الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 149، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل تاريخ النصارى في العصور الأولى، حيث كانوا يصومون ويعيدون مع اليهود ثم ابتدعوا تغيير الصوم. كما يذكر أحداثًا تاريخية متعلقة بملوك الروم والفرس واضطهادهم للنصارى وظهور أديان جديدة.
يتحدث هذا الفصل عن تعاقب ملوك الروم وتعذيبهم للنصارى، ثم يروي قصة قسطنطين الذي أسلم بعد ظهور صليب في السماء وهزم أعداءه. كما يذكر تعذيب الملوك للنصارى وقتلهم لهم.
اجتمع الأساقفة في نيقية لوضع الأمانة الأرثوذكسية ومحاكمة أريوس، حيث ناظروه وأظهروا الدين المستقيم واتفقوا على نفيه ولعنهم. كما وضعوا قوانين للأساقفة والملوك وحددوا موعد فصح النصارى.
أرسلت هيلانة إلى بيت المقدس للبحث عن الصليب المقدس وبناء الكنائس ونجحت في العثور عليه. كما عقد مجمع كبير لمناقشة آراء أريوس ومخالفيه حول طبيعة المسيح.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام تيمي رحمه الله: فصل. قالوا في ذلك العصر، كتب بطريرك الإسكندرية إلى أسطف بيت المقدس وبطرق انطاكية وبطرق رومية في كتاب فصح النصارى وصومهم، وكيف يستخرج من فصح اليهود. فوضعوا في ذلك كتبا كثيرا على ما هو عليه اليوم. قالوا ذلك، وذلك أن النصارى كانوا بعد صعود سيدنا المسيح إلى السماء إذا عيدوا عيد الغطاس من الغد يصومون أربعين يوما ويفطرون كما فعل سيدنا يسوع المسيح. لأن سيدنا المسيح لما اعتمد بالأردن خرج إلى البرية فقام بها صائما أربعين يوما. وكان النصارى إذا أفصح اليهود عيدوا الفصح، ووضع هؤلاء البطاركة حسابا للفصح ليصوم النصارى أربعين يوما ويكونوا فطرهم يوم الفصح ليتم فرحهم بذلك. قلت: فقد أخبر عن المسيح أنه لما صام أربعين يوما عقب العماد، وكان يعيد، وكان يعيد مع اليهود في عيدهم، لا يعيد عقب صومه. شاركه النصارى في ذلك مدة، فصاروا يصومون أربعين عقب الغطاس الذي هو نظير المعمودية، ويعيدون مع اليهود العيد. ثم إنهم بعد هذا ابتدعوا تغيير الصوم، فلم يصوموا عقب الغطاس، بل نقلوا الصوم إلى وقت يكون عيدهم مع عيد اليهود، فيكون عيدهم مع عيد اليهود، وهو فصح المسيح، ويكون ذلك وقت قيامته من قبره. قال: ومات مرقس الملك، وملك بعده قمودوس قيصر برومية اثنتي عشرة سنة. وفي أيامه كان في أرض اليونانيين في مدينة أفريغامس جالينوس الحكيم، صاحب صناعة الطب. وذكر جالينوس في فرسة كتبه أنه ربى قمودوس الملك. وذكر جالينوس في المقالة الأولى من الكتاب المعروف بكتاب أخلاق النفس أنه كان في عصر قمودوس الملك رجل يقال له بولس، طلبه قمودوس الملك ليقتله فهرب منه. وكان له غلامان، فقبضهما الملك، فضربهما الملك، وطلب منهما أن يدلا على مولاهما، فلم يفعل لكرم أنفسهما ونخوتهما، وشدة محاماتهما على مولاهما. فقتلهما. وأن من إسكندر إلى بولس خمسمائة سنة وست عشرة سنة، وذلك بسنة التاسعة من ملك قمودوس قيصر. فهذا ما ذكر جالينوس. قال: وكان أيضا في أيام ديمقراطيس الحكيم. قلت: هذه المدة أكثر مما ذكره سعيد، فإنه لم يذكر من المسيح إلى هنا مئة سنة، بل ذكر إلى الخراب مئة وثلاثين وعشرين سنة. وقد تقدم ذكره لديمقراطيس قبل هذا. قالوا: في عشر سنين من ملكه ظهرت الفرس، فغلبت على بابل وأمدوا فارس، وتملك أزدشير ابن ساسان بابل من أهل أصطقر، وهو أول ملك ملك على فارس في المرة الثانية. قال: ومات قمودوس قيصر ملك الروم، وملك بعده قيصر آخر ثلاثة أشهر، ثم آخر. وملك بعده برومية سويرس قيصر سبع عشرة سنة، وذلك في أربع سنين من ملكه أزدشير. وكان هذا الملك شديدا، قد أثار على النصارى بلاء عظيما وعذابا كبيرا، وقتل كل عالم منهم، وقتل خلقا كثيرا، واستشهد في أيامه خلق كثير من النصارى في كل موضع. ثم قتل كل من كان بمصر وإسكندرية من النصارى، وهدم الكنائس، وبنى بالإسكندرية هيكلا وسماه هيكل الإله. قال: وملك بعده قيصر وهو أنطونيوس الأصلع ست سنين. وملك بعده قيصر آخر ثلاث عشرة سنة، كانت النصارى في أيامه في هدوء وسلامة، وكانت أمه تحب النصارى. وفي أيامه سمي بطرك الإسكندرية بابا، أي الجد. قال: وملك بعده قيصر آخر ثلاث سنين، وهذا أثار على النصارى بلاء طويلا وحزنا عظيما، وقتل منهم خلقا كثيرا، وأقذ الناس بعبادة الأصنام، وقتل من الأساقف خلقا كثيرا، وقتل بطرك انطاكية. فلما سمع أسقف بيت المقدس بقتله هرب وترك الكرسي. قال: ومات قيصر هذا في السنة الثانية من ملك بهرام ابن هرمز. وملك بعده قيصر آخر ثلاثة أشهر، ثم بعده آخر أربع سنين، واسمه غرديانوس. وفي ثلاث سنين من ملكه مات بهرام ابن هرمز، وملك بعده بهرام ابن بهرام على الفرس تسعة عشرة سنة. وفي أيامه ظهر رجل فارس يقال له ماني، فأظهر دين المانية، وزعم أنه نبي. فأخذه بهرام ابن بهرام ملك الفرس، فشقه نصفين، وأخذ من أصحابه وممن يقول بقوله مئتي رجل، فغرس رؤوسهم في الطين منكسين حتى ماتوا منكسين. قال: وملك بعد قيصر هذا فيلبس قيصر برومية سبع سنين، وآمن بالسيد المسيح. ووثب عليه قائد من قواده فقتله. ثم ملك بعده قيصر آخر اسمه داق نوس، وهو دقيانوس. وذلك من عشر سنين من ملك بهرام ابن بهرام. فلقي النصارى منه حزنا طويلا وعذابا شديدا، وقتل منهم من لا يحصى، واستشهد في أيامه من الشهداء خلق كثير. وقتل بطرك رومية. ثم خرج إلى مدينة أفسس، فبنى في وسطها هيكلا عظيما، وصير فيه الأصنام، وأمر أن يسجد للأصنام ويذبح لها. ومن لم يفعل ذلك قتل، فقتل من النصارى بأفسس خلقا عظيما، وصلبهم على الحصن. واتخذ من أولاد عظماء أفسس سبعة غلمان من خواصه، وعلى كسوته، وقدمهم على جميع من عنده. وذكر أسماءهم أسماء أصحاب أهل الكهف. قالوا: هؤلاء السبعة الغلمان لم يسجدوا للأصنام، فأعلموا الملك بخبرهم. فأمر بحبسهم، ثم خرج إلى بعض المواضع، وأطلق سبيلهم إلى حين رجوعه. فلما خرج من المدينة أخذ الغلمان كل ما لهم، تصدقوا به، ثم خرجوا إلى جبل عظيم، وقالوا له جاوس شرقي أفسس، فيه كهف كبير. فاختلفوا في الكهف، فكان واحد منهم في كل يوم يتنكر ويدخل المدينة، فيسمع ما يقول الناس في شأنهم، ويشتري لهم طعاما، ويرجع فيعلمهم. قال: فقدم ديخيانوس الملك، فسأل عنهم. فقيل له: إنهم في جبل جاوس في الكهف مختفين. فأمر الملك أن يبنى باب الكهف عليهم ليموتوا. وصب الله عليهم النعاس، فناموا كالأموات. وأخذ قائد من قواده صحيفة من نحاس، وكتب فيها خبرهم وقصتهم مع ديخيانوس الملك، وصير الصحيفة في صندوق النحاس، ودفنه داخل الكهف وبناء الكهف. قال: ومات الملك ديخيانوس قيصر. وملك بعده قيصر برومية سنتين، ثم قيصر آخر اسمه غنيونوس خمسة عشرة سنة. وملك بعده قيصر آخر سنة واحدة. ومات، وذلك من ثلاث سنين من ملك هرمز. وفي أول سنة من ملك هذا صير بولوس بطركا على أنطاكيا، ويسمى بولوس الشمشاطي. قال: وهو الذي ابتدع دين البوليانية، فسمي التابعون لدينه والقائلون بمقالته بوليانيين. قال: وكانت مقالته أن سيدنا المسيح خلق من اللاهوت إنسانا كواحد منا في جوهره، فإن ابتداء الإبن من مريم. وأنه اصطفى ليكون مخلصا للجوهر الإنسي، صحبته النعمة الإلهية، فحلت فيه المحبة والمشيئة. ولذلك سمي ابن الله. وقال: إن الله جوهر واحد وأقنوم واحد، ولا نؤمن بالكلمة ولا بروح القدس. قال: وبعد موته اجتمع ثلاثة عشر أسقفا في مدينة أنطاكيا، ونظروا في مقالة بولوس، فأوجبوا على هذا الشمشاطي اللعن، فلعنوه، ولعنوا من يقول مقالته، وانصرفوا. قال: وبعده ملك قيصر آخر ست سنين، اسمه أوراغوس قيصر. قال: وكان النصارى بالإسكندرية في أيامه يصلون في المطامير والبيود، زعما من الروم. ولم يكن يظهر بترك بالإسكندرية، لألا يقتلوهم. فلما صار نارون بطركا ظهر، ولم يزل يداري الروم حتى بنى بالإسكندرية كنيسة حنى ومار مريم. قال: وملك بعده قيصر آخر، ثم قيصر اسمه فاروس، وذلك في تسعين سنين من ملك سابور بن هرمز. وكان شديدا على النصارى، قتل الأقيين قزمان ودميان الشهيدين. وملك بعده دقي طيانوس. قال: فمن خراب طيطس لبيت المقدس إلى ملك دقي طيانوس مئتان وست سنين. ومن مولد سيدنا المسيح إلى دقي طيانوس مئتان وست وسبعون سنة. ومن إسكندر إلى دقي طيانوس خمس مئة وخمس وتسعون سنة. ومن سبي بابل إلى دقي طيانوس ألف ثلاثمائة وخمس وثلاثون سنة. ومن داود إلى دقي طيانوس ألف تسعمائة وإحدى وأربعون سنة. قال: وملك دقي طيانوس في إحدى عشرة سنة من ملك سابور بن هرمز ملك الفرس. أو ملك الفرس ملك معه اثنان، تملك على الروم إحدى وعشرين سنة. وهؤلاء ثاروا على النصارى بلاء عظيما وحزنا طويلا وعذابا أليما، وشدة شديدة تجل عن الوصف من القتل والعذاب، واستباحة الأموال، واستشهدوا ألوفا من الشهداء، وعذبوا ماري جرجس أصناف العذاب، وقتلوه بفلسطين. وقتلوا ماري مينة وماري بقطر وأيتماخوس وماركورس وغيرهما. قالوا: في عشر سنين من ملكهما صير بطرس بطركا على الإسكندرية، فأقام عشر سنين، وقتل. وفي عشرين سنة من ملكهما ضرب عنق بطرس هذا البطرك بالإسكندرية. قال: وكان لبطرس تلميذان، اسم أحدهما أشلاء والآخر الإسكندروس. وكان بالإسكندرية رجل يقال له أوريوس، يقول: إن الأب وحده الله الفرد، والإبن مخلوق مصنوع. وقد كان الأب إذ لم يكن الإبن. فقال بطرس البطرك لتلميذه أو لتلميذيه: إن المسيح لعن أوريوس، فاحذروا أن تقبلوا قوله. فإني رأيت المسيح في النوم مشقوق الثوب، فقلت له: يا سيدي، من شق ثوبك؟ فقال لي: أوريوس. فاحذروا أن تقبلوه، ويدخلوا معكم الكنيسة، كنيسة الله. قال: وبعد قتل بطرس بخمس سنين صير أشيلاء بطركا على الإسكندرية، فأقام ستة أشهر، ومات. وكان أوريوس قد استعان على أشلاء بأصدقائه، فأورى أنه قد رجع عن تلك المقالة، فقبله أشلاء، وأدخله الكنيسة، وجعله قسيسا. قال: وأما دقي طيانوس الملك، فكان يطلب النصارى فيقتلهم. فبينما هو يسير في مطلبهم، إذ بلغ إلى موضع يقال له ملطية، فصب الله عليه نقمته، فوقع في علل عظيمة وأمراض عظيمة، حتى ذاب جسمه، وكان الدود يتساقط من مدده إلى الأرض، وسقط لسانه من حنكه، ومات. قال: وملك بعده قيصر، أحدهما المشرق والشام وأرض الروم، والآخر الرومية ونحوها. وكان أحدهما اسمه على نيوس، والآخر مقصطيوس. فكان كالسباع الضاري على النصارى، وأثار عليهم البلاء والجلاء، وما لا يصفه واصف. وفعل بهم ما لم يفعل أحد من الملوك قبلهم. قال: وملك معهما على بزنطية وما والاها قسطس أبو قسطنطين، وكان رجلا دينا، مبغضا للأصنام، محبا للنصارى. فخرج قسطس إلى ناحية الجزيرة ورها، فنزل في قرية من قرى الرها يقال لها كفرجاث، فنظر فيها امرأة حسنة جميلة، يقال لها هيلانة. وكانت قد تنصرت على يدي أسقف الرها، وتعلمت قراءة الكتب، وولدت هيلانة قسطنطين، فتربى بالرها، وتعلم حكم اليونانيين. وكان غلاما حسن الوجه، قليل الشر، وديعا، محبا للحكمة. قال: وأما على نيوس، فكان رجلا وحشيا، شديد البأس، مبغضا للنصارى جدا، كثير القتل لهم، محبا للنساء. ولم يترك للنصارى بنتا بكرا إلا أخذها وأفسدها وقتلها. وكذلك أصحابه. وهكذا كانوا يفعلون بالنصارى. وكان النصارى في شدة شديدة جدا معهم. قال: وبلغه خبر قسطنطين، وأنه غلام هادئ، قليل الشر، كثير العلم والخير. وأخبره الحكماء الذين له والمنجمون أن قسطنطين سيملك ملكا عظيما، فهم بقتله. وعلم قسطنطين بذلك، فهرب من الرها، وذهب إلى مدينة بزنطية، ووصل إلى أبيه قسطس، فسلم إليه الملك. وبعد قليل مات قسطس. قال: وصب الله على على نيوس الملك عللا عظيمة، حتى تقطع لحمه وتهرأ. وبقي مطروحا، لا يقدر أحد أن يقترب منه. فعجب الناس مما ناله، ورحمه أعداؤه مما حل به. فرجع إلى نفسه، وقال: لعل هذا الذي بي مما أقتل النصارى. فكتب إلى جميع ممالكه أن يطلقوا النصارى من الحبوس، وأن يكرموهم، ولا يؤذوهم، ويسألونهم أن يدعوا له في صلاتهم. قال: فصل. النصارى على الملك، ودعوا له. فوهب الله له العافية، ورجع إلى أفضل مما كان عليه من الصحة والقوة. فلما صح وقوي، رجع إلى أشر مما كان عليه من الردى. وكتب إلى جميع ممالكه أن يقتلوا النصارى، ولا يعيش في ملكته نصراني، ولا يسكنوا مدينة ولا قرية له. قال: فمن كثرة القتلى كانوا يحملون على العجل، ويرمون بهم في البحار والصحاري. وقتل ماري جرجس وأخاه بمدينة قباذوقية، وهما من أهلها. وقتل بربارة. وذكر حرب انجرت بينه وبين سابور، لما تنكر سابور وجاء إليه متنكرا وعافه. قال: وأما مقستيوس، فكان شريرا على أهل رومية، واستعبد كل من كان برومية، وخاصة النصارى. فكان ينهب أموالهم، ويقتل رجالهم ونساءهم وصبيانهم. فلما سمع أهل رومية بملك قسطنطين، وأنه مبغض للشر، محب للخير، وأن أهل مملكته معه في هدوء وسلامة، كتب رؤساء رومية إلى قسطنطين، يسألونه ويطيبون إليه أن يخلصهم من عبودية مقستيوس عدو الله. قال: فلما قرأ كتبهم، اغتم غما شديدا، وبقي متحيرا، ولا يدري كيف يصنع. فبينما هو متفكر، إذ ظهر له من نصف النهار في السماء صليب من كواكب تضيء، مكتوبا حوله: بهذا تغلب. فقال لأصحابه: رأيتم ما رأيت؟ قالوا: نعم. فآمن من ذلك الوقت بالنصرانية. وذلك للست سنين من بعد موت أبيه. قال: فتجهز قسطنطين، واستعد لمحاربة مقستيوس ملك رومية. وعمل صليبا كبيرا من الذهب، وصيره على رأس البند، وخرج بيريد مقستيوس. فلما سمع مقستيوس أن قسطنطين قد وافاه لمحاربته، استعد لحربه، وعقد جسرا على النهر الذي قدام رومية، وخرج مع جميع أصحابه يحارب قسطنطين. قال: فأعطى قسطنطين النصرة عليه، فقتل من أصحاب مقستيوس مقتلة عظيمة. وهرب مقستيوس، وغرق هو وأصحابه، حتى امتلأ البحر وهو النهر الذي عند رومية غرقا وقتلا. وخرج أهل رومية إلى قسطنطين بالإكليل الذهب وكل أنواع له واللعب، فلقيوا قسطنطين، وفرحوا فرحا عظيما. قال: فلما دخل المدينة، أمر أن تنفش أساد النصارى الشهداء، والمصاليب، وكل من كان من النصارى هرب أو نفاه مقستيوس، يرجع إلى بلده وموضعه. ومن أخذ له شيئا رد إليه. وأقام أهل رومية سبعة أيام يعيدون للملك وللصليب، ويفرحون. قال: فلما سمع الخبر على نيوس، جمع ما قدر عليه، وتجهز لقتال قسطنطين. فلما عاينه هزموا من بين يديه، وأخذهم بالسيف، وقتل منهم مقتلة عظيمة. ومنهم من أسر، ومنهم من استأمن وأفلت. وعلى نيوس عريانا، فلم يزل يتقوى موضعا موضعا، حتى وافى مدينته، فجمع الكهن والسحر والعرافين الذين كان يحبهم ويقبل منهم، فضرب أعناقهم، لألا يقعوا في يد قسطنطين. قال: وصب الله على نيوس نارا في جوفه، حتى كانت أحشاؤه تتقطع من الحر الذي كان يجده في جوفه. وسقط على الأرض، وتهرأ لحمه على عظمه، ومات. وملك قسطنطين الدنيا في هدوء وسلامة، وذلك في إحدى وأربعين سنة من ملك سابور بن هرمز ملك الفرس. قال: وتمصر قسطنطين في مدينة يقال لها نيكوميديا، وذلك في اثنتي عشرة سنة من ملكه. وأمر ببناء الكنائس في كل بلد، وأن يخرج من بيت المال الخراج مما يعمل به أبنية الكنائس. قالوا: في خمس سنين من ملكه صير الإسكندروس بطريركا على الإسكندرية، وهو تلميذ بطركها بطرس الذي قتل، وهو رفيق أشلاء. فأقام ست عشرة سنة. وفي خمس عشرة سنة من رياسته كان المجمع بمدينة نيقية، الذي رتبت فيه الأمانة الأرثوذكسية. قال: فمنع الإسكندروس بطريرك الإسكندرية أريوس من دخول الكنيسة، ولعنه. وقال: إن أريوس ملعون، لأن بطرس البطرك قبل أن يستشهد قال لنا: إن الله لعن أريوس، فلا تقبلوه، ولا تدخلوه الكنيسة. وكان على مدينة السيوط من عمل مصر أسقف، يرى رأي أريوس، فلعنه أيضا. قال: وكان بالإسكندرية هيكل عظيم، كانت كلاء وبطرة الملكة، بنته على اسم زحل. وكان فيه صنم من نحاس عظيم، يسمى ميكاثيل أو ميكائيل. وكان أهل إسكندرية ومصر في اثني عشر يوما في الشهر هتور، وهو تشرين الثاني، يعيدون لذلك الصنم عيدا عظيما، ويذبحون الذبائح الكثيرة. قال: فلما صار هذا بطركا على الإسكندرية، وظهرت النصرانية، أراد أن يكسر الصنم ويبطل الذبائح، فامتنع عليه أهل الإسكندرية. فاحتال لهم بأن قال: إن هذا الصنم لا منفعة فيه ولا مضرة، فلو صيرتم العيد ميكائيل الملاك، وجعلتم هذه الذبائح له، كان أنفع لكم عند الله، وكان خيرا لكم من هذا الصنم. فأجابوه إلى ذلك، فكسر الصنم، وأصلح منه صليبا، وسمى الهيكل كنيسة ميكائيل. وهي الكنيسة التي تسمى قيسارية. قال: فلما منع بطريرك الإسكندرية أريوس من دخول الكنيسة، ولعنه، خرج أريوس مستعديا عليه، ومعه أسقفان، فاستغاثوا إلى قسطنطين الملك، وقال أريوس: إنه تعدى علي وأخرجني من الكنيسة ظلما. وسأل الملك أن يشخص الإسكندروس بطريرك الإسكندرية ليناظره قدام الملك. قال: فوجه قسطنطين برسول إلى الإسكندرية، فأشخص البطرك، وجمع بينه وبين أريوس ليناظره. فقال قسطنطين لأريوس: اشرح مقالتك. قال أريوس: أقول إن الأب كان إذ لم يكن الإبن، ثم الله أحدث الإبن، فكان كلمة له، إلا أنه محدث مخلوق. ثم فوض الأمر إلى ذلك الإبن المسمى كلمة، فكان هو خالق السماوات والأرض وما بينهما. قال: فأجابه عند ذلك بطريرك الإسكندرية، وقال: تخبرنا الآن، أي ما أوجب علينا عندك عبادة من خلقنا، أو عبادة من لم يخلقنا؟ قال أريوس: بل عبادة من خلقنا. قال له البطرك: فإن كان خالقنا الإبن كما وصفت، وكان الإبن مخلوقا، فعبادة الإبن المخلوق أوجب من عبادة الأب الذي ليس بخالق، بل تصير عبادة الأب الخالق للإبن كفرا، وعبادة الإبن المخلوق إيمانا. وذلك من أقبح الأقاويل. قال: فاستحسن الملك وكل من حضر مقالة البطرك، وشنأ عنده مقالة أريوس. ودار بينهما أيضا مسائل كثيرة. فأمر قسطنطين البطرك الإسكندروس أن يلعن أريوس وكل من قال بمقالته. قال: فقال له: بل يوجه الملك فيشخص البطارقة والأساقفة، حتى يكون لنا مجمع، ونضع فيه قضية، ونلعن أريوس، ونشرح الدين، ونوضحه للناس. فبعث قسطنطين الملك إلى جميع البلدان، فجمع البطارقة والأساقفة، فاجتمع في مدينة نيقية بعد سنة وشهرين، ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا. قال: وكانوا مختلف الآراء، مختلف الأديان. فمنهم من يقول: المسيح ومريم إلهان من دون الله، وهم المريمانية. ومنهم من كان يقول: إن المسيح من الأب بمنزلة شعلة نار تعلقت من شعلة نار، فلم تنقص الأولى لإيقاد ثانية منها. وهي مقالة سيباريون وأشياعه. قال: ومنهم من كان يقول: لم تحبل مريم لتسعة أشهر، وإنما مر نور في بطن مريم كما يمر الماء في الميزاب، لأن كلمة الله دخلت من أذنها وخرجت من حيث يخرج الولد من ساعتها. وهي مقالة ألبان وأشياعه. قال: ومنهم من كان يقول: إن المسيح إنسان خلق من اللاهوت كواحد منا في جوهره، وإن ابتداء الإبن من مريم، وإنه اصطفى ليكون مخلصا للجوهر الإنسي، صحبته النعمة الإلهية، فحلت فيه المحبة والمشيئة. فلذلك سمي ابن الله. ويقولون: إن الله جوهر واحد وأقنوم واحد، يسمونه بثلاثة أسماء، ولا يؤمنون بالكلمة ولا بروح القدس. وهي مقالة بولس الشمشاطي بطريرك انطاكية وأشياعه، وهم البوليانيون. قال: ومنهم من كان يقول: بثلاثة آلهة، لم يزل صالح وطالح وعدل بينهما. وهي مقالة مرقيون وأشياعه. وزعموا أن مرقيون رئيس الحواريين، وأنكروا بطرس الرسول. قال: ومنهم من كان يقول: ربنا هو المسيح. وهي مقالة بولس الرسول ومقالة الثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا. قال: فلما سمع قسطنطين الملك مقالتهم، عجبا من ذلك. وأخلى لهم دارا، وتقدم لهم بالإكرام والضيافة. وأمرهم أن يتناظروا فيما بينهم، لينظر من معه الحق فيتبعه. قال: فاتفق منهم ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا على دين واحد ورأي واحد. فناظروا بقية الأساقفة المختلفين، فأفلجوا عليهم حججهم، وأظهروا الدين المستقيم. قال: وصنع الملك للثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا مجلسا خاصا عظيما، وجلس في وسطه. وأخذ خاتمه وسيفه وقضيبه، فدفعه إليهم. وقال لهم: قد صلتكم اليوم على المملكة، لتصنعوا ما بدا لكم، لتصنعوا ما ينبغي لكم أن تصنعوا مما فيه قوام الدين وصلاح المؤمنين. قال: فباركوا على الملك، وقلدوه سيفه. وقالوا له: أظهر دين النصرانية، وذب عنه. ووضعوا له أربعين كتابا فيها السنن والشرائع، وفيها ما يصلح أن يعمل به الأساقفة، وما يصلح للملك أن يعمل بما فيها. قال: وكان رئيس المجمع والمقدم فيه الإسكندروس بطريرك الإسكندرية، وبطريرك الإنطاكية، وأسقف بيت المقدس. ووجه بطريرك رومية من عنده رجلين. قال: فاتفقوا على نفي أريوس وأصحابه، ولعنوهم، وكل من قال بمقالته. ووضعوا الأمانة، وثبتوا أن الإبن مولود من الأب قبل كل الخلاق، وأن الإبن من طبيعة الأب، غير مخلوق. قال: واتفقوا على أن يكون فصح النصارى في يوم الأحد الذي يكون بعد فصح اليهود، وأن لا يكون فصح اليهود مع فصح النصارى في يوم واحد. قال: وثبتوا ما وضعه من تقدم ذكره من حساب الصوم والفصح، ويكون فطر النصارى يوم فصحهم، يوم الأحد الذي يكون بعد فصح اليهود. قال: لأن النصارى، كما قلنا من قبل، كانوا إذا عيدوا عيد الحميم، وهو عيد الغطاس، صاموا من الغد أربعين يوما، يفطرون. فإذا كان عيد اليهود عيدوا معهم الفصح، وصيروا يوم الفصح للفطر. قال: ومنعوا أن يكون للأسقف زوجة. وذلك أن الأساقفة منذ وقت الحواريين إلى مجمع الثلاثمائة وثمانية عشر، كان لهم نساء. لأنه كان إذا اختير واحد أسقفا، وكانت له زوجة، تبيت معه، ولم تتنح عن مكانها. قال: فلما انصرفوا مكرمين محظوظين، وذلك في سبع عشرة سنة من ملك قسطنطين. قال: وسن قسطنطين الملك ثلاث سنن: أحدها كسر الأصنام، وقتل كل من يعبدها. والثاني أن لا يثبت في الديوان إلا أولاد النصارى، ويكونون أمراء وقواد. والثالثة أن يقيم الناس جمعة الفصح والجمعة التي بعدها، لا يعملون فيها عملا، ولا يكونوا فيها حربا. قال: وتقدم قسطنطين إلى أسقف بيت المقدس أن يطلب موضع المقبرة والصليب، ويبني الكنائس، ويبدأ ببناء القيامة المقدسة. قال: فقالت هيلانة أم قسطنطين للملك: إني نذرت أن أصير إلى بيت المقدس، فأطلب المواضع المقدسة، فأبنيها. فدفع الملك إليها أموالا كثيرة جزيلة، وسارت إلى بيت المقدس مع أسقف بيت المقدس. قال: فلما وصلت، لم يكن لها حرص ولا همة إلا طلب الصليب. فجمعت اليهود والسكان في بيت المقدس، واختارت منهم عشرة ومئة، وكان واحد منهم يقال له يهوذا. فسألتهم أن يدلوها على موضع الصليب، فامتنعوا. قال: فأمرت بهم، فطرحتهم في جب ليس فيه ماء، فأقاموا سبعة أيام لم يطعموا ولم يسقوا. فقال أحدهم الذي اسمه يهوذا لصاحبيه: إن أبي عرفه بالموضع الذي تطلب هذه المرأة، وإن جده عرف أباه. قال: فصاح الاثنان من الجب: أخرجونا حتى نعلم الملك بحال هذا الرجل. فأخرجوهم، فأخبروا الملك بما قال لهما يهوذا. فأمر بضربه بالسياط، فأقر أنه يعرف الموضع. قال: فخرج حتى جاء إلى الموضع الذي فيه المقبرة والأقرانيون، وكانت مزبلة عظيمة هناك. فصلى، وقال: اللهم إن كان في هذا الموضع المقبرة، فأسألك أن تزلزل المكان وتخرج منه دخانا حتى نؤمن. فزلزل الموضع، وخرج منه دخان كما سأل، فآمن. قال: فأمرت هيلانة بكنس الموضع من التراب، فظهرت المقبرة والأقرانيون. ووجد ثلاثة صلبان. قالت هيلانة: كيف لنا أن نعلم بصليب سيد المسيح؟ وكان بالقرب منهم عليل شديد العلة، قد يئس منه. فوضع الصليب الأول عليه، والثاني والثالث، فقام المريض ليس به شيء يكره. فعلمت هيلانة أنه الصليب الذي لسيدنا المسيح، فجعلته في غلاف من ذهب، وحملته معها، وجملته بما تقدر عليه. قال: وأظهرت كل ما كان مدفونا من آثار سيدنا المسيح، وحملته إلى ابنها قسطنطين. وبنت كنيسة القيامة في موضع الصليب والأقرانيون، وكنيسة قسطنطين. وانصرفت. وأمرت أسقف بيت المقدس أن يبني باقي الكنائس. قال: وذلك في اثنتين وعشرين سنة من ملك قسطنطين. قال: فمن مولد سيدنا المسيح إلى أن وجد الصليب، ثلاثمائة وثمانية وعشرون سنة. وذكر أنه بعد هذا اجتمعوا بمجمع عظيم ببيت المقدس. وكان معهم رجل قد سها بطريرك الإسكندرية، وجماعة معه، ليسألوا بطريرك الإسكندرية. قال: وكان هذا الرجل لما رجع إلى الملك أظهر أنه مخالف لأريوس، وكان يرى رأيه ويقول بمقالته. فقام هذا الرجل، واسمه ماكسيوس، فقال: إن أريوس لم يقول: إن المسيح خلق الأشياء، ولكن قال: به خلقت الأشياء. لأن كلمة الله التي بها خلق السماوات والأرض، إنما خلق الله الأشياء بكلمته، ولم تخلق الأشياء كلمته. قال: فرد عليه بطريرك الإسكندرية، وقال: أما أريوس فلم يكذب عليه ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا، ولا ظلموه. لأنه إنما قال: إن الإبن خالق الأشياء دون الأب. وإذا كانت الأشياء إنما خلقت بالإبن دون أن يكون الأب لها خالقا، فقد يجب أن يكون ما خلق منها شيئا ما خلق منها شيئا. قال: وفي ذلك تكذيب للمسيح قوله: الأب يخلق وأنا أخلق. وقال: إن أنا لم أعمل عمل أبي فلا تصدقوني. وقال: كما أن الأب يحيي من يشاء ويميته، كذلك الإبن يحيي من يشاء ويميته. فدل على أنه يحيي ويخلق. قال: وأما قولك: إن الأشياء كونت به، فإنما كنا لا نشك أن المسيح فعال. وكان قد دل بقوله: إنما أفعل. فكان قولك: به كونت الأشياء، إنما هو راجع في المعنى إلى أنه كونها. فكانت به مكونة. ولو لم يكن ذلك كذلك لتناقض القولان. قال: ورد عليه أيضا، فقال: أما قول من قال من أصحاب أريوس