شرح كتاب الطهارة  30

شرح كتاب الطهارة 30

الدرس في شرح كتاب الطهارة 30، الدرس الثلاثون (ثم يمسح رأسه كله لحديث عبدالله بن زيد ... وهو ظاهر مذهب الإمام مالك وأحمد وأبي حنيفة). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مسح الرأس في الوضوء وفقًا للسنة النبوية

الدرس يشرح كيفية مسح الرأس في الوضوء وفقًا لكتاب الطهارة لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، مع التركيز على الأدلة الشرعية من الأحاديث النبوية. يتناول مسح كل الرأس ومسح بعضه مع الإكمال على العمامة أو الخمار.

الكيفيات الشرعية لمسح الرأس

المقطع يشرح ثلاث كيفيات للمسح على الرأس ثبتت في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، مستندًا إلى أحاديث نبوية وآراء أهل العلم في توضيح مشروعية هذه الكيفيات.

حكم النكاح إذا كان الزوج تاركًا للصلاة

إذا ثبت أن الزوج لا يصلي ولم يستجب للنصيحة، فالنكاح باطل ولا يحتاج إلى طلاق، ويجب على المرأة مفارقته بعد محاولة نصحه.

حلول لمن لم يجد من يرقيه

إذا لم يجد الشخص من يرقيه، فيمكنه الذهاب إلى مراكز إسلامية معتبرة أو أحد من أهل العلم، أو الاتصال بأحد من أهل العلم من أي مكان.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، نواصل في درسنا في كتاب الطهارة لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى. وكان آخر ما وقفنا عليه هو ما ذكر من فصل في ذكر صفة الوضوء، وعلى وجه الخصوص في غسل اليدين إلى المرفقين. فدرسنا اليوم، إن شاء الله، عن مسح الرأس. قال رحمه الله تعالى: «ثم يمسح رأسه كله، لحديث عبد الله بن زيد، وعنه يجزئ مسح بعضه، لحديث المغيرة. قال في الاختيارات: ويجوز مسح بعض الرأس لعذر، قاله القاضي في التعليق. ولا يسن تكرار مسح جميعه، وهو ظاهر مذهب الإمام مالك، وأحمد، وأبي حنيفة». هذه مجموعة من المسائل فيما يتعلق بمسح الرأس، أولها مسح كل الرأس. قال: «لحديث عبد الله بن زيد». وحديث عبد الله بن زيد تقدم معنا في دروس سابقة، وهو ما جاء في الصحيحين في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ذكر فيه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه مسح بيديه رأسه، فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة. وفي رواية: ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه. ومعنى أنه ابتدأ بالمسح من مقدمة الرأس باليدين المبلولتين إلى مؤخرة الرأس، ثم رجع مرة أخرى من مؤخرة الرأس إلى مقدمة الرأس. قال العلماء: الحكم في ذلك أن ينال المسح ظاهر الشعرات وباطنها؛ لأن المسح من الأمام إلى الخلف يكون به مسح الظاهر، خصوصًا إذا كان الشعر يزدل إلى الخلف، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه، أي المقدمة، يكون به مسح الشعرات من الجهة الباطنة، فيكون في هذا استيعاب مسح الشعر. وهذا مع ما فيه من حكمة الله عز وجل في أداء هذه الفريضة، فريضة الطهارة والتعبد لله بها، فيه كذلك كما ذكر بعض الأطباء حكمة أخرى في تنقية الشعر مما يصيبه من غبار وغيره، بهذه الصفة من صفات الوضوء، مع ما فيه كذلك من فائدة طبية أخرى، وهي إحياء هذا الشعر بإمرار اليد المبلول عليه. وتأمل كيف الشعر لا يغسل في الوضوء، ولكنه يمر عليه باليد المبلولة؛ إذ أن كثرة إمرار الماء على الشعر قد يضره، وعدم الإمرار بالمرة عليه يضره، وإمرار اليد المبلولة ينفعه، خصوصًا إذا كان خمس مرات. ولهذا ذكر العلماء أن هذه الصفة هي الصفة الأكمل في وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي جاء في حديث عبد الله بن زيد، وهي أحد كيفيات مسح الشعر. وسيأتي معنا إن شاء الله أن للشعر كيفيات أخرى في المسح. والكيفية الثانية من كيفيات مسح الرأس ما أشار إليها بقوله رحمه الله: «وعنه يجزئ مسح بعضه، لحديث المغيرة». وهو يشير بهذا إلى مذهب الإمام أحمد رحمه الله. وهذه الكيفية كما أشار رحمه الله لها أصل في السنة، وهو ما جاء في حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أرضاه، أصله في صحيح مسلم. أي أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الناصية وأكمل على العمامة، أي ناصية الرأس. فاستدل العلماء بهذا على جواز مسح بعض الشعر، لكن بهذا القيد، وهذا هو الصحيح، أن يكمل على العمامة إن كان على الرأس شيء كعمامة أو خمار بالنسبة للمرأة، أو نحو ذلك مما يكون على الرأس، فيجوز أن يمسح على الناصية ويكمل على الجزء المستور من الرأس بالمسح عليه. وفرق بين هذا القول الذي ثبت به السنة، وهي كيفية صحيحة، بما دل عليه هذا الدليل الصحيح الصريح، وبين قول بعض الفقهاء من الشافعية وغيرهم، بالاقتصار على المسح على بعض الشعر. فالأول صحيح دلت عليه السنة، والثاني خطأ، ليس في شيء من أدلة الكتاب والسنة ما يدل عليه. وقد استدل القائلون بهذا القول، وهو جواز مسح بعض الرأس إذا كان الرأس مكشوفًا ولو بمقدار قليل على بعض الشعرات من الرأس، بالآية في قوله سبحانه: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾، أن الباء للتبعيد. والصحيح أن الباء ليست للتبعيد. وقد بسط القول علماء التفسير واللغة في هذه الآية من سورة المائدة، أن الباء في هذا الموضع ليست للتبعيد، فلم يعرف لا في الشرع ولا في اللغة في مثل هذا السياق أن الباء للتبعيد. وهذه إشارة خفيفة، ومن أراد الاستزادة في هذا المبحث فليرجع إلى كتب التفسير عند تفسير هذه الآية. واستدل القائلون بهذا القول المرجوح كذلك بأدلة غير صريحة، ومنها هذا الحديث، فحديث المغيرة ليس فيه جواز الاقتصار على بعض الرأس، ولكن فيه جواز الاقتصار على بعض الرأس إذا كان الرأس مستورًا مع الإكمال على العمامة. وأما إذا كان الرأس مكشوفًا، فالسنة أن يمسح على ما يتيسر من الرأس، لا نقول يجب أن يستوعب أن يستوعب كل الرأس، ولكن نقول عليه أن يمسح ما يتيسر من أكثر الرأس. وهذا الذي يدل عليه حديث عبد الله بن زيد، وغيره من الأحاديث الأخرى. ونحن أمرنا أن نأخذ ديننا مما ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام من سنته القولية والفعلية. وهذا الحديث يبين لنا سنته الفعلية عليه الصلاة والسلام في الوضوء. فالخلاصة عندنا بهذا: كيفيتان، الكيفية الأولى مسح جميع الرأس أو أكثره وما يتيسر منه، وهو ما دل عليه حديث عبد الله بن زيد على الصفة التي سبقت. والكيفية الثانية بالمسح على بعض الرأس والمراد مع الإكمال على العمامة أو ما كان بمعناها إذا كان الرأس مستورًا، كما جاء في حديث المغيرة: يمسح على الناصية ويكمل على العمامة، أو بالنسبة للمرأة على الخمار. أو الرجل كذلك إذا كان مختمرًا بعمامته، كحال بعض الناس الذين يختمرون بالعمائم، أي يلفونها على الرأس ويردون الطرفين طرفي العمامة على اليمين والشمال، ويحتاج هذا كثير سكان الصحراء، فإنهم يختمرون بالعمائم يحتمون بها من الرياح المحملة بالأتربة في الصحراء. فصارت العمامة بهذا الوصف من عوائد بعض البلاد في الجزيرة العربية، وربما في غيرها. فالمهم هاتان كيفيتان أشار المؤلف بهذين الحديثين إلى أن لهما أصل في السنة. ثم قال: «وفي الاختيارات» أي اختيارات شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله، وقد سبق معنا أنه كتاب لشيخ الإسلام بن تيمية: «ويجوز مسح بعض الرأس لعذر». وهذه المسألة: «ويجوز مسح بعض الرأس لعذر»، كما قلنا بينه حديث المغيرة، أي إذا كان الرأس مستورًا أو إذا كان هناك مانع، كأن يكون الرأس مثلًا ملبدًا بالعسل، كما لبد النبي عليه الصلاة والسلام رأسه بالعسل في حجة الوداع. وكان العرب يفعلون مثل ذلك حماية للرأس في الأسفار الطويلة من أن تدخل الدواب عليه، أو أن يكثر التراب أو غير ذلك، فيحمون رؤوسهم بهذا التلبيت أحيانًا بالعسل، وأحيانًا بغيره مما يحمى به الرأس، أو عذر آخر كأن يكون هناك جرح، فلا يستطيع مسح كل الرأس، فهذا هو قول شيخ الإسلام. وقوله: «قاله القاضي في التعليق»، يشير بهذا أن هذا القول قد سبق إليه بقول من سبق من الأئمة. هنا تنبيه قبل أن نكمل: قد يقول قائل: كيف يجعل العسل على الرأس، وهل هذا يدخل في شيء من الإسراف؟ الجواب: لا؛ لأن العسل كان متيسرًا، ما لم يكن متيسرًا عند بعض الناس في هذا الزمان. وثانيًا: لأن وضعه على الرأس كان في وقت البدائل فيه قليلة، ليس كحال الناس في هذا الزمان، عندهم بدائل كثيرة. وهكذا ثالثًا: لأن المقصود من وضعه ليس هو الوقاية فحسب، بل كذلك العلاج. فقد ذكر ابن القيم رحمه الله في الطب النبوي وغيره، أن هذا معنى من معاني الطب النبوي الذي يكون به حفظ الشعر والرأس. وكما تعرفون، دلت سنة النبي عليه الصلاة والسلام على أشياء كثيرة من هذا المعنى، وهذا منه. فقد ذكر أهل الطب أن العسل فيه فوائد كثيرة، وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه شفاء، بل ربنا جل وعلا يقول ذلك في كتابه: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾. تتمة لما سبق: الكيفية الثالثة التي ثبتت في سنة النبي صلى الله عليه وسلم من كيفيات مسح الرأس، هي الاقتصار في المسح على العمامة أو ما كان بمعناها، إذا كانت العمامة تستر جميع الرأس، أو ما كان بمعنى العمامة يستر جميع الرأس. ودليله ما جاء في صحيح مسلم وغيره عن بلال رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الموقين والخمار. والموقين تثنية لموق، والموق نوع من الخفاف يكون كالجورب من الجلد، لكنه على هيئة الجورب يكون قطعة واحدة، وغالبًا ما يكون كما قال العلماء من جلد الأرنب، وما كان بمعناه، فيلبس كالجورب، يجعل بكيفية معينة حتى لا تصير له فتحة. الشاهد في هذا الحديث مشروعية المسح على الخفين، وما كان بمعناه من الموقين ونحوه، كما هو مذكور، وسيأتي معنا إن شاء الله في الكلام على المسح على الخفين. وهكذا المسح على الخمار، والخمار معنى من معاني العمائم التي يستر بها الرأس. فالخمار كما تقدم معنى كيفية من كيفيات لبس العمامة، وهي أن تربط العمامة على الرأس وأطراف الأذنين بأن يلف طرفي العمامة إلى الخلف، وهذا معروف. ومثله لباس الكثير من أهل الجزيرة، كإخواننا في أرض الحرمين ونجد، وهكذا في أطراف من حضرموت، وفي صحراء الربع الخالي، وكذلك أهل الخليج، ونحو هؤلاء ممن كما تقدم بروف العيش تجعلهم يلبسون مثل هذه الكيفية، حتى صارت في هذا الزمان عوائد تعود الناس لبسها. الشاهد أن هذا الحديث يدل على هذه الكيفية الثالثة من كيفيات المسح على الرأس، وهو أن الرأس إذا كان مستورًا، يجوز المسح على العمامة فقط من دون المسح على شيء من الرأس ولا الشعر. وهذه الكيفية صحيحة ثابتة بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، ووقع فيها خلاف، وبعضهم اشترط فيها شروط. والصحيح أنها سنة صحيحة، وليس فيها شروط. بعضهم اشترط أن تكون العمامة محنكة، يعني يمر شيء من العمامة تحت الحنك، هذا الحنك تحت الدقن. قالوا: لأن حديث الخمار يدل على هذا المعنى. ولأن هذه العمامة يكون فيها صعوبة في نزعها، فلهذا جاز المسح على العمامة من دون مسح على شيء من الرأس. والصحيح أنه ليس هذا بشرط، لكن لا شك أن الأفضل والأكمل أن يمسح على الرأس أو على طرف الشعر، ويكمل على الناصية، ويكمل على العمامة. فإن لم يتيسر فلا بأس أن يمسح على العمامة فقط، لا بأس أن يمسح على العمامة فقط. وقد يحتاج المسلم إلى ذلك في أحوال أو أوضاع، فلا حرج عليه في ذلك. ومنه كذلك فعل المرأة، المرأة قد تحتاج للمسح على الخمار إذا كانت في الحج، أو كانت في مواضع أخرى لا تستطيع نزع الخمار، أو يشق عليها، فيجوز أن تمسح على الخمار فقط. وليس في المسح على العمامة فقط أو الخمار فقط شروط على الصحيح من أقوال أهل العلم؛ لأنها رخصة. فهذه ثلاث كيفيات كلها صحيحة ثابتة، صحيحة عن النبي عليه الصلاة والسلام. والمؤلف رحمه الله لم يذكرها هنا الكيفية الثالثة، وإن كان ربما أشار إليها في بعض كتبه الأخرى. وهكذا غيره من أهل العلم؛ لأنه في هذا الموضع يشير إلى المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، ومشتهر في كلام أهل العلم من المسائل. وقوله في آخر هذا الفصل: «ولا يسن تكرار مسح جميعه»، يعني لا يستحب تكرار مسح الرأس. وهذا لأنه لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام فعل ذلك. فما فعله بعض الفقهاء من الشافعية وغيرهم من تكرار مسح الرأس ثلاثًا، هذا ليس في صحيح، وليس فيه سنة صحيحة، بل هو من الخطأ الذي فيه خلاف سنة النبي عليه الصلاة والسلام. بل نص بعض أهل العلم أنه من البدع. قوله رحمه الله: «ولا يسن تكرار مسح جميعه»، أي كما قلنا قبل: لا يستحب تكرار مسح جميع الرأس، أي بأكثر من مسحة. والمراد بأكثر من مسحة: يعني بأن يكرر، وليس ما جاء في حديث عبد الله بن زيد بأن يذهب بهما إلى القفى ويرد إلى المكان، فهذا يعتبر مسحة واحدة. فقلنا: قوله «لا يسن تكرار مسح جميعه»، أي الرأس لا يستحب تكراره، إشارة منه إلى قول بعض الشافعية ومن وافقهم في استحباب تكرار مسح الرأس، وهذا ليس بالصحيح؛ لأنه لم يثبت به سنة صحيحة عن النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا قال: «وهو ظاهر مذهب الإمام مالك، وأحمد، وأبي حنيفة». فهؤلاء الأئمة الثلاثة، وجمهور أهل العلم على أنه لا يستحب تكرار مسح الرأس. وما ذهب إليه بعض الشافعية في هذا الباب خطأ، لم تدل عليه سنة صحيحة. بل نص بعض أهل العلم على أنه ليس فقط خلاف السنة، بل هو من البدع، أي التعبد لله بتكرار مسح الرأس. وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الفصل الذي أشار فيه رحمه الله إلى أهم مسائل مسح الرأس، والله تعالى أعلم. هذه سائلة تسأل من أسبانيا عن زوجها الذي لا يصلي إلا في رمضان، وأنه ربما صلى عند وجود أبيها للمجاملة والاستحياء منه، وأنه يعاملها بمعاملة سيئة، وأنها نصحته كثيرًا لكن دون جدوى، فهل يجوز أن تطلب الطلاق منه؟ الجواب: إن يئست من صلاحه وتأكدت من تركه للصلاة، فلا يجوز لها البقاء معه، ما دام لا يصلي. وأن استطاعت أن تنصحه بأن يرجع إلى دينه فيصلي، فلا شك أن بقاءها مع زوجها الذي عرفته واستقرت حياتها معه، مع قيامه بأصل الدين ولو حصل بعض التقصير، تستمر بالمناصحة. أهم شيء أن يحافظ على الصلاة، وكل واجب يبقيه على أصل الإسلام. فإن لم يكن فكما سمعت يكون لها الحق أن تطلب منه الطلاق. بل إذا ثبت أنه ترك الصلاة ولم يستجب للنصيحة، فالنكاح باطل يبطل وينفسخ هذا النكاح. ومعنى فسخ النكاح أنه لا يحتاج إلى طلاق، إذا أصر على ترك الصلاة، فلا تمكن نفسها منه، بل تتركه وتذهب إلى بيت آخر إذا كان عندها بيت، أو تطلب منه أن يخرج من البيت إذا كان البيت لها، حتى يصلي ويتوب لله عز وجل من ذلك، وإلا فلا تحل له معه. مع الانتباه أن الكثير من الإخوة والأخوات في بلاد الغرب يتعجلون في مسائل الطلاق، وسوء الظن في بعضهم البعض. وأرجو أن لا يكون عند هذه السائلة شيء من ذلك. فينبغي أن يحرص أهل الإسلام على إبقاء العشرة الزوجية، والصبر على بعضهم البعض، لكن في حدود ما يجيز الشرع الصبر فيه. أما مع وجود الكفر وما لا يجوز معه بقاء عقد الزوجية، فعند ذلك لابد من الفراق. أو إذا خشيت المرأة على دينها، فلها الحق أن تطلب الفراق، والله تعالى أعلم. وهذه سائلة أخرى تقول: بماذا تنصحون أختًا تريد الخلع من زوجها في بلد كافر لا يوجد فيها قاضي شرعي يحكم بينها وبين زوجها، أتذهب إلى إمام مسجد بدلًا من القاضي أم ماذا تفعل؟ وهنا أكرر أولًا ما سبقت الإشارة إليه مما يكثر وقوعه في بلاد الغرب من أمر الابتلاء بكثرة وقائع الفرقة بين الأزواج، وهذه مصيبة، وذلي بها الكثير من المسلمين في بلاد الغرب. ولعل من أعظم أسبابها حياة أهل الغرب التي تكتنفها وتحتف بها من صفات، وكذلك مخلفات الكفار على المسلمين، ما جعل مثل هذه الوقائع تكثر. وهنا أذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي منها خلقًا آخر». وهذا خطاب للرجل، وهو من باب أولى للمرأة. ومعنى الحديث: لا ينبغي لإنسان أن يسخط زوجته لأجل نقص فيها، بل ينبغي أن يتذكر صفات الخير الأخرى الكثيرة. فالكمال لله، ليس أحد من ابن آدم إلا وعنده شيء من التقصير، ولكن حسب المرء أن يحرص على التزود، المقاربة والنصيحة بما يتوصل به إلى الكمال. وكما في الحديث الآخر: «الناس كإبل مئة لا تكاد تجد فيها راحلة». ومعناه: أن هذا مثل يضرب في الرجل إذا أراد أن يسافر وعنده مئة من الإبل، فأراد أن يبحث عن ناقة من هذه المئة تكون كاملة الصفات، فإنه لن يجد شيئًا كاملًا، لا بد أن يجد شيء من النقص. فهل معناه أنه سيترك السفر ولن يأخذ شيء من هذه الإبل المئة؟ الجواب: لا، سيأخذ واحدًا منها بما فيه الأكمل. وهكذا بن آدم، ليس أحد إلا وفيه شيء من النقص، ولكن ليس وجود هذا النقص مدعاه للفرقة. فالرجل يصبر على زوجته، والزوجة تصبر على زوجها، ويستمر كل منهما في مناصحة الآخر للوصول إلى الأكمل والأفضل. ولكن هناك فرق بين أشياء يمكن الصبر عليها، وأشياء لا يرضى الشرع بالصبر عليها، إذا يئس من النصيحة. فمن لم يرتضى دينه، كتارك الصلاة والمصر على الكبائر ونحو ذلك، فهذا إذا نصح ولم يستجب، فلكل من الزوجين الحق في مفارقة الآخر، سواء كان زوجًا أو زوجة. فالمهم: هذه مقدمة حتى لا يتكرر أمور الفرقة بين الأزواج في هذه البلاد. فإن كانت المرأة طلبت الخلع لمطلب شرعي صحيح، فهنا يقال: الجواب أن تذهب إلى من يمثل المسلمين في المكان التي هي فيه، فيجعل لها خلعًا بمقتضى ما علم من الأحكام الشرعية. فإن كان هناك مركز إسلامي معتبر، ليس كالمراكز العلمانية التي تزوج مسلمة من نصراني بحجة وحدة الأديان، وغير ذلك من الجهالات والسفاهات المناقضة للثوابت الشرعية، فأمثال هذه المراكز مراكز باطلة. لكن مراكز إسلامية معتبرة، فيذهب إليها. أو إذا لم يكن فأحد من أهل العلم، ولو كان إمام مسجد. فإن لم يوجد فيتصل بأحد من أهل العلم، ولو من بلاد بعيدة، ويكون الحكم على يديه، والله تعالى أعلم.