الدرس في شرح كتاب الطهارة 15، الدرس الخامس عشر (قال الشيخ تقي الدين يكره السلت والنتر ... وعنه أنه طاهر اختاره الشيخ تقي الدين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش كراهة السلط والنتر والتمشي بعد البول لعدم ورود دليل شرعي وتكلف ووسوسة. يبين أن الحديث الوارد في الأمر بالتمشي بعد البول غير صحيح.
يتناول أهمية الاستجمار وترًا، ويشرح أن الأفضل أن يكون بثلاث أحجار أو أكثر، ويبين ضعف حديث "من استجمر فليوتر". يعفى عن الأثر اليسير للنجاسة إذا بذل الوسع في إزالته.
يشرح جواز الاستنجاء بالأحجار إذا تم ثلاث مساحات، ويبين أن الأفضل استخدام ثلاثة أحجار مختلفة لضمان الإنقاء الجيد. يشترط في القياس التساوي بين المقيس والمقيس عليه.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي آخر ما وقفنا عليه الكلام على حديث أبي قتادة رضي الله تعالى عنه. واليوم نواصل إن شاء الله تثمين الباب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال الشيخ تقي الدين: «يكره السلط والنتر، ولم يصح الحديث في الأمر به، والتمشي والتنحنح في عقيب البول بدعة». قوله رحمه الله: «قال الشيخ تقي الدين»، المراد به شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فإن ذكر تقي الدين في كتب الحنابلة يراد به شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، كما أنه كثيرًا في كتب الشافعية يراد به ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى. يقول: «يكره السلط والنتر، ولم يصح الحديث في الأمر به». وهذا الكلام الذي نقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى نقله عنه فيما ذكره شيخ الإسلام، ذكر معناه في كتاب الاختيارات الفقهية، وهكذا كذلك ذكر معناه بشرحه للعدة رحمه الله تعالى. وقوله: «يكره السلط»، يريد بالسلط هو الضغط بالإصبعين على الذكر ليخرج ما تبقى من البول فيه. وهذا يكره أولًا لمخالفته لعدم ورود الدليل الشرعي الآمر به، وثانيًا لكونه نوعًا من التكلف، وقد نهينا عن التكلف، وثالثًا لأنه يلحق بصاحبه الضرر، وقد نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الضرر، مع ما قد يفتح من باب الوسوسة على صاحبه، وهذا يكون رابعًا. فإن الكثير ممن يبتلى بذلك يبتلى بعده بالوسوسة: هل أخرج كل ما في الذكر أو لم يخرجه؟ وكل هذه الخصال كافية في المنع من هذا الفعل. وكذلك تقبيحه، وقوله: «والنتر»، المراد بالنتر هو نتر الذكر بضرب طرفه. وذكر العلماء له ثلاثة كيفيات: أولها ضرب طرفه، تحريك طرفه من جهة منتهاه، أي من جهة الحشفة حتى يخرج الباقي من البول. ومن النتر تحريك طرفه من آخر الذكر من جهة الجسد حتى يخرج الباقي من البول. ومن صور النتر التي ذكرها العلماء كذلك تحريك الذكر دون لمس، دون مس الإصبع للذكر، بأن يحرك المبول ذكره بنفسه ليخرج ما بقي من بول. وكل هذه وغيرها مما قد يقع أو يتصور يكره لتلك الأسباب التي سبقت، مع ما فيها من أذية وضرر. وقوله: «ولم يصح الحديث في الأمر به»، ظاهر الكلام أنه لم يصح الحديث في الأمر بالنتر، فهو أقرب مذكور، وليس كذلك. ولكن الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه لم يصح الحديث في الأمر بالمشي، وهو المذكور بعده. أنه ورد في ذلك حديث، لكنه لا يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، نبه عليه العلماء في كتبهم، وهو أن يمشي بعد تبوله، أي إذا تبول قام فمشى قليلًا ليخرج ما بقي من البول. وهذا أولًا لا يصلح؛ لأنه لم يصح به الحديث، ولأنه كذلك يدخل فيه المعاني الأربعة التي تقدمت بالكلام على السلط والنتر. فلذلك ينبغي للمسلم أن يترك مثل هذا التنطع، وهذا التشدد الذي أولًا يضر بدينه مما قد يدخل عليه من التكلف، وكذلك ربما الوسوسة، ويضر بجسده بما يكون من تكلفه وأذيته لنفسه بمحاولة إخراجه ما تبقى من بول فيما يظن. فأعلمنا بهذا معنى التمشي في قوله: «ولم يصح الحديث في الأمر به والتمشي». وهذا على هذه النسخة هكذا يوجه الكلام. وأما إذا كان في بعض النسخ بتقديم التمشي: «والنتر والتمشي، ولم يصح الحديث في الأمر به»، فيكون التمشي هو المقصود بعدم صحة الحديث، فيكون المعنى مستقيمًا. ولكن الذي بين أيدينا وفي نسختنا تأخير لفظ التمشي، فينبغي التنبه للمعنى المذكور: أن الحديث إنما ورد في التمشي لا في النتري والسلك. وقوله: «والتنحنح عقيب البول بدعة»، التنحنح هو إخراج الصوت الذي يراد به إخراج ما تبقى من بول في الذكر، وهو بدعة؛ لأن التعبد بذلك لم يرد به دليل. ومن تعبد بشيء لم يرد به الدليل وقع في البدعة، خصوصًا أن بعضهم -أي بعض الفقهاء- يأمر به وينص على ذلك، وهذا ليس بصحيح؛ لأنه لم يرد فيه شيء، مع ما فيه من التكلف وفتح باب الوسوسة، وربما يصير فيه نوع من الهوس الشبيه بالجنون. قال رحمه الله تعالى: «فصل: ثم يستجمر وترًا لقوله عليه الصلاة والسلام: من استجمر فليوتر، قال: من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج». قوله رحمه الله: «ثم يستجمر وترًا»، أي من أحكام ومن آداب الاستجمار، وجعل هذا الفصل في ذكر شيء من الآداب والأحكام التي ختم بها هذا الباب -باب الاستجمار-. فقال: «ثم يستجمر وترًا»، والوتر ضد الشفع، يبدأ بالواحد ثم الثلاثة ثم الخمسة وهكذا. والمراد بالوتر ها هنا الثلاثة فما فوق؛ لأنه أقل الوتر الوارد في حق الاستجمار. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بالاستجمار وترًا في أحاديث كثيرة، لكنه صح عنه عليه الصلاة والسلام الأمر به بثلاث، أي لا يستجمر أحد بأقل من ثلاث أحجار. وهذا المعنى صح عنه عليه الصلاة والسلام في عدة أحاديث. فيريد رحمه الله تعالى أن يبين أولًا أنه يستحب الوتر، أي للشفع. قال العلماء: وهذا ينبغي أن يمتثل لأمرين: أولًا لأنه سنة، صح الأمر بها عن النبي عليه الصلاة والسلام، وثانيًا لأنه كذلك مدعاه -أي الحرص على الوتر- مدعاه لزيادة الإنقاء. قوله: «لقوله عليه الصلاة والسلام: من استجمر فليوتر، قال: من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج»، يشير إلى حديث روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم كما أشار، رواه أبو داود، ولكنه لم يصح. وقد نبه الحفاظ أنه حديث معل لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم كما أشار الدارقطني رحمه الله تعالى في علله إلى إعلال هذا الحديث. ونبه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في كتابه التلخيص إلى ضعف هذا الحديث كذلك، وأن مداره من رواية حسين الحبراني -ويقال الحميري- يرويه عن أبي سعد الحبراني -الحمصي ويقال سعد الخير- زعم أنه مولى لعمر رضي الله تعالى عنه، طيل صحابي، وهو ليس بصحابي، والأول مجهول والثاني مجهول. قوله رحمه الله: «وأثر الاستجمار بخص يعفى عن يسيره»، بعد أن ذكر أن الاستجمار يكون ثلاثًا، وأن هذا الأفضل، وأن هذا الأفضل وترًا، وعلمنا أنه قد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا يكون بأقل من ثلاث، فلا بأس أن يكون وترًا، لكن بأكثر من ثلاث. وأما الثلاث فلابد منها. وقوله: «أثر الاستجمار بخص يعفى عن يسيره»، يعني إذا استجمر الإنسان فحقيقة الاستجمار فيها شيء من المشقة التي يصعب معها إزالة عين كل النجاسة، فإنه قد يبقى شيء من أثر النجاسة، ولكنه يسير في تشققات المخرج أو غيره، لا يظهر ذلك بعد بذل الوسع والاجتهاد في إزالة الخارج. ولهذا قال العلماء: إن الاستنجاء هو إزالة الخارج من السبيل بالماء، أو إزالة حكمه بالحجر. إزالة الخارج بالماء؛ لأن الماء يزيل جميع الخارج يقينًا. وأما الحجر وما كان بمعناه مما يستجمر به فهو في الحقيقة لا يزيل يقينًا كل الخارج، ولكن يزيل ذلك غالبًا، وقد يبقى شيء يسير يشق إخراجه وإزالته تمامًا، وهذا يعفى عنه. قوله رحمه الله: «عنه أنه طاهر اختاره الشيخ تقي الدين»، يعني اختلف العلماء: هل الاستنجاء بالأحجار وما كان بمعناها يعطي حكم الطهارة ولو بقي الشيء اليسير؟ فهو طاهر، يعني يكون طهارته من جهة الحكم الشرعي لا من جهة بقاء العين. والخلاصة نهاية القولين: سواء قيل بالطهارة أو قيل هناك نجاسة يسيرة عفي عنها لمشقة إزالتها مع بذل الجهد، ففي كل الأمرين ننتهي إلى أن المستجمر يبذل الوسع في إزالة الخارج بقدر المستطاع، ولا يضر بنفسه، وما بقي بعد ذلك فليتركه. قال رحمه الله تعالى: «ثم يستنجي لحديث عائشة، قال الترمذي: حديث صحيح، فإن اقتصر على الاستجمار أجزأه إذا نقي وكمل العدد لحديث عائشة رواه أبو داود، ولا يجزيء أقل من ثلاث مساحات أما بحجر ذي شعب أو ثلاثة أحجار؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال: لا يستنجي أحدكم باقل من ثلاثة أحجار رواه مسلم». يشير بهذا إلى عدة مسائل من مسائل الاستنجاء، أولها: هل يجوز الاقتصار على الاستنجاء بالاحجار -أي الاستجمار- دون الماء؟ الصحيح أنه يجوز، وذلك للأحاديث الكثيرة التي وردت، منها حديث أبي هريرة وحديث سلمان وغيرها من الأحاديث التي تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم شرع لأمته جواز الاقتصار على الاستجمار، بل هو فعل ذلك عليه الصلاة والسلام. وسيأتي معنا بعض هذه الأحاديث إن شاء الله. ومنها كذلك ما مر معنا أن المرء إذا جمع بين الاستجمار والاستنجاء كان حسنًا، ولم يصح الحديث الوارد في ذلك -أي في الجمع بينهما- فيما نزل على أهل قباء: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]، أن الآية نزلت في حق أهل قباء كانوا يجمعون بين الاستنجاء والاستجمار. والصحيح أنه لم يصح، ومع ذلك فعموم الأدلة مع وجود ما سبقت الإشارة إليه أنه أكمل، يدل على أن ذلك أمر حسن إذا فعله الإنسان. والحكمة في ذلك أن الاستجمار يزيل عين النجاسة بدون مس اليد، والاستنجاء بالماء يزيل ما بقي، فكان ذلك أكمل إنقاء. ولو اقتصر على الاستجمار فقط لجاز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله، ودلت الأحاديث الكثيرة على جوازه. وقوله: «ولا يجزيء أقل من ثلاث مساحات أما بحجر ذي شعب أو ثلاثة أحجار»، يشير إلى ما ذكره من الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يستنجي أحدكم باقل من ثلاثة أحجار»، قال: رواه مسلم، وأصله حديث سلمان في صحيح مسلم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم -كما قال سلمان-: «نهانا النبي صلى الله عليه وسلم أن يستنجي أحد بيمينه، وأن يستنجي باقل من ثلاثة أحجار». فهذا الحديث دل على أن المسلم لا يجوز له أن يستنجي بأقل من ثلاثة أحجار. وقال المؤلف رحمه الله: «ثلاث مساحات»، نظرًا لعلة الحديث، فالمقصود في مفهوم بعض أهل العلم: ثلاثة أحجار، أي ثلاثة مساحات، فلو كان حجر له ثلاثة أوجه، قال بعض أهل العلم: يجوز أن يمسح به ثلاثة مسحات، فإن أنقى جاز ذلك، هكذا ذكروا أخذًا بالعلة. وهذا هو قوله: «أما بحجر ذي شعب أو ثلاثة أحجار»، يعني ذي ثلاث شعب، ثلاث جهات، في كل جهة يصلح أن يمسح بها. والصحيح والاحوط البقاء على ظاهر الحديث؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ثلاثة أحجار، ولأن فتح هذا الباب يفتح باب التساهل. فإن المسح بحجر واحد له ثلاث شعب لن يكون أبدًا في الإنقاء مثل المسح بثلاثة أحجار مختلفات؛ فإن المسح بثلاثة أحجار مختلفات يكون في الغالب إنقاءً وأحسن. ومن شرط القياس أو الأخذ بالعلة أن يكون ذلك مساويًا للمقيس عليه أو المنطوق، وليس الأمر كذلك ها هنا. فكما نرى أن المسح بثلاثة أحجار هو لا شك إنقاء من حجر له ثلاث جهات، فلذلك نقول: إنه الأحوط والأكمل المسح بثلاثة أحجار.