الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 41، الدرس الحادي والأربعون:( قال الإمام مسلم رحمه الله:حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ... كذا قال عرفت أن مسلماً أخرجه بأحسن وأتم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل بيعة الرضوان وما دار فيها من مواقف الصحابة، كما يشير إلى عفو النبي صلى الله عليه وسلم عن المشركين بعد نقضهم للصلح. يبرز المقطع أهمية هذه البيعة في التاريخ الإسلامي.
يروي هذا الفصل تفاصيل غزوة ذي قرد، حيث أغار المشركون على إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويصف مواقف سلمة بن الأكوع في التصدي للمشركين حتى وصل جيش رسول الله. تمكن المسلمون من استعادة الإبل وقتلوا عددًا من المشركين.
يتناول هذا الفصل مشاركة سلمة بن الأكوع في غزوة ذي قرد وفتح خيبر، حيث قاتل المشركين في الغزوتين وأظهر شجاعة كبيرة. كما يتحدث عن دور عمه عامر وعلي بن أبي طالب في فتح خيبر.
يشير هذا الفصل إلى بركة بئر الحديبية عندما جاشت بالماء، ويذكر أن باقي القصة يحتوي على فوائد كثيرة. يبرز أهمية هذا الحدث في إظهار معجزات النبي صلى الله عليه وسلم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هاد الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال رحمه الله تعالى: قال الإمام مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا هاشم بن القاسم، قال: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا أبو عامر العقدي، كلاهما عن عكرمة بن عمار. وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، قال: أخبرنا أبو علي الحنفي عبيد الله بن عبد المجيد، قال: حدثنا عكرمة بن عمار، قال: حدثني إياس بن سلمة، قال: حدثني أبي، قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن أربعة عشر مئة. تأكدتم أمس في قوله: «كنا يوم الحديبية أربع عشر ومئة». حديث البراء، هل أحد نظر فيه؟ رواية حديث البراء بدون واو في صحيح مسلم، صحيح البخاري. طيب، إذن نكتب أنه خطأ والصواب بدون واو كما في صحيح البخاري، حديث رقم 3588، صحيح البخاري بدون واو. قال رحمه الله تعالى: وعليها خمسون شاه لا ترويها، قال: فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبار ركية، فإما دعا وإما بسق فيها، قال: فجاشت -يعني فاضت- فسقينا واستقينا. سقينا يعني أنفسنا، واستقينا يعني لغيرنا، إما الدواب وإما أناس آخرون بعيدون من البئر. قال: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعانا للبيعة في أصل الشجرة، قال: فبايعته في أول الناس، ثم بايع وبايع -يعني أناس كثر- قال: حتى إذا كان في وسط من الناس، قال: بايع يا سلمة -يعني ابن الأكوع- قلت: بايعتك يا رسول الله في أول الناس، قال: وأيضا. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا علم من رجل قوة وشدة بايعه وأكثر البيعة عليه تشجيعًا له على أن يؤدي ما أعطاه الله عز وجل من قوة. وكان سلمة بن الأكوع رضي الله عنه من أقوياء الرجال، فكان يفعل ما لا يفعله الفرسان على خيولهم، فكان عداء قويا رضي الله عنه أرضاه. قال: قلت: بايعتك يا رسول الله في أول الناس، قال: وأيضا. قال: ورآني رسول الله صلى الله عليه وسلم عزلًا -يعني ليس معه سلاح- قال: فأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم جحفة أو درقة، ثم بايع حتى إذا كان في آخر الناس، قال: لا تبايعني يا سلمة. قال: قلت: بايعتك يا رسول الله في أول الناس وفي أوسط الناس، قال: وأيضا. عندنا قوله: «صوابه» قال. قال: وأيضا. قال: فبايعته الثالثة، ثم قال لي: يا سلمة، أين جحفتك أو درقتك التي أعطيتك؟ قال: قلت: يا رسول الله، لقيني عمي عامر عزلًا فأعطيته إياها. فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: «إنك كالذي قال الأول: اللهم أبغني حبيبا وأحب إلي من نفسي». وهو مثل يضرب لمن كان يحب العطاء لمن يحب -يعني يؤثر من يحب على نفسه-. قال: ثم إن المشركين راسلون الصلح حتى مشى بعضنا في بعض واصطلحنا. قال: وكنت تبيعًا لطلحة بن عبيد الله، أسقي فرسه وأحسه وأخدمه وأكل من طعامه. وهكذا رضي الله عنهم ورحمهم الله، كان الواحد منهم يصبر على الدون لأجل الله، وفي ذات الله سبحانه وتعالى، ما عندهم ما ينفقون، ولا عندهم كذلك ما يسافرون به، حتى قوت اليوم ما عند الواحد منهم. ولكنهم ما كانوا يعجزون، يقول الواحد: أخدم إنسان من المسلمين على أن يطعمني ويحملني معه. وهكذا فعل بعدهم الأئمة، الإمام أحمد رحمه الله، كان من فقراء أهل الحديث، ولكن فقره لم يكتفه ولم يمنعه من الرحلة وطلب الحديث والعلم، بل كان يأتي إلى الراحل ويقول: أخدمك وأقوم بك وبرفقتك، على أن تحملوني معكم وتطعموني، فيقبلون، فيكون خادمهم وهو الإمام أحمد بن حنبل عالم أهل زمانه رحمه الله. وهكذا من ابتغى شيئًا لله سبحانه وتعالى رفعه الله. قال: وكنت تبيعًا لطلحة بن عبيد الله، أسقي فرسه وأحسه وأخدمه وأأكل من طعامه. وأحسه يعني أنظفه إذا فيه شيء. قال: وَتَرَكْتُ أَهْلِي وَمَالِي مُهَاجِرًا إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. وكل واحد في أهله عزيز عنده مال وعنده أهل، ولكن تركوا ذلك كله لله سبحانه وتعالى. قال: فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة واختلط بعضنا ببعض، أتيت شجرة فكسحت شوكها فاضطجعت في أصلها. قال: فأتاني أربع من المشركين من أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبغضتهم، فانتقلت إلى شجرة أخرى وعلقوا سلاحهم واضطجعوا. فبيناهم كذلك إذ نادى منادي من أسفل الوادي: يا للمهاجرين، قتل ابن زنيم. قال: فاخترطت سيفي، ثم شددت على أولئك الأربعة وهم رقود، فأخذت سلاحهم، فجعلته ضغطًا في يدي. قال: قم. قلت: والذي كرم وجه محمد لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه -يعني ضربت رأسه-. صبر رضي الله عنه أرضاه لما سبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه بينه وبين المشركين عهد وميثاق، وصلح على أن لا يكون حرب ولا قتال، فصبر درءًا لمفسدة أكبر، ولأن التحرش بهم ربما يؤدي إلى نقض الصلح، وهو لا يحب أن يكون نقض الصلح من المسلمين. وهكذا ينبغي للمسلم أن لا ينظر إلى نفسه، ولكن ينظر إلى جميع ما يصلح أمر المسلمين. فتأخر عن هذا الموقف وانتقل إلى الشجرة الأخرى، فلما بلغه أن المشركين نقضوا العهد أسرع فأخذ سلاحهم وفعل الذي سمعنا. قال: لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه -يعني ابقوا على ما أنتم عليه لا ترفعوا رؤوسكم وإلا ضربت رؤوسكم-. قال: ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واحد وهم أربعة. قال: وجاء عمي عامر برجل من العبلات يقال له مكرز، يقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على فرس مجفف، في سبعين من المشركين. فننظر إليهم رسول الله صلى صلى الله عليه وسلم، فقال: دعوهم، يكن لهم بدء الفجور وثناه. عفى عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأنزل الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ الآية كلها. ومعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم اغتفر لهم هذا النقض للصلح، لتقوم الحجة على المشركين، ويكون ذلك صيتًا يصيت في الناس أجمعين، فيبلغ القاصي والداني أن أهل مكة أخفروا في صلحهم، وتجاوز عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن تمكن من أكثر من سبعين رجلًا من المشركين. لو قتلهم لقتلهم، وهو غير ظالم لهم، لأنهم نقضوا العهد، ولكنه عفى عنهم عليه الصلاة والسلام. وهذا من حسن السياسة الشرعية في معاملة الأعداء. قال: ثم خرجنا راجعين إلى المدينة، فنزلنا منزلًا بيننا وبين بني لحيان جبل، وهم المشركون، فاستغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن رقى هذا الجبل الليلة. كأنه طليعة للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه -يعني من يصعد الجبل- ويستغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: سلم، فرقيت تلك الليلة مرتين أو ثلاثًا -يعني يصعد إلى الجبل ويحرس المسلمين من فوقه، ألا يغير أحد من بني لحيان على النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه-. قال: ثم قدمنا المدينة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهره مع رباح غلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنا معه، وخرجت معه بفرس طلحة مندية مع الظهر. فلما أصبحنا إلى عبد الرحمن الفزاري، قد أغار على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستاقه أجمع، وقتل راعيه. قال: فقلت: يا رباح، خذ هذا الفرس فأبلغه طلحة بن عبيد الله، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المشركين قد أغاروا على سرحه. والسرح هو الطائفة من الإبل التي ترعى. قال: ثم قمت على أكمة فاستقبلت المدينة، فناديت ثلاثًا: يا صباحا. ثم خرجت في آثار القوم. ويكلمة -قال لي: الاستفزاع حتى يأتي المعين والناصر، ويعلمون أن شيئًا عظيمًا قد حصل-. ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل وأرتجز، أقول: أنا ابن الأكوع واليوم يوم الربع. قال: فألحق رجلا منهم، فأسك سهمًا في رحله حتى خلص نصل السهم لكتفي. قال: قلت: خذها، وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الربع. قال: فوالله ما زلت أرميهم وأعقر بهم، فإذا رجع إلي فارس أتيت شجرة فجلست في أصلها، ثم رميته فعقرت به -يعني إذا جاءه أحد على خيل يريد أن يضرب سلمة، وكان سلمة على رجله، وأولئك منهم من هو على فرسه ومنهم من هو على رجله، رجع فصعد على شجرة ورماهم من فوق شجرة أو من طرفها بما معه من سهام، وكان راميا رضي الله عنه أرضاه-. قال: حتى إذا تضايق الجبل فدخلوا في تضايقه، علوت الجبل، فجعلت أرديهم بالحجارة -يعني يرميهم من فوق الجبل بالحجارة، وهذا يدلك على قوته وسرعته وخفته رضي الله عنه، يستطيع أن يصعد الجبل وهم ما زالوا في الأسفل يمشون-. قال: فما زلت كذلك أتبعهم حتى ما خلف الله من بعير من ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا خلفته وراء ظهري -يعني صار القوم من المشركين في النهاية يريدون الفرار بأنفسهم أحياء خوفًا من سلم بن الأكوع أن يصيبهم كما أصاب من أصاب منهم، فتركوا الإبل خلف ظهورهم-. قال: وخلوا بيني وبينه. ثم اتبعتهم أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة وثلاثين رمحًا، يستخفون ولا يطرحون شيئًا إلا جعلت عليه آرامًا من الحجارة يعرفها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه -يعني لا يتركون شيئًا، وهم يتركون ذلك لأجل أن يستطيعوا الإسراع في الهروب، خشية أن يدركهم جيش رسول الله صلى الله عليه وسلم-. وسلم بن الأكوع رضي الله عنه يضع علامات لما تركوا خلفهم، حتى يأتي الجيش فيرون هذه العلامات فيأتونها فيجدون عندها ما سقط عليهم من متاع. قال: حتى أتوا متضايقًا من ثنية، فإذا قد أتاهم فلان بن بدر الفزاري -كأنه نسي اسمه أو لم يعرفه-، فجلسوا يتضحون -يعني يتغدون، والغداء أكل أول النهار-. قال: وجلست على رأس قرن. قال: الفزاري: ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لقينا من هذا البرح. والله ما فارقنا منذ غلس يرمينا حتى انتزع كل شيء في أيدينا -يعني لقينا من هذا شدة، كما قال: البرح أي الشدة، ومعنى ما فارقنا منذ غلس -يعني منذ غلس الفجر-، فهم خرجوا قبل الفجر وأدركهم سلم بن الأكوع رضي الله عنه حتى انتصف النهار أو قارب أن ينتصف-. فوقفوا للغداء وهو لا يزال يتابعهم رضي الله عنه أرضاه. قال: فليقم إليه نفر منكم أربعة. قال: فصعد إلي منهم أربعة في الجبل. قال: فلما أمكنوني من الكلام، قال: قلت: هل تعرفوني؟ قالوا: لا، ومن أنت؟ قال: قلت: أنا سلم بن الأكوع، والذي كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم، لا أطلب رجلا منكم إلا أدركته، ولا يطلبني رجل منكم فيدركني -يعني ما أحد منكم يا أيها الأربعة يستطيع أن يدركني، وإذا أردت أدركت كل واحد منكم-. قال: أحدهم: أنا أظن. قال: فرجعوا، فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخللون الشجر. قال: فإذا أولهم الأخرم الأسدي، على إثره أبو قتادة الأنصاري، وعلى إثره المقداد بن الأسود الكندي. قال: فأخذت بعنان الأخرم. قال: فولوا مدبرين. قلت: يا أخرم، احذرهم لا يقطعوك، حتى يلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. قال: يا سلمة، إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، وتعلم أن الجنة حق والنار حق، فلا تحل بيني وبين الشهادة. قال: فخليته -يعني ما كان يريده سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، يدخل منفردًا في وسط المشركين، يريده يتأنى وينتظر حتى يأتي جيش رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان سلمة رضي الله عنه صاحب خبرة في القتال، انظر هو وحده استطاع أن يؤذيهم ويؤخرهم حتى أدكهم جيش رسول الله صلى الله عليه وسلم-. ومع ذلك سلمة رضي الله عنه أرضاه قال: فخليته، فالتقاه وعبد الرحمن. قال: فعقر عبد الرحمن فرسه، وطعنه عبد الرحمن، وتحول على فرسه، ولحق أبو قتادة فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد الرحمن -يعني الفزاري- فطعنه فقتله. هو الله الذي كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم، لتبعتهم أعدوا على رجلي -يعني خلف تلك الخيل- حتى ما أرى ورائي من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ولا غبارهم شيئًا، حتى يعدلوا قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء يقال له ذا قرد، ليشربوا منه وهم عطاش. ومعناه أنه سبق الخيل وأدرك المشركين وهم قد فروا وابتعدوا. قال: فنظروا إلي أعدوا وراءهم، فخليتهم عنه -يعني أجليتهم عنه- فما ذاقوا منه قطرة -يعني هم في أشد العطش، وسلم بن الأكوع رضي الله عنه يعرف أنه لا ماء في ذاك المكان إلا هذا الماء-. قال: ويخرجون فيشتدون في ثنية أو في ثنية. قال: فأعدوا فألحق رجلا منهم، فأسكه بسهم في نغض كتفه. قال: قلت: خذها، وأنا بن الأكوع واليوم يوم الرضع. قال: يا ثكلته أمه، أكوعه بكرة. قال: قلت: نعم، يا عدو نفسه، أكوعك بكرة. قال: وأرادوا فرسين على ثنية. قال: فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. أو قال: وأردوا فرسين على ثنية -يعني تركوا-. قال: فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وَلَحِقَنِي عَامِرٌ بِسَطِيحَةٍ فيها مذق من لبن، وصطيح فيها ماء، فتوضأت وشربت. ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على الماء الذي حلأتهم عنه -يعني الذي منعتهم منه-. فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ تلك الإبل وكل شيء استنقدته من المشركين -يعني أخذته منهم فتركوه خلفهم-. قال: وكل رمح وبردة. وإذا بلال نحر ناقة من الإبل التي استنقدت من القوم، وإذا هو يشوي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كبدها وسنامها. قال: قلت: يا رسول الله، خلني فأنتخب من القوم مئة رجل فأتبع القوم، فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته. قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه في ضوء النار -يعني وهم في الليل-. فقال: يا سلمة، أتراك كنت فاعلًا؟ قال: قلت: نعم، والذي أكرمك. قال: فإنهم الآن ليقرون في أرض غطفان. قال: فجاء رجل من غطفان، فقال: نحر لهم فلان جزورًا، فلما كشفوا جلدها رأوا غبارًا. فقالوا: أتاكم القوم، فخرجوا هاربين. فلما أصبحنا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة». قال: ثم أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمين، سهم الفارس وسهم الراجل، فجمعهما لي جميعًا، لأنه أدى أعظم مما يؤدي الفرسان. قال: ثم أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم وراءه على العضباء راجعين إلى المدينة. قال: فبينما نحن نسير، قال: وكان رجل من الأنصار لا يسبق شدًا. قال: فجعل يقول: ألا مسابق إلى المدينة، هل من مسابق؟ فجعل يعيد ذلك. قال: فلما سمعنا كلامه، قلت: أما تكرم كريمًا ولا تهاب شريفًا -يعني على هيئة المزاح-. قال: لا، إلا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو يتحدى الجميع. فلما قال له سلم هذه الكلمة، قال: لا، ما أكرم كريم ولا أهاب شريف إلا الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو يمزح كذلك مع سلمة. قال: قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، ذرني فلأسابق الرجل. قال: إن شئت. قال: قلت: اذهب إليك، وثنيت رجلي فطفرت فعدوت. قال: فربطت عليه شرفًا أو شرفين أستبقي نفسي، ثم عدوت في إثره، فربطت عليه شرفًا أو شرفين. ثم إني رفعت حتى ألحقه. قال: فأسكه بين كتفيه. قال: قلت: قد سبقت والله. قال: أنا أظن. قال: فتبقته إلى المدينة. قال: فوالله ما لبثنا إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجعل عمي عامر يرتجز بالقوم: تالله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا ونحن عن فضلك ما استغنينا ... فثبت الأقدام إلا قينا وأنزل السكينة علينا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من هذا؟» قال: أنا عامر. قال: «غفر لك ربك». قال: وما استغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم الإنسان يخصه إلا استشهد. فكانت علامة يعلمون بها الشهداء رضي الله عنهم أرضاهم. قال: فنادى عمر بن الخطاب وهو على جمل: الله يا نبي الله، لولا ما متعتنا بعامر -يعني لو أنك لم تدع بهذه الدعوة حتى يبقى معنا عامر رضي الله عنه أرضاه زمنًا في عمره-. قال: مع أن الأمر هو بقدر الله سبحانه. قال: فلما قدمنا خيبر، قال: خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه ويقول: قد علمت خيبر أني مرحب ... شاك السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبل التلهب قال: وبرز عمي عامر، فقال: قد علمت خيبر أني عامر ... شاك السلاح بطل مغامر قال: فاختلف ضربتين، فوقع سيف مرحب في ترس عامر، وذهب عامر يسفل له، فرجع سيفه على نفسه فقطع أكحله، فكانت فيها نفسه -يعني أنهما اختلفا ضربتين، ضرب كل واحد منهم الآخر، فقتل مرحب بسيف عامر، ووقع سيف عامر خطأ فقتل أو أصاب أكحله، فكان في ذلك موت عامر رضي الله عنه وأرضاه-. قال: سلم، فخرجت، فإذا نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: بطل عمل عامر، قتل نفسه. هكذا ظنوا أنه أبطل عمل نفسه إذ قتل نفسه خطأ. قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، فقلت: يا رسول الله، بطل عمل عامر. قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال ذلك؟» قال: قلت: ناس من أصحابك. قال: «كذب من قال ذلك، بل له أجره مرتين، أجره في قتاله وأجره في حصول الخطأ على نفسه». ثم أرسلني إلى علي وهو أرمد، فقال: «لا أعطينا الراية رجلا يحب الله ورسوله أو يحبه الله ورسوله». قال: فأتيت علي فجئت به أقوده وهو أرمد حتى أتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبسق في عينيه فبرأ، وعطاه الراية. وخرج مرحب، فقال: قد علمت خيبر أني مرحب ... شاك السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب فقال علي: أنا الذي سمتني أمي حيدرة ... كليث غابات كريه المنظرة أوفيهم بالصاع كيل السندرة قال: فضرب رأس مرحب فقتله، ثم كان الفتح على يديه. قال: حدثنا إبراهيم، حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا عبد الصمد، قال: ابن عبد الوارث عن عكرمة بن عمار بهذا الحديث بطوله. قال: وحدثنا أحمد بن يوسف الأزدي السلمي، قال: حدثنا النظر بن محمد عن عكرمة بن عمار بهذا. قال: وقال الحاكم رحمه الله تعالى: أخبرنا أحمد بن جعفر القطيعي، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثنا أبي، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثنا عكرمة بن عمار، قال: حدثنا إياس بن سلمة، قال: حدثني أبي، قال: شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر حين بسق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيني علي فبرئ، فأعطاه الراية. فبرز مرحب وهو يقول: قد علمت خيبر أني مرحب ... شاك السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب قال: فبرز له علي رضي الله عنه ويقول: أنا الذي سمتني أمي حيدرة ... كليث غابات كريه المنظرة أوفيكم بالصاع كيل السندرة قال: فضرب مرحبًا ففلق رأسه فقتله، وكان الفتح. قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه بهذه السياقة. قال: كذا قال. وقد عرفت -يعني كذا قال الحاكم- قال: وقد عرفت أن مسلمًا أخرجه بأحسن وأتم. أورد شيخنا رحمه الله هذا الحديث الطويل، حديث سلم بن الأكوع، والشاهد منه لهذا الفصل هو ما جاشت البئر في الحديبية، فبارك الله عز وجل فيها. وباقي القصة فيها فوائد كثيرة. وحسبنا ما قرأنا، فإننا نكتفي بذلك. وإلهنا والله تعالى أعلم.