الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 25، الدرس الخامس والعشرون:من( قال ابن إسحاق رحمه الله كما في سيرة ابن هشام ... لما بعثه إلى اليمن إنك ستأتي قوماً من أهل الكتاب.اهـ المراد من الفتح ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تنبأ اليهود بظهور النبي محمد صلى الله عليه وسلم وكانوا يهددون الأوس والخزرج بقتالهم معه عند ظهوره. لما ظهر النبي آمن به بعض اليهود وسبقوا غيرهم إليه.
آمن بعض اليهود بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن تأثروا بنبوءات سابقة عن ظهوره. كانوا متحمسين لدعوة قومهم إلى الإسلام بعد إسلامهم.
كان بعض اليهود على علم بزمان وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كما ورد في رواية جرير بن عبد الله عن رجلين يمنيين. تحققت نبوءتهم بوفاة النبي بعد ثلاث ليال.
تعتبر الأخبار الواردة عن الكهان والجن وأهل الكتاب من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم وتؤكد صدق رسالته. هذه الأخبار تشكل مؤيدات قوية لرسالته النبوية.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه "الصحيح المسند من دلائل النبوة": قال ابن إسحاق، رحمه الله، كما في سيرة ابن هشام: "وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من قومه، قالوا: إن مما دعانا إلى الإسلام، مع رحمة الله تعالى وهدى أهلنا، لما كنا نسمع من رجال يهود، وكنا أهل شرك، أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب، عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور - يعني مشاكل وخلافات وحروب - قال: فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون، قالوا لنا: إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن، نقتلكم معه قتل عاد وإرم. فكنا كثيرًا ما نسمع ذلك منهم، فلما بعث الله رسوله، صلى الله عليه وسلم، أجبناه حين دعانا إلى الله تعالى، وعرفنا ما كانوا يتوعدون به، فبادرناهم إليه - يعني سبقناهم - فآمن به وكفروا به، ففينا وفيهم نزلت هؤلاء الآيات من البقرة - يعني سورة البقرة -: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾". قال: "هذا حديث سنده حسن". وقوله: "عن رجال من قومه، قالوا" لا يضر ذلك، فهم من الصحابة، جهالتهم لا تضر لأنهم من الصحابة. وهذا ظاهر في أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قد تكهن، وكذلك تنبأ بظهوره عدد من أهل الكتاب وغيرهم، لما علموا مما عندهم من علم أهل الكتاب أن هذا أوان نبي يظهر، وصفاته كذا وكذا. حتى قيل: إن اليهود سكنوا المدينة دون سائر بلاد العرب - يعني الجزيرة، وخصوصًا الحجاز - لعلمهم أن النبي الذي يظهر يظهر في المدينة، فلهذا خصوا المدينة بالسكنى دون غيرها من البقاع الأخرى. ولو تأملت تاريخ اليهود، تجد أنهم سكنوا أكثر ما سكنوا حول المدينة. قال ابن إسحاق، رحمه الله، كما في سيرة ابن هشام: "فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه، قالوا: لما لقيهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال لهم: من أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج. قال: أمن موالي يهود؟ قالوا: نعم. قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى، فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله عز وجل، وعرض عليهم الإسلام، وتلى عليهم القرآن". قال: "وكان مما صنع الله بهم في الإسلام أن يهود كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان، وكانوا قد غزوهم ببلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شيء، قالوا لهم: إن نبيًا مبعوث الآن، قد أظل زمانه، نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلما كلم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أولئك النفر، ودعاهم إلى الله، قال بعضهم لبعض: يا قوم، تعلموا والله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا تسبقنكم إليه - يعني لا يسبقونكم إليه - فيفعلون ما توعدوكم به. ولهذا كانت مبادرة الكثير منهم في الإسلام، مع ما وفق الله عز وجل من دخول معنى الإيمان في قلوبهم". قال: "فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليه من الإسلام، وقالوا: إِنَّا قَدْ تَرَكْنَا قَوْمَنَا وَلَا قَوْمَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالشَّرِّ مَا بَيْنَهُمْ. فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم، فندعوهم إلى أمرك، وتعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين. فإن يجمعهم الله عليه، فلا رجل أعز منك". ثم انصرفوا عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، راجعين إلى بلادهم، وقد آمنوا وصدقوا؛ لأنه كان بين الأوس والخزرج من الخلاف والقتال ما كان، ولكن خلافهم مع اليهود أشد. ولهذا كانوا يجتمعون على اليهود من قبل، وكذلك جمعهم الله عز وجل بهذا الدين، مع ما كان من علمهم من عداوة يهود. قال: "كما في سيرة ابن هشام، حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن شيخ من بني قريضة، قال لي: هل تدري عم كان إسلام ثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وأسد بن عبيد، نفر من بني هدل، إخوة بني قريضة، كانوا معهم في جاهليتهم، ثم كانوا سادة في الإسلام؟ قال: قلت: لا. والله. قال: فإن رجلًا من يهود من أهل الشام، يقال له: الهيبان، قدم علينا قبيل الإسلام بسنين، فحل بين أظهرنا. لا والله، ما رأينا رجلًا قط لا يصل الخمس أفضل منهم. فأقام عندنا، فكنا إذا قحط عنا المطر، قلنا له: أخرج ابن الهيبان، فاستسقي لنا. فيقول: لا والله، حتى تقدم بين يدي مخرجكم صدقة. فنقول له: كم؟ فيقول: صاعًا من تمر، أو مدين من شعير. قال: فنخرجها، ثم يخرج بنا إلى ظاهر حرتنا - يعني ساحة - فيستسقي الله لنا. فوالله، ما يبرح مجلسه حتى يمر السحاب، ونسقى. قد فعل ذلك غير مرة، ولا مرتين، ولا ثلاث". قال: "ثم حضرته الوفاة عندنا، فلما عرف أنه ميت، قال: يا معشر يهود، ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟ - ومعنى الخمر والخمير يعني الرخاء - قال: قلنا: إنك أعلم. قال: إنما قدمت هذه البلدة أتوكف خروج نبي قد أظل زمانه، وهذه البلدة مهاجره. وكنت أرجو أن يبعث فأتبعه، وقد أضلكم زمانه، فلا تسبقنكم إليه - يا معشر يهود - يعني أحد، فإنه يبعث بسفك الدماء، وسبي الذراري والنساء ممن خالفه، فلا يمنعنكم ذلك منه". قال: "فلما بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حاصر بني قريضة، قال: هؤلاء الفتية - وكانوا شبابًا أحداثًا - يا بني قريضة، والله إنه للنبي الذي كان عهد إليكم به ابن الهيبان. قالوا: ليس به. قالوا: بلى، والله إنه له، بصفته. فنزلوا وأسلموا، وأحرزوا دماءهم وأموالهم وأهليهم". قال ابن إسحاق: "فهذا ما بلغنا عن أخبار يهود". وهذا في زيادة تفصيل لما سبق، وهو كما قال الشيخ: إسناده حسن. وترون فيه أن يهود قد جاءهم خبر خروج النبي، عليه الصلاة والسلام، من أكثر من جهة. ولهذا آمن من آمن من اليهود بالنبي، عليه الصلاة والسلام، وتمنع من تمنع كبرًا وعنادًا، وطمعًا في دنيا كانوا يطمعون فيها. قال الإمام البخاري، رحمه الله: "حدثنا عبد الله بن أبي شيبة العبسي، قال: حدثنا ابن إدريس عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس عن جرير، قال: كنت باليمن، فلقيت رجلين من أهل اليمن: ذا الكلاع وذا عمر. فجعلت أحدثهم عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال له ذو عمر: لئن كان الذي تذكر من أمر صاحبك، فقد مر على أجله ثلاثًا. وأقبل معي حتى إذا كنا في بعض الطريق، رفع لنا ركب من قبل المدينة، فسألناهم، فقالوا: قبض رسول الله، صلى الله عليه وسلم، واستخلف أبو بكر، والناس صالحون. فقالا: أخبر صاحبك أننا قد جئنا، ولعلنا سنعود إن شاء الله. ورجعا إلى اليمن. فأخبرت أبا بكر بحديثهم، قال: أفلا جئت بهم؟ فلما كان بعد، قال لي ذو عمر: يا جرير، إن بك علي كرامة، وإني مخبرك خبرًا: إنكم معشر العرب، لن تزالوا بخير ما كنتم إذا هلك أمير، تأمرتم في آخر. فإذا كانت بالسيف، كانوا ملوكًا يغضبون غضب الملوك، ويرضون رضى الملوك". قال الحافظ في الفتح: "وهذا قاله ذو عمر من الكتب القديمة؛ لأن اليمن كان أقام بها جماعة من اليهود، فدخل كثير من أهل اليمن في دينهم، وتعلموا منهم. وذلك بين في قوله، صلى الله عليه وسلم، لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: «إنك ستأتي قومًا من أهل الكتاب»". وهذه القصة قصة صحيحة، تدل على أن الكثير من تفاصيل خبر النبي، عليه الصلاة والسلام، كانت عند اليهود، حتى إنهم علموا الوقت الذي يموت فيه نبينا، عليه الصلاة والسلام. فانظر هذا الذي أخبر جرير بن عبد الله البجلي، أخبره أن النبي، صلى الله عليه وسلم، سيموت بعد ثلاث، فمات كما قال بعد ثلاث. وهذا ليس من علمهم بالغيب، لكن لما علموا أن أوان موت النبي، عليه الصلاة والسلام، يكون في الوقت الفلاني، فوقع بما علموا من علم الكتاب. وأحيانًا بعض الأخبار قد يكون فيها نحو ذلك، فيتأخر أو يتقدم أو لا يصح. وهذا لأن ليس كل ما عند أهل الكتاب صحيح، ليس كل ما في يد أهل الكتاب صحيح. فمنه ما حصل به تحريف بتقديم أو تأخير، ومنه ما بقي على أصله، ومنه ما أصله من الزيادات والكذب. فما وافق الحق والواقع، فهو من الصدق الذي بقي في أيديهم. ولهذا نحن أمرنا أن لا نصدقهم ولا نكذبهم؛ لأننا لا ندري هل هذا من الصواب الذي لم يدخله التحريف، أو ذاك من الخطأ الذي دخل فيه التحريف. فهذه الأخبار كلها تؤكد ما بوب به الشيخ، رحمه الله تعالى، أن من دلائل النبوة ما جاء عن الكهان والجن وأهل الكتاب في شأنه، عليه الصلاة والسلام. وكلها مؤيدات تؤيد صدق رسالته ونبوته، عليه الصلاة والسلام. وبهذا القدر نكتفي، والله تعالى أعلم.