الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح  133

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 133

الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 133، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

نقد عقيدة التثليث وبيان تناقضاتها

يناقش نقد عقيدة التثليث عند النصارى وتناقضاتها مع قولهم بإله واحد، ويستدل على ذلك بنصوص من أمانتهم. يبين المقطع التناقض في قولهم بإله واحد وثلاثة أقانيم.

انتقاد معتقدات الاتحاد والثالوث

يناقش انتقادات لمعتقدات النصارى حول الاتحاد والثالوث، ويشير إلى بطلان تمثيلهم للثالوث بأمثلة الشمس والنار وروح الإنسان. يبين المقطع أن هذه الأمثلة تؤدي إلى نتائج باطلة ومتناقضة.

الردود على اعتقادات الأقانيم الثلاثة وتوضيح بطلانها

يتناول ردودا على اعتقادات النصارى حول الأقانيم الثلاثة، ويبين بطلان قولهم وإثبات أنهم يعبدون ثلاثة آلهة. يشير إلى تناقضات قولهم وعدم مطابقته للعقل والمنقول.

توسع قضية التناسخ وحلول الصفات عند النصارى

توسعت قضية التناسخ وحلول الصفات عند النصارى لتشمل غير المسيح عليه الصلاة والسلام، ونتج عن ذلك خرافات وقصص وخيالات. يبين المقطع حقيقة ما يعيشون فيه من أوهام.

  • 12 جمادى الأولى 1430هـ - 06/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. أصلا، شيخ الإسلام رحمه الله وصل قالوا: وقد علمنا أنه لا يلزمنا إذا قلنا هذا عبادة ثلاثة آلهة، بل إله واحد، كما لا يلزمنا إذا قلنا الإنسان ونطقه وروحه ثلاثة ناس، بل إنسان واحد، ولا إذا قلنا لهيب النار وضوء النار وحرارة النار ثلاثة نيران، ولا إذا قلنا قرص الشمس وضوء الشمس وشعاع الشمس ثلاثة شموس. إذا كان هذا رأينا في الله، تقدست أسماؤه وجلت آلاؤه، فلا لوم علينا ولا ذنب لنا إذ لم نهمل ما تسلمناه، ولا نرفض ما تقلدناه، ونتبع ما سواه، ولا سيما أن لنا هذه الشهادات البينات والدلائل الواضحات من الكتاب الذي أتي به هذا الرجل. قالوا: الجواب من وجوه، أحدها أنكم صرحتم بتعدد الآلهة والأرباب في عقيدة إيمانكم، وفي استدلالكم، وغير ذلك من كلامكم، فليس ذلك شيئا ألزمكم الناس به، بل أنتم تصرحون بذلك. كما تقدم من قولكم: نؤمن بإله واحد أب ضابط الكل، خالق ما يرى وما لا يرى، وبرب واحد يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود من الأب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، من جوهر أبيه، مولود غير مخلوق، مساوين الأب في الجوهر، وبروح القدس الرب المحيي، المنبثق من الأب، الذي مع الآب، مسجود له وممجد. وهذا تصريح بالثلاثة أرباب، وأن الإله إله حق من إله حق. وما تصريحكم بثلاثة أرباب، وتصريحكم بأن هذا إله حق من إله حق، تقولون: إن ذلك إله واحد. وهذا تصريح بتعدد الآلهة مع القول بإله واحد. ولو لم تذكروا ما يقتضي أنه جوهر آخر، لأمكن أن يحمل كلامكم على عطف الصفة، لكن يكون كلامكم أعظم كفرا، فتكونون قد جعلتم المسيح ونفس الإله الواحد الأب، خالق ما يرى وما لا يرى. وهذا أعظم من كفركم. مع أن هذا حقيقة قولكم، فإنكم تقولون: المسيح هو الله، وتقولون: هو ابن الله، كما ذكر الله القولين عنكم في كلامه، وكفركم بذلك. وليس هذا قول طائفة، وهذا قول طائفة، كما يقوله بعض الناس، بل القولان جميعا يقولهما فرق النصارى، كالنصطورية والعقوبية والملكية، ونحوهم. وهذا أيضا من تناقضكم، فإنه إن كان هو الله، لم يكن هو ابن الله، سواء عبر بالابن عن الصفة أو غيرها، فإن الأب هو الذات، والذات ليست هي الصفة. وإن عني بالابن الذات مع صفة الكلام، كما تفسرون الأقنوم بذلك، فهذه الذات متصفة مع ذلك بالحياة والكلام، سواء عنى به العلم أو البيان مع العلم، هو مع الحياة قائم بالأب، وبالعلم قائم به. والصفة ليست عين الموصوف، بل ولا يعبر عنها بأنها ابن الموصوف. ولا عبر بذلك أحد من الأنبياء عليهم السلام. والمقصود أنهم لم يريدوا بقولهم: وبرب واحد يسوع المسيح، عطف الصفة، وأن هذا هو الأب، كما قال: إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب، فهذا إله واحد، والعطف لتغاير الصفة. فلو كان المراد بالابن نفس الأب، لكان هذا خلاف مذهبهم، ويكونون قد جعلوه إلها من نفسه، فقالوا: إلهان، بل ثلاثة، وهو واحد. فقد صرحوا بأنه رب، وأنه إله حق من إله حق، وصرحوا بإله ثان مع الإله الأول، وقالوا مع ذلك: إنه مولود من الأب قبل كل الدهور، وأنه مولود غير مخلوق. فامتنع أن يريد بذلك الناسوت، فإن الناسوت مخلوق، وهم يقولون: إن الكلمة هي المتولدة من الأب، والكلمة صفة المتكلم، وقائمة به. والكلام ليس برب ولا بإله، بل هو كلام ربي الإله، كما أن سائر كلام الله، كالتوراة والإنجيل والقرآن، ليس هو الرب الإله. ثم قلتم: مساوين الأب في الجوهر، فاقتضى هذا أن يكون المولود الذي هو الكلمة، جوهرا، وأنه مساوين الأب في الجوهر. والمساوي ليس هو المساوي، وهذا يقتضي إثبات جوهر ثاني، مساوين الجوهر الأول، وهو صريح بإثبات إلهين. ويقولون مع ذلك: إنه إله واحد، جوهر واحد. ولا يقال: الجوهر مع العلم الذي يعبرون عنه بالأقنوم، مساوين الجوهر الذي هو الذات، فإن الجوهر هو الذات، وليس هنا جوهران، أحدهما مجرد على العلم، والآخر متصف به، حتى يقال: إن أحدهما مساوين للآخر. بل الرب تعالى هو الذات المتصف بالعلم، فإن كان الأب هو الذات المجردة، فالابن أكمل من الأب، وهو الذات مع العلم، والأب بعض الابن. وكذلك يلزمهم أن يكون الابن هو بعض روح القدس، فإنهم في أمانتهم جعلوا روح القدس والرب المحيي، والرب المحيي هو الذات المتصف بالحياة، والذات المجردة بعض ذلك. فإن كان الأب هو الذات المجردة، فالابن بعض روح القدس. ثم قلتم في أقنوم روح القدس الذي جعلتموه الرب المحيي: إنه منبثق من الأب، مسجود له، ممجد، ناطق في الأنبياء. فإن كان المنبثق ربا حيا، فهذا إثبات إله ثالث. وقد جعلتم الذات الحية منبثقة من الذات المجردة، وفي كل منهما من الكفر والتناقض ما لا يخفى. ثم جعلتم هذا الثالث مسجودا له، والمسجود له والإله المعبود، وهذا تصريح بالسجود لإله ثالث، مع ما فيه من التناقض. ثم جعلتموه ناطقا بالأنبياء، وهذا تصريح بحلول هذا الأقنوم الثالث بجميع الأنبياء، فيلزمكم أن تجعلوا كل نبي مركبا من لاهوت وناسوت، وأنه إله تام وإنسان تام، كما قلتم في المسيح، إذ لا فرق بين حلول الكلمة وحلول روح القدس، كلاهما أقنوم. وأيضا، فيمتنع حلول إحدى الصفتين دون الأخرى، وحلول الصفات دون الذات، فيلزم أن يكون الإله الحي الناطق بأقانيمه ثلاثة، حالا في كل نبي، ويكون كل نبي هو رب العالمين، ويقال مع ذلك: هو ابنه. وفي هذا من الكفر الكبير والتناقض العظيم ما لا يخفى. وهذا لازم للنصارى، لزوما لا محيد عنه. فإنما ثبت للشيء، ثبت لنظيره، ولا جز التفريق بين المتماثلين. وليس له من يقول: الحلول أو الاتحاد في المسيح، ثبت بالنص، ولا نص في غيره. لوجوه، أحدها أن النصوص لم تدل على شيء من ذلك، كما قد تبين. الثاني أن في غير المسيح من النصوص ما شابه النصوص الواردة فيه، كلفظ الابن، ولفظ روح القدس فيه، ونحو ذلك. الثالث أن الدليل لا ينعكس، فلا يلزم من عدم الدليل المعين، عدم المدلول. وليس كل ما علمه الله وأكرم به أنبياءه، أعلم به الخلق بنص صريح، بل من جملة الدلالات دلالة الالتزام. وإذا ثبت الحلول والاتحاد في أحد النبيين، بمعنى مشترك بينه وبين النبي الآخر، وجب التسوية بين المتماثلين، كما إذا ثبت أن النبي يجب تصديقه لأنه نبي، ويكفر من كذبه لأنه نبي، فيلزم من ذلك أنه يجب تصديق كل نبي، وتكفير من كفر من كذبه. الرابع: هب أنه لا دليل على ثبوت ذلك في الغير، فيلزم تجويز ذلك في الغير، إذ لا دليل على انتفائه، كما يقولون: إن ذلك كان ثابتا في المسيح قبل إظهاره الآيات على قولهم. وحينئذ فيلزمهم أن يجوزوا في كل نبي أن يكون الله قد جعله إلها تاما وإنسانا تاما كالمسيح، وإن لم يعلم ذلك. الخامس: أنه لو لم يقع ذلك، لكنه جائز عندهم، إذ لا فرق في قدرة الله بين اتحاده بالمسيح واتحاده بسائر الآدميين، فيلزمهم تجويز أن يجعل الله كل إنسان إلها تاما وإنسانا تاما، ويكون كل إنسان مركبا من لاهوت وناسوت. وقد تقرب إلى هذا اللازم الباطل من قال: بأن أرواح بني آدم من ذات الله، وأنها لاهوت قديم أزلي، فيجعلون نصف كل آدمي لاهوتا، ونصفه ناسوتا. وهؤلاء يلزمهم من المحالات أكثر مما يلزم النصارى من بعض الوجوه، والمحالات التي تلزم النصارى أكثر من بعض الوجوه. الوجه الثاني: قولهم: ولا يلزمنا إذا قلنا هذه عبادة ثلاثة آلهة، بل إله واحد، كما لا يلزمنا إذا قلنا الإنسان وروحه ونطقه ثلاثة أناس، ولا إذا قلنا النار وحرها وضوءها ثلاث نيران، ولا إذا قلنا الشمس وضوءها وشعاعها ثلاث شموس. فيقال: هذا تمثيل باطل، لوجوه، أحدها أن حر النار وضوءها القائم بها، ليس نارا من نار، ولا جوهرا من جوهر، ولهذا مساوي النار في الجوهر. وكذلك نطق الإنسان ليس هو إنسانا من إنسان، ولهذا مساوي الإنسان في الجوهر. وكذلك الشمس وضوءها القائم بها، وشعاعها القائم بها، ليس شمسا، ولا جوهرا قائما بنفسه. وأنتم قلتم: إله حق من إله حق، فقلتم في الأمانة: نؤمن بإله واحد أب ضابط الكل، وبرب واحد يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود من الأب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، من جوهر أبيه، مساوي الأب في الجوهر. وقلتم في روح القدس: إنه رب ممجد، مسجود له، فأثبتتم ثلاثة أرباب. والثاني أن الضوء في الشمس والنار، يراد به نفس الضوء القائم بها، ويراد به الشعاع القائم بالأرض والجدران. وهذا مباين لها، ليس قائما بها. ولفظ النور يعبر به عن هذا وهذا، كلاهما صفة قائمة بغيرها، وعرض. وقد يراد بلفظ النور نفس النور، ونفس الشمس والقمر، فيكون النور جوهرا قائما بنفسه. وإذا كان كذلك، فهم جعلوا الأب ربا، جوهرا قائما بنفسه، والابن أيضا ربا، جوهرا قائما بنفسه، وروح القدس ربا، جوهرا قائما بنفسه. ومعلوم أن ضوء النار والشمس، وحرارتها، ليس كل منهما شمسا ونارا قائما بنفسها، ولا جوهرا قائما بنفسه. فلو أثبتوا حياة الله وعلمه أو كلامه، صفتين قائمتين به، ولم يجعلوا هذا ربا، جوهرا قائما بنفسه، وهذا ربا، جوهرا قائما بنفسه، لكان قولهم حقا، وتمثيلهم مطابقا. ولكنهم لم يقتصروا على مجرد جعلهما صفتين لله، حتى جعلوا كلا منهما ربا وجوهرا وخالقا. بل صرحوا بأن المسيح الذي يزعمون اتحاد أحدهما به، إلها واحدا وخالقا. فلو كان نفس كلمة الله وعلمه، لم يكن إلها خالقا، فإن كلام الله وعلمه ليس إلها خالقا، فكيف والمسيح مخلوق بكلمة الله، ليس هو نفس كلمة الله. الوجه الثالث: أن قولهم: الشمس وشعاعها وضوءها، إن أرادوا بالضوء ما يقوم بها، وبالشعاع ما ينفصل عنها، فليس هذا مثال النار وحرها ولهبها، إذ كلاهما يقوم بها. وعلى هذا فالشمس لم تقم بها إلا صفة واحدة، لا صفتين، فلا يكون التمثيل بها مطابقا. وإن أرادوا بالضوء والشعاع كلاهما ما يقوم بها، أو كلاهما ما ينفصل عنها، كلاهما صفة واحدة، ليس هما صفتان كالحياة والعلم، فعلم أن تمثيلهم بالشمس خطأ. وبعضهم يقول: الشمس وحرها وضوءها، كما يقولون مثل ذلك في النار. وهذا التمثيل أصح، لو ثبت أن في جرم الشمس حرارة تقوم بها، فإن هذا لم يقم عليه دليل. وكثير من العقلاء لا ينكره، ويزعم أن جرم الشمس والقمر والكواكب لا توصف بحرارة ولا برودة، وهو قول أرسطو وأتباعه. وأما تمثيلهم بروح الإنسان ونطقه، فإن أرادوا بالروح حياته، فليس هذا هو مفهوم الروح. وإن أرادوا بالروح التي تفارق بدنه بالموت، وتسمى النفس الناطقة، فهذه جوهر قائم بنفسه، ليس عرضا من أعراضه. وحينئذ فيلزم أن تكون روح الله جوهرا قائما بنفسه، مع جوهر آخر نظير بدن الإنسان، ويكون الرب سبحانه وتعالى مركبا من بدن وروح كالإنسان. وليس هذا قول أهل الملل، لا المسلمين ولا اليهود ولا النصارى، بل هو كفر عندهم. فتبين أن تمثيلهم بالثلاثة باطل. والوجه الرابع أن التمثيل إما أن يقع بصفات الشمس والنار والإنسان، أو النفس القائمة بهذه الجواهر، أو بما هو مباين لذلك، كالضوء الذي يقع على الأرض والحيطان والهواء، وغير ذلك من الأجسام، إذا قابلت الشمس أو النار أو الإنسان أو النفس القائمة بهذه الجواهر. فإن أريد هذا، فهذا شعاع منعكس، وضوء منقلب، ليس صفة قائمة بالشمس والنور. وإذا أريد بما حل في المسيح هذا، وهذا يسمى نورا وروحا، ويسمى نور الله، كما قال الله تعالى: ﴿الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله نوره من يشاء﴾. وقال تعالى: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا﴾، فأخبرنا أنه جعل الروح الذي أوحاه نورا يهدي به من يشاء. وقال تعالى: ﴿أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه﴾. وقال تعالى: ﴿فالذين آمنوا به وعزروه ونصروا واتبعوا النور الذي أنزل معه﴾. وقال تعالى: ﴿ويجعل لكم نورا تمشون به﴾. وقال تعالى: ﴿ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور﴾. فإذا أريد ما حل في المسيح من الروح والكلمة بهذا المعنى، فلا اختصاص للمسيح بذلك، فإن هذا يحل في جميع الأنبياء والمؤمنين، وإن كانوا متفاضلين فيه بحسب درجاتهم. وليس هذا الحال فيهم نفس صفة الله القائمة به، وإن كان ذلك حاصلا عنها ومسببا عنها، لكن ليس هو نفس صفة الله. وإن كان من الناس من يقول: بل صفة الله التي اتصف بها حلت في العبد، فهذا القول خطأ، فإن صفة الموصوف القائمة به، يمتنع قيامها بعينها بغيره. ولكن الإنسان إذا تعلم علم غيره، وبلغ كلام غيره، يقال: هذا علم فلان، وكلامه، لأن هذا الثاني بلغه عنه، والمقصود هو علم الأول وكلامه، مع العلم بأن نفس ما قام بذات الأول، ليس هو عين ما قام بذات الثاني، وإن كان قد يكون مثله. وقد يكون الأول هو المقصود بالثاني، مثل من بلغ كلام غيره، فكلام المبلغ هو المقصود بالتبليغ. وصفات المبلغ، كحركته وصوته التي بها يحصل التبليغ، ليس هو نفس المقصود. وإذا قيل: هذا كلام المبلغ عنه، فالإشارة إلى حقيقة الكلام المقصود بالتبليغ، لا إلى ما يختص به المبلغ من أفعاله وصفاته. ولهذا شبه الناس من قال بحلول صفة الرب في عبده بالنصارى القائلين بالحلول، وهو شبيه به من بعض الوجوه. لكن النصارى لا يقولون بحلول صفة مجردة، بل بحلول الأقنوم الذي هو ذات متصف بالصفة. ويقولون: إن المسيح خالق ورازق، وهو خالق آدم ومريم، وهو ولد آدم ومريم، وهو خالق لهما بلهوته، ابن لهما بناسوته. ويقولون: هو ابن الله، وهو الله بلهوته. ويقولون أيضا باللهوت والناسوت، لأجل الاتحاد. والله كفرهم بقولهم: إن الله هو المسيح من مريم، ونحو ذلك. وإن أرادوا بتمثيلهم بصفات الشمس والنار، والتمثيل بنفس ما يقوم بالشمس والنار والنفس من الضوء والحياة والنطق، وجعلوا ما يثبتونهم من الأب والابن وروح القدس صفات لله، كما أن هذه صفات لهذه المخلوقات. قيل لهم: أولا، لم يعبر أحد من الأنبياء عليهم السلام عن صفات الله باسم الأب والابن وروح القدس، فليس لكم إذا وجدتم في كلام المسيح عليه السلام أو غيره من الأنبياء ذكر الإيمان بالأب والابن وروح القدس، أن تقولوا: مرادهم بذلك صفة الله التي هي الكلمة والعلم، أو حياة الله، إذ كانوا لم يريدوا هذا المعنى بهذا اللفظ. وإنما أرادوا باسم الابن وروح القدس ما هو بائن عن الله عز وجل، والبائن عن الله ليس صفة لله، فضلا عن أن يكون هو الخالق. بشر المتحد به خالقا. فقد ضللتم ضلالا بعد ضلال، ضلالا حيث جعلتم مراد المسيح وغيره بالابن وروح القدس صفة الرب. ثم ضلالا ثانيا حيث جعلتم الصفة خالقا وربا. ثم ضلالا ثالثا حيث جعلتم الصفة تتحد ببشر، وعيسى ويسمى المسيح، ويكون هو الخالق رب العالمين. فضللتم في الحلول ضلالا مثلثا، بعد ضلالكم في التثليث، أيضا ضلالات أخر، حيث أثبتتم ثلاث صفات دون غيرها، وجعلتموها جواهر أربابا، ثم قلتم: إله واحد. فضللتم ضلالا مثلثا في التثليث، وضلالا مثلثا في الاتحاد. وقيل لكم ثانيا: إذا جعلتم ذلك صفات الله، كما أن الضوء والنطق والحرارة صفات لما تقوم بها، امتنع أن تحل بغيرها، وامتنع مع الحلول أن تكون فاعلة فعل النار والشمس والنفس. وأنتم جعلتم الكلمة والحياة حالة بغير الله، وجعلتم ما يحل به إلها خالقا، بل هو الإله الخالق. ومعلوم أن أحدا من العقلاء لا يجعل ما يحصل فيه ضوء النار نارا، ولا ما يحصل فيه شعاع الشمس شمسا، ولا ما يحصل فيه نطق زيد وعلمه ونفس زيد. فكان جعلكم المسيح والخالق للعالم مخالفا لتمثيلكم. وتبين بذلك أن ما ذكرتموه لا يطابقه شيء من الأمثلة، إذ كان كاملا باطلا متناقضا، يمتنع تحققه، فلا تمثيل بشيء من الموجودات الثابتة المعلومة، إلا إذا كان تمثيلا غير مطابق. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى جواب هذه الشبهة والأقيسة التي قاسوها، فيما زعموا أن إثباتهم للأقانيم الثلاثة ليس يلزم منه عبادة ثلاث آلهة، مع أن الواقع يكذب هذا، فهم يعبدون المسيح كما يعبدون الله، بل أعظم مما يعبدون الله. فإذا ذبحوا، ذبحوا باسم المسيح، وذبحوا للمسيح. وإذا صلوا، صلوا للمسيح. وغير ذلك من الدعاء والخوف والحب والرجاء. وهذا ينافي قولهم: أنهم لم يعبدوا إلا إله واحد. وأشار شيخ الإسلام رحمه الله إلى بطلان هذا القول، وأن حقيقة إثبات الأقانيم الثلاثة هو إثبات لثلاث آلهة، وعبادة لغير الله سبحانه وتعالى. وكما رأينا في هذا الأوجه التي ذكرها، أشياء كثيرة، وهي ظاهرة وبيّن رحمه الله أن الأمثلة التي ذكروها في الحقيقة أمثلة غير صحيحة. ولو قدر تنزلا أنها صحيحة، مع أنه بيّن بطلان هذه الأمثلة، لو قدر أنها صحيحة، لما صح أن تجعل مثالا لتصحيح قولهم في الأقانيم. لأن حقيقة قولهم في ذلك، كما مر معنا، شيء مخالف للمعقول والمنقول، وشيء لا يعرف له في عرف الناس ولا علمهم ولا حسهم معنى صحيح، بل معناه فاسد، ولا يصح، وفيه من التناقضات الشيء الكثير. وهذه الأمثلة، كما بيّن كذلك رحمه الله، أنها بالحقيقة مرجعها إلى سوء فهم، وسوء قصد، سوء الفهم من قياس الشيء بما لا يقاس به، وسوء القصد من إصرارهم على إثبات ما ينفيه العقل والحس والفطرة والشرع، ولكن هو العناد. وبين رحمه الله تعالى أنه يلزمهم على قولهم هذا أن يثبتوا معنى الألوهية والأقنومية لغير المسيح، فما أثبت معناه في غير المسيح أشد مما ثبت للمسيح. ومر معنا في فصول سابقة شيء من هذه الإلزامات التي يلزمهم بها أن يثبتوا الألوهية لموسى عليه الصلاة والسلام، ولمحمد عليه الصلاة والسلام، ولداود عليه الصلاة والسلام، وغيرهم من الأنبياء، وإبراهيم عليه الصلاة والسلام، وغيرهم من الأنبياء. ثم أخيرا بيّن رحمه الله تعالى كفرهم بهذه المقولة، وبتبديلهم لشرع الله، وعدم متابعتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن كانوا يكفرون اليهود لأجل التبديل والكفر بعيسى عليه الصلاة والسلام، فهم أحق بهذا الوصف، لأنهم جمعوا بين كفر اليهود، وزادوا عليه ما عند النصارى من كفريات. إذا كان هناك شيء يحتاج إلى بيان أو فيه إشكال، يبين إن شاء الله. كم يعبدون بعد ذلك؟ نعم، من الرهبات نعم، نعم. يعني لو قدر أن كلامهم صحيح، فيقال لهم: أنتم تعبدون غير المسيح أصلا، كما مر معنا. هم ينزلون الحواريين منزلة الأنبياء، بل ويرفعونهم إلى منزلة المسيح، فيكون له مال الله. ويرفعون أتباع الحواريين من الروفان وغيرهم، منزلة هي كذلك بمنزلة الأنبياء، ثم يرتفعون حتى يصلون إلى منزلة الله. كما قال الله عز وجل: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله﴾. ومن اتخاذهم أربابا ورهبانا، اتباعهم على تحريف شريعة الله، هذا من الكفر، وليس هو كل الكفر. وإلا هم عبدوهم حتى العبادة التي عبدوا فيها المسيح، وربما زيادة، كما مر معنا بعض الأمثلة على ذلك. وواقع الناس اليوم يؤكد هذا. وأما قول النبي عليه الصلاة والسلام لعدي بن حاتم: ألم يكونوا يحللوا لكم الحرام، فتحلونه، ويحرمون عليكم الحلال، فتحرمونه؟ فهذا كما قال العلماء: ذكر للأدنى للإلزام به، وثبوت الأعلى مع وجوده، من باب أولى. يعني لا يلزم أن يكون هذا هو كفرهم فقط، لا، بل اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، بهذا وبغيره. كما أن في المسلمين اليوم من اتخذ بعض الصالحين والعلماء معبودين، عبدوهم من دون الله عز وجل، فهو في النصارى من باب أولى. كما قال عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة: أولئك إذا مات فيهم العبد الصالح، أي النبي أو الرجل الصالح، أي العالم أو العابد، بنوا على قبره مسجدا، يعني فعبدوه من دون الله عز وجل. وهذا يصحح أن من اتخاذهم الأحبار والرهبان أربابا، عبادتهم العبادة الصريحة، ليس فقط في طاعتهم في التغيير والتبديل. وواقع الناس كما قال أخونا بحذيف اليوم من النصارى، يبين ويبرهن ذلك، فهم يثبتون آلهة، ليس إله واحد. وقضية التناسخ هذه، وقضية حلول الصفات، توسعت عند النصارى حتى لم تنحصر في المسيح عليه الصلاة والسلام، بل وسعوها في غير المسيح، ولهم في هذا خرافات وقصص وخيالات، يعني تبين حقيقة ما يعيشون فيه.