الدرس في شرح رسالة هذه دعوتنا وعقيدتنا 1، الدرس الأول:( المقدمة ... رأيت أن أجمع نبذة عن دعوة أهل السنة باليمن فأقول وبالله التوفيق ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشيخ عبد الرحمن بن هادي الوادعي رسالته بالبسملة وخطبة الحاجة، مشيرًا إلى أهمية هذه الطريقة في افتتاح المؤلفات والكتب. هذه الطريقة سنة متبعة من أهل العلم والمرسلين.
يشرح المقطع معنى "أما بعد" واستخدامها في الكلام والكتب، ويبين أهمية الرد على الباطل وبيان الحق. كما يشير إلى انتشار الدعوات الكاذبة وضرورة التصدي لها.
يتطرق المقطع إلى وجود أهل الباطل في المجتمع ويضرب أمثلة على ذلك، ويبين أهمية بيان الحق ورد الباطل من قبل أهل الحق. يشير إلى ضرورة تمييز الحق من الباطل.
يختتم الدرس بالتأكيد على أن الله تعالى أعلم بكل شيء، ويتم التأكيد على الصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه. يشير إلى أهمية الختام بالصلاة على النبي.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فهذا مجلس نتذاكر فيه رسالةً من رسائل علمائنا وأمتنا، وهي رسالة لفضيلة الشيخ العلامة المحدث الإمام عبد الرحمن بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى. رسالة صغيرة في مبناها، عظيمة في معناها، ألفها رحمه الله تعالى بيانًا وإظهارًا لدعوة أهل السنة والجماعة، دعوة أهل الحديث والأثر، دعوة أتباع السلف الصالح، خصوصًا وأنه حصل ما حصل من اللبس عند بعض الناس حين وجد من يشوه هذه الدعوة بأنواع التهم والادعاءات، وغير ذلك من التلفيق والتزوير. فكان أهل السنة والجماعة كغيرهم من من سبقهم من العلماء يقومون بما يجب من بيان الحق ودفع الباطل، وإظهار الهدى ورد الضلال. ومن ذلك بيان هذه الدعوة المباركة، وأنها دعوة الله سبحانه وتعالى التي بعث بها رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهي دعوةٌ من كتاب الله إلى كتاب الله، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وما أشبه الليلة بالبارحة، فحين كان ما كان في ذاك الوقت واحتاج إلى هذا البيان، فإننا كذلك في هذه الأيام نحتاج أن نذكر أنفسنا وغيرنا بهذه الأصول والثوابت من أصول وثوابت دعوة أهل السنة والجماعة، التي بها يتذكر صاحب الحق ما هو عليه من حق، وهكذا المبطل وصاحب الباطل ما عليه من باطل. وعند ذلك تقوم حجة الله سبحانه وتعالى على الجميع. ولا يخفى علينا ما يمر بالناس في هذه الأيام من أنواع المحن والفتن والبلاء، ما يستدعي أن يتذاكر أهل الحق بمثل هذه الضوابط المهمة، وأن كذلك يذكر ذلك لغيرهم حتى لا يلتبس الحق بالباطل. وقد ابتدأ الشيخ رحمه الله تعالى هذه الرسالة بالبسملة، فقال رحمه الله: «بسم الله الرحمن الرحيم». وهذه طريقة أهل العلم في ابتداء مؤلفاتهم وكتبهم بالبسملة، ابتداء بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حيث كان يفتتح كتبه كما فعل في صلح الحديبية وغيره بالبسملة. بل هي سنة المرسلين، فقد أخبرنا الله عز وجل عن كتاب سليمان: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. قال رحمه الله تعالى: «المقدمة». ومقدمة الشيء ما يتقدم به افتتاح الشيء، وهو توطئة للدخول في المقصود. قال: «إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا». قال: «أما بعد». ابتدأ رحمه الله هذه المقدمة بخطبة الحاجة، وهي الخطبة المشهورة التي رواها الإمام مسلم رحمه الله من حديث جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يفتتح بها خطبة. وهكذا كذلك الإمام النسائي بروايةٍ أتم وسياقٍ أوسع، وله طرق وروايات كثيرة، وهو حديثٌ صحيحٌ مشهور اعتنى العلماء به روايةً ودراية. ومن أحسن ذلك ذلكم المختصر النافع المفيد لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، الذي شرح فيه هذا الحديث، حديث خطبة الحاجة، وعلَّق عليه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله في رسالة نافعة ماتعة مفيدة. وقد حوَت هذه الخطبة على معانٍ عظيمة وألفاظٍ ودقائق جليلة، ولهذا اعتنى العلماء بها في شرحها وتوضيحها وبيان عظيم مقاصدها. ولهذا كذلك اعتنى الكثير من العلماء بافتتاح كلماتهم وكتبهم بهذه الكلمة التي هي خطبة الحاجة. ويرد هاهنا سؤال: هل يُستحب أن تفتتح بها الكتب كما تفتتح بها الخطب؟ الجواب في هذا خلاف بين أهل العلم، والصحيح أن الأمر في هذا واسع، من فعله أحيانًا فلا حرج عليه، ومن فعله دائمًا لا حرج عليه، ومن تركه لا حرج عليه. وإن كان بلا شك أن هناك فرق بين الكلام به وبين افتتاح الكتب، لأن في الغالب ما يُورَد به الكتاب ليس كالذي يُورَد به الخطاب. ولهذا نجد استعمال العلماء بافتتاح الخطاب بخطبة الحاجة أكثر وأوسع من استعمالهم في الكتاب. ولعل هذا هو الأرجح في هذا الباب أن يُستعمل في الخطاب أكثر مما يُستعمل في الكتاب، والله تعالى أعلم. وقوله رحمه الله: «أما بعد». كلمة تُورَد يُقصد بها الدخول في المقصود، معناها: مهما يكن من شيء بعد، فهو ما يأتي ذكره، فيكون فيه ابتداء الشروع في المقصود. ولهذا المعنى ولنكتة لغوية بلاغية نبَّه العلماء أنه يُفضَّل أن تُفتتح ما بعدها بالفاء، الجملة التي بعدها يُفضَّل أن تُفتتح بالفاء. فلذلك قال رحمه الله: «فإنها لما كثُرت العقائد المختلفة وانتشرت الدعوات شتى، وصار حال أصحابها كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾، وحال أصحابها كما قيل: وكل يدَّعي وصلًا لليلى ... وليلى لا تُقِرُّ لهم بذاك». ولا تجد أصحاب دعوة إلا وهم يدَّعون أنهم على الصراط المستقيم. فذلكم فرعون الذي يقول: «أنا ربكم الأعلى»، يقول لقومه: «ما أُريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد». ويقول في شأن نبي الله موسى عليه السلام: «ذروني أقتل موسى وليدعُ ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد». ويقول هو وقومه في شأن موسى وهارون عليهما السلام: «إن هذان لساحران يُريدان أن يُخرِجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المُثلى». ويقول سبحانه وتعالى عن دعوى المنافقين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * قَالَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وإلى هذا مثالًا هذه الطائفة الضالة المارقة الإسماعيلية بنجران، والفرع، والعطفين، والإحساء، والقطيف، والبحرين، والمدينة، وهم المُسمَّون بالنخاولة، وبحراز، وعراس، وبنقم بصنعاء، وبالهند. ومشايخهم يُسمَّون بالمكارمة، وليسوا بمكارمة. والمكارمة ينتسبون إلى المذهب الباطني الملحد المحاد لله ولرسوله وللإسلام. فقد قتل أسلافهم الحجيج ببيت الله الحرام، واقتلعوا الحجر الأسود، وبقي عندهم فترة من الزمن، ثم ردُّه كسرًا. فالمكارمة ليسوا بمسلمين، بل هم أضرُّوا على الإسلام من اليهود والنصارى. ومع هذا فهم ينشرون دعوتهم بالكتب وبغيرها من الإغراءات المالية، حتى إنهم أصبحوا في نجران يعطون بعض ضعاف النفوس من اليمنيين تابعيةً يزعمون أنهم يدعونه إلى الالتحاق بالسعودية. وفي الواقع لا يدعونه إلى الالتحاق بالسعودية، ولكن يدعونه للالتحاق بالمذهب الإسماعيلي القرمطي الباطني. فهم لا يحبون السعودية، لا يحبون أحدًا ليس على مذهبهم الباطل. أقول هذا عن خبرة ومعرفة، ومعرفة بهم، لأني مكثت في نجران قدر سنتين. ذهبت ليلة إلى بعض أهل نجران، فوجدت كتابًا من كتبهم، وقرأت فيه، فإذا فيه الضلال المبين: «إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة». قالوا: عائشة. وكل مسلم يقرأ القرآن يعلم أنها في موسى وقومه. والجبت والطاغوت أبو بكر وعمر. يعني في كتب هؤلاء المكارمة. قالوا: ومواقفهما المباركة في الإسلام في عصر النبوة وبعده معروفة لدى كل مسلم، وأنهما من أهل الجنة كما جاءت بذلك الأحاديث المتكاثرة. وهم يزعمون لأتباعهم أنهم يحبون أهل البيت. وما أكثر البلاء الذي دخل على الإسلام بسبب دعوة محبة أهل البيت، أهل بيت النبوة، رحمهم الله. من أجل هذه التراهات والأباطيل والدعايات الكاذبة، ومن أجل جهل كثير من المسلمين بدينهم، حتى لقد أصبح كثير منهم متحيرًا كما أخبرونا بذلك. ومن أجل الدعايات الملعونة من الشيوعية والبعثية والرافضة والصوفية التي تنفر المسلمين عن الدعاة إلى الله، رأيت أن أجمع نبذة عن دعوة أهل السنة باليمن. فأقول: وبالله التوفيق. هذه توطئة جعلها رحمه الله في ابتداء ذكره هذه الأصول والثوابت من أصول دعوة أهل السنة والجماعة وعقيدتهم، وبين فيها رحمه الله سبب تأليفه لهذا الكتاب، وهو أن يبين الحق ويرد الباطل. وأنه يوجد في المجتمع من قديم الزمان من يدعي الحق وهو كاذب، بل ربما يكون من أشد أهل الباطل باطلًا، ومع ذلك يدعي أنه على الحق، ويجد لنفسه أتباعًا. وضرب مثالًا رحمه الله بفرعون، من لا يخفى عليه كفر فرعون وظلم وجبروت وبغي فرعون. لا يخفى على أحد، وقد أخبرنا الله عز وجل بمواضع كثيرة من أحوال هذا الطاغية. ومع ذلك فقد ضربها هنا الشيخ رحمه الله بعض هذه الأمثلة في قوله: «أنا ربكم الأعلى»، تعالى الله عن قوله علوًا كبيرًا. ومع ذلك يقول لقومه ولأتباعه: «وما أهديكم إلا سبيل الرشاد». فصار له أتباع يغترون به، وهو فرعون الذي ادعى الألوهية والربوبية، ليس فقط الألوهية بل الألوهية والربوبية. وهذا الدعاء أعظم كما لا يخفى عليكم، وهو الذي كذلك فعل بموسى وقومه ما فعل. ومع ذلك يقلب الحقائق ويدعي أنه على الدين الحق، وأن موسى عليه الصلاة والسلام ومن معه على الدين الباطل. ومن ذلك قوله كما أخبر الله عنه: «إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد». سبحان الله، يتهم موسى عليه الصلاة والسلام أنه جاء بالدين الباطل، وأنه يخاف على قومه أن يغير دينهم، وأن يظهر في موسى في الأرض الفساد. ما أن الواضح الظاهر الذي لا يخفى على كل منصف أن أعظم الفساد جاء به فرعون. وأراد الشيخ بهذا، وهذا هو الشاهد، أنه إذا كان مثل فرعون على ما هو عليه استطاع أن يكسب أتباعًا وأن يكون له دعوة، فكيف بمن هو دونه؟ فكيف بمن هو دونه؟ فإنه محل لبس عند بعض السفهاء والضعفاء، سواء ضعفاء الدين أو ضعفاء كذلك في الدنيا. فإن منهم من يؤخذ بالشهوة، وإن من الناس من يؤخذ بالشبهة. فلأجل هذا كان لزامًا على أهل الحق أن يبينوا الحق وأن يردوا الباطل. وقد بيّن رحمه الله هنا بعض الأمثلة التي تدل كذلك على وجود مثل ذلك في المجتمع. ومن ذلك باطنية الرافضة، والذين هم فرق ومذاهب كثيرة، منهم الإسماعيلية، ومنهم المكارمة، ومنهم النخاولة، ومنهم كذلك القرامطة، وغيرهم ممن أشار إليهم رحمه الله تعالى في هذه الكلمات. وهم فرق كثيرة بيّن العلماء مذاهبهم، يجتمعون على معنى واحد، دعواهم موالاة أهل البيت، ويجتمعون على الباطل الذي عليه هؤلاء من بغض أهل الحق ومعاداتهم، واستحلال ما يستحلون من دمائهم وأموالهم وعرضهم. ولا يخفى ما أشار إليه الشيخ رحمه الله من فعل القرامطة، إذ فعلوا بالمسلمين ما لم يفعله اليهود والنصارى. فعلوا بالمسلمين ما لم يفعله اليهود والنصارى. وتاريخ هؤلاء هذه الفرقة الضالة يشهد ويؤكد ذلك، كما بيّنه العلماء في كتب التاريخ، وكذلك في بيان مذهبهم. وقد مرت معنا في أيام ماضية رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الرد على النصيرية، وقرأنا ووقفنا على شيء من ذلك. وفي كتب أهل العلم الكبار الشيء الكثير من هذا. ثم أشار الشيخ رحمه الله إلى بعض تلك الضلالات التي في كتب هؤلاء. ومع ذلك يتعجب أن يكون لها تابع، ومن يقبل مثل تفسيرهم لقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾. قالوا: عائشة. كل مسلم يعلم أنها قصة وردت في قوم موسى عليه الصلاة والسلام. فيتعجب كيف يقبل هؤلاء الرافضة وأتباعهم أن تنزل هذه الآية في حق عائشة رضي الله عنها وأرضاها. لأجل أن نعلم أن أهل الباطل قد يجدون من يتبعهم ولو أتوا بمثل هذا الباطل الظاهر. فلذلك ولغيره كان لزامًا على أهل الحق أن يبينوا الحق وأن يظهروه، وأن يتكلموا بما يجب عليهم في هذا الباب. ثم أشار رحمه الله إلى فرق كثيرة في المجتمع، هي كذلك لها أتباع: شيوعية، وبعثية، وصوفية، وغيرهم. ولا يزال أهل الباطل في هذا المجتمع. وهي سنة الله في الصراع بين أهل الحق، وأهل الباطل. يمتحن الله عز وجل أهل الحق، ويستدرج أهل الباطل. سنة الله سبحانه وتعالى التي قضاها، وله الحكمة البالغة سبحانه وتعالى. وإن شاء الله سيأتي معنا في الدرس اللاحق بيان هذه الثوابت والأصول التي ذكرها رحمه الله من أصول ودعوة أهل السنة والجماعة. نقف لهنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.