شرح رسالة هذه دعوتنا وعقيدتنا  2

شرح رسالة هذه دعوتنا وعقيدتنا 2

الدرس في شرح رسالة هذه دعوتنا وعقيدتنا 2، الدرس الثاني:( 1-نؤمن بالله وبأسمائه وصفاته كما وردت ... ونؤمن بالشفاعة وبخروج الموحدين من النار ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أصول دعوة أهل السنة والجماعة وتوحيد الله

يتناول أصول دعوة أهل السنة والجماعة، مؤكدًا على الإيمان بالله وتوحيده في الربوبية والألوهية والأسماء والصفات. يُشدد على أهمية اتباع النصوص الشرعية دون تحريف أو تأويل باطل.

حكم دعاء غير الله والاستعانة بالأموات والأحياء

يعتبر دعاء غير الله والاستعانة بالأموات والأحياء فيما لا يقدر عليه إلا الله شركًا بالله. كما أن تعليق الحروز والعزائم يعتبر شركًا، سواء كان ذلك بتعليق أصداف أو أحجار أو كتابة آيات من القرآن.

أصول دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب في العقيدة والشفاعة

يتناول أصول دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب في العقيدة، مؤكدًا على أهمية التمسك بظاهر الكتاب والسنة وعدم الانصراف عنهما إلا بدليل، ويشرح الإيمان بالرؤية والشفاعة وبخروج الموحدين من النار.

حقيقة الشفاعة وأدلتها من الكتاب والسنة

يشرح حقيقة الشفاعة وأدلتها من السنة النبوية والقرآن الكريم، ويبين أن الشفاعة لا تكون إلا بإذن الله ورضاه ولمن عمل صالحا. يرد على من نفى الشفاعة مطلقا من المعتزلة وغيرهم بأدلة الكتاب والسنة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا مقبل -من هذه الوادع- رحمه الله تعالى: قال: ومن أجل الدعايات الملعون من الشوعية والبعثية والرافضة والصوفية التي تنفر المسلمين عن الدعاة إلى الله، رأيت أن أجمع نبذة عن دعوة أهل السنة باليمن، فأقول: وبالله التوفيق، هذه دعوتنا وعقيدتنا. نؤمن بالله وبأسمائه وصفاته كما وردت في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف ولا تأويل ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل، هذا هو الأصل الأول من الأصول التي عليها دعوة أهل السنة والجماعة عمومًا، وفي أهل اليمن خصوصًا، والتي بيّنها الشيخ رحمه الله في هذه الأصول ردًّا على المخالفين، وإظهارًا لحق المحقين. فقال رحمه الله: نؤمن بالله وبأسمائه وصفاته كما وردت في كتاب الله... إلى آخر كلامه رحمه الله. فإن من أوائل ثوابت وأصول هذه الدعوة الدعوة إلى توحيد الله عز وجل. ومن ذلك تحقيق معنى الإيمان بالله الذي هو الركن الأول من أركان الإيمان، على الوجه الذي أمر الله عز وجل به أن نؤمن بالله وبأسمائه وصفاته كما وردت في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. والإيمان بالله يتضمن الإيمان بأربعة أمور: الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، وبألوهيته، وبأسمائه وصفاته. والشيخ رحمه الله يذكر جملًا مجملة فصل بيانها العلماء في كتب العقائد التي تبين عقيدة أهل الإسلام التي دلت عليها أدلة الكتاب والسنة، وهي عقيدة أهل السنة والجماعة. فإن السنة هي الإسلام، والإسلام هو السنة، حقيقة دعوة أهل السنة والجماعة هي دعوة من كتاب الله إلى كتاب الله، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبما كان عليه السلف الصالح وإمامهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والأمر كما قال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾، فالإيمان مرتبط بإيمان الصحابة رضي الله عنهم جملة وتفصيلًا. والإيمان كما لا يخفى علينا كما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين: "بضع وستون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان". فمن الإيمان بالله على ما جاءت به الأدلة الكتاب والسنة: أن نؤمن بوجوده، وأن نؤمن بربوبيته وبألوهيته وأسمائه وصفاته على ما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. وفي تفاصيل كثيرة ذكرها العلماء في هذا الباب، فمن أذلة الكتاب والسنة في هذا الباب وهي كثيرة، ومن هذا الكثير على وجه الاختصار قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، فقد تضمنت هذه الآية جميع معاني الإيمان بالله. وجود الله سبحانه وتعالى، فإن هذا الكون على ما فيه من مخلوقات بديعة، وكذلك سعة عظيمة، وغير ذلك من عجائب خلق الله سبحانه وتعالى، كلها تشهد بوجود الله سبحانه وتعالى، إذ لا يمكن أن تكون وجدت من عدم، ولا يدعي أحد إيجادها لغير الله سبحانه وتعالى، ويثبت لذلك دليلًا وبرهانًا، ولم توجد نفسها. فلم يبق إلا أن الرب العظيم الذي جعل في هذه المخلوقات ما هي دلائل عظمته وكماله في أسمائه وصفاته وقوته وحكمته وسعة علمه جل وعلا، وواسع قدرته، ما هي شواهد على وجوده سبحانه وتعالى. وأعظم من هذا استمرار هذه الحياة في هذا الكون بهذا الإتقان والإبداع، وهذا الإحكام كله من شواهد وجود الرب سبحانه وتعالى. ومن ذلك خلق هذه المخلوقات، يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون، كما لا نعلم أن أحدًا خلق هذه المخلوقات غير الله، وهذا من معاني وجوده وإثبات ربوبيته. فإثبات ربوبية الرب أن نفرده في أفعاله سبحانه وتعالى، فكذلك يجب أن نفرده في أفعال خلقه، فلا يعبد إلا هو سبحانه وتعالى، ولا يتوجه ولا يرجى ولا يرغب ولا يرهب إلا منه جل وعلا، وهو إفراده في أفعال خلقه، وهذا هو توحيد الألوهية الذي يتضمن توحيد الربوبية، والأول توحيد الربوبية الذي يستلزم توحيد الألوهية. وهكذا توحيده في أسمائه وصفاته أن نعلم أن الله العظيم قد خص نفسه بأسماء حسنى وصفات عليا، وصف بها نفسه في كتابه، ووصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، لا نتعدى القرآن والحديث في هذا الباب. ولهذا قال: كما وردت في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾. فمن الإلحاد في أسماء الله: التعطيل والتحريف والتشبيه والتمثيل، وكذلك التأويل بمعناه الباطل، لأن التأويل في اصطلاح أهل العلم السابقين إنما هو التفسير، كما يذكر ذلك ابن جرير كثيرًا في تفسيره: "هذا تأويل قول الله عز وجل" يعني هذا تفسير قول الله سبحانه وتعالى. ويأتي كذلك بمعنى آخر صحيح الوقوع، وأما ما عليه اصطلاح المتأخرين فإنهم يجعلون التأويل بمعنى التحريف، صرف اللفظ عن ظاهره، وهذا لا يجوز في نصوص الكتاب والسنة، فضلًا عن أسماء، وصفاته. ولهذا قال: ولا تأويل، أي تأويل مذموم على اصطلاح المتأخرين فيما يتعلق بتحريف صفات الله سبحانه وتعالى، سموا هذا التحريف تأويلًا من باب التلبيس. فلا يجوز فعل شيء من ذلك، بل يجب أن تثبت لله الأسماء الحسنة والصفات العليا، إثبات وجود كما نثبت لله ذاتًا لا كالذوات، فنثبت لله صفات لا كالصفات، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، كما أخبر عن نفسه سبحانه وتعالى. فكما أنه ليس كمثله شيء، كذلك هو السميع البصير، فهناك نفي وإثبات، لا يجوز أن نجعل نفيًا من دون إثبات، لأن هذا الدين يقوم على النفي والإثبات، ننفي ما لا يليق بالله عن الله، ونثبت ما أثبت الله لنفسه من معاني عظمته وألوهيته وربويته مما أثبته لنفسه. وهذا هو كمال الإيمان بالله، فنحن نقول: لا إله إلا الله، ننفي الألوهية عما سوى الله، ونثبتها لمن؟ لله عز وجل وحده، وهكذا كذلك ننفي عن الله كل ما لا يليق به، ونثبت له ما أثبت لنفسه من معاني عظمته. ولهذا قال: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، من الخطأ أن نعمم النفي كما أنه من الخطأ أن نعمم الإثبات، بل لا بد من نفي وإثبات، لا بد من نفي وإثبات حتى ينفى الباطل ويحق الحق. وهذا له معاني كثيرة سيأتي إن شاء الله الإشارة إلى بعضها في جمل آتية، وبالجملة باب الأسماء والصفات توقيفي، لا يتعدى القرآن والحديث، كما قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وبسط تفاصيل ذلك في كتب العقائد. قال رحمه الله: نعتقد أن نداء الأموات والاستعانة بهم، وكذا الأحياء فيما لا يقدر عليه إلا الله: شرك بالله، كذلك من عقيدة أهل الإسلام، عقيدة أهل السنة والجماعة. لأن الإسلام والسنة، والسنة هي الإسلام، كما قال الإمام البربهاري رحمه الله: أن أهل هذه الدعوة المباركة يعتقدون أن نداء الأموات والاستعانة بهم، وكذا الأحياء فيما لا يقدر عليه إلا الله: شرك بالله. لماذا؟ لأنه لا يجوز دعاء غير الله، بل يجب أن يدعى الله سبحانه وتعالى وحده، قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث النعمان الصحيح: "الدعاء هو العبادة"، الدعاء هو العبادة، فصرف هذا الدعاء لغير الله من الشرك، صرف هذا الدعاء لغير الله من الشرك. وقد دلت أدلة الكتاب والسنة الكثيرة على ذلك، وبحثه وتفصيله في كتب العقائد التي بسطت هذه المسألة، وذكرتها بتفاصيل كثيرة، فعلى وجه الاختصار يقال: لا يجوز دعاء غير الله. ومن دعا غير الله فقد وقع في الشرك، وسواء كان هذا المدعو ميتًا أو كان حيًا، إن كان ميتًا فلا يجوز، ودعاؤه فيما يقدر عليه أو لا يقدر عليه فهو شرك. وأما الحي فإن دعي فيما لا يقدر عليه فهو كذلك شرك، لأنه لا يدعى مثل ذلك ولا يطلب إلا من الله سبحانه وتعالى. ويضاف أمر ثالث وهو أنه ولو كان حيًا فدعي فيما يقدر عليه، لكنه غير حاضر، فهذا من معاني الشرك كذلك. انتبهوا لهذا: حي يدعى فيما يقدر عليه، لكنه غير حاضر، هذا الشرك، لماذا شرك؟ لأنه نزله منزلة الرب الغائب لا يعلم ما ينادى به، فكونك تدعو الغائب بما يطلب من الحاضر، هذا تنزيل له منزلة الربوبية. لأنه لا يعلم الغيب، ولا يقدر أن ينفع بمثل ما ينفع الحاضر، مثل إنسان في وسط البحر فيقول -فيما يزعم- فلان من الناس من أولياء الله الأحياء: يا فلان ابن فلان، يا حبيب فلان أنقذني، إذا قال مثل هذا صار هذا من الشرك. ولهذا قال العلماء: لا يجوز دعاء غير الله ميتًا أو حيًا فيما لا يقدر عليه، أو كذلك غائبًا، الغائب لا يجوز أن يطلب منه ما يطلب من الحاضر. يجوز أن تقول للحاضر: أنقذني، تمد يدك فيمد يده ويخرجك، هذا جائز وهو يقدر عليه، وأما إنسان غائب فتقول له: أنقذني، فهذا من معاني الربوبية التي لا يجوز أن تطلب من المخلوق. ومن نزل مخلوقًا كذلك فقد نزله منزلة الرب جل وعلا، فكان مشركًا كافرًا مرتدًا، وهناك تفاصيل كثيرة في كتب العقائد. يدلنا مثل هذا الأصل على أهمية الاعتناء بتعلم العقيدة، ولهذا كان مفتتح دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام أمر العقيدة والتوحيد. فما بعث الله من نبي ولا رسول إلا كان من أول ما دعا قومه دعوتهم إلى التوحيد والعقيدة ومسائل التوحيد والعقيدة دقيقة وكثيرة تحتاج الاعتناء وتحتاج إلى تربية وتصفية. فلا يصح أن يقول قائل: يكفي أن تعلم العقيدة في خمس دقائق، ولا يصح أن يقول قائل: يكفي أن تمر على الرسالة الفلانية، لأن المسألة ليست مسألة قراءة ولا معلومات، المسألة مسألة تربية وتصفية. يحتاج المجتمع أن يصف من الكثير من العقائد الباطلة المنحرفة التي دخلت في قلوب الناس وفي ألسنتهم وفي جوارحهم وأعمالهم وعوائدهم مما لا يصلح أن يكون إصلاح ذلك باليوم أو اليومين أو السنة أو السنتين. ولهذا دعا النبي صلى الله عليه وسلم قومه إلى التوحيد في مكة: كم؟ ثلاثة عشر عامًا توحيدًا، وهكذا في المدينة عشر سنين مع ما نزل من أنواع التشريعات كذلك يدعوهم إلى التوحيد. فالاعتناء بالتوحيد من أهم مهمات هذا الدين، قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وقال عن عدد من أنبيائه ورسله: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. ولما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا إلى اليمن كما في حديث ابن عباس في الصحيحين -ومعناه من حديث معاذ- كان أول ما أمرهم به أن يدعوهم إلى أن يوحدوا الله، كما في رواية البخاري، وفي الصحيحين: أن يدعوهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. فإذا فعلوا ذلك أخبرهم بأن الله افترض عليهم خمس صلوات، فأهم ما يجب أن يعتني به المسلم: العقيدة وتفاصيل مسائل العقيدة. قال رحمه الله: وهكذا العقيدة في الحروز والعزائم أنها تنفع مع الله أو من دون الله: شرك، وحملها مع غير عقيدة: خرافة، وهذا تفصيل لطيف من الشيخ رحمه الله في الحروز والعزائم. والحرز ما يعلق سواء من أصداف من البحر أو قطع من الأحجار أو جلد مكتوب عليه شيء، أو حتى على الصحيح ولو كتبت آيات من القرآن، فكل ذلك لا يجوز. ويسمي بعض الناس ذلك حرزًا أو تميمة أو عزيمة، وكلها ألفاظ لها معاني تدور حول هذا الوصف الذي ذكر، وكله لا يجوز، صاحبه وفاعله بين الشرك الأكبر والأصغر. إما أن يكون قد وقع في الشرك الأكبر إن اعتقد أن هذا ينفع ويضر بذاته، ولا ينفع ولا يضر إلا الله سبحانه وتعالى، قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾. وإن اعتقد أن الله جعله سببًا للنفع والضر، لجلب النفع ودفع الضر، ولم يجعله الله عز وجل سببًا لذلك، فهو من الشرك الأصغر، فصاحبه لا يسلم من الشرك الأصغر أو الأكبر. فإن علقه من غير اعتقاد لا أنه ينفع ويضر بذاته، ولا أن الله جعله ينفع ويضر مثل ما يفعله بعض الناس اليوم، صار نوعًا من الزينة، يعلقون حلقًا في اليد كحلق بعض الرياضيين، الرياضي يقلد غيره من الوثنيين. وكان بعض هؤلاء من أهل الوثنيات عندهم عقائد وثنية يعتقدون أن هذا يجلب له النصر، ويجلب له القوة، ويجلب له كذلك معاني الخير، فصار بعض الجهلة الذين هم أذناب للكفار -وللأسف- يقلدونهم من غير عقيدة، فصار بهذا خرافة ومعصية. أنت تفعل مظهرًا من مظاهر الخرافة، لا يجوز لك أن تفعل هذا، وربما الكافر تشبه بالوثني، يأتي بعض الكفار يزور بعض بلاد الوثنيين في أفريقيا أو الهند، فيرون هؤلاء يعلقون الجلود والعظام، و"السن الذئب" أو غير ذلك. فيذهب ويعلق، يسأل هذا الوثني: ماذا تفعل بهذا؟ يقول: أرجو منه جلب خير، وأن يجلب الحظ، فيعلقه هذا الكافر، صار الكافر الذي يدعي الحداثة والعلمنة والعصرية: خرافي أم ليس بخرافي؟ خرافي. صار هذا الجامع خرافيًا عنده عقيدة الخرافيين، ولو كان فعله فقط من باب جل وتطيب الخواطر، بعضهم يقول: أنا أجامل هؤلاء فقط، أفعله مجاملة، ما فعلته من عقيدة، فعلته مجاملة، مجاملة لأجل يحبني وأحبه، أو أهدى لي هدية فقبلتها. يقال: لا تفعل ذلك، لو فعلته فعلت فعلة الخرافيين، وأنت بهذا تكون فعلت محرمًا، فالمسلم ينبغي أن يعتز بعقيدته، ويترك هذه الخرافات، ويحاربها، لكن بالحكمة يحاربها بالحكمة. قال رحمه الله تعالى: وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة في النهي عن التمائم والعزائم وما أشار إليه، فقد قال عليه الصلاة والسلام: "من علق شيئًا وكل إليه"، وقال: "من علق تميمة فقد أشرك"، "ومن تعلق شيئًا وكل إليه"، وغير ذلك من الأحاديث في هذا الباب. وقد بوب شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله في كتابه العظيم "كتاب التوحيد" بابًا خاصًا فيما يتعلق بهذا المبحث، قال رحمه الله: نأخذ بظاهر الكتاب والسنة، ولا نؤول إلا بدليل يقتضي التأويل من الكتاب والسنة. كذلك من أصول هذه الدعوة المباركة أنهم يأخذون بظاهر الكتاب والسنة، يبقون على هذا الظاهر، ولا ينصرفون عنه إلا بدليل، والانصراف عن هذا الظاهر يسميه بعض الناس تأويلًا، وهو خطأ. والصواب أنه لا يسمى بهذا الإسم، لكن الشيخ رحمه الله يتنزل تنزلًا فيما جرى عليه تعبير الكثير من الناس، فلا ينصرف الإنسان عن هذا الظاهر إلى غيره إلا بدليل يقتضي ذلك من الكتاب والسنة. مثلا: ظاهر الأمر التحريم، فانصرفنا من هذا التحريم إلى الكراهة من أين؟ بالدليل، بالدليل انصرفنا من التحريم إلى الكراهة، فمثلا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن زيارة القبور في أول الإسلام حماية لحم التوحيد، وسدًا لذريعة الشرك. ثم أذن لهم بعد ذلك عليه الصلاة والسلام، بل وحتمها لأنها تذكر الآخرة، فقد أمر بزيارة القبور، فإنها تذكر الآخرة، لما أمن من وقوع الشرك، واستيقن من تحقق التوحيد عند أصحابه رحمهم الله رضي الله تعالى عنهم. وكذلك في مسائل كثيرة ذكرها العلماء مما وقع فيها النسخ أو وقع فيها التخصيص في كتب الأصول والفقه مما يدخل في معنى هذا الذي أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى. والمقصود من هذا أن المسلم الصادق في إسلامه يدور مع الدليل حيث دار، يدور مع الدليل حيث دار، فلا يحل إلا ما حله الله، ولا يحرم إلا ما حرمه الله. فالحلال ما حله الله، والحرام ما حرمه الله، فيدور مع الدليل حيث دار، كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾. قال رحمه الله تعالى: نؤمن بأن المؤمنين سيرون ربهم في الآخرة بلا كيف، ونؤمن بالشفاعة، وبخروج الموحدين من النار، كذلك من أصول هذه الدعوة المباركة الإيمان بأن المؤمنين سيرون ربهم يوم القيامة، وفي الآخرة بلا كيف. يعني بلا تكييف، وإلا فالكيف موجود، ولكنه غير معلوم، لأن الله لم يعلمنا به، هو من الغيب، قال الله عز وجل: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاظِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، فنظر الرؤية، ونظارة الوجه، جمع الله عز وجل للمؤمنين بين نظارتين. نظارة الوجوه بتجميلها وإكرامها، ونظارة النظر إلى الله سبحانه وتعالى برؤيته سبحانه وتعالى، رؤية نعيم تزيد أهل النعيم نعيمًا، فهي من الحسنة الزيادة التي أخبر الله عز وجل بها، وأخبر بها رسوله صلى الله عليه وسلم. قال الله عز وجل: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، فسرها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أنها النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى. وقال الله عز وجل: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ أي الكفار، فدل على أن أهل الإيمان لا يحجبون عن رؤية الرب سبحانه وتعالى. وفي حديث عدي بن حاتم: "ما منكم إلا سيكلمه ربه، ليس بينه ترجمان ولا حجاب يحجبه"، فأثبت الرؤية، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنكم سترون ربكم عيانًا"، إثبات لحقيقة الرؤية بالعين. وأحاديث إثبات الرؤية كثيرة في الكتاب وفي السنة، وأنكر ذلك طوائف من أهل البدع، وذلك لأنهم قاسوا الأمور بعقولهم القاصرة الناقصة. وقوله: ونؤمن بالشفاعة، وبخروج الموحدين من النار، كذلك أهل السنة والجماعة يؤمنون بالشفاعة، والشفاعة شفاعتان في أدلة الكتاب والسنة: شفاعة منفية، وشفاعة مثبتة. فأما الشفاعة المثبتة: هي التي توفرت فيها شروط الشفاعة الثلاثة، وشفاعة منفية: هي الشفاعة التي لم تتوفر فيها شروط الشفاعة الثلاثة. وشروط الشفاعة التي ذكرها الله عز وجل في كتابه، ومعنى ذلك في سنة نبيه عليه الصلاة والسلام: هي الرضا عن الشافع، والرضا عن المشفوع له، والإذن بالشفاعة. وبهذا قد صحت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم الكثير المتواترة، ومن ذلك أن من هذه الأمة من يدخل النار فيخرجون من النار بتوحيدهم، وبشفاعة الشافعين فيهم. ومن ذلك حديث أنس، وسعيد، وأبي هريرة، وجماعة من الصحابة في الشفاعة لأناس دخلوا النار، فيخرجون بشفاعة الشافعين، وقد ألف شيخنا رحمه الله رسالة عظيمة سماها "الشفاعة"، جمع فيها أدلة الكتاب والسنة التي تذكر مباحث الشفاعة بتفاصيل كثيرة. وأهل الباطل من المعتزلة وغيرهم كذلك نفوا هذه الشفاعة بعقولهم القاصرة الناقصة، ظنوا أن هذا مما ينافي ما أخبر الله عز وجل به من وعيد أهل الوعيد، وفي الحقيقة إخلاف الوعيد ليس نقصًا، بل مدحًا وكرمًا من الله سبحانه وتعالى. وقد أخبر الله عز وجل بذلك في كتابه، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم الصحيحة المتواترة الكثيرة، والناس في الشفاعة طرفان ووسط. فالقبوريون ومن سبقهم من الوثنيين توسعوا في باب الشفاعة حتى أثبتوا الشفاعة المنفية، فظنوا أن آلهتهم التي تُعبد من أشجار وأحجار ومقبورين وغير ذلك تشفع لهم عند الله، ولو فعلوا ما فعلوا مما يُغضب الله. نزلوا منزلة الرب كمنزلة الملوك الذين لا يستطيعون رد شفاعة الشافعين رغبة ورهبة، وليس الأمر كذلك في حق الله سبحانه وتعالى العظيم الذي ليس بينه وبين خلقه نسبًا ولا صهرًا جل وعلا. ولذلك نفى الله عز وجل هذه الشفاعة التي استدلوا بها، وفي مقابل هؤلاء من نفى الشفاعة مطلقًا، وهم المعتزلة ومن كان على طريقتهم، وإنما نفى الله شفاعة المشركين على فهمهم الخاطئ القاصر. ولهذا قال سبحانه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾. ولما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يشفع لعمه أبي طالب الذي أحاط به وبدعوته، وكان ما كان مما لا يخفى في السيرة، ومع ذلك مات على الكفر والشرك. فلما أراد أن يشفع له النبي عليه الصلاة والسلام لم يأذن له الرب سبحانه وتعالى، ولكن أذن أن يخفف عنه من النار، فكان له نعلان والشراكان يغلي منهما دماغه، كما صحت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم. بل لما أراد أن يستغفر له أنزل الله قرآنًا ينهاه عن ذلك: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنت أن نزور قبرها فأذن لي"، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يزور قبر أمه فيبكي ويبكي من حوله عليه الصلاة والسلام. فلم يستطع أن يشفع النبي صلى الله عليه وسلم وهو من هو عليه الصلاة والسلام في حق أمه وأبيه وعمه، فكيف يظن أن من هو دون النبي صلى الله عليه وسلم يستطيع أن يشفع لأحد بغير إذن الله ورضاه، وبغير عمل صالح يتقبله الله به. وقد قال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾، وفي مقابل هؤلاء من نفى الشفاعة مطلقًا من المعتزلة وغيرهم، هم على باطل، وأدلة الكتاب والسنة الكثيرة ترد قولهم الباطل. نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.