الدرس في كتاب الصلاة 95، الدرس الخامس والتسعون:(30-باب الخشوع في الصلاة.الحديث السابع والعشرون بعد المائة...والعبد الكيس يجتهد في كمال الحضور ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الخشوع هو روح الصلاة ويزيد ثوابها بحسب خشوع المصلي. أسبابه تشمل الاستعاذة من الشيطان وتدبر القراءة.
النبي صلى الله عليه وسلم كره الانشغال في الصلاة بسبب أعلام الخميصة التي أهداها أبو جهم له. هذا يدل على تجنب الملهيات في الصلاة.
قوة الإرادة الدينية تعزز القدرة على ترك المعاصي. يتمثل ذلك في قوة الدافع للطاعة وضعف المانع من المعصية.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: باب الخشوع في الصلاة. قال: الحديث السابع والعشرون بعد المئة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: «اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم، وأتوني بمبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي». أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله هذا الباب في سياق ذكره لأحكام الصلاة، فقال: باب الخشوع في الصلاة. والباب لغة: ما يدخل منه ويخرج، والمراد ها هنا الدخول والخروج المعنوي، أي هذا مدخل لمعرفة حكم الخشوع في الصلاة وما ورد فيه من أحاديث. ثم ذكر حديث عائشة رضي الله عنها. وأقرب الألفاظ إليه هو لفظ الإمام البخاري، ذكره في باب إذا صلى إلى ثوب أو في ثوب له أعلام ونظر إلى علمها، فقال: حدثنا أحمد بن يونس قال: حدثنا إبراهيم بن سعد قال: حدثنا بن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها، فذكرت الحديث بلفظه. ورواه مسلم بنحو هذا اللفظ. قال الشارح رحمه الله: الخشوع في الصلاة وروحها ولبها، ويكثر ثوابها أو يقل، يعني بحسب خشوعه. أما عقله المصلي منها، ولذا أثنى الله تعالى على الذين هم في صلاتهم خاشعون بأنهم الذين يريثون الفردوس هم فيها خالدون، كما ذكر ذلك بسورة المؤمنون، وهكذا كذلك في سورة سأل سائل. فالخشوع في الصلاة من صفات أهل الإيمان، وعدم الخشوع في الصلاة من علامات نقص الإيمان، فالإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. قال: والإحضار القلب في الصلاة أسباب، منها الاستعاذة من الشيطان، وتدبر قراءة الصلاة، وأنواع الذكر فيها. وقبل ذلك منها حسن التطهر، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، خصوصا إذا قام من النوم أن يذكر الله، فإذا ذكر الله إن حلت منه عقدة، فإذا توضأ وأحسن وضوءه إن حلت العقدة الثانية، وإذا صلى إن حلت العقدة الثالثة. وقوله: منها الاستعاذة من الشيطان، يدل على ذلك فهو ليس حصر، وإنما ذكر ما يظن أنه الأهم. قال: ومنها جعلوا السترة، وجعلوا النظرة موضع السجود. جعل السترة يعني بينك وبين الجهة التي تصلي فيها إلى القبلة إذا كنت إماما أو كنت منفردا، أما إذا كنت مأموما فسترة الإمام سترة لمن خلفك، كما تقدم معنا. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن اتخاذ السترة مما يمنع الشيطان ومما يعين العبد على حضوره وانتفاعه من صلاته. وأما جعل النظر موضع السجود فلعمومات. قال: كما أن دخول الإنسان فيها بعد الفراغ من الشاغلات عنها كالنوم وشهوة الطعام والشراب من أقوى أسباب إحضار القلب. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة بحضرة الطعام، ولا وهو يدافع الأخبثان»، كما تقدم معنا. قال: ولدنا عن الصلاة حال حضور الطعام أو مدافعة الأخبثين. والأخبثان يعني ما يخرج من القبل أو الدبر، سواء كان هواء أو محسوسا أو غير ذلك مما يضايق الإنسان، حتى ولو كان الخارج غير معتاد، ما دام شيء يضايقه ويشغله في صلاته، فينبغي أن يتخلص منه. قال: لأن في ذلك مشغلة عن الصلاة. ومثله لو كان مثلا عنده شيء يشغل قلبه، فهنا لا يستحب في حقه أن يدخل في الصلاة ولو كان في غير هذين المعنيين، لأن الشرع لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع. ولهذا جاز للمريض أن يجمع بين الصلاتين لأن مرضه مشقة، وهكذا كذلك جاز جمع الصلاة في وقت المطر والريح الشديد من دون قصر، لأن هذا مظنة المضرة والمشقة وانشغال القلب، وغير ذلك مما هو بمعناه. قال: وذهب الجمهور من العلماء إلى صحة صلاة من غلبت على صلاته الوساوس، ولكن مع نقص ثوابها. وذهب أبو حامد الغزالي وابن الجوزي إلى بطلانها. وممكن أن يصح قول هذين الإمامين إذا كان ذلك على وجه لا يكون معه حضور شيء من الصلاة، وهذا قد يتصور عند بعض الناس، من حين يقول الله أكبر يخرج من المسجد إلى العالم الخارجي، حتى لا يدري هل قرأ الفاتحة، كم صلى ركعة، لو لأن الله حفظه بصلاة الجماعة، لصار في كل صلاة يسجد لسهو. فمثل هذا قد تبطل صلاته إذا كان لا يدري ما قال في صلاته أبدا من أولها إلى آخرها، فهذا لم يحضر شيء من الصلاة، فكيف يكون صلاة؟ قال رحمه الله تعالى: غريب الحديث. قوله: خميصة لها أعلام، هو كساء مربع مخطط بألوان مختلفة، وهو يأتي كثيرا من جهة اليمن مثل المعاوز اليوم تكون مخططة لها أعلام. قال: وقال ابن الأثير: هي ثوب خز أو صوف معلم. وقيل: لا تسمى خميصة إلا أن تكون سوداء معلمة. والصحيح أنه لا يلزم، بل الخميصة الكساء المعلم، والغالب أنه يكون سواد مع ألوان أخرى فيه. قال: ثانيا: قولوا الانبجانية. كساء غليظ ليس له أعلام، وهي بفتح الهمزة وسكون النون أنبجانية، وكسر الباء الموحدة، وبعد الألف نون مكسورة، يعني بعد الألف الثانية بعد الجيم. قال: بعدها ياء مشددة ثم تاء التأنيث، منسوبة إلى بلد تسمى أنبجان. وقد وردت هذه الكلمة بفتح الباء، وهي نسبة على غير قياس إلى منبج البلد المعروف في بلاد الشام. ومثلها منبجاني، وهي كساء من الصوف له خمل، يعني شيء من معنى الخميلة، وليس له علم، وتعد من أدوى الثياب الغليظة، يعني في الجودة وفي الثمن. قال: قوله: آنفا، يعني الآن. ولا يقال لآنفا نفس معنى الآن، وإنما للماضي القريب. للماضي القريب، فتقول: شغلني فلان آنفا، يعني شغلني في الوقت الذي رأيت أو سمعت أو حضرت، فهو فيه معنى الحضور، لكنه لما مضى. معنى الحضور لما مضى. قال رحمه الله: المعنى الإجمالي. أهدى أبو جهم للنبي صلى الله عليه وسلم خميصة لها أعلام، وكان من مكارم أخلاقه صلى الله عليه وسلم أنه يقبل الهدية جبرا لخاطر المهدي، فقبلها صلى الله عليه وسلم منه، وصل بها. ولكونها ذات أعلام يتعلق بها النظر، والتعلق هو انشغال القلب والنظر به، وليس معناه تعلق الحب. وكذلك الإشغال المستمر، وإنما لما فيه من أعلام وصور هذه الخطوط، فهو يخطف النظر ويشغله. قال رحمه الله: ألهته صلى الله عليه وسلم عن كامل الحضور في صلاته، وهو صلى الله عليه وسلم كامل، لا يصدر عنه من الأعمال إلا الكامل. فإذا كان هذا في حق النبي عليه الصلاة والسلام، فمن باب أولى من دونه أن يبعد عن نفسه ما يكون سببا لإشغاله. فلذلك كره السلف تلوين المساجد وزخرفتها، لأنها سبب لإشغال المصلي. بل صح مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عباس: «أنهي عن تشييد المساجد»، يعني زخرفتها. وفي حديث عمر: لما جددوا مسجد النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم عن التحمير والتصفير، يعني عن وضع الألوان. ولهذا كان من سنة الإسلام اتخاذ المساجد من دون زخارف ولا ألوان، لون واحد، إما اللون الأبيض أو اللون الترابي، لون الطين، أو ما كان بمعناه مما لا يشغل القلب ولا يلفت انتباه البصر. وما فعله الكثير من الناس في الأزمنة المتأخرة هو مما دخل عليهم من قبل أهل الأهواء، ومن ضل مما انتبع أهل الكتاب وغيرهم. فهذه أكثرها دخيلة، هذه الزخارف والكتابات والألوان، كله دخيل، ليس من سنة النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحابته، بل من الأمور المحدثة. قال رحمه الله تعالى: فأمره من يعيد هذه الخميصة المعلمة إلى المهدي، يعني المهدي إليه الذي أهداه أبي جهم، وحتى لا يكون في قلب أبي جهم شيء من رد الهدية، وليطمئن قلبه، أمره من يأتوا بكساء أبي جهم الذي لم يعلم، يعني ليس فيه أعلام. وهذا من كمال هديه صلى الله عليه وسلم، وفيه جواز استبدال الهدية إذا علم أن ذلك مما يفرح به المهدي ومما لا يكون فيه حرج عليه. فمثلا لو أهداك الإنسان شيء ومعه شيء آخر تعرف أنه لا يمانع من إهدائه، فقال: خذ هذا. قلت: ما أريد. قال: لابد أن تأخذ. فأنت رأيت أن هذا ما ينفعك، فقلت: بدلا من هذا هذا. أخذ هذا فلا بأس، خصوصا إذا كان الذي اخترته دون الذي أعطاك. قال رحمه الله تعالى: ما يأخذ من الحديث مشروعية الخشوع في الصلاة، وفعل الأسباب الجالبة له، والابتعاد عن كل ما يشغل في الصلاة. فإذا من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي سنة لأهل الإسلام، أن المصلي يجتنب الأمور التي تشغله في الصلاة. ومن ذلك أن يبعد كل شيء واجهه يكون فيه شيء من الإشغال، كالتصاوير والألوان ونحو ذلك. قال: ثانيا: أن اشتغال القلب اليسير لا يقدح في الصلاة، يعني إذا كان على وجه لا يخرج المصلي عن كونه مصليا. وإذا أخرجه عن كونه مصليا يضر، مثل أن ينشغل انشغالا كثيرا يكون معه التفات يخرج عن كونه مصليا، أو كذلك حركة تخرج عن كونه مصليا، أو غير ذلك. قال: ثالثا: كراهة تزويق المساجد ونقشها والكتابة فيها، لما يجلبه من اشتغال المصلين في النظر إليها. والتقدم أنه رويت في آثار مرفوعة وموقوفة في النهي عن ذلك. وهذا من أعظم الأسباب التي تذهب الخشوع، تذهب الخشوع عن المصلين، فينبغي لأهل الإسلام أن يجتنبوا هذه الأسباب. قال رحمه الله تعالى: رابعا: فيه جواز لبس الملابس المعلمة للرجال، يعني على الوجه الذي لا يضر بنفسه وبغيره، ولا يكون فيه معنى من المعاني المحرمة المحذورة. فإن كان فيه تشبه بالكفار لا يجوز، أو بالنساء لا يجوز، أو بالفجار والفساق لا يجوز، أو كذلك يشغل المصلين فكذلك يكره. قال: خامسا: وفيه استحباب قبول الهدية جبرا لقلب المهدي وتوددا إليه. وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي حسنه جماعة من أهل العلم: «تهادوا تحابوا». فالهدية من الأسباب الجالبة للمحبة. ثم بعد ذلك ينظر في المصلحة والمفسدة من قبول هذه الهدية. إن كانت الهدية لله وفيما يرضي الله وعلى وجه ليس فيه معصية لله فلا بأس بقبولها، بل يستحب. قال: سادسا: وفيه أنه لا بأس من رد الهدية لسبب، ولكن مع بيان السبب لصاحبها حتى لا يقع في قلبه شيء. وكذلك فيه جواز استبدال الهدية كما تقدم. ومن الأدب أنك لا تستبدل بأعلى، بل تستبدل بأدنى. تستبدل بأدنى كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم. قال: سابعا: وفيه حسن أخلاقه صلى الله عليه وسلم، حيث رد عليه الكساء المعلم وطلب الكساء الذي ليس فيه أعلام، ليعلمه أنه غير مترفع عن هديته. وانظروا كيف جمع بين قبول الهدية واستبدالها، واستبدالها بما هو دون الذي ردها، وكله يدلك على هذا الباب. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ولا ريب أن الوسواس كلما قل في الصلاة كان أكمل. والذي يعين على ذلك شيئان: قوة المقتضى، وضعف الشاغل.