عقله أن يكون رب العالمين خرج من فرج مريم وهي بكر، فقد جعل رب العالمين يخرج من ثقب صغير. وهذا أعظم ما يكون من الامتناع. ومن جوز عليه هذا، جوز عليه أن يخرج من كل ثقب مثل ذلك الثقب، أكبر منه. وجوز أن يخرج رب العالمين من فم كل حيوان وفرجه، ومن شقوق الأبواب وغير ذلك من الثقوب. وإن قالوا: ذلك مكان طاهر، قيل: أفواه الأنبياء والصالحين أطهر من كل فرج في العالم، فيجوز أن يخرج من فم كل نبي وولي لله، من أذنه ومن أنفه. فإن هذه الخروق والثقوب أفضل من فروج النساء. تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. فهؤلاء النصارى يقولون: إن كون الله مولودا من فرج مريم غير كونه مولودا في الأزل من الأب، بل هما ولادتان روحانية وجسمانية. وهم إذا طولبوا بتفهيم ما يقولونه، وقيل لهم: هذا لا يتصور أن يكون رب العالمين يخرج من ثقب ضيق، لا فرج ولا فم ولا أذن ولا غير ذلك من الأثقاب. قالوا: هذا فوق العقل. واعترفوا بأن هذا لا يتصوره العقل. فيقال لهم: هذا الكلام لم يقوله نبي من الأنبياء، ولم ينطق به نبي من الأنبياء، بأن مريم حملت برب العالمين وولدته، بل ولا نطق نبي من الأنبياء بأن الله مولود، ولا شيء من صفاته مولود، ولا علمه ولا حياته ولا غير ذلك. ولا نطق نبي من الأنبياء، لا المسيح ولا غيره، بأن الله اتحد بشيء من المخلوقات. وليس في الإنجيل وغيره مما ينقل عن الأنبياء شيء من ذلك. بل غاية ما فيها كلمات مجملة متشابهة. فقوله: «أنا وأبي واحد»، كما قال الله لمحمد: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَيَعُونَ كَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَثْكَث